السودان بعد زيارة مصر: لن نحارب إثيوبيا    التعايشي: ملتزمون بحسن الجوار والحفاظ على الأمن الإقليمي    تجمع أساتذة جامعة البدري: وزيرة التعليم العالي لم تلب مطالبنا    مساع لانشاء بنك خاص لمشروع الجزيرة    حي العرب بورتسودان يفوز لأول مرة في الدوري .. ركلة جزاء تحبط حي الوادي نيالا أمام الأهلي مروي    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    هل فشلت النخب في امتحان الاقتصاد؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    البنك المركزي يحجز حسابات إيلا وأبنائه    عشاق الأضداد .. بقلم: كمال الهِدي    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    كانت الخرطوم جميلة .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الهلال يحقق فوزه الأول في الدوري على حساب الأمل .. هلال الساحل يفوز على المريخ الفاشر .. الخرطوم الوطني يستعيد الصدارة.. وفوز أول للوافد الجديد توتي    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    ما اشبه اليوم بالأمس د.القراى و لوحة مايكل أنجلو و طه حسين و نظرية الشك الديكارتى .. بقلم: عبير المجمر (سويكت )    فيما يعول عليه ! .. بقلم: حسين عبدالجليل    يا أسفي علي القراي ... فقد أضره عقله وكثرة حواراته .. بقلم: د.فراج الشيخ الفزاري    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    التعدد .. بقلم: د. طيفور البيلي    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تغليظُ الملام على من رامَ الأطباء بتجريح الكلام
نشر في الراكوبة يوم 08 - 05 - 2012


د. عبد العزيز علي جامع
[email protected]
تغليظُ الملام على من رامَ الأطباء بتجريح الكلام
(مناقشة الأستاذ الصادق الرزيقي في تخوينه للأطباء)
اللهمَّ إنّا نعوذُ بكَ من فِتنةِ القَولِ كما نعوذُ بكَ من فِتنة العمل ، ونعوذُ بكَ من التّكلّفِ لما لا نُحسن كما نعوذُ بكَ من العُجْبِ بما نُحسِن ، ونعوذ بك من السّلاطةِ والهذر ، كما نعوذُ بكَ من العِيِّ والحَصَر.
وبعد:
ازدَدْتَ رَغْماً وَلَمْ تُدْرِكْ وَغْمْاً ..
مثلٌ تضربُه العرب للرجُل يسعى فى أمرٍ فلا تنجح مسعاتُه ولا يخرُجُ منه سالماً-كما في المستقصى من أمثال العرب للإمام الزمخشري رحمه الله.
فقد كتب الأستاذ الصادق الرزيقي في صحيفة " الانتباهة" – عدد28 أبريل من العام الجاري- مقالاً مسعورًا حول بيان نقابةِ أطباء السودان في المملكة المتحدة وأيرلندة والذي أبان بجلاء رأي كوكبة الأطباء عقب أحداث الحرب في منطقة هجليج- جمعَ له جراميزَه وأطلق فيه العنانَ لقلمه, وطوّحت به الزراية كُلّ غاية, وأسبغَ عليه من ثياب الخيانة للوطن!! والمؤامرة و..و إلى غير ذلك من مرذول الأوصاف.
وكانَ من سالفِ أملي أن الإعراضَ عن مثلهِ أولى, وتركَه في عماية التنقيصِ أرشدُ وأحرَى, سِيَما وقد أوسَعَتْهُ الأقلامُ نَقْدًا ونقْضا-فإنّ من جَرّ أذيالَ الناسِ بالباطل, جَرّوا أذيالَه بحق, ومن قالَ ما شاءَ لقيَ ما لمْ يشا-فبقيتُ أقدّمُ رِجْلاً وأؤخرُ أخرى لولا ندبني من إخواني من لا تسَعُني مخالفتُه إلى هذه الأكتوبة عسى أن تكونَ متمّمةً لما كُتِب هُنا وهُناك.
فأقول-بارئًا إلى اللهِ ذي الطَّوْل من القوّة والحول-:
كان اللائق بالكاتب أن يُسَمّي الأشياء بوسمها لا برصفها, " أصدرت ما تسمّى بنقابة الأطباء السودانيين في بريطانيا وإيرلندا قبل أيام بياناً هزيلاً لا يساوي ثمن الحبر الذي كُتب به.." فلا يعجزُ أحدٌ عن مهارشتِه بذات المقابلة: كتبَ ما يُسَمّى ب "الصادق الرزيقي مقالاً هزيلاً لا يُساوي..." غيرَ أنا لا نسايرُه في السابلة. فلنا ما يشغلنا عن هذا:
تألّق البرْقُ نجْدِيًّا فقُلْتُ لهُ **يأيها البرْقُ إني عنك مشْغولُ
فتاريخُ نقابةِ الأطباء موغِلٌ في القِدم, ضاربٌ بجرانِه في العراقة.
كما في ترجمة الرئيس شمس الدين بن صفير من (تاريخ ابن إياس) من المجلد الأول.
سريّ الدين الصائغ: كان رئيسًا للأطباء بمصر سنة 982ه كما في تاريخ الإسحاقي برقم 93 تاريخ 212
تقي الدين ابن أخي العفيف: رئيسًا للأطباء والكحالين بمصر: كما في (التبر المسبوك) برقم 89 تاريخ 221
القوصوني شمس الدين محمد : رئيس الأطباء باستانبول سنة 931 ه . ترجمته في (الكواكب السائرة) برقم 1419, وانظر : مجلة لغةُ العرب للأب انستاس ماري الكرملي برقم 31 ج 8, ص164
أنظر : خطط المقريزي: فهارس المحقق أحمد تيمور
عيون التواريخ: لابن شاكر الكتبي: برقم 1367: فيه تراجم لعدّة أطباء
تاريخ ابن الفرات: برقم 2110 ج 13 ص 80خصوصا ترجمة عبد الواحد بن اللوز المغربي
ولنقابةِ الأطباء في السودان تاريخٌ من الكفاح ضد الفساد والظلم ناصع, شاده أسلافٌ مهروهُ بحياتهم. ومن العجب أن يستخفّ الكاتب بقارئيه فيقول: "وفي عهد الإنقاذ انضمّت إليهم بقايا الجمعية التنفيذية لنقابة الأطباء المنحلّة في أوائل التسعينيات" وهو يعلمُ أن النظامَ الذي ينتمي إليه هو من حارب الأطباءَ من أول يومٍ, فحكم بالإعدامِ على النقيب د. مأمون محمد حسين ورفيق دربِه عصام سيد أحمد وعذّب حتى الموت د. علي فضل بل وحرّر زُورًا أحد سدنته من فاسدي الأطباء أن سبب الوفاة هو ملاريا دماغيةَ!! وهذا المجرم لا يزال في جامعة الخرطوم. فقولُ الكاتب ينطوي على العَيبِ والشَّيْن, ومُشتملٌ على الكذِب والميْن لا يقدِرُ عليه إلا أمثالُه-نسألُ اللهَ العافية في الدينِ والدنيا.
..
قرأتُ بيانَ الأطباء مراتٍ ومرّات فلم أجدْ فيهِ ما جعلَ الأستاذ يتلمّظُ منه غيرَ فهمٍ عميقٍ ودَراكة أعمق لواقعٍ معيب, افتعلتْهُ حربٌ عوانٌ أكلتِ الأخضر واليابس وذوت زهرةَ وطنٍ كان ذا ندِيٍّ وندى, وجِدَةٍ وجَدا, وعقارٍ وقُرى, ومَقارٍ وقِرى فما زالت تتناوشُه أطماعُ ساستِه وقادَته, ..حتّى صفِرَتِ الراحة, وقَرَعتِ الساحة, وغارَ المنبَعُ, ونباَ المرْبَعُ, وأقوى المضْجَع, واستحالتِ الحال, وأعولَ العيالُ وخلتِ المَرابط ورحمَ الغابِط, وأودى الناطقُ والصامت, ورثى لنا الحاسِدُ والشامِت.ولئن كانَ لساسةِ البلاد المتعاقبين عليه منذ الاستقلال نصيبٌ من الوزر كبير, فلعساكر الإنقاذ كِفلٌ من الوزر أعظم بسببِ البوارِ الذي أحاقوه بالبلاد والعباد من بلاء متناسلِ يُغني حالُ المشاهِد لها عن إيرادِها..
لمْ يعدُ بيانُ نقابةِ الأطباء أن شخّص أس البلاء وجُذور المشْكِل-وهو سببُ الاحتراب-وهُم أهلٌ لمقاربةِ الحقيقة إن لمْ يُلامسوها من كثيرٍ ممن يتعاطى السياسة-كحال الكاتب-ومشاهدتهم لآثار الحرب وأهوالها مشاهدة الخِرّيت الماهر ما لا يحصُل لغيرِهم ,لأنهم عاينوا آثارَها على الإنسان جَسَدًا وروًحا, وعقْلاً ونفْسًا لا نشَبًا وفِلْسًا, فلا جَرَم أن صاحوا في جنبات القُطر بأعلى صوتٍ محذرين من مغبّتها كما فعَل زهيرُ ابن أبي سُلمَى, وأعشى باهلة وشيخ المعرّة وليو تولستوى في رائعتِه (الحرب والسلام) وفي تضاعيف الكتاب الممتع حقًّا (قصّة الحضارة) لديورانت ما فيه مغنى ..
وحسبُنا ما قالَ زُهير:
وما الحربُ إلا ما عَلِمتُم وذُقتُمُ ** وما هُو عنها بالحديثِ المُرَجّمِ
متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً ** وتَضْرَ إذا ضَرّيْتُموها فتضرِمِ
فتعرككُم عرْكَ الرحى بثفالِها**وتلْقَح كِشافًا ثُمّ تحمَل فتُتئِمِ
فتُنتِج لكمْ غِلمانَ أشأم كلّهم** كأحمَر عادٍ ثُمّ تُرْضِع فتُفْطِمِ
(فائدة: في مُختارات العلامة المحقق أحمد تيمور-رحمه الله: ليس في العرب سُلْمَى غيرَه).
تتبدّى الحربُ أول ما تتبدّى للسياسي الغَمر أنها ليست إلا نصرًا خاطفًا فتتراءى له أطماعُه من بُعد حتى إذا هلك الكراعُ وعاينَ عاقبةَ جهلِه وعدم استبصارِه العواقب ندِم ولات حين مندَم, فما أشبهها بأنثى فتون تُغري بزينتها!! كما قال الملكُ الضلّيل:
الحربُ أوّلُ ما تكونُ فتيةً**تسعى بزينتِها لكلّ جهولِ
حتّى إذا كبُرت وشبّ ضرامُها**عادت عجوزًا غيرُ ذاتِ خليلِ
شمطاءُ يُكْرَهُ لونُها وتغيّرت**مكروهَةً للشمّ والتقبيلِ
وانظُر في صحيح البخاري: كتاب الفتن كيف أن الصحابة-رضوان الله عليهم كانوا يتمثلون بهذه الأبيات عند الفتن.
وتأمّل كيف أن العرب الجاهليين-وهم من أكثر الأمم احتراباً-نحَلوا الحربَ ثوبَ الأنثى, وخلعوا عليها من صفاتها ما خلعوا, فنعتوها ب(العَوان) و(اللقاح) فقالوا: درّت الحربُ ولَقحت الحرب وامترت الحرب..كما قال الراجِز:
ما تنقِمُ الحربُ العوانُ منّى ** بازل عامينِ حديث سِنّي
لِمِثْلِ هذا ولدَتني أمي
(وفي "مجالس ثعلب"بتحقيق عبد السلام هارون ط الذخائر فائدة نحوية في تثليث (بازل) فانظُرْها غيرَ مأمور).
ولمّا عَيّر زيدُ الخيل بن مُهلهل الطائي بلَدِيّه حاتمًا المشهور قال فيه:
وفرّ من الحربِ العوانِ ولم يكُن ** بها حاتمٌ طَبّاً ولا متطبّبا
وريب حصناً بعد أن كان آبيا ** أُبوّة حصْن فاستقال وأعتبا
أقم في بني بدر ولا ما يهمنا ** إذا ما تقضت حربنا أن تطَرّبا
(المُفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د.علي جواد الطاهر
وماذا جنتِ الحربُ للسودان غير الوبار والدمار بلا هدف؟!! وبذات مُسبّبات الحرب في الجنوب قامت في جنوب النيل الأزرق ودارفور وجنوب كردفان وهي في الشرق أقربُ من أي وقتٍ مضى.
وبلا شكَ فإن أهل المنابر الخطابية, والأقلام الرخيصة من قارعي طبول الحرب لا يعلمون –ما يعلمُ الأطباء-من عواقب الأمور. وأن مُلاسَنة الجنوبيين بنابي الألفاظ ك(الحشرة الشعبيّة) لا ينكأ عدُوًّا ولا يُفرِحُ صديقًا سيما إذا علمنا أن (الحشرة) في معاجم اللغة اسمٌ لكلّ هوامِ الأرض من الأحناش والضباب وكل ما أكل من بقلِ الأرض, وعليه فاستعمالُ اللفظة بغرضِ الزراية من الخصم لمْ يكُن مُوفّقًا.
يُدْركُ عُقلاءُ النظام-إن بقِي فيه بعدُ-أن هذه المرّة ليست كسابقاتها من الحرب, فشعبُ السودان لهُ ما يشغلُه عن (ساحات الفداء) من لُقمة العيش التي نهبها النظام الإسلاموي الأثيم..وأمامهم كُلّ هذه النُّذُر والمثُلات.
..
وقول الكاتب: (بالرجوع لتاريخ هذه النقابة ودورها الذي تلعبه وادعائها تمثيل الأطباء السودانيين في مهجرهم الإنجليزي حصلنا على هذه المعلومات بعد تقصٍ وتمحيص) من التلبيس على القارئ وعدم احترامه, فيُقالُ للكاتب:
النقابة لا تزْعُمُ تمثيلَ كل الأطبّاء السودانيين في المهجر الانكليزي بل لها عضويتُها التي تدفعُ اشتراكاتها وتجتمعُ في نهاية العام لتختار من يناسبُها ويحمل تحدياتها وتطلعاتها. ومن المُزْري والمُخجِل حقًّا للكاتب أن يقول :"ولكن جمهور الأطباء الشرفاء بالمملكة المتحدة وآيرلندا قد نأوا بأنفسهم عن هذه النقابة التي سرقت اسم السودان.."!! فالأطباء يا أستاذَنا لا يسرقون, لأنهم في غُنيةٍ عن مرذول الأخلاق, والقارئ يعلمُ من سرقَ وطنًا كاملاً بليل, ويعلمُ أيضًا أن النظام الذي ينتمي إليه الكاتب قد بلغت سرقتُه درجةً أزكمت الأنوف, حتّى بلغ زهمها كُل العالم لدرجةٍ لم يسبق لها مثيل!! ولا يزال السودان ضمن أسوأ ثلاث دول فسادًا وسرقةً حسب إحصاءات منظمة الشفافية الدولية..ومع ذلك يتبجّح الكاتب بهذه العبارة (التي سرقت اسم السودان..) ...أينَ أنتِ يا حُمْرَة الخجَلِ!!
ويُقال ثانيًا : النقابةُ ليست مؤسسة ربحية حتى تتكالب عليها أطماع الأطباء, فأعباؤها ورهَقُها يمنعان ذلك
ويقال ثالثًا: ما كان أغناك عن هدر طاقة التمحيص هذه, فللنقابة أدبياتٌ ودورياتٌ ومؤتمراتٌ ولها سُبل تعاون مشترك مع وزارة الصحة في السودان والمجلس الطبي ومجلس التخصصات الطبية بما يخدمُ المواطن المكلوم من حكومتك.
ورابعًا: وبعد كُلّ هذا فادعاءُ تمثيل النقابة المزعوم يصدُقُ أيضًا من جهةِ اللغة إذا خرّجنا أن مادّة (زعم) تردُ أيضًا بمعنى الجزم, كما قال سيبويه-رحمه الله في (الكتاب): وزعمَ الخليل بنُ أحمد..كذا وكذا.
..
ولما كنتُ ضمن لجنةِ أطباء السودان صيف عام 2010 وجرى من أحداثها مع النظام الفاسد ما جرى, كان لنقابة أطباء السودان في بلاد الانكليز من جليلِ المواقف وحافل الأعمال ما توثّقت عرى اتصالي بهم -مع معرفتي القديمة بجُلّهم – خصوصًا الأخ العزيز د.نصيف ورُصفاءه الكرام من نُبْل الخُلق السامي ما هو خليقٌ بطبيبِ السودان مع رِفْعة المقام العلمي وتسنّم ذرى أمانةِ الطب ما يشهَدُ لهُم به القريبُ والبعيد, وحملِ همومِ السودان وبذلِ كُلّ جُهد لأبنائه..وسلْ وزارة الصحّة الاتحاديّة ومجلس التخصصات الطبيّة واتحاد أطباء السودان يُنبئونك عن هذا, ومع هذا (لا تعدِمُ الحسناءُ ذامّاً)!!
ذهب الكاتب يهرفُ بسبابه ووصمه لهم ب(الخيانة للوطن)..ورحمَ الله أبا عُبادة البُحتُري إذ يقول:
لم يبق من جُلّ هذا الناسِ باقيةٌ ** ينالُها الفَهمُ إلا هذه الصورُ
جهلٌ وبخلٌ وحسبُ المرء واحدةٌ ** من تينِ حتى يعفي خلفه الاثرُ
إذا محاسني اللاتي أُدلُّ بها ** كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذرُ؟
أهُزُّ بالشِّعر أقواماً ذوي وَسَنٍ ** في الجهلِ لو ضُرِبوا بالسيف ماشعروا
عليّ نحتُ القوافي من مقاطعها ** وما عليّ إذا لم تفهمِ البقرُ
وإمعانًا في الزيغِ ذهبَ الكاتبُ يتكلّم عن ديانة الأخ د. نصيف منصور (المسيحية) وعن لون النقابة الشيوعي, فكان ماذا!!؟ أجهِل الكاتبُ أم تجاهل أن دولةَ السودان فيها أكثر من ديانة؟ بحسب نصّ الدستور الذي يحكمُ به نظامُه.
ففي الفصل الأول: الدولة والدستور
طبيعة الدولة
1 (1) جمهورية السودان دولة مستقلة ذات سيادة، وهى دولة ديمقراطية لا مركزية تتعدد فيها الثقافات واللغات وتتعايش فيها العناصر والأعراق والأديان.
(2) تلتزم الدولة باحترام وترقية الكرامة الإنسانية، وتُؤسس على العدالة والمساواة والارتقاء بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية وتتيح التعددية الحزبية
فما الغريب إذَن في (مسيحية) الأخ د.نصيف منصور؟!!
فإلى صاحبنا الكاتب نقولُ لكاتبنا الفاضل:
تلكَ شكاةٌ ظاهرٌ عنكَ عارُها
(شرحُ ديوان الهُذليين: صنعةُ أبي سعيد السّكّري, ت: فراج, شاكر ط: الذخائر)
..
كانَ الظنّ بالكاتب ونظامِه أن يقلقوا من جموع الأطباء الكبيرة التي تهاجر من السودان لدول الخليج أو لديار الفرنجة وما يسبب ذلك من هدرٍ لمُقدّرات البلد, ويسهروا الليلَ والنهار لدراسةِ أسباب ذلك ويجتهدوا في علاجه إن أهمّهم حقًّا شأنُ البلد؟
وكمْ قائلٍ لو كانَ حُبُّك صادقًا ** ل(خُرطومَ) لم ترحلْ فكانَ جوابيا
يُقيمُ الرجالُ الأغنياءُ بأرضِهِم ** وترمي النوى بالمعسرينَ المراميا
وما هجروا أوطانَهُم عن ملالةٍ ** ولكن حذارًا من شَماتِ الأعاديا
(بتصرّف من عبد الوهاب البغدادي رحمه الله)
ولكن كيف يتأتى ذلك من نظامٍ ناصب العداء للأطباء من أول يوم ولا يزال؟ وأخذهم وحصرهم وقعدَ لهم كُلّ مرصدٍ!!؟ وسلب حقوقهم في ما سلب من الحقوق فحدثونا –معاشرَ الإسلامويين –عن الحقوق فإنا قد نسيناها!! وكيفَ لا تنسى الحقوقَ أمّةٌ لبثت في ظُلُمات الظلمِ أحقابا, وعقبت في ظلِّ يحمومه أعقابا؟ كيف يجدُ العدلُ والحقُّ سبيلاً إلى نظامٍ لا يُسألُ عمّا يفعل, ومحكمومٍ يُسْألُ عمّا لم يفعل؟
لا تطلبنّ من المجبوبِ أولادا ** ولا الشراب لتسقي منه وُرّادا
ومن يرومُ من الأرذالِ مكرمةً ** كمن يؤتّدُ في الأتبانِ أوتادا
(القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي كما في (ترتيب المدارك)ج7/ص223, وتاريخ ابن عساكر (ج37/ص338)
بل كيف يجدُ الحقّ والعدلُ سبيلاً إلى نُفوسٍ زرعت فيها الإنقاذُ-أولَ ما زرعت-بذرةَ احتقارِ الطبيب السوداني, ثُمّ ربّبتها –أولَ ما ربّت-على الاستعلاء على الطبيبِ السوداني, ثُمّ علّمتها-أول ما علّمت-هضيمة الطبيب السوداني وتجريدَه من أسبابِ الحياة بكُلّ وسيلة, وترويضَه على الذل حتى يطمئنّ إليه, ويعتقدُ أنّه خُلقَ له, فإذا سُلبَ مالُه ومُنعَت حُقوقُه عدّ سلامتَه من الضرب غنيمة, وإذا ضُرِب جسمُه عدّ نجاتَه من ضربِ العُنُق منحةً كريمة, وإذا تأوّه للألم النفسي أو البدني عُدّ التأوه منه جريمة؟
إن الاحتقارَ هو الأساس الخُلقي الذي وضعت عليه الإنقاذُ قواعِدها, وبنت عليه قوانينها, وإن ملَكة الاحتقار هي الغاية في العالَم الإنقاذي الذي ينتهي إليه عالَمُها وحُكمُها ومُشرّعوها ومنفّذوها, ولكنّه بعد أن تراءى العيانان, عيان الفاعل وعيانُ القابل, لم يجد فينا-معاشرَ الأطباء-قابليّة الاحتقار, أباها لنا عرقٌ في الإباء أصيل, وإرثٌ من الكفاحِ والنضال أثيل..
والكاتب –والحقّ يُقال-لم يكُن نسيجَ وحدِه في جريرة غمز الأطباء والهُزء بهم, بل جرى على جادة نظامه وزملائه من زبانية النظام ممن قعدت بهم مدارك الهمم ورفعة القريحة مما قسمه اللهُ منحةً بين عباده فكان حظّ الفهم لهم منه أوكسُ نصيب, فلمْ يرْضَوا من الغنيمةِ بالإياب فعمدوا إلى الغمز واللمز تارةً والتلفيق والسخرية تارةً أخرى في إعلامٍ ومنابر وصحفٍ إساءةً لمهنة الصحافة الشريفة التي دنّسوا محيّاها كما قيل:
فحقّ لأهلِ العلمِ أن يتمثلوا ** ببيتٍ قديمٍ شاعَ في كل مجلسِ
لقد هزُلَت حتى بدا من هزالها ** كلاها وحتى سامها كل مفلسِ
(أبو علي القالي صاحب الأمالي, وانظر: سمطُ اللآلي والبداية والنهاية)
وهذا الغثاءُ من الصّحُفيين مع الأسف بلا رقيب ولا رادع لكبح أقلامهم الرخيصة وهم كُثرٌ بعددِ رملِ عالج ممن يتنفّخُ تيهًا باسمها ويهزُّ عطفَه متثَنّيًا بجلالها وهو عريٌّ عن أمانةِ القلم ومؤهلاتِه إلا لبسة المتفضّل..
لطيفة: في (التربيع والتدوير) لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ط: شارل بلات- في أحمد بن عبد الوهاب... وكان ادّعاؤه لأصناف العلم على قدرِ جهله بها, وتكلُّفه للإبانةِ عنها على قدرِ غباوتِه عنها, وكان كثيرَ الاعتراض' لهِجًا بالمِراء, شديدَ الخلاف, كلِفًا بالمُجاذَبة, متتايِعًا في العُنود, مؤْثِرًا للمغالَبة, مع إضْلالِ الحُجّة, والجَهْلِ بموضِع الشُّبْهَة والخَطْرَفة عندَ قصْرِ الزاد, والعجْزِ عند التوقُّف, والمحاكمة مع الجهْل بثمرةِ المِراء, ومغبّة فساد القلوب, ونكدِ الخلاف, وما في الخوضِ من اللغو الداعي إلى السهو, وما في المعاندة من الإثْم الداعي إلى النار, وما في المُجاذبة من النكد, وما في التغالب من فُقْدان الصواب.
...وكان قليلَ السماعِ غَمْرًا, وصُحُفِيًّا غُفْلاً, لا ينطِقُ عن فِكْر, ويثِقُ بأوّل خاطِر, ولا يفصِلُ بين اعتزامِ الغُمر واستبصارِ المُحِق, يعُدّ أسماء الكُتُب ولا يفهمُ معانيَها, ويحْسُدُ العلماءَ من غيرِ أن يتعلّقَ منهم بسبب, وليس في يدِه من جميعِ الآداب إلاّ الانتحالُ لاسمِ الأدب اه
وفي (الهوامِل والشوامل) لأبي علي مسكويه ص/ 43-44, ط/ الذخائر, تحقيق: أحمد أمين, والسيد صقر:
من سؤالات أبي حيّان التوحيدي لشيخه أبي علي مسكويه:
ماسببُ من يدّعي العلم وهو يعلمُ أنّه لا علم عنده؟ وما الذي يحمله على الدعوى, ويُدنيه من المكابرة, ويُحوِجُه إلى السفه والمهاترة؟
أنظر جوابه تجد السبب في تكاثر هذا القطيع من حملة الأقلام.
ونحنُ-معاشر الأطباء-لا يمنعُنا عِيٌّ ولا يصُدّنا حصر عن ردّ عادية هؤلاء , ولعمري-وما عُمري عليّ بهينٍ- لتركُ هؤلاء أحزمُ وأكيسُ من إضاعة نفيس الوقت فيهم وأحرى لمنزلتهم عند الناس..
وابنُ اللبونِ إذا ما لزّ في قرنٍ**لمْ يستطِعْ صولةَ البُزل القناعيس
جاء في أخبار بشّار من (الأغاني): قول بشار بن برد : هجوتُ جريراً فأعرض عني واستصغرني، ولو أجابني لكنت أشعر الناس.
وما أكثر ما يلجُ أبواب الشهرة من هؤلاء بداعي إثارة النقع وولوج المضايق بتقذيع الكرامِ وتجريحهم, ولكن لا بأسَ به وحيّهلا بالإساءة طالما كانت مطيّة الكتابة والشهرة!!
ولهذا نفقت عند الناس بضاعةُ صحفهم!! على حد المقولة: إذا لم يكن لك في الخير اسمٌ فارفع لك في الشر عَلَما! وهو داءٌ من أدواء النفس قديم كما في الفرق بين الفِرَق للإسفرايينى ص209 :
ذكر بعض أصحاب التواريخ أن الزعفرانى- تنسب إليه فرقة الزعفرانية فرقة من فرق النجارية على مذهب الجهم بن صفوان وكان الزعفرانى بالرىّ- أراد أن يُشهِرَ نفسه فى الآفاق فاكترى رجلا على أن يخرج إلى مكة يسبه ويلعنه فى مواسم مكة،ليشتهر ذكره عند حجيج الآفاق(
قال الحافظ في : لسان الميزان ج3/28 *:وفي ترجمة الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء أبو علي المقري الحنبلي قولَه: " ليت الخطيب ذكرني في التاريخ ولو في الكذابين "!!
قلت: وإذا انضاف إلى ذلك الحسد لا تسلْ عن شِرّة النفس بعد ذلك, وليت شعري ما يحسدون من طبيبٍ أزرى الدهرُ بكلكاله عليه لا يسدُّ بمالِه لأهلِه خُلّةً, ولا ينقعُ غُلّةً وحالُه من بؤسِ العيش ما يُغني عن الوصف؟ اللهمّ إلا حسدَ (شرفِ النفس) الحاملُ زبانيةَ النظام على البطشِ به وللهِ درُّ أبي محمد ابن حزم الأندلسي –برّد اللهُ مضجِعَه-ما أشبهَ حاله بما نعني إذ يقول:
وأمّا جهتُنا فالحُكمُ في ذلك ما جرى به المثلُ السائر: أزْهَدُ الناسِ في عالِمٍ أهْلُه. وقد قرأتُ في الإنجيل: أنّ عيسى عليه السلام قال: لا يفقدُ النبيُّ حُرْمَتَه إلا في بلدِه. وقد تيقّنّا بما لقي النبيّ صلى الله عليه وسلّم من قُريش, وهُمْ أوفرُ أحْلامًا, وأصحُّ عقولاً, وأشدّهم تثبّتًا مع ما خُصّوا به من سكناهم أفضَل البقاع, وتقديسهم بالحرم الجباه, حتى خصّ اللهُ الأوسَ والخزرجَ بالفضيلة التي أبانهم بها عن جميع الناس, ولا سيما أندلسنا فإنها خُصّت من حسدِ أهلها العالم الظاهر فيهم, الماهر منهم واستقلالهم كثيرَ ما يأتي به, واستهجانهم ما يأتي من حسناته, وتتبعهم سقطاته وعثراته, وأكثر ذلك مدّة حياته بأضعاف ما في سائر البلدان, إن أجادَ قالوا سارقٌ مغير, وإن انتحلَ قذع وإن توسّط قالوا: غثّ بارد, وضعيفٌ ساقط وإن باكر الحيازةَ لقصب السبق, قالوا: متى كان هذا ومتى تعلّم؟ وفي أي زمانٍ قرأ ولأمه الهبل. وبعد ذلك إن ولجت به الأقدار أحد طريقين إمّا شفوفًا دائمًا يُعليه على نظرائه, أو سلوكًا في غير السبيل التي عهدوها فهنالك حمي ا########س على البائس وصار غرضًا للأقوال وهدَفًا للمطالب, وعرضًا للتطرّقِ إلى عرضِه, ورُبّما نُحل ما لم يقل, وطُوّق ما لم يتقلّد, وأُلحِق به ما لم يفُه به, ولا اعتقد قلبُه, فإن لم يتعلّق بالسلطان بحظٍّ لا يسلم من المتالف, ولا ينجومن المخالف....إلى آخر زفراته التي نقلها المقّري في (نفح الطيب)
وانظر: رسائل ابن حزم: د. إحسان عباس, التراتيب الإدارية للحافظ الكتاني الفاسي)
فإلى أخي الطبيب السوداني الحامل أمانةَ الطب بكل شرفٍ وأداء,الصابرِ على لأواءِ النظام اللئام بكل عزٍّ وإباء
إذا عطَّشتك أكفُّ اللئام** كفتك القناعةُ شبعًا ورِيّا
فكن رجُلاً رجلُه في الثرى ** وهِمة هامته في الثريا
علي بن أحمد بن الحسن كما في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ج4, ص 277)
وفقنا اللهُ لمعالي الأمور, وجنّبنا وإياك المزالقَ والشرور, وجمع بيننا وبين أحبابنا في دار الحبورِ والسرور. والسلام
وكتب: د.عبد العزيز علي جامع (مدليسبرة-انكلترة)
عضو الهيئة النقابية لأطباء السودان بالمملكة المتحدة وإيرلندة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.