سد النهضة: إثيوبيا لن تشارك في الاجتماع القادم في واشنطن ومصر تؤكد حضورها    بيرني ساندرز: ليش؟ .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    تعميم صحفي حول زيارة رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية للسودان    توقيف شبكة متخصصة في تزييف العملة بالبحر الأحمر    غرامات مالية ل(3) أجانب بتهمة التزوير والبيان الكاذب    فيصل : نعمل على التفاوض مع ضحايا المدمرة كول    التشكيلة المتوقعة لمباراة ريال مدريد ومانشستر سيتي    البيئة ... أخطر الحركات المسلحة في السودان .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    مواطنو الفردوس بجبل أولياء يتهمون شقيق الرئيس المخلوع بالاستيلاء على أراضيهم    بلاغ بنيابة الفساد بخصوص آليات كسلا للتعدين    المَلِكْ صَفَّار وعَدِيْلة البُكَار- أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ الْسَّادِسَةُ والعُشْرُون .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد    وردي في ذكرى رحيله الثامنة .. بقلم: عبدالله علقم    الجالية السودانية في تورنتو تتشرف بتكريم المبدع المدهش الدكتور بشري الفاضل    المريخ يحل ضيفا على حي العرب اليوم    مجلس الوزراء يقر زيادة السعر التركيزي للقمح الى 3000جنيه    العاملون بهيئة مياه ولاية الخرطوم يدخلون في إضراب مفتوح    الشعبي: ينفذ وقفة احتجاجية ويطالب باطلاق سراح قياداته    رئيس الطوارئ: الموسم الشتوي بالجزيرة يحتضر    الهلال يهزم الفلاح عطبرة بثلاثة اهداف    حكم قضائي بسجن وتغريم الناشط دسيس مان لهذا السبب – تفاصيل القضية    الهلال يتجاوز الفلاح عطبرة بثلاثية نظيفة ويصعد الى الصدارة مؤقتا    الحَوَاريون الواردة في القرآن الكريم .. سودانية مروية اماً واباً .. بقلم: د. مبارك مجذوب الشريف    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    المريخ مكتمل الصفوف أمام السوكرتا    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    النيابة تأمر بعدم تشريح جثة ابنة مسؤول توفيت غرقاً    العاملون بكنانة ينفذون وقفات احتجاجية تضامناً مع المفصولين    اختفاء 7 مليون من وزارة المالية بالخرطوم    (الصحة) تتقصى حول (8) أجانب مُشتبه بإصابتهم (بكورونا)    الفاتح جبرا .. بقلم: حنك بيش !    (الصحة) تتقصى حول (8) أجانب مُشتبه بإصابتهم (بكورونا)    إسرائيل تكشف عن حالة إصابة ثانية ب"كورونا"    العراق.. واشنطن تحث علاوي على حل الخلافات مع الزعماء السُنة والكرد    الخطوط الجوية القطرية: سنخضع الركاب القادمين من إيران وكوريا الجنوبية للحجر الصحي    وزارة الصحة السعودية: ننسق مع الصحة الكويتية لعلاج المواطن السعودي المصاب بفيروس "كورونا"    اتّهامات متبادلة بين الموارِد المعدنية وشركات القطاع بشأن إنتاج الذهب    ابرز عناوين الصحف السياسيه الصادرة اليوم الاثنين 24 فبراير 2020م    أمير تاج السر : من يمنح الجوائز الأدبية؟    ما بين الشيخ الاكبر والسلطان ... حكايات تتكرر بين بلة الغائب وآخرون .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    الرئيس الألماني يزور السودان الخميس المقبل    يؤتي الملك من يشاء .. بقلم: إسماعيل عبد الله    فيروس كورونا .. بقلم: د. حسن حميدة - مستشار تغذية – ألمانيا    استراحة - أن شاء الله تبوري لحدي ما اظبط اموري .. بقلم: صلاح حمزة / باحث    في ذمة الله مذيعة النيل الأزرق رتاج الأغا    هجوم على مذيع ....!    شرطة تضبط شبكة لتصنيع المتفجرات بشرق النيل    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قرش رضينا و يوان الطفل المعجزة.. دولار ريال أم يوان صيني (الحلقة الثالثة)
نشر في الراكوبة يوم 01 - 02 - 2014

للحديث عن كارثة تدهور سعر صرف الجنيه السوداني للدرجة التي دفعت بالطفل المعجزة و زمرته المغدقة في الجهل و الفشل بتقديم طلب للحكومة الصينية لاعتماد اليوان الصيني كعملة للتداول إلي جانب الجنيه السوداني في المبادلات المحلية و في التجارة الخارجية فيما يعرف حسبما بينا في الحلقات السابقة بسياسة الإحلال النقدي لابد لنا أولا أن نبين بعض المفاهيم الاقتصادية و القواعد المسلَم بها في عالم النقود و البنوك و العلاقات التجارية الدولية التي تدحض ما صرَّح به الطفل المعجزة و المتصلة بموضوع حلقة اليوم المخصصة لبيان الأسباب الإقتصادية التي تجعل الإحلال النقدي عاجزا عن معالجة التضخم عموما و تدهور سعر الصرف بشكل خاص.
فمن المعروف أن النقود باعتبارها مخزنا للقيمة و وحدة للحساب و وسيط للتبادل التجاري تمثل طلب المجتمع الكلي علي السلع و الخدمات. و في نفس الوقت فإن المعروض من السلع و الخدمات يمثل عرض المجتمع الكلي منها و بالتالي فإن كمية النقود الموجودة في المجتمع و التي تمثل طلبه الكلي يجب أن تكون مساوية لكمية السلع و الخدمات المتواجدة في المجتمع و تمثل عرضه الكلي و أي اختلال في هذه المعادلة ايجابا أو سلبا يؤدي بالضرورة إما إلي تضخم أو انكماش. فكلما زادت كمية النقود (الطلب) عن كمية السلع و الخدمات (العرض) كلما أدي ذلك إلي زيادة أسعار السلع و الخدمات و كلما انخفضت كمية النقود (الطلب) عن كمية السلع و الخدمات (العرض) كلما أدي ذلك إلي انخفاض أسعار السلع و الخدمات. تماما كضغط الدم في جسم الإنسان فزيادته عن الحدود التي تحتاجها الدورة الدموية الطبيعية قد تؤدي بحياة الإنسان و انخفاضه عنها قد يؤدي أيضا بحياة الإنسان.
و لذلك فإن أهم أهداف السياسة النقدية في أي بلد (و التي عادة يشرف عليها البنك المركزي) هو الحفاظ علي توازن هذه المعادلة عبر التحكم فيما يصطلح عليه في علم النقود و البنوك بعرض النقد أي كمية النقود التي يتم تداولها في الاقتصاد. و للقيام بهذا الدور المفصلي الحسَّاس تتفق كل البنوك المركزية في العالم علي تقسيم عرض النقود في المجتمع إلي ثلاثة أقسام حسب درجة سيولتها (أي سرعة تسييلها و تداولها) لتسهل و تنتظم عملية إدارتها و رقابتها و التحكم فيها هي:
القسم الأول: عرض النقود بمعناه الضيق أو (نقد العمليات الجارية) و يرمز له عادة ب (M1): و يشتمل علي العملات الورقية و المعدنية الموجودة مع الأفراد و يتبادلونها في معاملاتهم اليومية أي ما يعرف بالنقود المتداولة بالإضافة إلي حجم النقود المحتفظ بها من قبل الأفراد و الشركات و المؤسسات الحكومية و شبه الحكومية و غيرها من القطاعات الإقتصادية في البنوك في شكل ودائع تحت الطلب أي حساباتهم الجارية التي يودعون فيها و يسحبون منها بشكل يومي متي ما شاءوا. و هذا القسم كما نري أكثر سيولة باعتباره نقود حاضرة سواء في يد الناس أو ما يصطلح عليه بين السودانيين (بالكاش) حيث يمكن تبادلها فورا. أو في حساباتهم الجارية حيث يمكن أيضا تداولها بشكل سريع بسحبها نقدا أو بموجب شيك مسحوب علي حساباتهم الجارية.
القسم الثاني: عرض النقد بمعناه الواسع و يرمز له ب (M2): و يشتمل علي الودائع الآجلة بالعملة المحلية و العملات الأجنبية بالإضافة إلي حسابات التوفير (و يطلق عليها شبه النقد) و هي كما نري علي الرغم من أنها تعتبر سريعة السيولة (حيث يمكن للفرد أو غيره من القطاعات الإقتصادية كسر وديعته متي ما شاء قبل موعد استحقاقها مضحيا بكل أو جزء من الأرباح المتفق عليها مع البنك، أو إلغاء حساب التوفير أو سحب كل أو بعض النقود المستثمرة فيها مضحيا أيضا بكل أو بعض الأرباح المتفق عليها مع البنك) إلا أنها تعتبر أقل سيولةً من سابقتها.
القسم الثالث: عرض النقد بالمفهوم الأوسع و يرمز له ب (M3): و هذا النوع ليس شائعا و يستخدم في بعض البلدان خاصة تلك التي تطورت فيها الأسواق المالية و توسعت في استخدام سياسة السوق المفتوحة في إدارة النقد و ابتكرت أنواع جديدة من المشتقات المالية. و يشتمل هذا النوع علي العملة و الودائع الجارية و الادخارية التي تخلقها المؤسسات و الأجهزة الحكومية التي لها أنشطة اقتصادية و استثمارية. و للأسف فإن هذا النوع غير مطبق في بلادنا برغم اعتمادها بشكل رئيسي علي سياسة عمليات السوق المفتوحة في إدارة النقد عبر التوسع في إصدارات شهامة و غيرها من الصكوك الإسلامية (كبديل للآليات الأخري المتعارف عليها في التحكم في النظام النقدي و التي سنبينها في هذه الحلقة) و خصخصة مؤسسات القطاع العام و إنشاء سوق الخرطوم للأوراق المالية مما يجعل هذا القطاع بعيدا عن رقابة البنك المركزي و يعمل وفقا لسياساته و لوائحه الخاصة القاصرة الفاقدة لنظم الحوكمة و الرقابة مما جعله من أكثر القطاعات التي أسهمت في زيادة حدة التضخم عبر تسرب كميات ضخمة من النقود الناجمة عن التهريب و غسل الأموال و الإرهاب و تجارة السلاح و الدعارة و المخدرات. و أبسط دليل علي عدم وجود رقابة يتمثل في إمكانية الشراء من سوق الأوراق المالية أو من إصدارات شهامة و أخواتها نقدا دون أن تكون مطالبا بالإفصاح عن مصدر النقود.
و تقوم البنوك المركزية بإدارة و رقابة عرض النقد بأقسامه المشار إليها من خلال تقييد القطاع المصرفي و المالي عموما بمجموعة من التعليمات التنفيذية الالزامية و النسب الإشرافية النافذة التي يجب ألا تتعداها البنوك و كافة المؤسسات المالية الخاضعة لرقابة البنك المركزي و إخضاعها للمحاسبة الصارمة في حالة المخالفة بفرض الغرامات المالية و غيرها من العقوبات التي تصل حد سحب الترخيص و تصفية البنك أو المؤسسة المالية. و تعتمد درجة كفاءة البنك المركزي في قدرته علي ربط الجهاز المصرفي و القطاع المالي عموما بشبكة محكمة من نظم المعلومات و التقارير و طرق الإفصاح اليومي و الاسبوعي و الشهري و السنوي وفقا لنماذج متعارف عليها في الإفصاح. و كلما نجح البنك المركزي في استحداث أنظمة آلية للرقابة و الإفصاح كلما زادت قدرته علي تحقيق أهداف السياسة النقدية و الاحتفاظ بنظام نقدي معافي قادر علي امتصاص الصدمات و معالجة الانحرافات المتوقعة و غير المتوقعة.
و للتحكم في عرض النقد و ضمان توازن كمية النقد المعروض مع كمية المعروض من السلع و الخدمات تتبع البنوك المركزية ما يسمي بأدوات السياسة النقدية و التي تتمثل في:
أولا: سياسة الاحتياطي الإلزامي: و هي عبارة عن النسبة من السيولة أو الاحتياطي النقدي الذي يجب علي البنوك التجارية الاحتفاظ به كنسبة معينة من ودائع العملاء لدي البنك المركزي حماية للمودعين و تحكما في كمية النقود المعروضة فإذا أودع شخص ما مبلغ 100الف جنيه في بنك الخرطوم (علي سبيل المثال) يقوم البنك الزاميا بتحويل نسبة معينة (فلتكن 20% مثلا) من قيمة هذه الوديعة إلي حساب الاحتياطي الإلزامي في البنك المركزي بمعني أنه مصرح له فقط بتشغيل 80% من قيمة الوديعة في حوض استثماراته. و في نفس الوقت يستخدم الاحتياطي الإلزامي في التحكم في عرض النقد فكلما زاد عرض النقد في الاقتصاد قام البنك المركزي بزيادة نسبة الاحتياطي الإلزامي علي ودائع العملاء في البنوك التجارية فتقل السيولة لديها و تنخفض تبعا لذلك قدرتها علي الإقراض و يقل بالتالي المعروض من النقود في الاقتصاد فتستعيد المعادلة تلقائيا توازنها و العكس صحيح كلما انخفضت كمية النقد المعروض كلما خفَّض البنك المركزي نسبة الاحتياطي الإلزامي علي ودائع العملاء لدي البنوك و زادت بالتالي السيولة لديها مما يؤدي بالتالي لزيادة قدرتها علي الإقراض و هكذا فتزيد كمية النقود المعروضة في الاقتصاد و تستعيد المعادلة توازنها من جديد.
ثانيا: سياسة سعر الفائدة علي الائتمان (الاقراض): و تتمثل في نسبة الأرباح التي تفرضها البنوك مقابل الائتمان أو القروض التي تمنحها لعملائها من الأفراد و الشركات و المؤسسات الحكومية و شبه الحكومية و البنوك الأخري و غيرها من المؤسسات المالية. و كذلك في نسبة الأرباح التي يحصل عليها عملاء البنك مقابل ودائعهم طرفه. أي أن سياسة سعر الفائدة تحكم العلاقة بين البنك التجاري وعملائه فيما يختص بودائعهم طرف البنك نفسه من ناحية، و بين البنك و بين عملائه طالبي التمويل. والسلطة الوحيدة التي لها الحق بتغيير هذا السعر هي البنوك المركزية ويجب على البنوك التجارية ان تلتزم بالحد الاقصى المحدد من البنك المركزي لسعر الفائدة. و بالتالي كلما زاد عرض النقد في الاقتصاد كلما قام البنك المركزي برفع سعر الفائدة علي الودائع لتشجيع الناس للادخار و زاد سعر الفائدة علي الإقراض للحد من قدرة الأفراد علي الحصول علي الائتمان فتستعيد المعادلة تبعا لذلك توازنها و تتعادل كمية النقد المعروضة في الاقتصاد مع كمية المعروض من السلع و الخدمات. و العكس صحيح ففي حالة اختلال المعادلة بانخفاض النقد المعروض عن كمية السلع و الخدمات المعروضة يقوم البنك المركزي بخفض سعر الفائدة علي الودائع لتشجيع الناس علي الإنفاق أو البحث عن فرص استثمار تحقق أرباحا أعلي من الاحتفاظ بها كودائع بالبنوك و في نفس الوقت يخفِّض سعر الفائدة علي الاقراض لتشجيع الناس علي الاقتراض من البنوك فيزيد المعروض من النقود و تستعيد تبعا لذلك المعادلة توازنها من جديد و هكذا.
ثالثا: سياسة سعر الخصم: و هي آلية و مصطلح يختلف عن آلية سعر الفائدة فهو السعر الذي تتعامل به البنوك المركزية في إقراضها للبنوك التجارية اي انه مختلف عن سعر الفائدة لأنه يحكم العلاقة بين البنك المركزي والبنوك التجارية. و دائما ما يكون أقل نسبيا من سعر الفائدة لتستطيع البنوك تحقيق أرباح مستفيدة من الفرق بين السعرين (أي الخصم و الفائدة). و هو من آليات السياسة النقدية أيضا التي تستخدم في التحكم في عرض النقد. فعندما تزيد كمية النقد المعروض في الاقتصاد يقوم البنك المركزي بزيادة سعر الخصم لمستويات قد تصل في بعض الأحيان لنفس مستوي سعر الفائدة للحد من قدرة البنوك علي الإقراض فتقل تبعا لذلك كمية النقود المعروضة و يستعيد النظام النقدي توازنه. و عندما تقل كمية النقود المعروض يقوم البنك المركزي بخفض سعر الخصم بنسبة أكبر من سعر الفائدة فتزيد قدرة البنوك علي الإقراض و تزيد بالتالي كمية النقود المعروضة للمستوي المستهدف فيستعيد النظام النقدي توازنه مرة أخري.
رابعا: سياسة عمليات السوق المفتوحة: و يقصد بها تدخل البنك المركزي ببيع أو شراء السندات الحكومية فيما يسمى بالسوق المفتوحة بهدف التأثير المباشر على حجم الاحيتاطيات النقدية لدى البنوك التجارية و الأفراد و القطاعات الاقتصادية الأخري. فعندما تزيد كمية النقود المعروضة عن كمية السلع و الخدمات المعروضة في الاقتصاد يقوم البنك المركزي بإصدار السندات الحكومية للجمهور و للبنوك التجارية و كافة القطاعات الاقتصادية لتجميع النقد الزائد فينخفض المعروض من النقود و تنخفض مستويات إنفاق الأفراد و تقل السيولة لدي البنوك فتقل قدرتها علي الإقراض و يستعيد بالتالي النظام النقدي توازنه. و العكس صحيح عندما تقل كمية النقد المعروض يَقدِم البنك المركزي علي إعادة شراء السندات الحكومية المصدرة و التي تحتفظ بها البنوك و القطاعات الأخري بما فيها الأفراد و تزيد بالتالي السيولة لدي البنوك فتزيد قدرتها علي الإقراض و تزيد السيولة لدي الأفراد و القطاعات الأخري فتزيد معدلات انفاقها و استثماراتها فتستعيد تبعا لذلك المعادلة توازنها و هكذا.
و بالتالي فإن سياسة السوق المفتوحة علي عكس ما يحدث في بلادنا هي أحد السياسات النقدية للتحكم في عرض النقد و الاحتفاظ بتوازن النظام النقدي في المستويات المستهدفة في بعض الأحيان التي تحدث فيها بعض الاختلالات العرضية التي تصيب الاقتصاد و تؤدي إلي اختلال معادلة المعروض من النقود مع المعروض من السلع و الخدمات زيادةً أو نقصان, ففي حالة زيادة النقد تتدخل السلطات النقدية للبيع و في حالة النقص تتدخل للشراء. و لكنها بأي حال من الأحوال لا يجب أن تُتخذ كسياسة و منهج لتمويل العجز في موازنة الدولة كما يحدث في بلادنا حيث أصبحت سياسة السوق المفتوحة و التوسع في إصدارات شهادات شهامة و غيرها من الصكوك الإسلامية سياسة رئيسية لتمويل إنفاق الدولة علي الأمن و الحرب و مخصصات أجهزتها الحكومية المترهلة و لم يعد الهدف منها هو التحكم في عرض النقود.
فإذا كان هدف الدولة من سياسة عمليات السوق المفتوحة هو التحكم في توازن عرض النقود في الاقتصاد بتوسعها غير المحدود في إصدار صكوك شهامة و أخواتها بشكل لم يشهد له العالم مثيلا بهدف تجفيف السوق من السيولة أو النقد فليشرح لنا طفل الانقاذ المعجزة و معه حمدي و تاج السر مصطفي عرَّابي الخصخصة و عمليات السوق المفتوحة لماذا ظلت كمية النقد المعروض في حالة زيادة مضطردة من 22.933 مليون جنيه عام 2008م إلي 28.315 مليون جنيه عام 2009م إلي 35.498 مليون جنيه عام 2010م إلي 41.853 مليون جنيه عام 2011م لتصل إلي 58.663 مليون جنيه عام 2012م حسب البيانات المنشورة في موقع بنك السودان المركزي أي بنسبة تغير 156% في عام 2012م عن عام 2008م في حين زاد الناتج المحلي الإجمالي (حسب نفس البيانات المنشورة في موقع البنك المركزي) خلال نفس الفترة بمعدل 95% أي بمعدل أقل من معدل الزيادة في كمية النقود المعروضة بحوالي 61% أي أن هنالك حوالي 184.750 مليون جنيه من النقد المعروض (ما يعادل 3.15 ضعف النقد المعروض رسميا عام 2012م) خارج سيطرة السلطات النقدية نتيجة لغسل الأموال و التهريب و جرائم تزوير العملة و تجارة السلاح و التوسع في طباعة النقود غير المعلنة حيث أننا بحثنا في تقارير البنك المركزي المفصح عنها في موقعه الالكتروني المشار إليه و لم نجد أي بيان يشير إلي النقد المصدر كما تفعل البنوك المركزية في كل دول العالم المحترمة. و كل ما هو منشور تحت عنوان (العملات الورقية و المعدنية) مجرد عناوين فرعية لصور العملات الورقية و المعدنية و متحف العملة (يعني تدخل و تتفرج و تخرج بسماحة الوصف) في حين أنه من المفترض أن يفصح البنك المركزي عن أي نقد مصدر بعدد المرات و الفئات و الأنواع و القيمة الكلية. لكن يبدو أن الطغمة الفاسدة تتعامل مع طباعة النقود كأحد أهم الأسرار الخطيرة التي لا يجب الإفصاح عنها. فما يحدث في حقيقة الأمر فوضي ليس إلا و أن التوسع في طباعة النقود دون أن يكون لها ما يقابلها من السلع و الخدمات، بجانب كونه أحد أهم الأسباب وراء زيادة معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، فهو يعد جريمة اقتصادية لا تختلف في شكلها و مضمونها و تأثيرها الكارثي علي الاقتصاد الوطني عن جرائم تزوير العملة و غسل الأموال. و لذلك فالحديث عن محاربة الفساد و مكافحة غسل الأموال و الإرهاب و تجارة السلاح يصبح لا معني له إذا كانت السلطة الحاكمة في البلاد هي المجرم الحقيقي و المافيا الاقتصادية المحركة لكل هذه الجرائم.
و بالتالي فإن فريِّة الإحلال النقدي (التي صرَّح بها الطفل المعجزة كمعالجة لكارثة سعر الصرف) تأتي من كونها:
أولا: لم ترد في القاموس الإقتصادي كأحد الآليات المعروفة للتحكم في توازن السياسة النقدية و أيضا في السياسة المالية فهي ظاهرة جديدة ارتبطت حديثا باقتصاديات الدول التي تحولت من الاقتصاديات المغلقة إلي سياسة الانفتاح الإقتصادي و الخصخصة و علي رأسها روسيا و أوكرانيا و رومانيا و غيرها و شهدت تبعا لذلك إختلالات ضخمة في هياكلها الاقتصادية و موازين مدفوعاتها الخارجية و تراكم دينها الداخلي و الخارجي و ارتفاع معدلات التضخم و تدني قيمة سعر صرفها مقابل العملات الأجنبية لمستويات غير مسبوقة و سمحت بحكم سياسة الانفتاح بتدفق رؤؤس الأموال الأجنبية التي استصحبت معها كميات ضخمة من النقد الأجنبي خارج النظام المصرفي فظهرت السوق غير الرسمية لتبادل العملات مما ضاعف معدلات التضخم و معدلات انخفاض قيمة العملة المحلية و فقد قطاع الأفراد و غيره من القطاعات الإقتصادية الثقة في العملة المحلية و أصبحوا يميلون للاحتفاظ بالعملات الأجنبية كالدولار ليس فقط كمخزن لقيمة مدخراتهم و ثرواتهم بل حتي في معاملاتهم التجارية بشكل غير رسمي فأصبح من الطبيعي أن تتم المبادلات التجارية بالدولار الأمريكي أو غيره من العملات الصعبة خارج منظومة الجهاز المصرفي في تلك البلدان و فاقم من الأمر بروز مافيا غسل الأموال و تجارة السلاح و المخدرات و الدعارة التي تتم عملياتها و مبادلاتها عادة في الخفاء خارج سيطرة السلطات النقدية.
و كذلك ارتبطت ظاهرة الإحلال النقدي بالدول النامية الفاشلة اقتصاديا كزيمبابوي (حسبما بينا في الحلقة السابقة) و في بلادنا للأسف الشديد حيث أصبح الدولار و غيره من العملات الصعبة لا تمثل مخزنا للنقود فقط يفضله الأفراد و المؤسسات للمحافظة علي مدخراتهم و ثرواتهم بل أصبحت تستخدم في المبادلات التجارية بشكل غير رسمي بالذات وسط المتنفذين و اذيالهم من الطغمة الفاسدة و لا نحتاج لتقديم دليل علي ذلك فصور منزل وزير المالية الأسبق الذي تم شرائه بما يفوق ال 2 مليون دولار تناقلتها الأسافير و رسائل الواتساب. بل أن معظم الصفقات التي تتم بين هؤلاء المتنفذين بالدولار الأمريكي يتم إيداع قيمة الأصل محل الصفقة في حساباتهم بالخارج. فبدلا من أن تبدد الحكومة الفاشلة زمنها في اغراء المغتربين لتحويل مدخراتهم عبر الجهاز المصرفي عليها أن تلزم أولا جنرالاتها و وزرائها و كبار موظفيها و غيرهم من تجار المؤتمر الوطني و أتباعهم من المنتفعين بإيداع دولاراتهم و عملاتهم الصعبة في الجهاز المصرفي فهي تفوق مدخرات المغتربين (المغلوب علي أمرهم و يعيشون ظروفا استثنائية قاسية) بملايين السنوات الضوئية.
ثانيا: كما أن الاحلال النقدي (سواء كان سائدا بشكل غير رسمي كما بينا سابقا أو معتمدا كسياسة رسمية) يضعف من قدرة السلطة النقدية علي التحكم في كمية النقود المعروضة بالذات نقد العمليات الجارية الموجود خارج الجهاز المصرفي و تصبح كمية النقود المتداولة في هذه الحالة غير قابلة للقياس و التحكم و الرقابة مثلها مثل عمليات غسل الأموال و تجارة السوق السوداء و بالتالي يصعب تقدير الكمية الزائدة من النقد المعروض عن رصيد النقد المعروض تحت سيطرة البنك المركزي مما يقلل من قدرة السلطات النقدية في إدارة السياسة النقدية و التحكم في توازنها الأمر الذي يؤدي إلي مزيد من التضخم و الانخفاض في قيمة العملة المحلية و تصبح علي المدي الطويل عديمة الفائدة و لا تصلح إلا كصور و نماذج في متاحف العملة و هو ما حدث في زيمبابوي بشكل غير رسمي أولا ثم أصبح فيما بعد سياسة معتمدة و يحدث الآن في بلادنا بشكل غير رسمي أمام أعين السلطات النقدية دون أن يكون لها القدرة و الرغبة في علاج الظاهرة لأن البلد بكل بساطة حاميها حراميها كما يقولون. فتداول العملات الأجنبية بشكل غير رسمي خارج نطاق الجهاز المصرفي يعد من الجرائم الاقتصادية التي لا تختلف عن جريمة تجارة العملة في السوق السوداء.
في الحلقة القادمة نتحدث عن قصة اليوان و الدولار التي وردت في تصريح طفلنا المعجزة الموسوم بالجهالة الفاضحة ليعلم الجميع كيف أنه و زمرته الفاسدة يقولون ما لا يعلمون و لا يضحكون إلا علي أنفسهم فهم تماما كما وصفهم المولي عزَّ و جل في سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) صدق الله العظيم. إنه عهد الإنقاذ و عهد الجهل و القهر و الظلام و لا نقول إلا ما جاء علي لسان مريم العذراء عليها السلام عملا بأمر ربِّها الكريم (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا).
كسرة و هي بالتأكيد لا تضارع كسرات ساخر سبيل المبدعة:
حدثني أحد الأصدقاء أن مستثمرا خليجيا ذو ملاءة ائتمانية ممتازة قابل الطفل المعجزة في أحد البلدان الخليجية و كانت له رغبة في الاستثمار بالسودان و لكنه عدل عن رغبته إلي الأبد عندما تفاجأ في نهاية اللقاء بأن طفلنا المعجزة مجرد طبيب أسنان يجيد الحذلقة و الحديث المدغمس. و اكتفي قائلا لصديقي بعد أن غادرهم طفلنا المعجزة بلهجة الخليجين (الله يعينكو).
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.