واشنطن بوست: السعودية تعتزم خطوة تّجاه الدعم اللوجستي للميليشيا في السودان    نتائج الجولة الرابعة من الدوري الممتاز!    مني أركو مناوي يكتب: الخديعة السياسية المتقنة في السودان    "قصة أبو تريكة وحساب مبارك البنكي".. أحمد موسى يثير الجدل في مصر بكتاب جديد    شاهد بالصورة.. الداعية السوداني محمد هاشم الحكيم يرزق بمولود جديد: (سميته على صحابي عاش 60 عام في الجاهلية ومثلها في الإسلام)    شاهد بالفيديو.. حلق بها على مقربة من أرضية الملعب.. طيار سوداني يستعرض مهاراته في قيادة طائرة استطلاع عسكرية خلال مباراة بالدوري ويصيب اللاعبين والجمهور داخل الإستاد بالرعب    شاهد.. سيدة الأعمال نانسي ملاح ترد على التيكتوكر "بارود" بعد أن قام بقذفها ووجه لها إساءت بالغة: (وصلنا لمرحلة إنو زول يبيع ضميره ودا سقوط أخلاقي و تشهير مدفوع الثمن)    إحباط تهريب أسلحة وذخائر في ولاية نهر النيل    إحباط تهريب أسلحة وذخائر في ولاية نهر النيل    الهلال ينتصر بالقانون قبل أن ينتصر في الملعب    بالصورة.. ناشط سوداني يفاجئ القيادية بالحرية والتغيير حنان حسن بسؤال مثير: (هسي ياحنان الدعامة ديل كان اغتصبوك موقفك بكون شنو؟) والقيادية ترد"!!!"    بالفيديو.. "الديامة" يحتفلون بشكل هستيري.. شاهد فرحة سكان حي الديم بالخرطوم بعد عودة التيار الكهربائي للمنطقة لأول مرة منذ أكثر من عامين ونصف    أسعار الذهب ترتفع إلى مستوى قياسي جديد    نادي الصفا يُعيد قيد "التوو" ويُصعّد ثلاثة لاعبين لدعم الصفوف    رئيس هيئة أركان الجيش السوداني يطلق تصريحًا مهمًا    بقى ليك بمبي    هناك شقيق آخر لكم اسمه (السودان) غاضب بشدة من تدخلكم السافر في شئونه    السودان بين الأقوياء    إبراهيم شقلاوي يكتب: سدّ النهضة ومعضلة الأمن المائي    إبراهيم شقلاوي يكتب: السودان في المعادلة السعودية الجديدة    رئيس مجلس الوزراء السيد البروفسور كامل إدريس يتفقد وزارة الداخلية    المغرب يلجأ للكاف والفيفا "للبت في انسحاب المنتخب السنغالي"    إدارة مطار الخرطوم تقرر إزالة جميع المخازن داخل المطار خلال أسبوع    لجنة أمن محلية الخرطوم تصدر جملة من الإجراءات المشددة لحماية الغطاء الشجري    ترامب مهدداً: لم أعد ملزماً بالسلام بعد حرماني من نوبل    كاف يدين أحداث مباراة المغرب والسنغال بنهائى أفريقيا فى بيان رسمي    الخرطوم.. إنجاز جديد لمياه جبل أولياء    من الانسحاب للتتويج.. تفاصيل أخطر 14 دقيقة في نهائي إفريقيا    السودان..ارتفاع في أسعار محصول السمسم    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    الشرطة الأمنية ولاية البحر الأحمر تضع حدا لنشاط متهم متخصص في تهريب أجهزة كشف الذهب وتضبط بحوزته (65) جهازا بمدينة بورتسودان    مشكلة مشروع الجزيرة ليست في تبعية وحدة الري لإدارة المشروع أو بقائها داخل عباءة وزارة الري    الناشط منذر محمد يحكي مواقف جميلة مع السلطانة هدى عربي: (مرة ماشي لأصحابي قالت لي هاك أعزمهم ما تخليهم يدفعوا وعندما قررت السفر لحضور حفلها قطعت التذاكر وقالت لي انت طالب ركز في قرايتك)    عادة بسيطة لتحسين الصحة وخسارة الوزن    السلطات في السودان تعلن القبض على زعيم عصابة تهريب بشر    مدافع مضادة للطيران تعمل بالأشعة الحمراء وسط الخرطوم    بالصور.. المذيعة تسابيح خاطر ترد على سخرية الجمهور بتدوينة غاضبة: (أترفع عن الرد على كل تفاهة أو تطاول.. إحترامي للمحترمين ولا سلام ولا راحة ولا هناء لغيرهم)    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    الخبز الأسمر أم الأبيض.. أيهما أفضل لضبط سكر الدم؟    الخرطوم..الشرطة تفك غموض أضخم عملية سرقة بعمارة الذهب بالسوق العربي    ارتفاع كبير في سعر الصرف لبنك أمدرمان الوطني    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ماذا يحدث لجسمك إذا تناولت طبق سلطة كل يوم؟    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    بَلقيس مَلكة الدِّرامَا السُّودانيّة    بقرتك الخائف عليها !!    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    وطن النجوم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    مصر.. سيدة تخفي "مفاجأة" في مكان حساس لتهريبها إلى الخليج    تشكيل لجنة عليا بالشمالية لتنفيذ برنامج دنقلا عاصمة السياحة 2026    ترامب: فنزويلا ستمنح الولايات المتحدة ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    عبده فايد يكتب: السعودية تقوم حاليًا بعملية تكسير عظام للإمارات في اليمن..لكن القصة أكبر بكثير جدًا من ذلك..    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    الصحة الاتحادية تُشدد الرقابة بمطار بورتسودان لمواجهة خطر ماربورغ القادم من إثيوبيا    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    ما الحكم الشرعى فى زوجة قالت لزوجها: "من اليوم أنا حرام عليك"؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المَوْتُ تحتَ عَجَلاتِ شاحِنةٍ أجنبيّة ..
نشر في الراكوبة يوم 08 - 08 - 2015


أقرب إلى القلب:
(1) في أبريل من عام 1963م، توافقت معظم دول العالم المنضوية تحت مظلة هيئة الأمم المتحدة، على اتفاقية مُفصّلة تضبط العلاقات القنصلية بين الدول، صيغت في العاصمة النمسوية فيينا. لقد نصّت تلك الاتفاقية على وظائف القنصليات في البلدان الأجنبية، وهي مفصّلة في المادة السادسة، ومن بين فقراتها أورد لك ثلاثاً منها هيَ:
(ز) حماية مصالح الدولة الموفِدة ورعاياها -أفراداً كانوا أو هيئات في الدولة الموفد إليها، وفي حدود ما يقضي به القانون الدولي.
(ح) حماية مصالح القُصّر وناقصي الأهلية من رعايا الدولة الموفِدة في حدود قوانين ولوائح الدولة الموفد إليها وخصوصاً في حالة ما ينبغي إقامة الوصاية أو الحجر عليهم.
(ط) تمثيل رعايا الدولة الموفدة، أو اتخاذ التدابير اللازمة لضمان تمثيلهم المناسب أمام المحاكم والسلطات الأخرى في الدولة الموفد إليها لطلب اتخاذ الإجراءات المؤقتة-طبقاً لقوانين ولوائح هذه الدولة – لصيانة حقوق ومصالح هؤلاء الرعايا، في حالة عدم استطاعتهم بسبب غيابهم أو لأيّ سبب آخر-الدفاع في الوقت المناسب عن حقوقهم ومصالحهم، وذلك مع مراعاة التقاليد والإجراءات المتبعة في الدولة الموفد إليها.
أفصحتْ الفقرة الأخيرة بصريح العبارة، عن حقّ الرعايا على ممثليات بلدانهم، في حمايتهم والدفاع عن مصالحهم في البلدان الأجنبية. .
(2) يموت "محمد أحمد" المواطن السوداني، الهارب من جحيم بلده، تحت عجلات شاحنة أوروبية ثقيلة، في الطريق الرابط بين ميناء "دوفر" والعاصمة البريطانية "لندن"، ويُعلن الإعلام البريطاني أنّ القتيل "سوداني الجنسية"، ثم لا نسمع كلمة رسمية من أولي الأمر في السودان، أو من سفارة بلاده في لندن.. ! في النص الذي وضعت لك خطوطاً تحته من نصوص تلك الاتفاقية الدولية، تكون لمكتب التمثيل القنصلي السوداني في العاصمة البريطانية، مسئولية تتصل بحماية رعاياها، وحفظ مصالحهم، وذلك بالطبع بعد التأكد من تبعيتهم وانتمائهم للسودان. يموت "محمد أحمد" المواطن السوداني في هجير السودان، أو يهلك مدهوساً تحت عجلات شاحنة أوروبية، فلا يأبه أحدٌ، بل ولا يسأل أحدٌ في السودان، وكأنّ "عدم شرعية" لجوئه إلى بلد أجنبي، تمثل مبرّراً لتجاهل حيثيات موته برمتها. .! يموت "محمد أحمد" في مغامرة لجوء فاشلة، فيتلطف بالتعليق رئيس وزراء بريطانيا، ليقول إن بلاده لن تكون مأوى لمثل هؤلاء المشرّدين الهاربين من أوطانهم بطرق غير شرعية. . ! ثم لا نسمع من يُحدّث في الخرطوم عن الحادثة. لا نسمع من يعزّي في المواطن السوداني، لا من مؤسسات بلاده التي ينبغي لها أن تعلم مَن دخل ومَن تسلل ومَن عبر أراضيها، بجواز سفرٍ أو من غير جواز سفر. لم نسمع من المؤسسة المسئولة عن السودانيين بالخارج، رأياً حول الموضوع. لم نسمع من قنصلية السودان في لندن ما يفيد باهتمامها بالموضوع، وإن كنت أتوقع متفائلاً، أن يتم ذلك بأعجل إجراءٍ ممكن، مع السلطات البريطانية المعنية في العاصمة البريطانية..
(3) كلا.. لم نسمع ما يفيد بأيٍّ إجراءٍ يخرج من بين فضاءات التوقع إلى أرض الواقع، دعك عن التعزية أو التعاطف أو الاهتمام. لكن.. أليس من حقّ أسرة "محمد أحمد" السوداني الذي دهسته الشاحنة، أن تعلم ما مصير جثمانه، ومَن المسئول عن دمه المُهدر.. أم يُحسب مات انتحاراً تحت عجلات تلك الشاحنة.. ؟ ثمّة فرق بين مسىئول يحدّث عن حرص بلاده على "نظافتها" من المهاجرين غير الشرعيين، ومسئولين آخرين في بلادنا، يعيروننا آذاناً صماء، فكأن لا صلة لهم ب "محمد أحمد" السوداني، الذي لا شك غادر بلاده السودان وهو يحمل جنسيتها ووثائقها الثبوتية، وربّما حمل رقمه الوطني مخفياً في جيبه أيضاً. ولكن حين تدهسه شاحنة في أراضٍ أجنبية، يصبح نكرة لا يعرف أحدٌ عنه شيئا. يصير محضَ سوداني بلا اسم ولا عائلة ولا حتى صديق. حدثونا أن من رافقه في رحلة الهرب قد اختفى من مسرح الدهس. هو في آخر اليوم، مغامر فرّ بجلده من جحيم حقيقي أو توهّمه في بلاده، فلاذ إلى بلاد أجنبية، ليحسب من "البدون"، مُعلقاً بين سماءٍ وأرض، بلا هوية، وهو ميت تحت عجلات شاحنة أجنبية. غير أن الفضائيات كلها-وإن لم تذكر له اسما-حدّثتْ عن جنسيته السودانية، فكيف تنتظر قنصليات السودان هناك ولا تستفسر سلطات بريطانيا أو فرنسا، عن ملابسات الحادث: كيف غادر ذلك المواطن السوداني فرنسا...؟ وكيف تسلل...؟ ثم كيف لقي حتفه تحت عجلات شاحنة مسافرة بين بلدين...؟ أجل. دهست تلك الشاحنة سودانياً في أراضيها، ماذا أنتم فاعلون بالجثة...؟ ألا يملك أولياء الدم – أشخاصاً أو حكومات-لساناً له أن يطالب سلطات بريطانيا وفرنسا بالتحقيق على الأقل، إن كان في النبأ المؤسف ما يحمل السلطات السودانية على الشك حول هويته وجنسيته.. ؟
(4) حتى لو كان مجرماً، أو قد ارتكب جناية وهرب، فإن من واجب بلاده أن تلاحقه، بل أن تحرِّض من يرصد وجوده خارج بلاده، وأن يبلّغ عنه. لكن أن يموت تحت عجلات شاحنة أجنبية، وفي بلاد أجنبية، فليس أقل من المطالبة ممّن قتله أن يسلم جثته لأولياء دمه وتمثلهم في ذلك قنصلية السودان في لندن، ولن يكون مقبولاً أن يلزم أولياءُ دمه الصمت التآمري، في لامبالاة تستدرّ الأسى والخجل. ليس للضحية من وليّ دم وهو في بلاد أجنبية، إلا ولاية سفارة بلاده وقنصليتها على دمه، بحكم الاتفاقيات الدولية الملزمة.. أما ما ورد على لسان رئيس وزراء بريطانيا حول الموضوع، فإنه جاء من زاوية إرضاء ناخبيه ومواطني بلده عموماً، ليبدي حرصه على حماية أراضي بلاده من تغوّلات المهاجرين غير الشرعيين. تلك نظرة ضيقة لا تعين على فهم ظاهرة تتصاعد يوماً بعد يوم خطورة تداعياتها، إذ كل ذي بصيرة يدرك أن الحل لا يكمن في اللجوء لخيارات أمنية، فيها إغلاق الحدود بالأسلاك الشائكة، أو إحكام الضبط لتأمين الشاحنات العابرة بين البلدان. مثل تلك الحلول قد تدفعنا للاعتقاد أن ثمّة جهات رسمية قد يبلغ بها الغلو فتجيز للشاحنات في أوربا دهس طالبي اللجوء بغير حساب.. !
(5)
يتحمّل المجتمع الدولي مسئولية كبرى، إن باتَ العالم منقسماً بين أغنياء هنا وفقراء هناك. أناس ينعمون باستقرارٍ وأمانٍ في جانب، وآخرون تتهدّدهم النزاعات والحروبات في جانبٍ آخر من الكرة الأرضية. إنّ ظاهرة "قوارب الموت" العابرة للبحار، لن توقفها الإجراءات الأمنية، لا ولن تحدّ منها الأسلاك الشائكة ولا جولات خفر السواحل التفتيشية. إن القمع لن يكون حلاً معتمداً، فيما نحن نحيا في عالم يتجه إلى تفاهمٍ إنساني فاعل بين الثقافات، وإلى تشاركٍ عادل في الموارد، وإلى تعاونٍ مُنصف لاقتسام الثروات. إنّ ملف الهجرات، وموجات النزوح القاري المتفاقمة، والتي تتجاوز القوانين الوضعية في البلدان، لهو من الملفات التي آن الأوان لكي تعالج في منصّات الحوار بين الأمم.
دمُ أيّ إنسانٍ في بلده-أو في بلادٍ أجنبية- هو دمٌ غالٍ ، لا يقبل أحدٌ باسترخاصه. ذلك التزام أخلاقي وإنساني تفرضه الفطرة السويّة، قبل أن يكون التزاماً تفرضه الاتفاقيات الدولية..
+++++++
الخرطوم - أول أغسطس 2015
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.