غرس الوطن إسهامات مطلوبة قبل اليوم الموعود(1) أم سلمة الصادق كنا قد انتهينا على مدى مقالين سابقين إلى قبر مذكرة قدمها منسوبون لحزب الأمة إلى رئيس الحزب يطالبونه فيها بالتنحي عن رئاسة الحزب ولكننا شككنا في جديتهم وفي عددهم بما أوضحناه في المقالين المذكورين وقد نعتناها بمذكرة السبعة لأسباب عددناها مكانه ولا حاجة بنا اليوم إلى بعثها من مرقدها لولا غرضين استلزما ذلك الإستدعاء أولاهما: لمقارنتها مع مذكرة منشورة على صفحة الأحداث بتأريخ 4 مارس 2012 من ورائها ما قيل إنه جمهور بلغ 80% من هيئة القيادة بحسب مصدر مأذون - دعما لحجتنا الرافضة لمذكرة السبعة بسبب الأيدي الخارجية الوالغة في دوافعها وكل إحداثياتها. فإن كانت بضدها تتبين الأشياء فقد رأينا في مذكرة الاتحاديين صياغة رفيعة ومطالب معقولة لا تستعجل خطاها بما يوقع في ندامة مثل المطالبة بتنحي رئيس في مجتمع نعرف تمسكه بالأفراد وكاريزما القادة وفي ظرف تلزمه مظلة تجمع شتات الناس لتصب مثل تلك المطالبات العجلى خارج المؤسسات في مصلحة الحكام والسلطان دون أن تخدم إصلاحا (تلخصت مطالب مذكرة الاتحاديين في الانسحاب الفوري من حكومة المؤتمر الوطني العريضة وعقد مؤتمر الحزب العام فلو أرادوا إقالة للرئيس لتوفر لهم ذلك من داخل ذلك المؤتمر دون إثارة ، أو تشهير من على منصات الآخرين ) ورأينا في مذكرتهم أدبا جما في الخطاب يليق بالمسلم ويليق بالسوداني ويليق بالحزبي الملتزم: أدلة على البراءة من رعاية المؤتمر الوطني التي لا يمكنها التخفي فكل إناء تحويه، بها ينضح بسوء الخَلق والخُلق . وثاني أغراض استدعاء مذكرة السبعة كان لإبراز بند كنا قد عممنا نقده ضمن بنود المذكرة الأخرى مما يجده الطالب في مكانه لكننا نحتاج اليوم تسليط الضوء عليه منفردا لأغراض موضوعنا.وهو البند الذي يقرأ نصه كالآتي: «القيادة اشترطت الاتفاق على البديل والوسيلة قبل اسقاط النظام الذي هو أهم مهامها وأوجب واجباتها»: لو أحسن من أعدوا تلكم المذكرة إعدادها للزمهم الإستغناء عن هذا البند تحديدا إن كان الغرض التذكير بخطايا وأخطاء رئيس الحزب ومن ثم تبرير تنحيته -ذلك أن اشتراط الاتفاق على البديل والوسيلة قبل كل أمر محمدة تقتضيها الحكمة وحسن التدبر لا منقصة تستجلب السخط لو كانوا يعقلون :فقد عُلمنا صغارا أن: قدر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا زلقا عن غرة زلجا. ثم ان التجارب من حولنا تصرخ زاجرة من ثورة بلا تحضير وهنا لا نحتاج الى نقب التاريخ فالحاضر الماثل يخبرنا عن نجاح تونس التي حضرت لثورتها واتفقت تياراتها المختلفة اسلامية وليبرالية قبل الثورة بزمن على أدب للاختلاف يجعل المعادلة كسبية للكل وعلى مواثيق للحقوق والواجبات بما يضمن النجاح وفي المحصلة التقدم للوطن. بينما يخبرنا الواقع عن أن تعثر تجارب مصر وليبيا كان بسبب غياب تحضير مماثل . صحيح أننا في السودان قد سلمنا من مآزق الثورات وفلتانها وقد شهد لنا التاريخ بالسبق في مضمار اشعالها مرتين:في اكتوبر 64 وفي ابريل 84 والسبب هو الدور المحوري المسئول الذي كانت تقوم به الأحزاب السياسية السودانية التي كانت تتولى في كل مرة الإشراف على الوضع ،تنظيم وضبط دفة الأمور ومن المفارقات أن ذلك الدور المحوري يتم تجاهله حينا وفي أحيان أخرى يسلط عليه الضوء بحسبانه سرقة للثورات! لكننا اليوم وقد آل حال الوطن لما نعرف فالوقت عنصر ضاغط لذلك لا نملك ترف أن يكون السيف عند جبانه والمال عند بخيله ولابد من الاعتراف الصراح بالدور الوطني الأساسي والمفصلي الذي لعبته وتلعبه أحزابنا الوطنية كما لابد لنا من تصحيح الأوضاع جملة واحدة وإقرار الجميع بأنه في مجال الحكم لا غنى لنا عن الديمقراطية وقد تعلمنا ذلك الدرس بأفدح الأثمان بتركنا الوطن ساحة لعبث العسكر سنينا عددا ويكون ذلك شرطنا الوحيد للعمل الجماعي من أجل السودان . فتلك الأحزاب السياسية هي أداة الحكم ولا أدوات غيرها. وعلينا الاقرار تقليديين أوتقدميين بأن واقع السياسة السودانية لا يمكنه تجاوز أحزابه المعروفة التي بنت هذا الوطن مدماكا مدماكا. والاقرار بأننا نرنو الى اصلاح وتطور تلك الأحزاب من داخل واقعنا الاجتماعي وليس قفزا بالزانة أو بثورات اقتلاعية لا تبقي ولا تذر. متى ما اتفقنا على ذلك نستطيع الاختلاف على بقية الأمور دون خوف فالاختلاف سنة الحياة . أما بقية نص البند الذي استدعيناه من مذكرة السبعة و الذي يقرأ أن أهم مهام القيادة وأوجب واجباتها هي إسقاط النظام ففيه عدم إدراك لدور الأحزاب السياسية وتحميل لها بما هو فوق طاقتها : وكما يجزم خبراء وعلماء العلوم السياسية أن دور الحزب ينحصر في التعبئة وتبصير الجماهير بمقدار الظلم الذي يلحق بهم من الحكام أما تحويل الغضب الى ثورة تخرج الى الشارع فتلك مسئولية فردية يقررها كل شخص عن نفسه حينما يصل الغضب التراكمي الى حد معين كما أثبتت دراسة أ.قسم السيد سيد أحمد التي فصلناها في مقال سابق بعنوان (أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) وقد حجب من النشر .ويأتي دور الأحزاب كذلك في محاولة توجيه ذلك الغضب الى فعل ايجابي يبتعد عن التخريب والجنوح الى الفوضى التي تتسم بها الجموع الغاضبة كما رصدت دراسات اجتماعية موثوقة. قلنا إن ثوراتنا ضد الشموليات لم تنتهِ الى فوضى وفلتان في الماضي وكان ذلك بضمانة أحزابنا الوطنية لكن علينا اليوم أن نضع في الحسبان تغير المسرح الذي لم يعد معافى مثلما كان عليه الحال في اكتوبر 64 و في رجب 85 ذلك أن موبقات الانقاذ التي يعدها العادون قد شوهت عمدا النسيج الاجتماعي السوداني وأربكته بالعصبيات القبلية والاثنيات العنصرية وزحمته بالحركات المسلحة التي تناسلت عند انسداد الأفق وغياب فرص الحوار مما يستوجب حتما التنسيق والتنظيم قبل اسقاط النظام لكبح جماح انفجاره العظيم إن استعصى التغيير بالأجندة الوطنية كما يأمل الناس، وهذا النوع من الاتفاق هو عين ما يتعين على القادة وعلى الأحزاب المسئولة القيام به . الى هذا الحد نفهم أن استباق التغيير بالاتفاق حكمة تمليها المسئولية الوطنية وواجبنا الهرولة لتحقيقها الساعة ذلك أن الناظر الى الساحة السياسية السودانية يعلم أن ما كتبه اندرو ناتسيوس مبعوث الرئيس الأمريكي الى السودان من اكتوبر2006 حتى ديسمبر2007 في مقال له بالنيوزويك تايمز 29 فبراير وترجمه د.ياسر الشريف ونشر في حريات الالكترونية هو تحليل صحيح للأوضاع في السودان يدركه كل من يلقي السمع وهو شهيد : كتب ناتسيوس ( أن الإطاحة بالمشير عمر البشير في حكم المنتهية ، ولكن السؤال متى وكم من الأرواح السودانية البريئة تُفقد في هذه العملية ). وقد استدل على ذلك بالضغوط المحيطة بالحكومة :التحالفات السياسية الداخلية،الأزمة الاقتصادية وعصيان داخل الجيش يتحدث عن توقيع أكثر من 700 من ضباط الجيش على مذكرة احتجاجية ) . كما تنبؤنا حملات النظام المسعورة (مداهمة الآمنين داخل بيوتهم ،واطلاق الرصاص بعشوائية من مجرد شبهة حركة والعنف المفرط الذي أودى بحياة صبية الديم عوضية نسأل لها المولى ليرحمها وينتقم من قتلتها-إنه سميع مجيب) ، وتصريحات مسئولين تنقصها المسئولية مثالها تصريحات الحاج آدم لصحافة الأربعاء وإعلان الحرب دون إعداد ، كلها تنبؤنا عن أنهم يدركون ما ندرك :أزفت أزفتهم اللهم أشدد عليهم وارحم السودان. كل ذلك الاستقراء الصحيح للواقع السياسي يملي علينا خطوات استباقية لتنظيم أمرنا . الاعداد لتغيير النظام يجب استباقه بمسارين : الأول: الاتفاق على البديل والوسيلة وذلك هو هم السياسيين . الثاني: رصد التجربة السياسية السودانية تجنبا للأخطاء وتبنيا للنجاحات . وهذا الرصد يدخل من بابه من شاء وشاء له الدهر. وسأحاول الاسهام في ذلك المسار الثاني بالتركيز على فترة الديمقراطية الثالثة بحسبانها تشكل تجربة بدت واعدة في عدة مجالات واستطاعت النجاح في ظروف حاصرتها بأسباب الفشل مستعينة بشهادة الامام الصادق المهدي عن تلك التجربة التي وثقها في كتابه الموسوم:الديمقراطية راجحة وعائدة ويزكيه أنه شاهد عصر وقائد ذلك الركب. سنتطرق من خلال الكتاب على المشاكل وكيفية التعامل معها في الديمقراطية الثالثة بوجوه عدة :السياسي،النقابي،العسكري،المسألة الاقتصادية ،التموين والمعيشة،الفساد،السلام والسياسة الخارجية . وفي كل الملفات السابقة نستعرض المشكلة وكيف تم التعامل معها ومقارنتها بالشمولية متى ما وجدت عسانا نحفظ في موثقنا التجارب التي علينا الأخذ بها وتلك التي يجب تجنبها وسيكون ذلك على مدى عدد من المقالات إن شاء الله. وسلمتم الصحافة