شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة سودانية تعود لمنزلها وتكتشف أن الأهالي قاموا بتحويله لمقابر دفنوا عليها موتاهم    شاهد بالفيديو.. إيمان الشريف تشعل حفل زواج عروس "منقبة" بأغنية "الخزان"    رئيس الوزراء يوجه سفارة السودان بالمملكة العربية السعودية بتقديم كافة أشكال الدعم للطفلة العنود الطريفي    شاهد بالصورة والفيديو.. عروس سودانية تهدي المعازيم في حفل زفافها مئات الدولارات    "المليشيا" تحتجز طلاب الشهادة الثانوية في غرب كردفان    السودان وبريطانيا يختتما جولة مباحثات ثنائية ببورتسودان بتوافق على دعم الأمن وتفعيل العلاقات الثنائية    شاهد بالصور والفيديو.. عروس الموسم الحسناء "هند" تخطف الأضواء في جلسة تصوير زفافها وتستعرض جمالها بوصلة رقص ملفتة    بالأرقام.. بنزيما ورونالدو الأكثر إهداراً للفرص في دوري روشن السعودي    الجسر يبدأ برنامجه الإعدادي بملعب الانيق    ماذا سيطلب ترامب من القاهرة مقابل حل أزمة سد النهضة؟    فرنسا تقر حظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 15 عاماً    الصادق الفاتح يشهد توقيع المصري محمد نبيل    بنك التنمية الأفريقي يرصد 379.6 مليون دولار للسودان    الإعيسر يهنئ تلفزيون السودان على تقديم العرض الرئيسي للأخبار من استديوهاته من أمدرمان    واشنطن مستعدة للتعاون مع طهران إذا "رغبت إيران في التواصل"    في صفقة من العيار الثقيل الهدف.. يكسب درة نجوم دامر المجذوب    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    حسين خوجلي يكتب: وأخيرًا وقعت في يدنا برقية الشيطان الرجيم إلى السفاح عبد الرحيم التي يقول نصها:    البرهان يفجّرها مدويّة بشأن التمرّد    فرنسا تحدد موقفها من مقاطعة مونديال 2026    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    اتحاد الكرة يصدر عقوبات صارمة    حبس البلوجر هدير عبدالرازق وأوتاكا 3 سنوات وغرامة 100 ألف جنيه في نشر فيديوهات خادشة    توضيح هام من الفنان مأمون سوار الدهب بعد اتهامه بالتلميح لطيقته بعد زواجها: هذا السبب هو الذي دفعني لكتابة "الحمدلله الذي اذهب عني الاذى" وهذه هي قصة أغنية "اللهم لا شماتة" التي رددتها    تمارين الرياضية سر لطول العمر وتعزيز الصحة    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الإتقان... عنوان احتفالات الشرطة المصرية في عيدها ال74    طفرة تقنية ونقلة نوعية بإتحاد القضارف    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    الفنان مأمون سوار الدهب يخرج عن صمته ويكشف الحقائق: أبارك لطليقتي "هند" الزواج وهذا سر منشوري المثير للجدل "…."    لماذا اعتذر محمد صلاح للاعبي منتخب مصر خلال كأس إفريقيا؟    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    كيليان مبابي يمسح دموع براهيم دياز "المجروح" بواسطة بانينكا    "أوميغا 3" صديق القلب.. هل يربك سكر الدم؟    من يدفع تكلفة رسوم ترمب الجمركية؟    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    بعد فرنسا.. أميركا تسجل تسمم عشرات الأطفال بحليب ملوث    السودان.. انهيار منجم ذهب    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    الخرطوم.. حملة أمنية تستهدف أوكارًا بشرق النيل    بعد زيادة سعر الدولار الجمركي..غرفة المستوردين تطلق الإنذار    السلطات تحبط محاولة تهريب لمناطق سيطرة الميليشيا    وصول مدير عام السكة حديد إلى أبوحمد لاستقبال قطار الصيانة وتأهيل خطوط السكة الحديد    انتهاء إعفاء الهواتف المستوردة من الرسوم في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    إحباط تهريب أسلحة وذخائر في ولاية نهر النيل    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    مصر.. سيدة تخفي "مفاجأة" في مكان حساس لتهريبها إلى الخليج    ترامب: فنزويلا ستمنح الولايات المتحدة ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أزمة العلاقات الخليجية: في أسباب الحملة على قطر ودوافعها
نشر في الراكوبة يوم 06 - 06 - 2017


05 يونيو، 2017
وحدة تحليل السياسات
(لعل من أكثر الأمور كآبة أن نقتصر في تحليلنا على الأزمة الخليجية والعربية على ما سيكون عليه موقف السودان من أقطابها المتنازعة. لو فعلنا ذلك كنا من غمار المعارضين لنظامنا الحاكم. وسنكون معارضين أسوياء متى نفذنا إلى الأزمة في مصطلحها وتاريخها وعواقبها وتَكّون لنا رأي مجتهد في أزمة واقعة في نطاق من نطاقات بلادنا الحيوية: العالم العربي. وهو رأي نذيعه ونستقطب له الجمهور الأغزر طلباً لتكوين الكتلة الحاسمة التي ستملي على الحكومة نفسها أي طريق تنهج في هذا الإشكال العربي والدولي العصيب. ليس هذا وقت للشماتة في الحكومة: لا عطفاً عليها ولكن استهواناً لها. فلنا مرة أخرى جنود سودانيون في وغى هذه الحرب ونريد لهم بيئة آمنة من وضاعة المساومات والذيلية وأكثر أماناً حين نخرجهم من الحرب سالمين آمنين. الأمر كثيف و"جهجهة" الحكومة مسلية لو كان هذا غرضنا من المعارضة.
وعليه رأيت أن أشرككم في هذا التقرير الصادر اليوم من المركز العربي للأبحاث وتحليل السياسات في قطر لتروا وجهة نظر قطرية مكتوبة بصورة علمية قابلة للخلاف لا للإهمال. وأملي منها أن تغطي فجوة في عرض الرؤى المتنافسة لغلبة الرأي المعادي لقطر في إعلام اليومين الماضيين. وللشفافية فعارض التقرير عليكم، أنا، ممن استفاد كثيراً من الفرص التي اتاحها المركز مشكوراً بالكتابة لمؤتمرات علمية ناضجة في قضايا العرب والعالم ومنها مسألة الإرهاب) فإلى التقرير:
صحا القطريون فجر الرابع والعشرين من أيار/ مايو 2017 على وقع حملةٍ إعلاميةٍ شديدةٍ قادتها وسائل إعلام إماراتية وسعودية نسبت تصريحات إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني تبيّن أنها مفبركة بصورة كاملة. فقد جرى اختراق وكالة الأنباء القطرية بعد منتصف ليل الثلاثاء/ الأربعاء 23/ 24 أيار/ مايو ونشر تصريحات زُعِم أنّ أمير دولة قطر أدلى بها في حفل تخريج الدفعة الثامنة من منتسبي الخدمة الوطنية الذي جرى صباح اليوم السابق. وعلى مدى أسبوعين تقريبًا تناولت وسائل الإعلام الإماراتية والسعودية قطر وسياستها، ووصل الهجوم حدًا خرج فيه حتى عن الأعراف والتقاليد العربية الخليجية، من خلال تناول العائلة الحاكمة القطرية بالنقد والتجريح.
وبأسلوب الصدمة أيضًا، وفيما يشبه إعلان حرب، أعلنت كلٌ من السعودية والإمارات والبحرين ومصر صباح الخامس من حزيران/ يونيو قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع قطر، وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية معها، ومنع العبور في أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية، ومنع مواطنيها من السفر إلى قطر، وإمهال المقيمين والزائرين من مواطنيها فترةً محددةً لمغادرتها، ومنع المواطنين القطريين من دخول أراضيها وإعطاء المقيمين والزائرين منهم مهلة أسبوعين للخروج.
جذور الأزمة
تميّزت السياسة الخارجية القطرية منذ عام 1995 بالدينامية والمرونة والقدرة على المناورة ومحاولة إيجاد علاقات متوازنة مع أكثر القوى الإقليمية والدولية. فبنت قطر علاقاتٍ متينةً مع الولايات المتحدة الأميركية، واستضافت في "العُديد" إحدى أكبر القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، في الوقت الذي انفتحت فيه على القوى الإقليمية الأخرى على الرغم من التناقضات الكبيرة فيما بين هذه الدول. وقد انفتحت قطر على المبادرات والمؤتمرات الحوارية التي غدت جزءًا من أدوات السياسة الناعمة التي تستخدمها، وأطلقت ثورةً إعلاميةً عبر إنشاء قناة الجزيرة، وشرّعت من خلالها الباب أمام مناقشة قضايا كانت تعد "تابوهات" في الفضاء السياسي العربي المغلق. فقد عملت الجزيرة على استضافة مثقفين وإعلاميين وناشطين من مختلف التيارات السياسية والفكرية الليبرالية والقومية واليسارية والإسلامية، وتناولت أكثر القضايا حساسية في العالم العربي. وعلى الصعيد الداخلي، اتسمت سياسة قطر بالانفتاح؛ فأولت قضايا المرأة اهتمامًا كبيرًا، وقامت بلبرلة التعليم وفتح فروع للجامعات الأميركية، وفتحت المجال لقيادات إسلامية منفتحة كي تقوم بدورٍ مؤثرٍ في تجديد الخطاب الديني. وفي الوقت ذاته، سمحت ببناء كنائس جرى تمويلها بتبرع من أمير قطر نفسه.
ومنذ منتصف التسعينيات، مثلت التوجهات القطرية، وبخاصة في السياستين الخارجية والإعلامية، مصدر إزعاجٍ لبعض الحكومات، وكانت مادةً لعنوان تأزّمٍ دوري في العلاقات مع هذه الدول على امتداد العقدين الماضيين، وبصورة خاصة السعودية.
ووقفت قطر بقوة ضد العدوان الإسرائيلي على لبنان وغزة. ومع انطلاق ثورات الربيع العربي، حاولت الدول العربية تحميل الإعلام وقطر المسؤولية عنها في تهربٍ من عملية محاسبة للنفس على الأخطاء والسياسات التي قادت إلى الحالة الثورية عربيًا. وقد ازدادت الضغوط على النظم العربية في ضوء النموذج الحضاري الذي قدمه الشباب العربي في الساحات والميادين العامة، وأثار إعجاب الغرب والعالم، وجعل الولايات المتحدة تتخلى، أمام هذا النموذج السلمي والراقي في التغيير، عن أكثر حلفائها قربًا، كما حصل مع نظام حسني مبارك في مصر.
وفيما كانت قطر وقناة الجزيرة تؤديان أكثر أدوارهما حيوية ومحورية في المنطقة العربية خلال هذه المرحلة، كانت النظم العربية تعيش مرحلة انكماشٍ ودفاعٍ عن النفس، محاولةً الانحناء للعاصفة ريثما تهدأ. لكن الأمور لم تلبث أن تغيّرت بسرعة.
مثّل عام 2013 نقطةً مفصليةً في سياسة قطر الخارجية؛ إذ بدأ المد الثوري بالانحسار نتيجة أخطاء وإخفاقات لقوى الثورة، وعنف الأنظمة، ولا سيما النظام السوري وأخطاء الإسلاميين في الحكم في مصر وطموح العسكر للعودة إلى الحكم، وتعقيدات الوضعين السياسي والاجتماعي العربيين. وبدأت قوى النظام القديم والثورة المضادة تستجمع قواها استعدادًا لهجومٍ مضادٍ كبيرٍ، وحققت اختراقين مهمين: الأول في مصر حيث تمكّن الجيش، بدعمٍ فاعلٍ من دول خليجية أهمها السعودية والإمارات، من الانقلاب على العملية الديمقراطية ووضع حدٍ لإفرازات ثورة 25 يناير ونتائجها. والثاني في سورية، حيث تمكّن نظام الأسد بفضل الدعم الإيراني من الصمود في وجه قوى الثورة والمعارضة والانتقال إلى الهجوم العسكري المضاد. وقد عُرفت هذه المرحلة بمرحلة الثورات المضادة التي قادتها الإمارات والسعودية، والتي حمّلت قطر مسؤولية محاولة إفشال مساعيها في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإلغاء كل ما ترتب على ثورات الربيع العربي. وبعد الانقلاب العسكري في مصر، تفجّر الخلاف بشكل علني بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة، وقطر من جهة أخرى، وانتهى بسحب الدول الثلاث لسفرائها من قطر مطلع عام 2014، واستمرت الأزمة نحو تسعة أشهر. لقد كان شرطهم أن تدعم قطر الانقلاب العسكري. وفي حينه كان العالم أجمع يرى فيه انقلابًا عسكريًا، وكان دعم الانقلاب في مصر موقف الأقلية دوليًا، وحتى أفريقيًا.
توقفت الأزمة الخليجية في ذلك الوقت عند حدود سحب السفراء ولم تتخذ أبعادًا أكبر نتيجة حالة القلق التي انتابت عواصم الدول الخليجية من سياسات إدارة أوباما الثانية؛ فبعد أن أيّد أوباما في ولايته الأولى ثورات الربيع العربي، حاول في ولايته الثانية التقرّب من إيران أملًا في إبرام اتفاقية لحل أزمة برنامجها النووي. وقد أدت سياساتُ أوباما الاسترضائية تجاه إيران، وشعورٌ خليجي بالتخلي الأميركي، إضافة إلى تنامي سياسات الهيمنة الإيرانية، إلى إحساسٍ خليجي عامٍ بالضعف؛ ما دفع السعودية والإمارات تحديدًا إلى تأجيل خلافاتهما مع قطر، وخاصة مع الحاجة إلى دعم قطري إعلامي ومالي وعسكري مع بدء الحملة على اليمن مطلع عام 2015. وقد وضعت قطر ثقلها في دعم الحملة السعودية - الإماراتية في مواجهة المليشيات الحوثية التي انقلبت على الشرعية وسيطرت على العاصمة صنعاء في أيلول/ سبتمبر 2014.
تجدّد الأزمة
عندما انطلقت الحملة الإعلامية على قطر قبل نحو أسبوعين، مثّل هذا استئنافًا لصراعٍ قديمٍ حول دور قطر ومواقفها وسياستها الخارجية لم تسمح الظروف السابقة بحسمه، علمًا أنّ قطر التزمت المواقف الموحدة لدول الخليج العربية في أكثر القضايا الإقليمية أهمية في سورية واليمن والموقف من إيران والحرب على الإرهاب.
ومع انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، استعادت السعودية والإمارات الثقة بالنفس، ونشأ تحالف بين ولي عهد أبو ظبي وولي ولي العهد في السعودية، لأسباب داخلية وخارجية. وعادت القيادتان إلى سياستهما الهجومية، وبدأت بالتعبئة ضد قطر في وسائل إعلام غربية وأميركية عديدة، وصولًا إلى قمة الرياض التي قدّمت مؤشرات على وجود أزمة مكبوتة في العلاقات مع قطر، كان أبرزها محاولة تهميش الحضور القطري وبعض دول مجلس التعاون والأردن، في مقابل التركيز على الحضور الإماراتي والمصري، قبل أن تنطلق هجمة إعلامية شرسة بعد يومين فقط على اختتام قمة الرياض.
بدا أن الهجوم الإعلامي الإماراتي والسعودي غير مبالٍ بالنفي القطري لرواية تصريحات أمير قطر. وعلى الرغم من قيام دولٍ مختلفة بإبلاغهما أنه جرت فعلًا قرصنة وكالة الأنباء القطرية، استمرت الحملة الدعائية على الدوحة؛ ما يعزّز الظن بأنها حملة مُخططة مسبقًا. ويؤيد ذلك أنّ الاستهداف الإعلامي في واشنطن المدعوم إماراتيًا كان سابقًا على القرصنة. وقد لاحظ وزير الخارجية القطري أنه "في الأسابيع الخمس الماضية قبل فبركة تصريحات الأمير ظهر 13 مقالًا تستهدف قطر، وفي يوم الهجوم كان هناك مؤتمر يتحدث عن قطر"[1].
أخذت الهجمة الإعلامية على قطر شكلًا جديدًا غير مألوفٍ في التعامل البيني الخليجي في أوقات الأزمات؛ إذ لم تتوقّف الحملة عند فبركة أخبار وتلفيقها ضد قطر وسياساتها الخارجية، بل وصلت حدّ توجيه الشتائم للأسرة الحاكمة، وهذا تطورٌ غير مسبوقٍ في الخليج. ففي السابق كانت الخلافات الخليجية تتركز على قضايا وسياسات، وتتجنّب تناول الأسر الحاكمة، باعتبار هذا الأمر يفتح الباب واسعًا أمام الطعن في شرعية العائلات الحاكمة التي تقوم عليها أنظمة الخليج كلها.
اتخذ الهجوم الإعلامي الخليجي الأخير، وما استتبعه من قطعٍ للعلاقات الدبلوماسية، من سياسة قطر الخارجية ركيزةً أساسيةً لتحقيق أغراضه، وجاء على رأسها اتهامات لقطر بدعم الإرهاب، وتنمية علاقاتها مع إيران، وزعزعة استقرار دول مجلس التعاون، إلى غير ذلك من الاتهامات التي تسقط بسهولة أمام أي تحليلٍ موضوعي. فقطر هي حليفٌ فعالٌ في الحرب على الإرهاب، وهذا ما أكّده الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقائه بأمير قطر على هامش قمة الرياض. أما فيما يتصل بالعلاقة مع إيران، فمن نافل القول إن قطر دفعت أكبر الأثمان بين كلّ الدول الخليجية نتيجة تدهور علاقتها بإيران بسبب الأزمة السورية، ليس على شكل اختطاف مواطنين لها واحتجازهم وابتزازها سياسيًا وماليًا (كما حصل في أزمة اختطاف المواطنين القطريين في العراق)، بل استمرت أيضًا في دفع أثمانٍ سياسية كبيرة نتيجة لذلك. في حين حققت الإمارات أعلى العوائد نتيجة علاقاتها الاقتصادية المتنامية مع إيران، حيث تُمثل الإمارات ما نسبته 80 في المئة من حجم التبادل التجاري الخليجي مع إيران، وتمثل المنفذ الأهم لتجارة الترانزيت الإيرانية، ومركزًا ماليًا مهمًا للتحويلات الإيرانية. وفي لقاء جرى قبل ثلاثة أعوام، وجمع أعضاء الوفد التجاري الإماراتي بغرفة التجارة الإيرانية في طهران، صرّح سفير إيران لدى أبو ظبي محمد علي فياض أنّ الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين إيران والإمارات بلغ 15.7 مليار دولار في عام 2013، ونحو 17.8 مليارًا في عام 2012، و23 مليارًا في عام 2011، و20 مليارًا في عام 2010[2]. لكن عام 2014 شهد قفزةً كبيرةً في حجم التبادل التجاري بين البلدين وأصبحت الإمارات أكبر الدول المصدّرة لإيران؛ إذ شكلت ما نسبته 27 في المئة من مجموع الواردات الإيرانية، وبلغ حجم التبادلات 41.620 مليار دولار (حجم الصادرات 19.639 مليارًا وحجم الواردات 21.981 مليارًا). وكانت الإمارات أهم الدول المصدرة للبضائع إلى إيران وتأتي بعدها الصين، فالهند، وكوريا الجنوبية، ثم تركيا[3]. ومع ذلك، تحتفظ الإمارات بالخطاب السياسي الأكثر تصعيدًا ضد إيران.
وفيما يتعلق بالإخوان المسلمين فقد أعلنت قطر أنها لم تدعمهم ولا تدعمهم وتختلف معهم، ولكنها لا ترى فيهم تنظيما إرهابيا، وذلك لسببين: أولهما أنهم ليسوا تنظيما إرهابيا، وثانيهما أن هذا التوسع في استخدم الإرهاب ووسم الخصوم السياسيين به يضر بالمعركة ضد التنظيمات الإرهابية فعلا.
أما فيما يتصل بنشر شائعات تمويل قطر للإرهاب، فهي مزاعم تُفنّدها مشاركة قطر القوية في الحرب على الإرهاب، ومكافحة تمويله، علمًا أنه لم يبق من زعم الدول الثلاث في هذا الشأن إلا المطلب المتعلق بحركة حماس. فضلًا عن ذلك، كانت السعودية وما زالت محل اتهامٍ من طرف دوائر في واشنطن، وهي نفسها الدوائر التي تحرّض على قطر اليوم فيما يتصل بمزاعم تمويل الإرهاب ودعمه، والتي تمكنت في السنة الماضية من تمرير قانون "جاستا" الذي استهدف مقاضاة السعودية بزعم مسؤوليتها عن هجمات سبتمبر 2001.
خاتمة
يبدو واضحًا من الأزمة القائمة ومبرراتها الواهية أنّ المعركة تدور حول دور قطر الإقليمي وسياساتها الخارجية، وهي محاولة مكشوفة من الإمارات والسعودية لفرض سياسة خارجية معينة تلتزم قطر بها خاصة فيما يتصل بالعلاقة مع مصر، والتي تتمتع كلٌ من الإمارات والسعودية بعلاقة متينة معها ومع نظامها الذي يمثل بالنسبة إليها سدًا منيعًا في وجه التغيير الذي يمكن أن تدفع به مجددًا قوى الشباب العربي. كما يبدو أن هذه الحملة تحظى بدعمٍ كبيرٍ من اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، والذي كشفت التسريبات الأخيرة للبريد الإلكتروني للسفير الإماراتي في واشتطن عن حجم التنسيق بينه وبين أنصار إسرائيل في واشنطن لتشويه صورة قطر وتقديمها كدولة راعية للإرهاب.
من المستحيل أن تقبل قطر بفرض الوصاية عليها بالتراجع عن سياستها المستقلة في ظروفٍ من التهديد وفرض العقوبات وشنّ الحملات الإعلامية عليها بناء على فبركات. ويتطلب أيّ خروجٍ من الأزمة حوارًا بين أنداد، يجري فيه التفاهم على جميع القضايا، وليس بلغة التهديد وتقديم التنازلات.
وتبقى نتائج الهجمة ومداها على قطر مرتبطة بنهاية المطاف بالموقف الأميركي. ومع أنه من الصعوبة تصور قيام دول الخليج الثلاث، إضافة إلى مصر، بالإقدام على قطع العلاقات مع قطر وعزلها من دون تشاور أو تنسيق مع الولايات المتحدة، فإن واشنطن تبدو حتى الآن على مسافة واحدة في هذه الأزمة. وقد صرّح وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بأن بلاده "تشجع الأطراف جميعًا على الجلوس معًا ومعالجة هذه الخلافات". وعرض الوساطة لمساعدة الدول الخليجية على رأب الصدع، مشددًا على أنّ مجلس التعاون الخليجي عليه أن يحافظ على وحدته[4].
كما يبدو أن واشنطن سوف تظل تعارض أيّ محاولةٍ للقيام بما من شأنه أن يغيّر التوازنات الإقليمية التي تحرص على استمرارها في منطقة الخليج، خاصة أنها تحتفظ بأكبر قواعدها العسكرية. وربما ترى أنه ليس من المفيد كثيرًا الدفع، مثلًا، بحركة حماس للارتماء مجددًا في أحضان إيران، في حال اشتد الضغط على قطر.
عبد الله علي إبراهيم
________________________________________
[1] "وزير خارجية قطر: حملة بأمريكا استهدفتنا عشية القرصنة ولا علاقة لنا بالإخوان"، سي إن إن بالعربية، 25/5/2017، شوهد في 5/6/2017، في:
http://cnn.it/2qjjaTu
[2] "التبادل التجاري بين إيران والإمارات بلغ 15.7 مليار دولار في 2013"، موقع قناة العالم، 1/6/2014، شوهد في 5/6/2017، في:
http://www.alalam.ir/news/1599121
[3] سالم حميد، "حقيقة العلاقات التجارية بين الإمارات وإيران"، صحيفة العرب، 5/6/2017، شوهد في 5/6/2017، في:
http://www.alarab.co.uk/?id=71991
[4] "تيلرسون يدعو دول الخليج الى معالجة الخلافات والحفاظ على وحدتها"، وكالة الأنباء الفرنسية، 5/6/2017، شوهد في 5/6/2017، في:
https://www.afp.com/ar/news/27/doc-p98fr


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.