حزب الامة المخطوف عند الجبان الخائن .. بقلم: شوقي بدري    ولاية الجزيرة: 224 حاله إصابة بفيروس كورونا و26 وفاة    تصريح من القوات المسلحة حول إدلاء أعضاء المجلس العسكري السابق بشهاداتهم حول أحداث فض اعتصام القيادة العامة    خرافة ناكوسي الصادرات وسعر الصرف .. بقلم: معتصم الأقرع    لاعبة كرة قدم سودانية أفضل من ميسي !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    حمد الريح ... الي مسافرة كيف اتت ؟ .. بقلم: صلاح الباشا    فصل الأدب عن الدين معركة متجددة .. بقلم: د. أحمد الخميسي    وداعا الفنان القامة حمد الريح .. بقلم: طيفور البيلي    تعليق الدراسة بمراكز التدريب المهني    الصناعة تعلن بدء التشغيل التجريبي لمخابز "وادي النيل" التي تنتج 1500 جوال في اليوم    عملية إسرائيلية تقلب العجوز صبي والعجوز صبية !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    رئيس مجلس السيادة يتلقى إتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي    الصحة تحذر من خطورة الموجة الثانية لجائحة كرونا    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان توضيحي حول الورشة المزمع اقامتها بعنوان السلام وحقوق الانسان    الكورونا فى السودان .. هل نحن متوكلون أم اغبياء؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    المريخ يسعى لبداية قوية في دوري الأبطال    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    بروفسور ابراهيم زين ينعي ينعي عبد الله حسن زروق    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تصورات البريطانيين واستجاباتهم للسلطان علي دينار، 1915 – 1916م

British Perceptions and Responses to Sultan Ali Dinar of Darfur, 1915 – 1916
John Slight جون سلايت
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة وتلخيص لبعض ما جاء في مقال طويل نشر بمجلة "تاريخ الاستعمار (الإمبريالية) والكومنويلث The Journal of Imperial and Commonwealth History " في عددها رقم 38 لعام 2010م، صفحات 237 – 260، عن السلطان علي دينار والبريطانيين بين عامي 1915 و1916م (عند سقوط سلطنته) بقلم دكتور جون سلايت، المدرس والباحث في قسم التاريخ بجامعة كمبردج البريطانية، ومستشار المتحف البريطاني.
وجاء في صفحة إسفيرية عن السلطان علي دينار أنه "ابن الأمير زكريا بن السلطان محمد الفضل بن السلطان عبد الرحمن الرشيد بن السلطان أحمد بكر بن السلطان أحمد قاسم بن السلطان موسي، ويمتد نسبه حتى سليمان سولونج (العربي أو الأحمر) بن الشريف أحمد سفيان (الملقب بأحمد العقور) الذي أتى من تونس بشمال افريقيا، وتزوج ابنة السلطان شاودو رشيد خيرا، ونشأ من هذا التزاوج أسرة الكيرا نسبة لجدتهم خيرا . ولا يعرف تاريخ ميلاده تحديدا، والأرجح أن يكون قد ولد في قرية الشاواية/ شوية غرب مدينة نيالا بين أعوام 1865 و1870م. ووالدته هي أم كلثوم المنصورية. وسبق له أن ساند عمه السلطان "أبو الخيرات" في تمرد "أبو جميزة ". وهو آخر سلاطين دارفور الاسلامية، حيث استمر حكمه من 1898م وحتى يوم 6 من نوفمبر 1916م وهو يؤم المصلين في صلاة الصبح".
ولدكتور اسلايت اهتمام بحثي بتاريخ ساحل البحر الأحمر، وله كتاب صدر في عام 2015م عن الإمبراطورية البريطانية والحج The British Empire and the Hajj" " ومقالات تاريخية أخرى.
المترجم
**** **********
لخص أحد الكتاب البريطانيين غزو بلاده لدارفور بالقول:" لقد صرف الانشغال بالحرب العالمية (الأولى) أنظار الناس عن سقوط تلك السلطنة البربرية ... وبسقوط الفاشر اختفت آخر بقايا سيطرة الدراويش على السودان".
ويدور هذا المقال حول داء الزور / البرانويا (paranoia) الذي أصاب العقل الاستعماري من خطر الإسلام المتعصب المحارب والذي كان يمثله شخصيا السلطان علي دينار، المتهم بأنه وثيق الصلة بجهات معادية. فقد كان البريطانيون على ثقة من أن السلوك الحربي المعادي الذي أظهره السلطان لهم لا بد أن مبعثه هو علاقات وثيقة وتواطؤ مع الخلافة (الإسلامية) العثمانية والألمان. ولهذا أقدم البريطانيون على غزو دارفور وقتل سلطانها وضم سلطنته لبقية أقاليم السودان المستعمرة، وأشاعوا دعايات تفيد بأنه كان لذلك السلطان "صلات خارجية خبيثة" أثرت عليه وشجعته على التمرد والعصيان والحرب. وتفادت السلطات البريطانية الحديث عن العوامل المعقدة التي سببت وشكلت موقف السلطان العدائية تجاهها، والتي شملت الصراعات الداخلية في السلطنة آنذاك، و الضغوط التي كان المجتمع الدارفوري يعاني منها، والتي كان من شأنها أن تحد من فعالية توجهات السلطان "الجهادية.
ولم يحظ هذا الجانب في التاريخ الإستعماري بكثير اهتمام من الباحثين سوى ما أتى به أ. ب. ثيوبولد في كتابه عن حياة علي دينار الصادر في 1965م، ومارتن دالي في كتاباته عن السودان الإنجليزي – المصري، وعن دارفور. بينما لم يقدم السير ريجنالد وينجت حاكم عام السودان إلا روايات مختصرة عن الرجل، ولم يتعرض لأي حدث يتعلق بتصورات البريطانيين عنه باعتباره حاكما إسلاميا نمطيا متطرفا ومتشددا. وترافق ذلك مع الاعتقاد الراسخ بأنه كان متواطئا مع الخلافة العثمانية والألمان، وتمخض ذلك كله عن تسويغ للغزو. وفي مقابل ما كتبه ثيوبولد ودالي، سجل اوفاهي في عدد من مقالاته الكثير عن علي دينار مستعينا بالوثائق العربية التي عثر عليها في سجلات ومدونات السلطات. غير أنه كان مهتما في الأساس بسياسات علي دينار الدينية، وجهوده الرامية لبناء الدولة، وليس بسياسات المستعمر البريطاني وتوجهاته نحو آخر حكام دارفور المستقلين.
ونبحث هنا في وثائق الحكم البريطاني المتعلقة بإعتبار البريطانيين علي دينار "مسلما متطرفا متشددا" و"متآمرا مع الأتراك والألمان". ونبحث أيضا في نظرة المستعمر البريطاني له بعد احتلاله لدارفور، ودوافع الرجل ونوازعه التي دعته لإعلان "الجهاد" ضد البريطانيين، وفي رأي الدارفوريين العاديين في تحدي سلطانهم لأكبر قوة في المنطقة، وفي ذلك التحدي الذي أودى به وبسلطنته في نهاية المطاف.
وكان علي دينار قد أختير سلطانا في عام 1891م عن طريق عشيرته "الكيرا". غير أنه استسلم للقوات المهدية في العام التالي. وظل حبيسا فى حاشية الخليفة عبد الله في أمدرمان، مع الحبيس بين الحاشية الآخر رودلف سلاطين. وفي أوائل سبتمبر من عام 1898م، وقبيل معركة كرري، فر علي دينار من أمدرمان برفقة عدد من زعماء دارفور إلى الفاشر ليستعيد حكمه المتوارث، وليعيد بناء سلطنته المفقودة من جديد في حاضرتها الفاشر. ولما كان البريطانيون في شغل شاغل للقضاء على ما تبقى من جيوش الخليفة وبتثبيت دعائم حكمهم، آثروا الاعتراف بعلي دينار سلطانا على دارفور، إلا أن وينجت باشا كان مصرا في عام 1900م على رفع العلم البريطاني في الفاشر، على الرغم من معارضة رئيسه اللورد كرومر في مصر.
وانتهى الأمر بقبول السلطان علي دينار بالسيادة البريطانية ودفع جزية سنوية للحكومة في الخرطوم. ولم يكن للسلطان من خيار في ذلك الأمر، إلا أنه ظل، رغم ذلك، لا يعد نفسه تابعا لبريطانيا. فقد كان يرى (ويوافقه في ذلك غالب من معه) أنه غدا حاكما شرعيا لدارفور دون عون أو تدخل من بريطانيا، ولم يقبل بدفع الجزية إلا دَرْءاً لتدخل تلك القوة العظمى الجديدة في الخرطوم. وظلت العلاقة بينه وبين البريطانيين علاقة فاترة ومتباعدة، ولم يحدث أن زار في عهده أي مسئول بريطاني قط ، واكتفى الاثنان بالتفاهم عن طريق المكاتبات (جاء في هوامش المقال أن السلطان كان كثيرا ما يخبر كاتبه بما يود نقله في خطاباته للخرطوم مستخدما لغته الأصلية، ثم تترجم الخطابات للعربية، وترسل للخرطوم. وهنالك يقوم مسيحيون شاميون بترجمة تلك الخطابات للإنجليزية. ولعل بعض الخلط وسوء الفهم لتك الخطابات قد نشأ عند البريطانيين بسبب عدم فهم المترجمين الشاميين الكامل لدلالة ونبرة (tone) بعض ما ورد في تلك الخطابات. المترجم).
ولم يلق السلطان علي دينار بالا لقيام الحرب العالمية الأولى، إذ كان منشغلا بإحكام سيطرته على قبائل دارفور، وحل مشاكل ملكية الأرض فيها، وإعادة بناء المساجد، وبسط الأمن والنظام في سلطنته، والتي كانت قد مزقتها الصراعات والفوضى في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ولكنه في أبريل من عام 1915م رفض أداء الجزية المفروضة عليه من الحكومة في الخرطوم ، وأعلن الجهاد ضد البريطانيين (في هذا السياق كان ذلك الأمريعني إعلان الحرب للدفاع عن مواطنيه المسلمين)، وهدد بالزحف على بقية مناطق السودان والاستيلاء عليها، رغما عن عدم توفر الإمكانيات العملية لديه لفعل ذلك. ونتيجة لذلك الموقف قرر ونجت باشا (والذي كان متحرزا وحذرا من علي دينار طوال السنوات الماضية) في يوليو 1915م أن الوقت قد حان لغزو دارفور. وكان ذلك المنحى في التفكير عند ونجت يعكس التخوفات البريطانية حول الأمن في الحكم الاستعماري في السودان ، خاصة مع قلة الوجود العسكري البريطاني فيه.
وزادت الخشية من وقوع ثورات مهدوية بسبب إعلان علي دينار للجهاد ضد المستعمرين من قلق البريطانيين ، وتخوفوا من التأثيرات الشنيعة المتوقعة للقوى المركزية Central Powers على السلطان حال اشتعال الحرب (المقصود بالقوى المركزية تحالف قوى الألمان والأتراك والمجريين والبلغار. المترجم). وتولدت لدى البريطانيين قناعة راسخة بأن السلطان ضالع في مؤامرة مع الألمان والأتراك ترمى لزعزعة الأمن والاستقرار في المستعمرات البريطانية.
ونالت فكرة غزو دارفور موافقة وزارة الخارجية البريطانية في 1/5/1916م. وجاء في وثيقة من وثائق تلك الوزارة أن جنديا بريطانيا كتب ما يفيد أن البريطانيين "سيذهبون لمنطقة لم تطأ أرضها أقدام رجل أبيض من قبل". ولم تصادف القوة الحكومية الغازية مقاومة تذكر من المدنيين بالإقليم، وتمت هزيمة جيش السلطان في "برنجية" يوم 23 مايو 1916م، واحتلال مدينة الفاشر بعد ذلك بيومين . ومنذ ذلك اليوم صارت دارفور تدار من الخرطوم. وناصَ علي دينار من عاصمته ولكن تمت مطاردته وقتل في 6/11/1916م (قتل السلطان في كولمي برصاص قناصة هدلستون بك. المترجم).
وتذهب التفسيرات البريطانية المعاصرة لتحدي السلطان علي دينار إلى تصورات راسخة عند المسئولين البريطانيين عن بعض الزعماء الإسلاميين، إضافة لشبح ما قيل إنه "مؤامرة" ألمانية – تركية تورط في حبائلها السلطان علي دينار. وظل المسئولون البريطانيون يكررون أن علي دينار ما هو إلا حاكم مسلم متعصب وطاغية مستبد. وضاعف عدم استقرار الأوضاع الأمنية بالسودان، إضافة لقيام الحرب العالمية الأولي ضد الحلف الألماني – التركي من قناعتهم بضلوع السلطان في مؤامرة مع هؤلاء الأعداء ضدهم. وكان ذلك بالنسبة لهم مسوغا كافيا للقيام بغزو دارفور.
غير أن هنالك تفسيرات أخرى محتملة دعت البريطانيين لغزو دارفور ؛ فذلك الإقليم الغربي هو امتداد للعالم السوداني ( (Sudanic world الذي يحيط ببحيرة تشاد ، وليس جزءا من وادي النيل. وكان هذا يعني للبريطانيين أن اهتمام وتفكيرعلي دينار سينصب على محاولات الفرنسيين التوغل والزحف على دارفور، مثلما حدث في وداي عام 1908م، مع احتمال دخولهم لدار مساليت المجاورة لمناطق النفوذ الفرنسي. ولابد أن علي دينار كان يدرك أن سلطنته هي الهدف التالي للقوى الاستعمارية الأوربية. وبالفعل كان الفرنسيون والبريطانيون قد أبرموا معاهدة تقضي بتفتيت وداي ودارفور. غير أن تلك المعاهدة لم تنفذ قط حتى بداية الحرب العالمية الأولى. ولا يعتقد أن علي دينار كان يعلم شيئا عن تلك المعاهدة ، ولكنه ربما شك في وجود استراتيجة غربية من ذلك النوع.
وفي أجواء الغضب والاحتقان (في العالم الاسلامي) الذي أعقب عزل الخديوي المصري عباس حلمي في 19 /12/ 1914م، والذي لا شك أصاب علي دينار أيضا، قرر علي دينار القيام بعمل معياري يتوقع من أي حاكم مسلم معتصم بعقيدته ، ألا وهو إعلانه للجهاد دفاعا عن دارفور وعن رعيته المسلمة (خلع البريطانيون الخديوي عباس حلمي بمرسوم جاء فيه: " يعلن وزير الخارجية جلالة ملك بريطانيا العظمى أنه بالنظر لإقدام سمو عباس حلمي باشا خديو مصر السابق على الانضمام لأعداء جلالة الملك رأت حكومة جلالته خلعه من منصب الخديوي". المترجم). غير أنه يجب القول هنا إن جهاد علي دينار لم يكن له أدنى صلة بالمهدية أو "التشدد / التعصب". ولعل موقفه الجهادي ذاك كان يشابه موقف الأمير عبد القادر في الجزائر والذي كان يقاوم الاستعمار الفرنسي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وأحمد الشريف السنوسي الذي كان يناضل ضد الاستعمار الإيطالي لليبيا منذ عام 1912م. ويشى إعلان على دينار للجهاد بأنه كان يدرك أن بريطانيا كانت ستطبق على سلطنته لا محالة، وكان باستباقه لذلك الحدث قد أعلن الجهاد ضد فرض حكم أجنبي مسيحي على سلطنته، من أجل تعبئة شعبه في الداخل ، ولنيل العون من الخارج أيضا.
غير أن العامة من الدارفوريين لم يلقوا بالا أو يعلقوا أهمية كبيرة لإعلان السلطان للجهاد، بدليل عدم مشاركتهم في مقاومة الغزو البريطاني. وعد البريطانيون ذلك دليلا على صحة موقفهم من أن علي دينار طاغية مستبد ومتعصب غير محبوب عند شعبه. غير أنه من الجائز أيضا افتراض أن سكان دارفور كانوا مدركين لعدم جدوى مقاومة الجيش البريطاني الغازي ، لعلمهم بمدى قوته المدمرة وأسلحته الفتاكة (مثل مدافع المكسيم) والتي كانت قد استخدمت بفعالية قاتلة في معركة أمدرمان في 1898م ، حين قتل يومها ثلث جنود المهدية في وقت قصير. ولا بد أنهم قد سمعوا عن شراسة كتشنر في الحرب، حيث لم يسمح للأطباء بالنزول إلى أرض المعركة لمداواة الجرحى إلا بعد ثلاثة أيام من إنتهاء القتال ، وبتتبعه لفلول جيش المهدية والقضاء عليه لاحقا. لذا لم يكن من المستغرب ألا يخفي على دينار في مذكراته الموجزة ، وبحسب ما جاء في كتاب لاوفاهي ، تشاؤمه حول مصير سلطنته . وقوى ايمانه بالقضاء والقدر ما كان يراه من ضعف المجتمع الدارفوري وارهاقه من جراء الفوضى العامة والمجاعات (مثل جولى Julu) والحروب المتوالية عند نهايات القرن التاسع عشر (أنبأني خبير بأن سنة (جولى) مجاعة شهيرة جدا في عهد علي دينار. وكما عرفت المجاعة على عهد الخليفة بمجاعة "سنة ستة" ، أي بتاريخها، كذلك عرفت لدى الفور ب "سنة جولى"، وربما كان للكلمة نطق مختلف لبعض رعايا على دينار من غير الفور. المترجم).
وظل البريطانيون في كتاباتهم الرسمية والخاصة يداومون على وصف علي دينار بأنه "طاغية" و"أصولي متعصب متشدد"، ويؤكدون بأن ما من أحد من إدارتهم قد زار دارفور قط (وهي تحت سيطرته).
ولم تسع الإدارة البريطانية لفهم علي دينار إلا من خلال الرسائل التي كان يبعث بها للخرطوم، وهي كما أسلفنا كانت طريقة المفاهمة الوحيدة التي كانت بينهما. وتفاوتت تفسيرات البريطانيين لتلك الرسائل ، فالخطابات التي وصلت للخرطوم من ذلك السلطان في أبريل من عام 1915م وصفت بأنها تمثل "شعورا دينيا قويا من أحط ... الأنواع "، بينما وصف ونجت السلطان في يوليو من ذات العام بأنه "**** مستبد petty despot"، وبأن خصاله الرئيسة تنحصر في الكرامة الشخصية ، واالارتياب المتأصل ، والتعصب الأعمى.
وتفاوتت أيضا تصورات البريطانيين حول مؤهلات علي دينار الدينية. فهارولد ماكمايكل (والذي كان مكلفا بجمع المعلومات الاستخبارية عن دارفور في الشهور القليلة التي سبقت الغزو) كان يرى أن علي دينار "رجل مدفوع بالخرافة والتنكر والتخفي masquerading وليس بالتقوى" . بينما دأب وينجت على وصف علي دينار بأنه "متعصب ديني"، وكانت تلك التهمة عنده إحدى مسوغات الغزو البريطاني لدارفور. غير أن ونجت نفسه كان قد أرسل خطابا ( محفوظ الآن في دار الوثائق وكتب على ظرفه "شخصي جدا") لمسئول التنسيق بين حكومة السودان والسلطات المصرية بالقاهرة ، السير قيلبرت كليتون ، قارن فيه بين "الثورة العربية" التي كان مبعثها الدين، وبين ما قام به علي دينار من تمرد، ونفى عنه أي صفة دينية. غير أنه من المعروف أن رسائل ونجت الشخصية كانت تتفاوت دوما في الآراء التي تتضمنها بحسب الأشخاص المرسلة إليهم . وكانت آراء وملاحظات البريطانيين اللصيقين بالسودان والمدركين لأحواله عن قرب تختلف عن تلك الآراء التي كان يحملها رؤساؤهم خارجه ، والذين كانوا لا يرون في علي دينار إلا "رجلا محمديا شديد التعصب ، وداعية للجهاد ضدهم".
وأسهب ماكمايكل في ذم نظام حكم (governance) علي دينار، وقدر أن النظام الإداري بدارفور نظام فاسد ؛ فعلي دينار في نظره كان يحب أن يراه الناس "مستبدا عادلا، وداهية فطنا خيرا"، إلا أن خلفيته لم تكن إلا "خلفية استبداد ومكر". ورغم أن نظام الضرائب في دارفور كان على النمط الإسلامي (الزكاة)، إلا أن جبايتها كانت تتم بطرق فاسدة وشديدة القسوة والعنف.
وقد يرى البعض أن ذم ماكمايكل المفرط لنظام حكم علي دينار كان دافعه تعزيز حجج الداعين لاسقاط نظام ذلك السلطان. غير أنه من الثابت أن تقريرا حربيا سريا كان قد صدر في عام 1903م وصف الأحكام والعقوبات التي كان يمارسها نظام علي دينار من رجم للزناة بالحجارة أو ضربهم حتى الموت بالعصي بأنها "مفرطة البربرية". وكان ونجت يرى أن ظلم علي دينار لشعبه، وفرط طغيانه، وسوء إدارته لسلطنته قد جعلت منه حاكما غير محبوب عند شعبه. ونقل وينجت تلك الآراء لرؤسائه في القاهرة لتلطيخ سمعة علي دينار من أجل اقناعهم بضرورة غزو دارفور واسقاط نظامها "الفاسد".
ومن أمثلة الأحكام القاسية التي نسبها ونجت لعلي دينار (ووردت في كتاب "إمبراطورية على النيل" لدالي، وفي كتاب "سلطنة دارفور" لاوفاهي) هي ما قضى به على مولود صغير أنكر والده نسبته إليه، فأمر السلطان بإحضار المولود وأمه، ووضع المولود في هاون(هاوون) ودَقُّه حتى غدا كتلة من اللحم المفروم ، ثم أمر الأم بالتهام لحم وليدها المَدْقوق وهو ينظر. والقصة برمتها مختلقة من الأساس كما ثبت لكثير من المؤرخين لاحقا، غير أنها كانت شديدة الفاعلية في تأليب الرأي العام المحلي والخارجي ضد علي دينار وسلطنته. وفي خطاب آخر لصحافي بريطاني وصف وينجت علي دينار بأنه "أشد شرا وخطرا من الخليفة عبد الله"، والخليفة عنده بالطبع هو "المثل الأعلى" للحاكم المسلم المتمرد علي الحكم البريطاني. وصدق ذلك على حكام مسلمين آخرين مثل محمد عبد الله حسن في أرض الصومال ، الذي نعته الرسميون البريطانيون ب "الملا المجنون" لأنه كان قد قاد "جهادا" ضدهم بين عامي 1899 – 1920م (وألحق بهم هزائم فادحة – المترجم) .
وشن البريطانيون حملة دعائية ضخمة ضد علي دينار قبيل غزو دارفور،إذ قاموا بإسقاط منشورات على الفاشر مكتوبة باللغة العربية ضد السلطان جاء فيها أن "علي دينار قد قتل زعماءكم، ونهب ممتلكاتكم، وباع نساءكم وأطفالكم". وجاء في بعضها أيضا عبارات تنم عن الشفقة والحساسية مثل "... أفعال علي دينار الشريرة هي ما تدعونا لإنقاذ البلاد من طغيانه...". وكانت مثل تلك العبارات قد استخدمت من قبل لتبرير غزو السودان في 1898م ، مع ملاحظة أن علي دينار كان شديد الكراهية للمهدية ، وكان يحملها مسئولية عزل دارفور وإحداث غالب مشاكلها.
وكانت الإدارة البريطانية بالسودان تتحسب من التأثير الديني القوي للحركة المهدوية، ولأي دعوة أخرى تنتسب إلى الإسلام وتعارض حكمها. لذا قامت بتبني سياسة تدعم "الإسلام التقليدي"، وذلك ببناء المساجد والخلاوي ، ورعاية القائمين عليها. وعملت علي الحفاظ على علاقات ودية مع العلماء، وأعداء المهدية من أمثال رجال الطرق الصوفية، خاصة الطائفة الختمية (والتي منح زعيمها السيد علي الميرغني أعلى وسام بريطاني هو وسام القديس مايكل وسانت جورج CMG في عام 1900م). وعقب عام 1914م تدافع زعماء الطرق الصوفية للعمل في خدمة الحكومة وأهدافها، ووقع معظمهم على وثيقة ولاء للإدارة البريطانية.
وأبدى البريطانيون نفاقا كبيرا بعد غزو وضم دارفور للسودان ، فذكر ماكمايكل أن السلطان علي دينار كان بالفعل حاكما مقتدرا. ولم يزد عدد الموظفين البريطانيين في دارفور منذ ضمها للسودان وحتى عام الاستقلال في 1956م عن تسعة موظفين. وربما كان ذلك لأسباب اقتصادية بحتة. غير أنه من الثابت أن الإدارة البريطانية لدارفور كانت قد سارت في ذات سياسة علي دينار الفعالة في إدارة ذلك الإقليم الشاسع بعدد قليل من الموظفين الرسميين.
ويبدو أن السلطان علي دينار كان سيظل "متخفيا" في عاصمته الفاشر بعيدا عن حكومة الخرطوم لولا قيام الحرب العالمية الأولى، ودخول الخلافة العثمانية في صدام مع الحكومة البريطانية في أكتوبر من عام 1914م . وبتلك المواجهة ، غدا السلطان علي دينار في عيون الاستعمار البريطاني مهددا خطيرا لحكمه واستقراره ، بل وشريكا لعدويه اللدودين الألمان والأتراك، ومتضامنا مع الطائفة السنوسية في هجومها علي مصر عام 1915م.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.