مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ومن دكريات الطفولة الأولى أيضا ؟

معظم أحداث حياتي كانت بعد بلوغي الثانية عشرة تقريبا. هذه هي السن التي تتبلور فيها شخصية الإنسان. وبحسب ما يكون رد فعل المجتمع الحاضن يكون الناتج إما سالباً وإمّا موجبا. وفيه قد يخرج الفتى من ضعفٍ واضطرابٍ إلى قوّة في الشخصية واعتماد على الذات, أو العكس. ويبدو أن للبيت أثرا كبيرا في محصلة الفتى (او الفتاة) وذلك قد يكون بالتوجيه أو بالايحاء كأن تقول لك أمك "هذا صاح وهذا غلط" أو "ما كان أبوك ليفعل ذلك" و"ولو عملت كدا تاني أدّقك دقّة" وقد يصل الأمر إلى درجة " بَقطع شطري, وطبقين رماد على راسي" وسلسلة من التكتيكات متضاربة (أو هكذا تبدو).
وبرغم كل الاهتمام الذي أولتنا أمّنا ستنا بٍت العوض بعد وفاة والدنا المبكرذلك الاهتمام الزائد الذي لا زال آل البلد يتحدثون عنه, برغمه كنت وأنا في الكّتّاب (الأوليّة, وفي ما بعد مرحلة الأساس), أشعر بأني لست على قدر زملائي في المّخِّ أو العضل. كنت أهابهم وأخلي الطريق لأكثرهم, فكيف أكون حفيد عبدالماجد الذي أهان المستر روبرتسون أو ولد محمد الشاعر البطل الكريم الذي جلد الخواجة ثم سيق إلى السجن الحربي غير آبه بحكم السنتين. وكيف وكان العوض يجلب البشر للسوق ليتقلب في نعيم الدنيا ثم يزهد فيها وينقطع للعبادة يستصحب في أوراده قراءة "جوهرة الكمال" يوميا, ثم ينال ثقة الناس ليختاروه عمدة حلاّ لخلافات نشبت بين قبيلتين عظيمتين والاختيارفي مؤتمر عام (جمعية) عام 1919 بجهة "السنوط" صدر عنه ما يعرف ب "بروتوكول أبوزبد". وكل ذلك المثاب ربما يعود لإعادة التثفيف المهدوي, فقد حارب الرجل في معركة شيكان, من بعدما عمل مع "أبو رفَّاس |أسوأ حكام الأتراك في رشاد باللجبال الشرقيه (قُتِلَ أبو رفاس في تلودي) وكان كاتبه ذلك الشاب الذي وفد حديثا من قرية الحصايا بجهة دامر المجذوب . ثم سبق الزبير لأحراش النيام نيام وانتهى به الأمر مُقَدّما في جيش الزبير ود رحمة. للمهدية حسنات تربوية كثيرة ولا تقاسُ بما انتهت إليه من انحرافات في ما بعد.
كيف لي أن أكون رعديدا جبانا؟!
لم أكن أخاف من الأولاد بقدر ما كنت أخاف من العقاب في البيت. "سير المحفضة بعد التربيط في كراع العنقريب". ويخفف عني الحمل أن معظم التوجه والعناية كانا موجهان لشقيقي الصغير الأشق يتما. محمد. أسميته أنا على أبي وعمري آنذاك إربع سنوات وستة أشهر وعشون يوما لا غير!!
وخالي العظيم أحمد التجاني كان عسكريا شجاعا حارب في كرن وعمره عشرون عاما, عسكري الإشارة الذي أقسم بأن تطأ قدماه تراب أسمرا قبل قائده. ولما استسلم الطليان واقترب رقَلُ حاملات الجند من وسط المدينة كان ذلك الشاب يقف على حافة صندوق الأندروبل (الجيب؟) ليسابق صافرة الإيذان بالنزول. قفز إلى الأرض ووطأ الحذاء الصندل التراب قبل تَرَجُّلٍ القائد. لابد أن شجاعته المعهودة لازمته من زمنٍ بعيد وفوقها الرغبة في أن يُذكرً أسمه كلما ذُكِر حدث النصر الكبير. إحساسه بالتاريخ كان عميقا, مثلي تماما, فهو نفس البيت الذي ظل ينفخ في رأسي ويبث في نفسي حقارةً عند اللزوم, لأنهم كرروا علينا بأن " لا تحقروا بالرجال". هذه الوضعية النفسية جعلت من يشتبك معنا لا يصدق بردة أفعالنا, ويندهش لدرجة الهبوط أحيانا. ومن ذلك كلمة مأثورة عن العم حسين السّيد (ينحدر من رهط الدناقلة الكردفانيين الذين استوطنوا أبو حراز المجاورة لغابة شيكان, وهم حيران الشيخ الكردفالي المعروف ب "إسماعيل الولي"
كان من مسئوليات حسين ود السيدة الشيخ على الجزء الغربي من أبوزبد, التصدي للنزاعات وبخاصة ما يتعلق بحدود البيوت وتسجيل قطع جديدة لمن يستحق من وافد أ استقر في البلد أو بعض من أراد أن يستقل بنفسه. ويحتفظ بالتسجيلات (وربما يحتفظ بالرسوم أيضا, على طريقة الشيوخ المعروفة, وكلهم "أُمْ بلابِع" ولكنهم أهل الغوث والفزع عند الشدائد). ولما لم تكن هناك أرض غير مملوكة لأحد كان من العسير أن يقتطع أراضِ جديدة لمن يريد, وحتى الحيازات العشوائية كانت صعبة ما لم يجد الشيخ لك مخرجا. والمخرج , لو لم تكن مواطنا بالمولد أو لذويك سابق ذكرِ في القرية , قد لا يكون إلا بالمعروف المتعارف عليه وهو الثمن, الذي لا يصل للحكومة. ويفكر الشيخ في الأراضي المهجورة مما غادر اصحابها البلد بالحياة أو الممات ولا ورثة لهم يعلمون. سيقتطع لك الشيخ قطعة ويأذن لك بالبناء. وهذا العطاء يعتبر إجازة لك وتزكية لشخصيتك. ومن الناس من لا يأذن له الشيخ بمتر واحد ولو استحق (المطاليق واللميم وأولاد الحرام من سقَطِ اللواري العابرة ورُكاب الدرجة الرابعة). وربما نفعك مُحيّاك ودوبايك (من الدوبيت) أو "شليخات" يا عربي يا بِتاع تَكُ, لقيت الدخن وخليت بكان لوبا عفِنْ". ويبتسم له وهو يستلم "حقّ الحكومة". و"حقي أنا وينو؟!", يجاوز بين الابتسام والتحديق في وجه الأعرابيّ بعينٍ تتحفز شررا. وينال حقه ليضعه في جيب الجزلان الكبير" محفظة النقود"ووفي الجيب الخارجي الصغير يضع حق الحكومة, ولضيق الجيب الصغير يقتطع شيئا للجيب الكبير لينتفخ الجزلان من الوسط أما الأطراف فتترك مهلهلةً تتراجف. وجاء عربان يريد أرضا بدت كما لا مالك لها. لا شيئ فيها إلا شجرة نيمٍ مصفرة الأوراق. ولا أحد يعرف أنها ل إسمعيل العوض الذي هجر البلد لأربعين عاما وأن جزءا منها ورثة رغبت ستنا وأختها السرة عنها لأرضِ جديدة كانت لأبيهما زرعاً قبل أن تتسع المدينة من أطرافها. وحدثوا الشيخ بمبتغاهم فبشرهم ويداه تهتزان انتظار. أشار لهم في أي موقعٍ يريدون. فأشروا نحو تلك الأرض المهجورة. فكاد الشيخ يجفل ويردد "أنا مالي ومال مِحنْ عِيال العمدة!؟" "امشو, كسكسوا غادي, دايرين تجيبو ليّ مصيبة؟". "شوفو ليكم أيّ فِجّة غادي غادي, الله ما كتّر إلا البور في البلد". والبور لآخرين انقطعت أخبارهم وآثارهم. واقتطع لهم في منطقة "الحفرة" الجنوبية. أسكنهم مع البعوض وذباب السلخانة. وما كان يعلم بأن الحفرة سوف تُرْدمُ حتّى ينمحي أثرها وأن مكانها سيكون في ما بعد السوق المركزي يباع فيه كل شيئ من أدوات المدارس حتى إسبيرات "الأتوس" و"الرقشات". مِحنّ عيال العمدة قلَبْنَ حظَّ العربان, وللسماء أفانين في الإبدال والإحلال. ويموت الناس وتموت معهم أمكنة, نحن نقترب الآن من أن ننقلب آثارا. رحم الله الله دناقلة أبوزبد, لا أعددهم ولا أعدد آثارهم ولكن سأذكر أذكارهم وإعراسهم و"دلّوكَتَهم المميزة وكيف كان عيال محمد خير (جدّهم كلّهم) يأكلون السياط "البُطان" كما يشربون الماء الصافي.
و "بَغَني فوقو وبَقول كافِر يا جِروَ الخلا أبْ ساجور" عشّة بت حنفي.
و "الفني خال فاطمة ........" نينة بت المامون نقلا عن أمنه بت سلطان مُؤلفة الأغنية, وهي جارة شيخ سالم تصوف بعد التقاعد كأول مأمور بعد الفتح البريطاني, ثم اتخذ الطريقة الأحمدية يلبس الأخضر يوم العيد وتؤُزُّ طبوله الأرض أزاً وينهتز طربا ومع كل ايقاع نسرع الخطو هرولة. كانت الإيقاع توَلِّد فينا طاقةّ جسديّة تسعى للإنطلاق بأي وسيلة. ولم يكن الرقص بهز الأكتاف والتجديف بالأرجل دخل البلد بعد. أدخله أحمد ود عجبان لما زُوجتْ ستنا بت خبير أحمد خبير(ناس المسلميّة) ورقص معه أستاذي الشاب الرياضي حسن أحمد على ود العصملي ببدلة "جبردين" وبنطلون. فقال الناس "أحمد عجبان *****, وود ود العصملي جنّنو التمرد "مريدي". وكان ممن نجوا معه في مريدي الأستاذ الشاعر أحمد عبدالصادق حماد (النظرة ماشة وراك ...وقِّفْ وقِّف وسوقني معاك" ولم يرجع من توريت عثمان سيدأحمد المساعد البيطري الذي تبادل مع أبوزبد حُبّاً بِحُب وكان قّدِمَ من شندي, وخلّفَ بناتٍ صغيرات لا نعرف عنهنّ شيئا. رقص ود عجبان السامبا (البُعدو يِجَنِّن وقُرْبو يِحًنِّن, الهيِّن وليِّنْ, وديع وحِنَيِّن, شغل بالي, شغل بالي, وعند هذا المقطع يفور الحوش بمن فيه ويغلي كالقِدر. وتراجع التّم تّم الذي ارتبط ب "الطّرّادات" والرِجال "المِرَيّات" من المغنين. والطرادات كن يُستّقدمنَ من النهود أو الأبيض ويبقين بعد العرس شهرا وأكثر. كنّ يطربنّ الأعمام في جلساتٍ خاصةٍ أمرها معلوم لنا, ونُغار منهم. ومن قال أن الأطفالَ لا يشتهون؟ لا تُصدّق وراقب "خِلُفًتك" وافرح لذلك ولا تُصَرِّحْ.
فكيف أكون رعديدا جبانا؟
لا يُمكنْ.
كانت أمي نفساء بولدها الثاني, يتوهج وجهها اخضرارا ناعما, وبحنبها الوليد الصغير فاقع اللون غزير الشعر تنظر إليه فتمتلىء أثداؤها وتدنيه ليرضع فينسكب عليه شعر طويل وضفائر سميكة. يكاد يختنق, وتمسك لها أبنة اختها فاطمة القمر (من شدة جمالها واستدارة وجهها سَيّر عليها الناس لقب القمر). تُمسِك ريّا بالشعر وتجرّه للوراء كي يستطيع الولد التنفس, فكم من مرّة كاد يختنق. تقول أمي أن الشافع عضّها في الحلمة من اليوم الأوّل, ولكنها سكتت خِيفةً أن يقول الناس إنّه "مُبَدَّل".
وقصة كجول تجدها مثبتة هنا في الراكوبة
خافت الأمُّ أن يقُلنً "كجول", فسكتت. وأنا أسعد الناس بالمولود. لا أفارق "مِرْقَ العنقريب". الأن لست وحيدا. جاء من يلعب معي وألعب به. أتفرّس في وجهه أريده أن يضحك لي, ولكنه لا يفعل, وأمي تضحك معه وتتكلم! مالها؟ "هل يعرف كلامها" وتعود "الداية, القابلة" ويأمروني بالمغادرة, فأخرج على مضض أجلس ورأسي نحو الأرض وبكل أصابع كفي أمشط شعري في كل اتجاه وأتنهد طويلا وأنا تائه أنظر لظلي يتابعني, يطول ويقصر ولكنه يتشبث بي, إلى متى؟. وتخرج الداية وأدخل لأجد البيت جّدِّد فرشٌه بالرمل الأبيض الجميل وفي الأسرة مُلاءات مطرّزة بالحرير منقوش عليها صورة طائرٍ ينشر ذيله كطبق السعف, لكنه غير مخطط, وفيه عيونٌ كثيرة. وتعلق صورة الطاووس في ذهني وما كنت أحسب أني لما أعيد رسمها بعد سنتين في السنة الأولى سيصفق لي التلاميذ كلهم ويعطيني شيخ حمد النيل ود عبالهادي علبة ألوان ولوح "أردواز".
ورسمة أخرى فيها كاسات عجيبة مطرّزة بطريقة ال "كُرُشِيه". طرزتها إحدى بنات عبدالقادر, وبنات عبدالقادر لا أحد يفوقهن في الكروشية ولا في "المشاط" ولا يمشطنأي رأس. فقط أخواتهن في العشرة "بنات العمدة العوض". وفي ما بعد (ربما بعشر سنين) ظهر التظريز بالبارِز, وملٍكته السريرة بت الشاويش ضحية
وهي من الأقارب, نعم الأقارب, فأمها دغيمية بت الشيخ ود الزين واخوانها ميرغني ومحمد خير والطيب (خالي بالرضاعة). أما جدة السريرة فهي أصل القرابة لأنها عمرابية خضراء داكنة الخضرة الناعمة وفي عيونها حلقٌ رقيق بداخل البؤبؤ يزينها كما يزيِّن "الزّيق" الأبيض فنجان القهوة الأسود "!!!" ولحاجة السارة علاقة بناس "ودّ الوداعة" بالنهود وهم من رهط أهلى المفاخرين بصاحب العصاة السيف "الشيخ حامد". وهكذا. برع بحّارة كردفان في تعقب الأنساب فإذا أمسكوا بخيط رفيع منه حضنوه. لعله التغَزُّر بأي طريقة لدفع الشعور بأنهم أقليّة لا يحسب لها حساب إلا إذا كان أدناهم بزن عشرة رجال من غالب أهل الدار. وأصابتنى عدوى التدجين الممنهج, وطرحت "الحقارة" وبقيت هواية التفرس في قسمات الوجوه وهندسة القوام وتشكّل الأنوف والأعين والبنان
فصرت ممن يفلح في تعقب أصل المرء من منظره العام ولخمسة أجيال (وأحيانا خمسين جيلا) وسأجعل له فصلا مُمَلا لا يتجشم عناءه إلا "قليلْ شَغَلهْ" أو مُثَقَّفْ "مُتلقي حِجَجْ, على قول حسن محمد موسى الخير.
في هذه الأثناء كان "البارودي" في النهود. لا أدري لم لا يطيل البقاء معنا, يسافر النهود ويمشي النهود ويقعد في النهود. تعلّم على السفر وهو مغرمٌ بالسفر. وإذا لم يجد سيارة يستعير قعود صديقة إبراهيم ود ناصر (ناظر الخط) وفي عصر الخميس يمتطي راحلته ويشق الدروب ليلاً ولا أنيس إلا حفيف الشجر وعواء الضباع وضوء القمر, فإذا أحس بالجوع أدخل يده في الجُراب وأخرج "ورك " الدجاجة "المقرمش" وأتبعه بجرعة من "الزمزميّة, حافظة الماء تُصنع من الصفيح أو تشترى, وتوزعها الحكومة على الجند وعمال البريد السفري, ورأيت مثلها عند "موم" ذلك الكواركيّ الذي يحمل البريد للقاوة مرتين في الأسبوع يقطع فيها 424 ميلا بالطريق الجُّواني أو 384 ميلا بالطريق البراني, وذلك في فصل الخريف فقط. وربما أذهب غصّةً في الحلق ب "جُغْمةْ" من زجاجة خضراء مضمّدٍ عُريها بِ "قُماشةٍ" ليِّنًة. وزُجاج "الكُلُبْ" لا تجده في أي دكان, تجده في دكاكين الشوام ناس دولتلي وخواجة موسى (لم أحضر الأخير في أبوزبد). في النهود صحبه وأترابه وعمه الذي أخذ عنه المزيد من علوم الدين والعربية. كان يخفظ دوواوين كثيرة عن ظهر قلب. وقد سمعه خالي التجاني يسمع بعض مسرحيات أمير الشعراء أحمد شوقي. أخاله في ظهر الراحلة يغني للبدر ولليلاه (أمّي) وأعظم الليلاهات التغني بأحلام الشعب السوداني. ألم يكن شقيقاً مع أحمد يوسف اسماعيل وربما كيشو؟ شعره الحماسي كثير ضاع بعضه وانتحل محمد عوض الكريم القرشي (صديقه وقريبه من بعيد) معظم شعره الوطني. كان به جد لصيق وحفيّا. وود القرشي شاعر لا يشق رائد في باب الغزل والطرب. أما أشعار الوطنية فأنا أميل لما يتهامس به أهل الأبيض حتى اليوم. وأكمل الطفل كارثة الشعر: لمّا بلغت العاشرة وفككت الخط فتحت أمي ال "سحّارة, صندوق يخزن فيه النفائس" واتتني بكراسة الشعر. قرأت من الأواق البيضاء الرقيقة المثبتة بدبوسٍ القصيدة الأولى فقط "الربيع" وفاضت أعيني بالذكريات فحشرت الورق كلّه في غرفة تهوية كانون الفحم, وهبت أمي تريد إنقاذ القراطيس ولكن اللهب كان أسرع. ولم أذق لشاي اللبن طعما ولا للرغيفة الساخنة التي جلبتها جدتي سعيدة من فرن البربري قبل قليل, كنت تائها أحملق في الأشياء كالأهبل ولا أراها ولكني اليوم بدأت أعرف النحيب. ومن البكاء ما هو "علامة خير" : توْسِعة بواب السواء النفسي. وللانفعال خَيِّزٌ في مُكّوِّنات الرجالة (وهي هنا ليست مرادفة للذكورية, وإلا عظّم شأنُ التيس عالي الذكورة ميّت القلب ) الرجالة التي بي باطنها دِينُ كثيرٌ صافٍ. وثقافة النيل الأعلى دينٌ مُغَلّف غلبت عليه تسمية "الجُعُوليّة, وهي ليست عُنصُر, هي ثقافة نزع عنها وافدُ اللادِنِيِّاتِ الغلاف وأعاد حشوه بطريقة البصيرة أم حمد, فذهب الدين وذهبت الرجالة. وبقي وافِدُ الجهاليل ومسوخاتُهُ.
لعل محمداً نزل في النهود يسلّم على عمه عباس ويستشيره في ما هو قادم عليه بعد أن أتم مدة الحبس في السجن الحربيّ بالأبيض وكان في السجن يؤانسه الصديق ابن النهود عبدالله ود جمعة الأمين ود سليمان (لو تذكرون محطة بصات عبدالله جمعة في مدينة الثورة) يخدمه ويأتي لأمي وولدها الكبير بخبر الزوج وصحته وكان يسمح له بالزيارة للأهل في بيت محمد عوض الكريم القرشي وهو تحت الحراسة. ولما يطلق سراحه لا يعاد لمهنته في التدريس ويعرض عليه الإنجليز العمل في الجيش ضابطا (لأنه وقف مع الحلفاء بتحميسه الجند), فانظر يريد ترقيته بعيدا في مكان يرعقل طوحاته. وكاد يقبل لولا أن عمه العباس منعه خيفة من مكر الإنجليز (يدفعون بك للأعلى ثم يدعونك للسقوط من شاهق).
وهناك أمه (كنينة) تدير البيت كله وتسيطر على كل شيء وتداوم على الزواعة أيضا. لا تساكن بناتها اللائي زوّجهن أبنها البكر علّيٌّ دفعة واحدة من رجال "على قدر أحوالهم" ولكنهم أكفاء مسؤليةً ورفعةُ (وكان العٍزُّ يطلق على بيوت المكارم والتأريخ المجيد, ثم صار أعزاء القوم هم الأثرياء أو أهل السلطان فقط, ولو رًذُلتْ أخلاقُهم, عجباً, ولو كانت السلطةُ بمفردها عِزّا لما تبعت النصراني تبعاتُ الغلَفة ولما قالو لحمرية بالغة الجمال كانت اتخدت لها خِدنا نصرانيا متنفذاً: الزُّولْ السَّمِحْ في السِّكَكْ لاقاني*** ام ضَهَراً فَد فِتِرْ*** فُوقُو المَعَنْقَلْ باني ***لاكِينْ يا خسارةْ*** الوَسِّخِكْ نصراني). انتهوا منها وإلى الأبد.
وما أسرع عمي عليٌّ من تزويجه أخواتِه إلا ليفرغً للياليه مع "الفنجريات" يسعدُ بصُحبتهنّ أيما سعادة والجبنة والشواء, وفوق ذلك لا يًفَوِّت وقتا ولا وِردا, وكانت دائما واحدة, ولا يجمع. وكذلك معظم رفقته, فهل ابتدع أبناء النهود أنذاك ما يُعْرَفُ اليومَ ب الزواج العُرفي. وكانوا في الفقه ذوي باع وفي اللغة الإنجليزية أيضا, ولم يأخدوها عن أفواه الجنود بالاختلاط كما هو الحال عن كثيرٍ من شيبةِ عمال "الدريسة", لا سيما في بري الدرايسة حيث كان بعض أعمامي - بالمساكنة - يجيدون التحدث بلهجة اسكتلندية مميزة, ناس العم موسى بِلّية رحمه الله.
وأوصل ...
_________________
المطرودة ملحوقة والصابرات روابح
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.