شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    الأمل عطبرة يودع الممتاز رسميا رغم التعادل أمام المريخ    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ضد و مع
نشر في الراكوبة يوم 28 - 05 - 2012


[email protected]
ضد و مع
ضد ديكتاتورية السوق مدنية أو عسكرية أو مختلطة، ضد تجزئة قوى وأساليب التغيير، ضد الديمقراطية الليبرالية
مع الديمقراطية الشعبية، وتجمع قوى التغيير وشموليته، وإشتراكية الناس في موارد وجهود وخيرات مجتمعهم.
التناول الجزئي لأمور سياسة دون تأسيس أو تجسيد إقتصادي أو تناول أمور الإقتصاد دون تنظيم وتوزيع سياسي للموارد والجهود والخيرات الناتجة منها، تناول ضرره بليغ كذلك تناول التغييرات الإقتصادية السياسية معاً دون قوة تغيير ثلاثية تفرضه على خصومه الشرسين المانعين له بأسلحة المال أو النار أو الإعلام، أو تناول قوة التغيير نفسها بالكلام دون نفوذ سياسي قادر على إنفاذ هذا الكلام وتحويله إلى حياة، كالإعتماد على الكلمة دون سلاح أو الإعتماد على السلاح الملهب للعنفوان والقاضي بالتغيير دون كلمة موقظة وناظمة للوعي بالتغيير.
الواضح من صيرورة تكرار فشل التغييرات السياسية المدنية والعسكرية التي عرفها الشيوعيين بالدائرة الشريرة أن عصب الأزمة السياسية في السودان أقدم من حكم الإنقلاب الحاضر الناتج من تلك الأزمة فعصب الأزمة الشاملة وهو الوضع الإقتصادي عصب قديم متجدد قوامه أن نسبة 5% من السكان تملك 95 % من موارد حياة المجتمع ووسائل عيشه (ماء شرب، كهرباء، البنوك، مشاريع زراعة، المصانع، مؤسسات العلاج ، مؤسسات التعليم، الإتصالات، صحف، تلفزيونات) هؤلاء ال5 % ومن لف لفهم، تنأى مصالحهم كما ينأون هموا بالعملية السياسية التقليدية سواء كانت حزبية مدنية أو حزبية عسكرية يناون بها وبجهاز الحكم والدولة عن التقدم إلى نزع وتاميم ملكيات الأقلية لصالح أغلبية الشعب أي نسبة ال95% الباقية من جملة السكان!! وطبيعةً أن الشعب المحروم من خيرات مجتمعه يكون مجالاً لكل الكوارث بما فيها كارثة إستمرار حرية بعض الأفراد في تملك الموارد الضرورة لحياة كل المجتمع وإستئثارهم بنظم جهود المجتمع وخيراتها.
تركز ملكية الموارد الضرورة لحياة الناس في 5% فقط من المواطنين ووكلاء رأس المال، يوفر إمكانات ربح كثير من الأموال لهولاء ال5% يكسبونها بصورة إقتصادية عامة من إعادة إنتاج التخلف: بإنتاج ريعي وتقليدي في الريف يطرد ويزيح ويهمش أغلبية السكان، وبإقتصاد إستئثار خدمي إستهلاكي في المدن الرئيسة والعاصمة المركزية. والنمطين القائمين على التملك والعمل والكسب الفردي في مواجهة مشكلات وتنظيمات ومصالح إقتصادية سياسية كبرى يبعدان أي طاش من أي عملية إجتماعية سواء أكانت عملية تعليم أو عملية علاج طبي، أو عملية زواج أو عملية سياسية بالمعنى المثالي للمشاركة المنتظمة الواعية .
لذا تفشل الأنظمة السياسية (مدنية أو عسكرية) في البلاد المأزومة بحرية التملك حين تبتعد شعارتها وأعمالها -خوفاً أو طمعاً- من بدء تغيير علاقات الإنتاج لصالح أغلبية الناس، بينما تحقق لقادتها وشعارتها شعبية ورواجاً سياسياً حينما تمسك القضية الأساس للحياة الكريمة، وهي قضية تملك موارد المجتمع، وتشرع في توجيه هذه الموارد لمصلحة الجماهير المحرومة من خيرات بلادها وحتى من خيرات كدحها.
يرتبط التحول الإقتصادي السياسي إلى جانب الجماهير بعلامات موضوعية تنتظمها النظرية والممارسة الماركسية اللينينية والتحويلات الإشتراكية العلمية لأنهار القوى والجهود والخيرات الإجتماعية من الحالة الهندسية الهرمية حيث تعمل القاعدة لصالح القمة إلى حالة حيوية من الدوائر والخلايا الإجتماعية المتداخلة التي تفيض قوى موارد وجهود وخيرات المجتمع في كل دائرة إلى ما يواشجها، أهم هذه العلامات في تقديري البسيط هي:
1- الديمقراطية الشعبية،
2- التخطيط العلمي،
3- تحويل مؤسسات الغنتاج والخدمات إلى نظام إدارة مستقلة بالإنتخاب من المؤهلين،
4- مزج الحساب الفردي والحساب الإجتماعي لعائدات المؤسسات بنسب تصاعدية تربط وتحقق زيادة العائد بزيادة نوعية وعدد الإنتاج،
5- تملك وتوزيع ثلاثي للأصول وللعائدات: ثلث للمنتجين، وثلث للدولة والمجتمع، وثلث لوحدة الإنتاج أوالخدمات قراً لها ودفعاً لمصروفاتها،
6 - إتاحة الإمكانات المادية والثقافية والسياسية لأن يمارس الناس بحرية مهام الحكم والإنتقاد والتنمية،
كل هذه الوسائل العامة وما يعززها يمكن ان تمثل جزءاً عملياً من حل عام يسهل لسودان ال95% الإتفاق عليه، لكن الأزمة المكررة في تاريخ السودان وكثير من دول العالم أن تغيير نظام الحكم عبر الوسائل النمطية النابعة من أو المواشجة حرية تمكن بعض الافراد والمؤسسات الخاصة من موارد المجتمع في ظل قسمة جحف للموارد المادية والثقافية والتعليمية يأتي إلى الحكم برأي واحد أو أكثر من ذات جماعات ال5%، مرة بعد أخرى إذ يجددون النظام الظالم ويجددهم وإن كان هناك تغيير ففي بعض الأسماء والشعارات، وإن حاول بعضهم الإتجاه إلى تحقيق مصالح الشعب قامت عليه دوائر الطائفية التجارية والإستعمار مما ينتهي به العزلة أو العزل، كما ينتهي مشروعه الإصلاحي الجزئي -إن بقى- إلى الجفاف.
بعد عقود وحتى قرون من تكرار فشل السياسات و(الحلول) الجزئية وتوالي ترحيل الأزمات من مجموعة إلى أخرى بل من جيل إلى آخر خاصة بعد تفاقمها، لا يبدو ثمة حل موضوعي لهذه المعضلة الكامنة والظاهرة في إستمرار تفارق العملية السياسية المدنية والعسكرية عن مصالح الشعب إلا بالثورة الشاملة في تفكير وفي ممارسة طلائعنا النقابية والحزبية والإجتماعية والعسكرية، أما حكاية الحديث الممجوج عن أن الديمقراطية الليبرالية ستحقق أحلام الشعوب فهو خطل ممجوج يجري بثه بأسلوب غسل الأدمغة والحرب النفسية للسيطرة على أذهان الناس فمن المعروف أن أنظمة الديمقراطية الليبرالية فشلت عدداً من المرات وتكرر فشلها في كل أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وما حققته من أحلام في أوربا وأمريكا بفضل إجتماع أموال الإستعمار القديم والحديث في الستينيات يجري تخفيضه يومياً منذ وسط السبعينيات إلى أن وصل الحال الآن إلى تخفيض حاد لمقومات الحياة الإجتماعية المعاشات والتعليم والعلاج والشرطة مع زيادة الضرائب على المواطنين وزيادة الإعانات إلى نشاطات الرأسماليين ففي دول أوربا الهدف المعلن لسياسة الديمقراطية الليبرالية هو التخلص التام من نظم الضمانات الإجتماعية المسماة الديمقراطية الإشتراكية وذلك بتخفيض جزء كبير (20%) من إنفاق الدولة السنوي على المؤسسات والخدمات العامة!؟ مع زيادة الرقابة والضغط على المجتمع في ما يسمى (تأمين الإستقرار) بما في ذلك لجم أو تمييع حركات الرفض والإحتجاج وتبخيسها أو تدجينها إعلاماً بربط نشاطاتها وصورها وآدابها بأقانيم الرفض الجزئي وبتظاهرات لاهية أو عنفية، متفرقة ومشتتة، مع تثبيط حماس المواطنين للإعتراض على مظالمهم بقائمة كاملة من أدوات الحرب النفسية أو التوجيه المعنوي.
كما هو معروف فإن دول أوربا الغربية وأمريكا تقدمت من فقرها وبؤسها بالإستعمار ونهب الموارد، بعد ذلك جاءت لموضوع الديمقراطية الليبرالية بإستعمار مول تنويم مجتمعها حتى نهاية الحرب الباردة ضد جمهوريات الإتحاد السوفييتي وأصدقاءه! ودول جنوب شرق آسيا التي تقدمت بالرضاعة والرعاية الإمبريالية إنهارت بعد نهاية دورها التابع للإمبريالية في الحرب الباردة، وكما هو معروف فكل الديمقراطية الليبرالية القائمة في أوربا وأمريكا لم تستطيع إلى الآن منع الرأسمالية والأزمة الرأسمالية من إلتهام حقوق الإنسان في العمل والتعليم والصحة إلخ، ولكن مع ذلك تصور كآلهة منقذة، وطريق يؤدي حتماً إلى السعادة.
أمام السيطرة الإعلامية والإقتصادية الرجعية والإمبريالية على التفكير العام وبحكم نسبية السياسة فلن يأخذ قادة السودان القديم أو الجديد نموذجاً من نضال الصين ونجاح ثورتها الشمولية في إيضاح وتحقيق الأهداف الرئيسة للشعب الصيني، حيث تبلورت الثورة بشكل نضالي ديمقراطي شعبي في كيان الجبهة الديمقراطية لأحزاب الصين وقواها النقابية والعسكرية والإجتماعية والثقافية العلمية" ككيان سياسي للقيادة الجماعية، وفي "مؤتمر الشعب"، و"المجالس الشعبية" ككيان شعبي للإقتراح والتنظيم والإنفاذ، تتمثل فيه وفيها القوى الحزبية والنقابية والعسكرية والاكاديمية ومنظمات النساء والشباب والطلاب إلخ القابلة لدستور البلاد.
بعد نضال شعبي وحزبي وعسكري منظوم وشاق شنه أهل الصين بقيادة حزبها الشيوعي والعناصر الطليعية في الأحزاب الأخرى ضد الإمبراطورية والثقافة الإقطاعية الطائفية والعنصرية، وضد جيوش الإستعمار الأجنبي، وضد حالة التخلف الرهيبة ومقوماتها الفقر المدقع، والجهل، والأمراض والأفيون والقذارة، نجحت هذه الصين التي كانت عجوزاً حطاماً في تحقيق الإستقلال الوطني والوحدة السياسية-الشعبية، وفي تحقيق التقدم الإقتصادي المتوازن الزراعي الصناعي والخدمي، ورفع مستوى عيش السكان، وفي الإرتقاء بكيان الدولة إلى مكانة دولية محترمة.
سبب نجاح الصينيين وثورتهم الشعبية في إجراء كل هذا التغييرات الجذرية مرتبط طبعاً بنجاحهم في تنمية النضال الشعبي المسلح والمدني ضد الأعداء الطبقيين والدوليين للشعب الصيني وإحداث قيادة الحزب الشيوعي الصيني لإجراءات الديمقراطية الشعبية والتخطيط ، والتأميم، والإدارة الذاتية أو الإدارة الشعبية، وبتغيير علاقات الإنتاج في المجالات الرئيسة في الزراعة والصناعة والخدمات، لمصلحة التنمية العلمية للموارد والقوى التي نجحت في تنمية ثقافة وإنتاج الصينيين ووصول دولتهم المؤسسة في أكتوبر 1949 ( 4 سنوات وشهرين قبل إستقلال السودان) إلى مرحلة البلوغ سنة 1975 وإعلانها ذلك البلوغ بتفجير قنبلة ذرية (دالة على نضج العلم والتنظيم والقوة) ثم دخول الصين السوق الدولية بداية من سنة 1978 ونجاحهم فيها بصورة كبيرة ضعضعت الجزء الإمبريالي من السوق بنشاطها وتكامل إنتاجها الداخلي وخدماتها وتنظيمها في ناحية مستفيدة من مزياتها الإقتصادية الوطنية ومنتفعة بتناقض المصالح الداخلية والخارجية لقوى السوق في ناحية ثانية.
مع تعصب وغرور حكامنا، وضعف أحزابنا، ولؤم الإعلام الإمبريالي ومحازبيه نترك مثال الصين وأي أمثلة أخرى من الثورات البرجوازية في أمريكا أو فرنسا أو من الثورات الشعبية من روسيا والصين وكوريا وكوبا إلى فنزويلا، كذلك فالصين دار والسودان دار آخر والفرق بينهما شاسع في الإنتظام السياسي والتعامل الإقتصادي رغم أن لدينا مشاعر وشعارات ((الدين المعاملة)) و(( جندالله جند الوطن، نشتري المجد بأغلى ثمن)) [لاحظ القيمة الأدبية للتراث التجاري في مفردة شراء وبيع المجد لا في غرسه أو صناعته أو بناءه] ومع إن الفرق الزمني بين إعلان (إستقلال) الدولتين أربعة سنوات وشهرين إلا أن الفرق الموضوعي بين حال الصين الثورية وتسييرها لتنمية علمية مخططة، والحالة السياسية والإقتصادية العشواء في السودان يبدو أربعة أضعاف وقرنين لصالح الصين، وكما يقال فإن كثير من الناس لا يحب نجاح الآخرين.
قبل اكثر من عقدين كان للحزب الشيوعي السوداني إقتراح مهيب أخرجه للناس من تلافيف الأزمة العامة في السودان وتجسدها في شكل تناحر مزمن بين الحزبيين المدنيين والجيش على حكم البلاد عرف بالدورة الشريرة للحكم مرة جزبي عسكري ومرة حزبي مدني ثبتته أو زادته وبالاً مقولات الحزبيين العسكريين عن الأمن والوحدة، ومقولات الحزبيين المدنيين العجيبة عن الحرية (تحرير لاتعمير!) واللاحزبية (لا طوائف ولا شيع ولا أحزاب ديننا الإسلام ووطننا السودان!) خلاصة ذلك الإقتراح النضير أن تتكون السلطة التشريعية من ممثلين للدوائر الجغرافية، وممثلين للدوائر النقابية، وممثلين للدوائر العسكرية، وممثلين للكيانات العلمية والمجتمع المدني. بإعتبار أن هذه الدوائر هي خشوم بيوت الحياة السياسية في السودان.
خفت ذاك الإقتراح وتجهجه مع سيل الجبهة الإسلامية العرمرم الذي قتل آمال الناس حتى صار نشدهم الآن مجرد العودة إلى الحالة التي أفرزت إنقلاب الجبهة الإسلامية وحلفاءها المستترين في دوائر الأحزاب، هؤلاء الحلفاء الذين أرهقوا وبددوا الزخم الشعبي المعارض بكثرة إختلافاتهم وإتفاقاتهم، وتراوحهم بين الصمت، والزعيق، والموالاة، بينما جماهير البؤساء والأقاليم تئن من التهميش والبؤس والقمع والتضليل حتى وصل حال حكامنا وبعض معارضيهم الأفاضل إلى دفع الجنوب إلى الإستقلال، وتواتر إنتفاضات الشرق، ودارفور، وجنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق، وإحتجاجات الجزيرة، والقضارف، والشمالية، والقمع المُركز في الخرطوم، في حالة سياسية يصعب فيها على صحافي إنتقاد سياسة الدولة، أو عمليات الجيش، أو نشر خبر عن فساد معروف للقاصي والداني كما لا يوجد لقادة الاحزاب في مناخ تجاري وسياسي مقيت سوى عقد لقاءات صحافية أو كتابة مقالات متفرقة أو تدبيج رسائل أو عرائض كريمة يلقيها لؤم الحاكم وبطانته في أقرب مزبلة مع توجيه آلته الإعلامية بتبديدها في أذهان الناس بمآئة أمثالها من الأكاذيب الرسمية.
لكن.. يبقى ثمة أمل في أن تعيد القيادة الجديدة للحزب الشيوعي السوداني شيئا من النضرة والينوع إلى ذلك الإقتراح الموضوعي وهو كفيل بتحقيق قدر كبير من الوحدة السياسية والوطنية بميله الظاهر إلى فتح عملية التمثيل السياسي وإحترام التنوع الحقيقي لقوى السودان ودفعها بالوسيلة المشتركة للعمل معاً بدلاً للصراع مع بعضها، حيث يتواشج في الإقتراح تمثيل الأحزاب، وتمثيل المنتجين والقوى التجديدية في المجتمع، وتمثيل قوى الضبط والربط العسكري، في سلطة الدسترة والتشريع.
هذا التمثل السياسي المتنوع في هيئة قيادة سياسية واحدة فيه الذي تفتْحت به كل الثورات العالمية يتيح لقيادات الشعب السوداني الإنفتاح والإندغام بشكل شعبي حيوي مفيد يمكن به للشعب أن يواجه فيل الأزمة الحقيقية لإمتلاك 5% من السودانيين ل95% من موارد السودان وتكرار هذا الإمتلاك بواحدية الحكم الحزبي عسكرياً أو مدنياً.
موضوعية وأهمية الإقتراح قادمة من أن أزمة الواحدية الرأسمالية في الحكم وتمركز العاصمة على الأقاليم أزمة لا تحل بطرق واحدية جزئية برلمانية أو بحكومات ذات طبيعة شخصية يتم تولي حقائبها بالقول المأثور (رفضت قبول منصب الوزارة حتى ألزمني بها الأهل والأصدقاء)! بل حل الأزمة الواحدية يتم بالحكم الشعبي والإتحاد الإشتراكي للقوى الطليعية في سياسة دولة السودان (أحزاب، نقابات، عسكريين، اكاديميين ومجتمع مدني) فهو حكم وإتحاد بطبيعته التعددية الشعبية وبهيكله ذا الدوائر الشعبية المتداخلة إقتصاداً وسياسة وثقافة يحي بعضه بعضاً وهو كإقتراح بنظام جديد للتغيير والتجدد في الحياة السودانية يقضي بصورة موضوعية على الأزمة المركزية في تاريخ وحاضر السودان، وهي أزمة تملك أقلية أفراد وسائل عيش وتقدم حياة أغلبية الناس أي أزمة إفاضة الموارد ومراباتها للفئات الحاكمة في مركز الدولة من نهب الكادحين والأقاليم، مرات بإسم الحرية والديمقراطية، ومرات بإسم بسط الأمن والشريعة الإسلامية!!
ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.