تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البَشْتَنَة (المَنْكُورة)..في علم اللغة الحديث
نشر في الراكوبة يوم 29 - 11 - 2013

في الأونة الأخيرة قام بعض من المهتميين بدراسة اللهجة السودانية بتناول مفردة (البشتنة) و اختصر تناولهم لها من جهة علاقتها بالمعاجم اللغة العربية او مدى علاقتها باللغات السودانية القديمة ، من امثلة بعض الكتابات التى نشرت و التى حاول اصحابها تقديم تفسير او توضيح لاصل المفردة ، مقال للدكتور خالد محمد فرح و مقال آخر للإستاذ رشيد خالد ادريس موسى ، رايت ان اعرضهما اولا ، محاولا الرد على ما أتيا به حول هذا الموضوع و بعدها سوف اشرح رؤيتي الخاصة في إلقاء بعض الضوء عن اصل تركيب مفردة (البشتنة) السودانية و بعض الكلمات المُحيِّرة في اللهجة السودانية.
نشر الدكتور خالد محمد فرح في ديسمبر 2009 مقالاً على سودانايل بعنوان "حول البَشْتنة السودانية" شرح في بدايته الاسباب التي دعته للكتابة عنها كالآتي: "طلب إليّ أخ فاضل وصديق عزيز ، وهو أستاذ جامعي شاب ، يعمل مديراً لمؤسسة علمية وبحثية فتية مرموقة ، طلب إليّ وهو المتخصص في اللغة العربية وآدابها ، أن أبحث وأن أكتب شيئاً في مادة: بشْتَنَ ، يبشتن ، بشتنةً المشهورة في العامية السودانية ، وهي تلك اللفظة التي يستخدمها السودانيون ومشتقاتها في معرض وصف الأشياء والأحياء والأحوال أيضاً بالسوء مطلقاً ، وعدم الاستواء والانتظام ، أو انعدام الرونق والبهاء فيها على وجه الخصوص" والمسالة التي اهمتني جدا في مقدمته هذة الجزء الذي يشير فيه الى ان الدكتور عون لم يثبت هذه الكلمة في قاموسه المشهور ، وكنت اعرف تماما ان معظم الكلمات السودانية الخاصة التي تميز "لغتنا السودانية" مضمنة في هذا القاموس اولا لنرجع لمقال الدكتور خالد مرة ثانية "وقد كان أول سؤال سألته لذلك الصديق بداهةً عندما فاتحني في هذا الأمر ، هو أن قلت له: " وماذا قال عون الشريف قاسم في معجمه: قاموس اللهجة العامية في السودان عن بشتن هذه ؟ ". ولدهشتي فلقد أجابني بقوله: إنّ عون الشريف لم يثبت هذه اللفظة ، وغفل عنها مطلقاً في كتابه ، وذلك هو بالفعل شيء مدهش ، لأنّ اللفظ ( بشتن ) على وزن " دَنْدَنَ " ، ومشتقاته ، هولفظ شديد الخصوصية والارتباط الذي يكاد يكون حصرياً بالعامية السودانية ، وبوسع المرء أن يجد له عدة استخدامات ، تشترك كلها كما أسلفنا في إعطاء معنى عام مفاده: القبح ، وعدم النظام ، وعدم الترتيب ، والفوضى ، والتنافر ، وعدم العناية والتنسيق" وبعد ان يسترسل في شرح معنى " بشتنة" يؤكد ما ذهب اليه صديقه أن د. عون " لم يورد هذا الحرف المهم في كتابه " حيث يقول"رجعت إلى قاموس اللهجة العامية في السودان للبروفيسور عون الشريف قاسم رحمه الله ، وثبت لي بالفعل ما قاله صديقي من أنه لم يورد هذا الحرف المهم في كتابه الذي هو عمدة التصانيف السودانية في هذا الباب بلا ريب."اه
قمت بمراجعة قاموس د. عون فوجدت أن ما زعمه د.خالد فرح و صديقه ليس صحيحا لان د. عون اورد هذا الكلمة في قاموسه في ص 96 وهنا ما ثبته القاموس عنها"بَشْتَن (س) أفسد الأمر و بهدله. فلان مَبَشْتَن (س) مبهدل و قد يقول بعضهم في بعض المناطق بَشْطَن. الله يكفينا من بشاتن الحال. بَشْتنة اسم رجل." اه.
لزم التوضيح الى انه رغم اثبات ورودها في القاموس الا أن الباب ما زال مفتوحا للبحث حول اصلها فيما اذا كانت متطورة عن لهجة عربية قديمة أم مستلفة من لغات سودانية بائدة او مهاجرة من اقليم آخر؟ الى جانب كل ما ذكر فانا لا انكر و لا ارفض امكانية نحت اللهجات لمفرداتها وصناعة الحياة اليومية لشعب ما لمفردات تضاهي المتوارث من أجيال سابقة من خلال نسق خاص قائم على بنية نظام اللغة ذاتها.
ثم يواصل د. خالد ليعلن غياب البشتنة عن امهات معاجم اللغة العربية فبقول " ثم إنني نظرت في معاجم اللغة الفصحى كلسان العرب لابن منظور الإفريقي ، والقاموس المحيط للفيروزبادي ،وتاج العروس للشريف المرتضى الزبيدي فلم أجد فيها لفظة عربية فصيحة قريبة من (بشتن) هذه في الدلالة ، بما قد يحمل على الاعتقاد بأن ( البشتنة ) السودانية ربما تكون مشتقة منها. وما يزال البحث جارياً ،فمن وجد شيئاً قريباً منها في كتب اللغة الفصحى ، فليقل لنا وللقراء الكرام " عوك " تماماً للفائدة".اه
اختيار الدكتور خالد فرح لهذة القواميس فيه دلالة محددة اولا ابن منظور(الأفريقي –المغرب العربي-) و الفيروز أبادي (فارسي) ثم (الشريف المرتضى- بغدادي) لقد اختار قاموس عن كل إقليم من خارطة تدوين العربية الفصيحة، في اشارة لإستقراء كل احتمالات المراجع وشمول المسح ، وبعد ان خلص لهذة النتيجة يقدم د. خالد مساهمته سوف انقل الأجزاء المهمة منها ، الجزء الأول:
"على أنني أود ههنا أن أسلك منهجية مغايرة ، وان أجترح مقاربة فيها شيء من المغامرة نوعاً ما ، وإن لم تكن بعيدة كل البعد عن منهج علم الدلالة ، وذلك من أجل استكناه السبب الذي جعل السودانيين يؤلفون هذه اللفظة للدلالة على المعنى الذي بسطناه آنفا.هذه المقاربة المنهجية ذات صلة وثيقة بما يمكن أن نسميها بالقيم او المؤشرات الدلالية للأصوات أو الحروف العربية. وهذا المبحث في علم اللغة أو فقهها الذي يسميه الإفرنج Philology ،والذي يتعلق في الأساس بموضوع العلاقة بين اللفظ والمعنى ،هو في الواقع مبحث قديم في التراث العربي ،وقد تنبه إليه نفر من العلماء واللغويين العرب القدماء ، ولعل أبرزهم هو: أبو الحسين أحمد بن فارس (329 – 395 ه )، وخصوصاً في كتابه: " مقاييس اللغة ".
ومن بين الباحثين المعاصرين الذين كتبوا في هذا الموضوع ، باحث سوري الجنسية اسمه: " إياد الحصني " ، ألف كتاباً بعنوان: " معاني الأحرف العربية "
وبعد أن يشرح فكرة دراسة الباحث السوري يقول د. خالد فرح:
"ثم إنه ذكر ان حرف الشين – وهذا هو بيت القصيد بالنسبة لنا – يدل على معاني الانتشار والتشعب ، مثل: نشر ، وشتت ، وشعّب ، وشعث .وزعم أن حرف الفاء عندما يدخل على لفظ فيه حرف الشين فكأنه يبطل أو يكبح المفعول السلبي للمعنى الذي توحي به الشين ويخفف منه. ومثّل لذلك بألفاظ من قبيل: رشف ، وشفط ، وشفاء ، ثم أضفت إليها أنا من عندي الفاظاً عامية مثل: فشّ ( فشّ الورم ، وفشّ الغبينة ) ، وكذلك: فرفش بمعنى: انتعش وابتهج.
وبوسعنا ان نضيف في هذا المقام إلى ما ذهب إليه ذلك الباحث السوري حول دلالة الشين ، من أنها لا تقتصر على معاني الانتشار والتشعُّب فحسب ،وإنما هي توحي أيضاً بالسوء والبشاعة والقبح والقسوة مطلقاً ، كما توحي بعدم الترتيب والنظام ، والبعثرة ، وذلك بآية ما أنّ هذه الشين تظهر في ألفاظ عديدة تحمل مدلولات سلبية للغاية مثل: البشاعة ، والشر ، والشقاء ، والمشاكل ، والشجار ، والشحناء ، والشنآن الخ.. ولكن رب معترض قد يقول لنا إن الشين تظهر أيضاً في ألفاظ أخرى ذات مدلولات إيجابية مثل: شذى ، ومنعش ، وشهد الخ. فنقول له: هذا صحيح ، ولكن الغالب هوأنها مرتبطة على نحو أكثر بالألفاظ ذوات الدلالات السلبية." انتهت الأجزاء المنقولة عن مقال د. خالد محمد فرح.
خلاصة القول أنه اعتمد على معيارين الأول إن الشين" توحي أيضاً بالسوء والبشاعة والقبح والقسوة مطلقاً ،" وهذا المعيار الإيحائي الوصفي غير محدد ويعتمد على وصف خارجي ( لحرف وليس لصوت) لان (الشين) كحرف(فونيم) تتعدد اصواته (الفونات) من كلمة الى أخرى في اي كلمة من الأمثلة التى ذكرها ، فهل نحن نتحدث عن وصف لاصوات الشين؟ ام للحرف نفسه (كفونيم) ، واذا سلّمنا افتراضاَ أنه يقصد الصوت فالصوت منفرد لا يشكل معنى او دلالة بدون (الفونيمات الأخرى زائدا اصواتها المتابينة في كل كلمة على حدة) والمعيار الثاني الذي اعتمد عليه هو حسب عبارته التالية" الغالب هوأنها مرتبطة على نحو أكثر بالألفاظ ذوات الدلالات السلبية."
طيب فما هو قياس الغالب في الدلالات السلبية؟ ما هي الوتيرة و ماهو النسق على ذلك؟وماذا اذا ادعي شخص العكس و حاجج بان الشين في الغالب مرتبطة بالألفاظ ذات الدلالات الإيجابية؟ وجلب عدد من كلمات مشرقة و مشّرِفة (كالشجو والإنشراح والشموخ الشمم الشمائل.... الخ)؟ تقابل بل تفوق النماذج التى أوردها كاتب المقال ، فما هو المخرج؟
المحاولة الثانية التي تناولت البشتنة كانت للاستاذ رشيد خالد إدريس موسي بعنوان"(بشتن) و (بشنتيق): نظرات في العامية السودانية، نشرت بعد يومين من مقال د. خالد محمد فرح، على سودانايل ايضا، اراد منه حسب قوله "إلقاء الضوء حول ما إبتدره الدكتور/ خالد فرح من تنقيب في شئون التراث.) واهمية مقال الاستاذ رشيد خالد في انها نموذج للتفسير من الجانب الآخر (الأصل النوبي ) للهجة السودانية ، فعادة ما تُخْضع مثل هذة المسائل لنزاع (نوبعربي) لتفسير التاريخ والثقافة العربية في السودان، فهنا مثال للطرف الآخر وهو البحث في الجذور النوبية، طالما اخفق التجذير العربي، فالأستاذ رشيد خالد ،بعد التقديم لموضوعه يدخل في قلب المسألة مباشرة حيث يقول: "تشير كلمة (بشتنة) إلي مظاهر القبح في الحياة كما أسلفنا القول. و يبدو أن هذه الكلمة (بشتن) ذات أصل نوبي, و يعضد هذا القول أننا نجد تعبيراً مقارباً لهذا التعبير أو مشتق منه , و هو كلمة ( بشنتيق) بفتح الباء و تسكين الشين. و تعني هذه الكلمة في اللغة النوبية, (البرش القديم) , أي الذي صار بالياً و تالفاً نتيجة للإستعمال و مرور الزمن . و (برش) كلمة تركية تعني الحصير المصنوع من سعف النخيل أو من سعف الدوم كما هو معلوم في بلادنا". اه.
اظن ان الاستاذ فات عليه ان الكلمة مدار البحث هي (بَشْتن) وليس (بَشْنت) ، والخلاف حول البهدلة وعدم الترتيب و ليس البلى و التلف. كما ان معظم الأمثلة التي اوردها في بقية المقال عبارة عن مسميات نوبية لأشياء ولم يشرح البنية التركيبة للعلاقة بين ( بشنتيق) و (بشتن) فالتشابة في تراص الحروف غير كافٍ لإثبات او افتراض الاشتقاق او الإستلاف، لزم التنبيه بانني لا أسعى لتحري (عروبة ) المفردة ، بل اركز على المفردة مدار النزاع للنظر لها من خلال نظام لغوي محدد تتحرك في اطاره اللهجة السودانية.
فاللهجة السودانية لها (نظام لغوي ) ، مثلها مثل غيرها من اللغات ، تخضع لنظام لكن هذا النظام يتبع اسس و قواعد نظام اللغة الأم و هو هنا (العربية الفصحى ) و اكبر دليل على ذلك الانتماء المعجمي كمرجع للهجة السودانية هذة المعاجم التى جمعت مخزون تاريخي يمكن ان نعادها نماذج لمنتوج نسق النظام اللغوي الخاص باللغة العربية التي تدور في فلكها معظم اللهجات ولان النظام اللغوي للهجات ليس سجين لهذة المعاجم فلا يلزم رفض مفردات بحجة ان المعجم لم يتضمنها بل لا يمكن ان نجزم ان المعاجم لم تغادر اي صغيرة او كبيرة من المفردات في زمانها فيقينا فات عليها الكثير الذي لم يدون في هذة المعاجم و ليس هذا عيبا يلحق بها ، فما تم تدوينه في المعاجم يمثل مادة صالحة للكشف على حركة تركيب مفردات وجمل اللهجات:
اتبعت في محاولتي اسس علم اللغة الحديث مركزا على العلاقة بين (المورفيمات) morphemes في بنية و تركيب المفردة الواحدة ومن ثم اللدلالة الناتجة من التغير الحادث لبنية ( المورفيم) الاصل المستقل أو المعجمي .
(المورفيم) في علم اللغة الحديث ، يعرّف بانه (اصغر وحدة صوتية تحمل معنى)* وامثلة على الفونيم مثلا (الجذر) في (د ر س) يسمى مورفيم مستقل او معجمي و (درس) نفسها تتضمن (مورفيمات) اخرى وهي مورفيم الزمن (ماضي) ومورفيم الاسناد(هو الغائب) ومورفيم (التذكير)
(ال) مورفيم يحمل معنى (التعريف)
(الألف ) في المثنى (ضَرَبا) مورفيم ، و (الواو ) في ضربوا هي كذلك مورفيما آخر
(مدرسون) وحدها تتكون من عدد من المورفيمات : (درس) مورفيم معجمي، (مدرس) مورفيم (ون) تمثل ثلاثة مورفيمات: الجمع والجنس والإعراب.
(التاء) في نهاية (درس تْ) فهذة (التاء) هي مورفيم لانها عبارة عن وحدة صغرى حملت معنى الغائب المفرد وجنسه وعند اضافتها للمورفيم المعجمي(درس) غيَّرَتْهُ من اكثر من جانب.
فعند إضافة (أ ) في بداية (درس) هذة الألف التي نصفها في النحو التقليدي بانها (الف المضارعة في بداية المضارع أدرسُ) فالألف هنا ليست صوتا او حرفا بل (مورفيم) لأنه يحمل زمن جديدا واسنادا (ضمير) المتكلم أو المتكلمة .
مثلا كما في الامثلة السابقة عن المورفيم ك ( أ + درس) فالألف كمورفيم دخلت على المورفيم المعجمي (درس) فغيرت زمنه من الماضي الى الحاضر بالأضافة الى التغييرات الأخرى المعروفة في (أدرسُ).
لكن اذا أخذنا مثالا آخر مثل: ع ز ق (مورفيم معجمي) تكتب عَزَقَ التي تعني البخل والشدة هذا معناها في المعجم
عند مقارنة عزق هذة ب ( بَعْزَقَ) ب + عَزَقِ وشكلها الكامل {_َ _ ْ _َ _َ} و ( بَعْزَقَ) تعني في القاموس بدد وأنفق عكس (عزق) .
فنحن هنا أمام مورفيم (الباء) يختلف عن مورفيم (الألف والنون والياء والتاء وهي (أنيت) المشهورة) هذة المورفيمات و اشباهها تلحق بالمورفيم المعجمي فتغير زمنه بالاضافة للتغيرات الأخرى اما في حالة الباء التي لا تغير زمن (عزق) فتبقى في الماضي لكن تغير دلالة الفعل من البخل الى التبديد .
كذلك ( بشتن) لا وجود لها بهيئتها هذة في المعاجم المشهورة ، لكن يمكن ان ننظر لها وفق التركيب الخاص بالمفردات، بداية من (المورفيم المعجمي او المستقل ):
في حالة (بَشْتَنَ) فهي تجري على نفس المخطط _َ _َ _َ (مورفيم مستقل /معجمي) الحاق (مورفيم في اول الجذر لا يؤثر على زمن الجذر) التغيير الى {_َ _ ْ _َ _َ} بَ شْ تَ نَ.
و بشتن غير موجودة في المعاجم ولكن (شَتَنَ) تم تدوينها في القاموس وتعني (النسج والحياكة ) التحاق (الباء) كفونيم غير مؤثر على زمن (شتن) الماضي سيؤثر على دلالاتها وتغييرها الى (التضاد) وهو - نقض نكش بهدل النسيج المنظوم- وعلى هذا المنوال يمكن إضافة الأتي:
(رطم) بمعنى حبس الصوت وكتمه في صدره (من المعجم) بينما (بَرْطَمَ) من معانيها اخراج الصوت بغيظ (من المعجم) .
كما يمكن إضافة ندر و بَنْدَرَ الاولى (الندرة و القلة) بينما الثانية بمعنى (الغنى و كثرة المال).
(خثر): خثر فلان اقام ولم يبرح مكانه،غَلُظ اللبن ، بينما (َبخْثَر) تعني: العكس من ذلك بدّده و فرقّه .
ولا تخلو( عثر) الحصول على الشئ و(بعْثَرَ) من تضاد و تعاكس. يمكن الرجوع لمادة(ختر) و (بَخْتَرَ) في القاموس أيضاً.
يجب الإنتباه الى أن هذا التغيير الذي يجري على المورفيم المعجمي خلال هذا النظام لا يسعى لإرجاع (بشتن) الى اصولها العربية أو لثبيت وجودها في الخارطة الفصيحة لإستعمال اللغة العربية عن السودانيين ، او برهان على انها ضاعت و فات على المعاجم تدوينها او ان يقول قائل اذن لا غبار عليها فلنستعملها في كتابتنا عندما نكتب بالفصحى لان ليس هذا هو الهدف، فالبشتنة ملك خاص لحيازات اللهجة السودانية ، لانها كأي لهجة أخرى، تسعى للتمايز و فرز الشخصية الإعتبارية بمفارقتها للشكل الرسمي الذي تسيطر عليه هيئة المعاجم و قوالب الجمل التقليدية، فاللهجة تخلق مفرداتها و تراكيب جمل جديدة بحركة هذة المورفيمات وفق نسق نظام لغوي ، لكنها لا تخلق قواعد و قوانين جديدة ، بل تستعمل نفس القواعد والقوانين و المخطط اللغوي للفصحى،فاللهجة متجددة تبعا لحياة المجموعة النابضة اليومية المتطورة ، يجب ملاحظة أن الفصحى واللهجة تتبعان قانون نظري ذهني نابع من فكرنا كمجموعة ناطقة بلغة معينة وفق نظام له قواعد تراعى ونسق مقبول معياره (الحدْس )الجمعي لنفس المجموعة الناطقة باللغة ، وليس قواعد نابعة من التركيب اللغوي لتصف علاقة و تحوير المورفيمات ، فحين كان السؤال من اين اتت (البشتنة) لم يكن هناك أي خلاف حول معناها ، لان فكرة البشتنة صورة ذهنية محكومة و مقبولة وفقاً للمتحدثين باللغة (هنا) اللهجة السودانية.
هذا المخطط اللغوي الذي تتبعه اللهجة في توليد مفردات ذات دلالة جديدة اكثر حرية وتحررا من قيد الإضطراد الملزم في الدرس اللغوي التقليدي، لأن التحاق المورفيم ب(الجذر) ليس علاقة مكانيكية آلية تستلزم انتاج نفس المعنى كل مرة ،بمعنى أنني يمكن ان اذكر نماذج اخرى علاوة على الأمثلة السابقة، لإضافة المورفيمات للجذر لتوليد المضاد لمعنى الجذر المستقل، لكن لا يلزم الإضطراد بقدر ما يلزم التوليد لان القاعدة ليست مأخوذة من تركيب و موضع المورفيم المضاف بل من اساس نظري(مورفيم يلحق باول (المورفيم المستقل-هنا الجذر-) يحدث ابدالا في دلالة الكلمة بشرط انه لا يؤثر في زمن الفعل ، فهو لا يحول (شتن) على سبيل المثال ، من الماضي الى المضارع او المستقبل كما يتم الحفاظ على المسند اليه الذي قام بالفعل الغائب المذكر.
فليس من الضروري أنّ اضافة مورفيم (الباء) +(الجذر) كما في هذا المخطط التوليدي : {_َ _َ _َ} (مورفيم مستقل /معجمي) الحاق (مورفيم في اول الجذر شرطه عدم التاثير على زمن الجذر) التغيير الى {_َ _ ْ _َ _َ} ، كل مرة يستولد التضاد دائما لان هذا شرط من خارج اللغة ، فمثلاً يمكن إحداث نماذج توليدية اخرى للباء مع مورفيم (الجذر) للدلالة على التكثير و التعدد كما يلي:
(هَدَلَ وبَهْدَلَ) الاولى بمعنى تدلى واسترخى والثانية بمعنى الإمعان في عدم الانتظام والتشتت وكذلك يمكن تطبيق المخطط على (رقع) و (بَرْقَعَ)كمثال آخر لتكثير المعنى الموجود في (رقع).
***************
هوامش:
"(بشتن) و (بشنتيق): نظرات في العامية: بقلم للاستاذ رشيد خالد إدريس موسي
http://www.sudanile.com/index.php?op...0-21&Itemid=55
مورفيمات اللغة العربية : ترتيبها و تنظيمها في الدرس اللغوي العربي
http://www.iium.edu.my/irkhs/arabicl...a/2_khalid.pdf
حول البشتنة السودانية د. خالد محمد فرح
http://www.sudanile.com/Solar/index....style=f-larger
قاموس اللهجة العامية في السودان: دز عون الشريف قاسم ط ثالثة مزيدة و منقحة 2002 . الدار السودانيةللكتب
المدرسة التوليدية التحويلية:
http://www.ta5atub.com/t525-topic
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.