الدفاع المدني يقف على الأوضاع بشمال بحري    إدلب، أوكرانيا،مظاهرات المعارضة في محادثات ماكرون وبوتين    لندن ستوقف"فورا"العمل بحريةتنقل الأشخاص لبريكست دون اتفاق    مصر تفوز ببطولة العالم في كرة اليدللناشئين    علماءصينيون يكملون خريطة جينوم ثلاثية الأبعاد للأرز    البشير يعترف بتلقي أموال من السعودية والإمارات    البدلاء يقودون الهلال للفوز في افتتاح الدوري السوداني    حامل اللقب يُدشِّن مشواره بفوز صعب .. المريخ يوقف انطلاقة الأهلي مروي ويُحوِّل تأخُّره لانتصار    سنه أولى ديمقراطيه.. وألام التسنين .. بقلم: د. مجدي اسحق    نسايم عطبرة الحلوة .. بقلم: عبدالله الشقليني    حزب جزائري يدعو جيش بلاده للتأسي بالتجربة السودانية    امطار وسيول جارفة بمحلية مروي بالولاية الشمالية    والي جنوب دارفور يتفقد فضائية الولاية    قيادي بالحرية والتغيير: الشعب السوداني سيكون الداعم الأكبر    رفع علم السودان ببطولة الألعاب الأفريقية بالمغرب    بريطانية مصابة بفشل كلوي تنجب "طفلة معجزة    القيادة الأمنية تتفقد المناطق المتأثرة بالأمطار    تباين بورصات الخليج والسعودية تتألق بفضل البنوك    محاكمة المتهم الذي حاول صفع الرئيس السابق البشير    تفاصيل العثور على طفلة مفقودة منذ (5) أعوام    المجلس العسكري السوداني: إرجاء إعلان المجلس السيادي 48 ساعة    قطر النّدي بلّ الصدّي .. بقلم: سابل سلاطين – واشنطون    الناقلة الإيرانية تبحر إلى اليونان    ظريف: العراق شريكنا التجاري الكبير    الولايات المتحدة تنجو من 3 مجازر جماعية    تشيلسي يواصل التراجع ويسقط في فخ التعادل أمام ليستر سيتي    محمد بن سلمان يجري اتصالين بالبرهان وأحمد ربيع    نائب رئيس الاتحاد السوداني: اجلنا مباريات القمة في الأسبوع الثاني للممتاز    الامطار تحرم الاهلي شندي من الفوز ضد الوادي نيالا    والي الشمالية يطمئن على انسياب السلع    مطالبات بتحقيق التنمية المتوازنة بالنيل الأزرق    37375فدانا مساحات الموسم الصيفي بدنقلا    اقتصادي يدعو الحكومة الجديدة لحلول بعيدة عن جيب المواطن    عرمان :قوى الحرية والتغيير بحاجة إلى جسم قيادي لانجاز عملية التحول الديمقراطي    واشنطن : توقيع وثيقة الإعلان الدستوري خطوة كبيرة للسودانيين    هرمنا من أجل هذه اللحظة .. بقلم: د. مجدي إسحق    اللجنة الإقتصادية: إحتياطي الدقيق يغطي إحتياجات البلاد حتى نهاية العام    اقتصادي يدعو الحكومة الجديدة لحلول بعيدة عن جيب المواطن    الإفراط في أدوية مرض السكرى يضر بالصحة    تراجع أسعار صرف العملات مقابل الجنيه السوداني بعد توقيع اتفاق الخرطوم    مذيعة سودانية تخطف الأضواء في توقيع الاتفاق    في ذمة الله شقيقة د. عصام محجوب الماحي    أمطار متوسطة تسمتر ل 6 ساعات بالأبيض    عيد الترابط الأسري والتكافل المجتمعي .. بقلم: نورالدين مدني    رسالة إلى الإسلاميين: عليكم بهذا إن أردتم العيش بسلام .. بقلم: د. اليسع عبدالقادر    تدشين عربات إطفاء حديثة بجنوب كردفان    دراسة تدحض "خرافة" ربط تناول القهوة قبل النوم بالأرق    ماذا يحدث لجسمك حين تفرط باستهلاك السكر؟    ضبط خلية مسلحة بالخرطوم    خلاص السودان في الدولة المدنية .. بقلم: موسى مرعي    تمديد فترةالتقديم وزيادة الصالات بمعرض الكتاب    فصل كوادر ...!    مبارك الكودة يكتب :رسالة إلى الدعاة    ب "الأحرف الأولى".. السودانيون يكتبون "المدنية" في دفتر التاريخ    محط أنظار حُجّاج بيت الله الحرام    مقتل 19 وإصابة 30 بحادثة اصطدام سيارات بالقاهرة    موفق يتفقد الرائد المسرحي مكي سنادة    الشرطة تضبط مخدرات وأموالاً بمناطق التعدين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





إلى قوى التغيير: هل نعيدُ اختراع العَجَلَة؟!
نشر في الراكوبة يوم 19 - 09 - 2014


مقدمة
في وقت تتسارع فيه الخطي المحلية، والإقليمية، والدولية، لمعالجة التركة المثقلة لبلادنا، غدا الحوار بين المكونات السودانية أمرا لافتا للنظر، وجالبا للاهتمام. وكما ظللت أشدد، في كل كتاباتي السابقة، فإن الحوار، بكل مدلولاته المعرفية، والمجتمعية، هو سبلينا الوحيد لتجنب تمزق البلاد، وأقصر الطرق نحو السلام، والاستقرار، وبناء دولة المواطنة السودانية. وقد وفرت وسائط الميديا الحديثة، لقطاعات واسعة من السودانيين، خاصة المتواجدين في الخارج، منابر للتداول الخلاق حول الشأن الوطني. وقد كنت خلال الشهرين الماضيين مشاركا ضمن مجموعة واتساب نشطة من الشباب السودانيين المهتمين، والمهمومين، بقضايا الوطن، إذ لمستُ فيهم حماساً شديداً، وإحساسا عاليا بهموم الوطن، والمواطن السُّوداني. ولهذا كان ذلك الحوار الذي ابتدرته تلك المجموعة عبر الأثير محرضا لي للدلو بهذه المساهمة، بعد طول انقطاع، والتي ما اتمني الا أن تحرك الحادبين من نشطاء شعبنا، وتستثير فيهم كوامن العصف الذهني، ذلك دفعا للقضية الوطنية للإمام، وتحقيقا لتطلعات مواطنينا الكرام.
تتناول هذه المساهمة المتواضعة، ولو بمنظور مختلف و"خارج الصندوق"، موضوعات، وقضايا جوهرية، خاصَّة تلك المتصلة بقضيَّة التغيير، وتحقيق التحول الديمقراطي الحلم، والسلام العادل، وطبيعة الدولة السودانية المنشودة. ولاشك أن نفس هذه القضايا تتداولها مجموعات أخرى عبر "الواتساب
أو الفيس بوك"، أو البريد الالكتروني. كما لا تخلو منتديات السودانيين السياسية، وجلساتهم الاجتماعية العفوية من التعرض بالنقاش، والجدال عما يكابده الناس من فقر، ومشقة، وعسر، وهي كذلك جلسات تتناول أوضاع البلاد السياسية، والأمنية المضطربة، ومآلات المستقبل، وما هو مخبوء في قابل الأيام.
وتهدف المساهمة هذه أساسا إلى تقعيد الحوار، واستثارة الأسئلة حول قضية التغيير، وآلياته، ومآلاته، واستحقاقاته، حتي نتوصل إلي توافق حول مشروع وطني يخرج بلادنا من أزمتها الوطنية المحتدمة. ولو كان لدي أمل هناك، فهو أنني بهذه المداخلة أرنو الي أن يقوم الأخوة والأخوات من أبناء وبنات شعبنا بإكمال ما انتقص من حيلتي للم شعث أطراف، وذيول القضية التي نحن منشغلون بشأنها. وهي قضية تستبطن الكثير من التعقيدات الكأداء، والتعاريج الخفية، بقدر دخولها إلى منعطف حرج، وذلك ما يتطلب منا جميعا المصارحة والمكاشفة، لكي نضمن انتقال بلادنا إلي بر الأمان.
فالحوار في جوهره يدور حول التعلُّم learning وليس الكسب winning، ويقوم على عدَّة افتراضاتٍ، من بينها: أن الآخرين يمتلكون جزء من الإجابة، والبحث عن فهمٍ مشترك، والتوصُّل إلى أرضيَّة مشتركة، والكشف عن فرص، وخيارات جديدة. إن الديمقراطية لن يعلو شانها لتصبح أساسا لحياتنا السياسية إن لم نبدأ من أنفسنا كأفراد، فنتقبل الآخر، ورأيه المختلف، في حواراتنا. مثلما أنه من الأجدر أن نمارس الديمقراطية، ونحتكم لقيمها، وقواعدها بين بعضنا البعض قبل أن نطالب بها الآخرين.
اولا: وحدة المعارضة وإسقاط النظام
يبدو أن هناك تيَّارا عريضا، من بين المنتمين او غير المنتسبين حزبيا، علي حد سواء، شديدُ الحماس لهدفٍ تمَّ تحديده في: المساهمة في توحيد قوى المعارضة السياسيَّة، مدنيَّة ومسلَّحة، على حدٍ سواء، بقصد إسقاط النظام عن طريق الانتفاضة الشعبيَّة.
1. ابتداءً، إن تفصيل وصياغة الهدف في إسقاط النظام ينطوي على مدلولاتٍ سالبة، إذ يُوحي ضمنياً بالتركيز علي الهدم بدلاً عن التعبير الإيجابي، والسعي للبناء والتغيير. فالهدف الذي يجب وضعه نُصْبَ أعيُننا، في رأيي، هو التغيير والتحوُّل السياسي والاقتصادي الاجتماعي، مجسَّداً في التحوُّل الديمقراطي والسلام العادل نحو بناء دولة المواطنة السُّودانيَّة الحقَّة.. أما إسقاط النظام، قد يكون أحد الطُرُق لإنجاز مهمَّة التغيير. حقاً، فقد صدق سقراط - في رواية أخرىDan - في التعبير عن هذا الموقف بقوله: «سِرُّ التغيير يكمُنُ في تركيز كُلِّ الطاقات ليس علي محاربة "القديم"، بل على بناء "الجديد"»!
2. الأهم، هو انه بالرغم من التعريف الدقيق للهدف بهذه الصيغة، إلاَّ أن الواقع السياسي المُعاش، بما في ذلك ظروف المعارضة الحاليَّة نفسها، مقرونة مع قراءة متأنية لوقائع لتجربتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، وكذلك تجارب "الربيع العربي"، كلها تقدحُ في إمكانيَّة قيادة عمليَّة إسقاط النظام فعلياً عن طريق أحزاب وتنظيمات المعارضة "الرسميَّة"، وبالتحديد "قُوى الإجماع الوطني"، مع استثناء القوى الخارجة على التحالف، كما يُلقي بظلال كثيفة عل أطروحة كهذه. فالرِّهان على، وضع كل البيْض في سلَّة المعارضة يقوم علي افتراضٍ غير صحيح، في رأيي، مفاده أن القوى السياسيَّة المعارضة هي التي تتكفَّل بالتخطيط والتدبير وصناعة الانتفاضة المُفضية لإسقاط النظام، ومن ثمَّ تأسيس البديل. ولا يعني ذلك، بأي حالٍ من الأحوال، التقليل من شأن، أو غضِّ الطرف عن وحدة المعارضة، فهي لا شكَّ ركيزة ضروريَّة لتحقيق التحوُّل الديمقراطي والاستقرار السياسي، إنما لم أجد حُجَجَاً قويَّة للتعويل على المعارضة، بتعريفها الضيِّق هذا، لإنجاز مهمَّة الانتفاضة وإسقاط النظام.
3. فمثلاً، ودون تشكيكٍ في دور ومساهمة هذه الأحزاب في ثورتي أكتوبر وأبريل، إلاَّ أن هذه الأحزاب لم تصنع الانتفاضة الشعبيَّة في الحالتين، كما لم تكُن الأحزاب السياسيَّة في مصر أو تونس قد خطَّطت لتنظيم الانتفاضة، أو حتى نادت بها، أو جعلت إسقاط النظام شعاراً لها، إلاَّ بالطبع بعد أن أضحَت الكتابة واضحة على الجُدران. وأيضاً لم تُبادِر بإشعال أو قيادة الثورة الشعبيَّة في البلدين، بل التحقت الأحزاب بعمليَّة الانتفاضة، بعد أن اشتعل الشارع، وصمَّمت الجماهير على الإطاحة بالنظام. لذلك، فكُل التجارب المُقارنة تؤكِّد على أن الأحزاب السياسيَّة ليست هي التي تُسقِط الأنظمة الحاكمة الاستبداديَّة والقمعيَّة، ولكن الشَّعب، بقُواه المدنيَّة المتعدِّدة، هُم الذين يتحمَّلون دائماً مسئوليَّة الإطاحة بالأنظمة الديكتاتوريَّة العسكريَّة، من خلال الانتفاضات الشعبيَّة. وأكرِّر، أن تجربتنا في 1964 و1985، وكذلك تجارب الربيع العربي تدُلُّ بوضوحٍ على أن الأحزاب السياسيَّة لا تقرِّر الانضمام إلى الثورة في الشارع، إلاَّ عندما يتبيَّن لها أن سقوط النظام الحاكم قد بات وشيكاً.
4. وهذا أيضاً لا يعني أن عضويَّة الأحزاب لم تشارك في الانتفاضة ضمن الجماهير الثائرة وقوي الشعب الحيَّة والعاملة في كل المجالات، والشباب والمرأة والطلاب. كما لا يجوز إلا لمكابرٍ أن يُنكر مساهمات الأحزاب السودانيَّة في مقاومة نظامي عبود ونميري ومعاركها التراكُميَّة عبر مجرى النضال العام ضد الحكومات العسكريَّة.
5. من جانبٍ آخر، أنا أفهم أن يكون العمل المسلَّح وسيلة لتحقيق الأهداف السياسيَّة للحركات المسلَّحة، فهي تملك السلاح بغضِّ النظر عن مصدره، ولها المَقدِرَة علي التسليح والتدريب وخوض المعارك، دون اعتبارٍ لفعاليَّتها. ولكنني لا أستوعب كيف تكون الانتفاضة "الشعبيَّة" سلاحاً تمتلكه المعارضة الحزبيَّة الرسميَّة، وتلوِّح بإشعالها حال رفض النظام الرضوخ لمطالبها. الانتفاضة، بحُكم مُسمَّاها، هي سلاحُ الشَّعب السُّوداني ممثلاً في كل قواه الحيَّة وشبابه على امتداد ربوعه، وهي تعبيرٌ عن إرادة شعبيَّة كاسحة تتجاوز الفَواصِلَ الحزبيَّة، لا يُخَطَّط لها ويصعُبُ التكهُّن بميقات اندلاعها.
6. حقيقةُ، أرى بأنَّ المشكلة ليست في عدم وحدة مُكوِّنات المعارضة، المدنيَّة والمُسلَّحة، بل جوهر الأزمة يكمُنُ في ضَعْفِ مُكوِّناتها المُؤسِّسَة لتحالف المعارضة من أحزابٍ وتنظيماتٍ منقسمة على نفسها إلى فصائل وبطون، لا يسُرَّ حالها لا صديقٍ ولا عدُو، بسبب انعدام الديمقراطيَّة الداخليَّة وضعف - إن لم يكُن غياب - المشاركة الحقيقيَّة في عمليَّة اتخاذ القرار، والصِّراعات حول أجندة ومصالح ضيِّقة، وشُحِّ التواصُل مع قواعدها، إلاَّ في مواسم الانتخابات فقط.
7. فإن كانت جماهير الأحزاب هي حقاً صاحبة القرار، وأن قياداتها تعبِّر بصدقٍ عن أشواق وتطلُّعات قواعدها (مع أن بعض الأحزاب بدون قواعد يُعتد بها)، لما كانت هناك حاجة أصلاً لمجهودات وساطة بغرضتوحيد هذه القيادات. فلو كانت قيادات الأحزاب متَّحدة، وفي وحدة مع جماهيرها، لأصبح الطريق معبَّداً نحو وحدة المعارضة في الهدف والفعل السياسي. فالمشكلة، إذن، ليس في توتر العلاقة بين أطرف المعارضة فحسب، ممَّا يستدعي معالجتها، بل في اهتزاز العلاقة بين قيادة الأحزاب المعارضة وقواعدها، وهي الجديرة بالمخاطبة.
8. فالمعارضة كانت على أعلى درجات الوحدة من ناحية الرؤية والبرنامج (مقرَّرات أسمرا للقضايا المصيريَّة، يونيو 1995)، والهيكل التنظيمي على حدٍ سواء، تحت مظلة التجمُّع الوطني الديمقراطي، التي جمعت تحت سقفها الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي والأحزاب والتنظيمات المدنيَّة، والتي بدورها استجابت للعمل العسكري كوسيلة من وسائل "اقتلاع النظام من جذوره"، فشكَّلت فصائلها المسلَّحة وشاركت في العمليَّات، بغضِّ النظر عن درجة المُشاركة.
9. فهل استطاعت الأحزاب المتحدة سياسياً، والملتحمة ميدانياً مع الجيش الشعبي، إشعال الانتفاضة، ومِن ثمَّ إسقاط النظام، ناهيك عن اقتلاعه من جذوره؟! وذلك، بالرغم من ما لقِيَتهُ المعارضة من تأييدٍ حاشدٍ من قِبَلِ السُّودانيين في الداخل والخارج، خاصَّة بعد نجاح التجمُّع الوطني في التوافُق علي، وحسم التداوُل حول قضايا السُّودان المصيريَّة. هذا، في رأيي، سؤالٌ جديرٌ بالبحث عن إجابة وافية له!
10. وللمفارقة، فإذا لم تستطع الأحزاب السياسيَّة السودانيَّة، خاصة تلك التي كانت مشاركة في الحكم، أن تدافع عن النظام الديمقراطي، وهي على سُدَّة الحُكم وقمَّة السُّلطة، فهل تمتلك القدرة على الحشد والتعبئة لاستعادة الديمقراطيَّة؟! فقد خيَّبت هذه الأحزاب ظنَّ الشَّعب السوداني لإخفاقها في توجيه ولو بضعة آلاف من عضويتها ومناصريها للخروج إلى الشارع في مواجهة حفنة من الضُبَّاط الانقلابيين، وفي تفعيل "ميثاق الدفاع عن الديمقراطيَّة"، الذي وقعت عليه كل القيادات الحزبيَّة، ما عدا المنتمين للجبهة الإسلامية، في ليلةٍ أمدرمانيَّة حاشدة، في 17 نوفمبر 1985. ولماذا نذهبُ بعيداً، فكل قوى الإجماع الوطني، وأحزابه خاصة، لم تخرُج بخطابٍ واضح يُؤيِّد خروج قواعدها إلى الشارع، وأضحى مسجد الأنصار في ودنوباوي مركزاً للمظاهرات في أمدرمان بغير قرارٍ من قيادة حزب الأمَّة؟! أما شيخ حسن، فقد صرَّح بأن الأحزاب لا تصنع الثورة، ولكن تخطط لما بعدها، كما أن قادة الجبهة الثورية لم يُحرِّكوا جماهيرهم في أطراف الخرطوم بحُجَّة أن جماهيرهم غير مدرَّبة على أساليب النضال السلمي، وهمس بعض قادتها للصحفيين الأجانب: «لن نهز الشجرة ليقطف الثمار آخرون»!
ثانيا: إصلاح حال الأحزاب: التحدِّي الرئيس
1. الآن، يُصبِحُ من الأجدر إعطاء الأولويَّة لبذلِ الجهود من قبل كُلِّ الأحزاب المعارضة حتى توحِّد صفوفها وتلم شملها وتعالج انشقاقاتها، وهي مهام يستحيل تحقيقها بدون التواصُل المنتظم والالتحام مع قواعدها، والتعبير عن نبض جماهيرها ومطالبها وتطلعاتها لمستقبلٍ أفضل. فالجماهير هي مصدر قوَّة هذه الأحزاب الحقيقيَّة، ولكنها ظلَّت مستبعدة من دائرة الفعل، بينما تستخدمها القيادات مطيَّة لتحقيق مصالح ضيِّقة. فالدعوة لوحدة المعارضة ضروريَّة في كُلِّ الأحوال، ومع ذلك، فإن لم تُخاطِب الأحزاب مشكلاتها الداخليَّة وتُؤسِّس كياناتٍ متماسكة، تقوم على العلاقة الشفَّافة بين القيادة والقواعد، فإنها لن تكون مُؤهَّلة حتى لمجرَّد المساهمة الملموسة في تحقيق هدف إسقاط النظام، وهكذا يُصبِحُ السَّعي لتوحيد قوى المعارضة حرثا في البحر.
2. فالتحدِّي الحقيقي الذي تواجهه كل الأحزاب والقوى السياسيَّة، هو الخروج من حالة العُزلة التي تعيشها حالياً، وتعبئة قُدراتها وحَشْدِ كُلِّ طاقاتها، وتسخير إمكانيَّاتها، لبناء هياكلها وإعداد برامجها وسياساتها. والمدخل الصحيح، هُو أن تهيِّئ هذه الأحزاب نفسها لعقد مؤتمراتها العامَّة، وأن تبدأ بالانتخابات في داخلها قبل أن تحسم تحالفاتها ومعاركها مع الغير. فدون اقتناع جماهير هذه الأحزاب بجدوى وفعاليَّة تنظيماتها، لن تستطيع الحفاظ علي عضويَّتها، ناهيك عن استقطاب عضويَّة جديدة. فمُعظم هذه الأحزاب والكيانات السياسيَّة لم تنظم مؤتمراً عاماً منذ أمدٍ طويل، كما أن بعضها لم يعقده أصلاً، والبعض الآخر من الصَّعب تقدير عدد المُنتسبين له! وقد يُعزي المرء هذا الوضع المُتزَعْزِع في الأحزاب السياسيَّة السودانيَّة لما عانته من تاريخٍ طويل تحت هيمنة حُكم الحزب الواحد، الذي ساد في البلاد منذ الاستقلال في عام 1965، والذي شهد حظر الأحزاب السياسيَّة، فضلاً عن المناورة معهم بما ينسجم مع أجندة الأنظمة غير الديمقراطيَّة المتعاقبة. خلال هذا التاريخ المُضطرب، تمَّ حرمان الأحزاب السياسيَّة من الموارد الحيويَّة، سواء الماديَّة أو البشريَّة، مِمَّا جعلها دائماً في حاجةٍ للبدء من الصِّفر في نهاية كُلِّ عهدٍ ديمقراطي.
3. ومع ذلك، لا يجد المرء عذراً للقوى السياسيَّة المعارضة في تضييع الفرصة التي أتاحتها الفترة الانتقاليَّة (2005-2011)، المُترتبة على اتفاقيَّة السلام الشامل، بما أشاعته من حريَّاتٍ نسبيَّة في التنظيم والتعبير والتواصُل مع القواعد. فبدلاً عن تركيز الأحزاب علي مخاطبة ومعالجة مشكلاتها التنظيميَّة، وإعادة بناء لُحمَتِهَا الداخليَّة بعد طول انقطاع عن قواعدها، أضاعت وقتاً ثميناً في توجيه النقد صوب الاتفاقيَّة، خاصَّة قسمة الثروة والسُّلطة. وأصابت الصحفيَّة النابهة، رشا عوض، بقولها: «إن الذي أدَّى إلى تهميش أجندة التحوُّل الديمقراطيفيتسويةاتفاقيَّةالسلامالشامل"نيفاشا"هوإخفاقُالمعارضةالمدنيَّةالمُفترضأنتكونصاحبةالمصلحةالراجحةفيالتحوُّل الديمقراطي، إخفاقهافيأنتفرض نفسها كمتغيِّرمستقلٍفيمعادلةتوازُنالقوى»(رشاعوض، تحليلسياسي: إعلانباريسومعضلة قلب الطاولة علي التسويات المعطوبة، صحيفة ‘التغيير' الإلكترونيَّة 20 أغسطس 2014).
4. ينطبق هذا، طبعاً، على الحركة الشعبيَّة - شمال، التي كانت تمارس النشاط السياسي قبل الانفصال باسم "قطاع الشمال" في إطار شراكة الحركة في الحُكم. فقد تدافعت نحو القطاع أعدادٌ غفيرة في كل ولايات السُّودان، تجلَّت في الاستقبال الحاشد غير المسبوق الذي لقيه الزعيمالراحِلد.جونقرنق في السَّاحة الخضراء. ومع ذلك، فشلت قيادة القطاع في الاستفادة من الظروف المواتية، والموارد المتاحة نسبياً، في تحقيق هدفها الرئيس، المتمثل في بناء حركة شعبيَّة ديمقراطيَّة قويَّة في شمال السُّودان، ويرجع ذلك لإخفاقاتٍ تنظيميَّة ورهنتطوُّرالحركةفيالشماللأجندةالجنوب.وهوأيضاً مالاحظته رشاعوض، في معرض تحليلها لمُعوِّقات التحوُّل الديمقراطي خلال الفترة الانتقاليَّة، في: «انصراف الحركة الشعبيَّةإلىحدٍكبيرعنقضاياالتحوُّلالديمقراطيفيالشمالنظراًلهيمنةالأجندة الانفصاليَّة على جدول أعمالها» (رشا عوض، نفس المصدر).. (يمكن الرجوع لمقالاتي السابقة: "قطاع الشمال: تمثيلمؤسسيأمإشراكمظهري؟"-"الشماليونبالحركةالشعبية:تحويلالخصومإلىأصول").. ويظلُّ هذا هو التحدِّي الذي يواجه مستقبل الحركة الشعبيَّة-شمال،فإمَّاأنتسعى لتحويلنفسها من جيشٍ شعبيٍ في جنوب كُردُفان والنيل الأزرق إلى حركةسياسيَّةديمقراطيَّة،منفتحةعلىالجمهورالمدني،أوتكونقدعرَّضتمصيرهاإلى اضمحلالٍ، ثم زَوَال.
5. إذن، على كل طرفٍ أن يُصلح حاله أولاً، ويرتب بيته الداخلي، ويقوم بواجبه المنزلي، حتى يتمكَّن من أداء الدور الأصيل والمنوط بالأحزاب السياسيَّة كدعامة أساسيَّة للتداوُل السلمي للسُّلطة والقيام بواجباتها الدستورية في النظام الديمقراطي "المرتقب". ولا شكَّ أن هذه القُوى الحزبيَّة تمتلك قواعد شعبيَّة يُعتَدُّ بها، بالرغم من صعوبة تحديد الأوزان بدقَّة، في الوقت الذي تشهد فيه الآن ديناميكيَّة داخليَّة وتحرُّكاتٍ إصلاحيَّة استجابة لمطالب القواعد الشعبيَّة الداعية للمشاركة والشُمول في عملية صنع القرار.
6. ولعلَّنا نُدرِكُ جيداً بأن المؤتمر الوطني لا تهزَّه مواقف القيادات الحزبيَّة، التي خَبِرَهَا وتفاعَلَ معها خلال العقدين ونصف المُنصرمين، بل يهاب ويتخوَّف من قواعدها الجماهيريَّة، ويراقب حراكها وتحرُّكاتها بتوجُّسٍ (الهبَّة الشعبيَّة في سبتمبر 2013). فعلى الأحزاب أن تُثبِت مصداقيَّتها وجديَّتها حتى يلتفَّ الناس حولها، وتطمئن الجماهير العُزْل لقيادتها حين تخرُج إلي الشارع لتواجه البنادق بصدورٍ عارية.
7. ولتعميق الحوار حول هذا الموضوع، والدَّفع به إلى الأمام، أشيرُ إلى دراسة عن سُبُل تقوية الأحزابالسياسيَّةالسودانيَّة(الواثقكميرود.مصطفىبابكر)بطلبٍمن صندوق الأمم المتحدة الإنمائيUNDPوالمعهدالدوليللديمقراطية والدعمالانتخابيIDEA، 18 ديسمبر 2006.
ثالثا: المقاومة المسلحة: الجدوى والمآلات
1. وبنفس القدر، تجابه كلٌ من الحركات المسلَّحة ذات المشاكل التي تعاني منها القوى المدنيَّة من احتقاناتٍ داخليَّة واختلالاتٍ تنظيميَّة وتعقيداتٍ في التواصُل مع قواعدها المُباشرة في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، أو مناصريها في بقية أنحاء السُّودان. كما أنَّ هذه الحركات توافقت على العمل المشترك تحت راية "الجبهة الثوريَّة"، والتي لا تزال، في رأيي، تمثل تحالفاً هشاً، يقوم على التكتيك وليس الإستراتيجيَّة، متنافر المُكوِّنات، وبدون هيكلٍ تنظيمي وإداريٍ فعَّال، مع افتقارٍ ملموس للمُؤسَّسيَّة والخلاف حول القيادة الدوريَّة وفقاً لدُستُورها. وبغضِّ النظر عن إعلان الجبهة الثوريَّة التزامها بتكامُل النضال المسلَّح مع العمل السياسي والمدني، إلا أنه منذ أيام التجمُّع الوطني الديمقراطي، ظلَّ هذا التكامُل مجرَّد شعار وهدف بعيد المنال. كما أنه يفتقر إلى المنهجيَّة الواقعيَّة، أو آليَّة للتنفيذ على أرض الواقع. فالجبهة لم تكشف النقاب عن أي إستراتيجيَّة واضحة في هذا الصدد. كذلك، فانَّ الجبهة ومُكوِّناتها مُطالَبَةٌ بأن تحدِّد أولاً الهدف من المقاومة المسلَّحة لنتيجة المتوقعة، وآفاق وسيناريوهات المفاوضات. فهل تهدف إلى تحطيم القوَّات المسلَّحة السودانيَّة، وفي سياق هذه العمليَّة، تقوم بالاستعاضة عنها بالجيش الذي يُناسب خصوصيَّات السُّودان الذي تسعى لبنائه؟! كانت هذه هي الأطروحة الأصليَّة للدكتور جون قرنق.
2. ولكن، مع تطوُّر الصِّراع المسلَّح ضد نظام "الإنقاذ" تبيَّن له أن هذا الأمر غير واقعي، ولا يمكن تحقيقه، مِمَّا جعله يتراجع عنه، مُفَضِّلاً التسوية السياسيَّة المُتفاوض عليها. وبالتالي، دعت اتفاقيَّة السلام الشامل إلى تشكيل الوحدات المشتركة المُدمَجَة، كآليَّة لدمج الجيش الشعبي والقوَّات المسلحة السودانيَّة، لتكون بمثابة نواة لجيش السُّودان القومي، في حالة اختيار الجنوبيين لوحدة السُّودان. وكان موقف الدكتور جون قرنق المبدئي، منذ عام 1972، يُشدِّد على أن أي حلٍ في إطار "السُّودان الجديد" المُوحَّد، يجب أولاً وقبل كل شيء، أن يعترف بال"أنيانيا"، والجيش الشعبي في وقتٍ لاحق، كجيشٍ مشروع لشعب جنوب السُّودان. هذا هو بالضبط ما جرى التأكيد عليه في اتفاقيَّة السلام الشامل. فقد كان المنطق الأساسي هو ضمان أن يكون لجنوب السُّودان "جيشٌ وطني" في حال أن اختار الجنوبيون الانفصال. هذا هو أيضاً بالضبط ما تبيَّن في نهاية المطاف. ولذلك، كانت الرؤية مقنعة وثاقبة، والهدف من الكفاح المسلَّح محدداً بدقة ووضوح.
3. ولكن، يظلُّ هذا النهج غير قابلٍ للتطبيق على الوضع في المنطقتين، إلاَّ إذا كان الهدف النهائي هو توحيد جنوب كُردُفان والنيل الأزرق ودارفور في دولة فدراليَّة جديدة، وهذا أمرٌ يصعُبُ تحقيقه على أرض الواقع، ولم تدعُ له أي من الحركات المسلَّحة.
4. وإلاَّ، فهل يهدف العمل المسلَّح، على شكل حرب عصابات، إلى ممارسة ضغوطٍ متواصلة، جنباً إلى جنب مع جهود المعارضة السلميَّة لبقيَّة القُوى السياسيَّة السودانيَّة، من أجل إسقاط النظام في الخرطوم، أو إرغامه على الاستجابة للتغيير؟! إذا كان هذا هو الحال، يظل من المهم التطرُّق لعددٍ من الأسئلة التي تبحث عن إجابات، ومخاطبة بعض التخوُّفات والهواجس، علي شاكلة: كيف يتحقق ذلك؟! فالتحدِّي الحقيقي الذي يواجه الحركات المسلَّحة (وبقية القوى السَّاعية للتغيير) في هذا المنعطف التاريخي الحاسم، لا تكمُنُ ببساطة في مسألة "إسقاط النظام"، بل في "صناعة البديل" المُقنع والمُلهم والقادر على حشد الشَّعب السُّوداني من حوله، وبالتالي تجنب سقوط الدولة السُّودانية نفسها (للتفاصيل، انظُر مقالي بعنوان: "نحو بناء دولة المواطنة السودانيَّة: إسقاط النظام أم صناعة البديل؟" - المركز العربي للبحوث ودراسة السياسات، الدوحة، مايو 20102).
5. وعلى الرَّغم من محاولات التقارُب المختلفة بين الجبهة الثوريَّة والقوى الحزبيَّة، وصلت لحدِّ توقيع "ميثاق الفجر الجديد" و"إعلان باريس"، إلاَّ أن هذه الخطوات لم تُسفِر بعد عن تقديم الدَّعم السياسي اللازم للعمل المسلَّح، والذي سبق أن وفَّرته معظم القوى السياسيَّة، تحت مظلة التجمُّع الوطني الديمقراطي، للجيش الشعبي لتحرير السُّودان، والمقاومة المسلَّحة بشكلٍ عام، في التسعينات من القرن المنصرم. فقد كانت لدى الزعيم الراحل، جون قرنق، قناعة كاملة بأن أي من هدفي "السُّودان الجديد" المُوحَّد، أو "الانفصال" لن يتحقَّق أبداً بدون مشاهدة ومباركة كُلِّ القُوى السياسيَّة السودانيَّة، خاصة الحزبين التقليديين.
6. تجربة الحركة الشعبية والجيش الشعبي، خاصة بعد اتفاقيَّة السلام والمشاركة في الحُكم، وتخليها عن المثابرة على تحقيق هدفها المُعلن، "السودان الجديد"، دفعت بكثيرين للتوجُّس من مصداقيَّة الحركة الشعبية – شمال، وكذلك الحركات المسلَّحة الأخرى، هذه المرَّة. يتساءل هؤلاء: ما هي الحيثيَّات والشواهد على اختلاف قيادات الجبهة الثوريَّة عن من سبقهم من قادة الحركة الشعبيَّة، خاصَّة بعد الوصول للسُّلطة، في نمط التفكير والمنهج والسلوك؟! فأغلب هذه الحركات نهلت من نفس المدرسة، وتمضي سالكة ذات الطريق. إن التحدِّي الرئيس، الذي تواجهه الحركات المسلَّحة، هو مدى مقدِرَتِها على تحويل نفسها إلى حركة (حركات) سياسيَّة ديمقراطيَّة، حتى لا تقع في فخِّ الحركة الشعبية في الجنوب. وبنفس القدر، فإن قيادات الأحزاب السياسيَّة، وقد ظلَّت في الواجهة لعُقودٍ من الزمان، مطالبة بإقناع الرأي العام أن سياساتهم وتوجُّهاتهم قد تبدَّلت بعد استخلاص الدروس من تجاربها الفاشلة، وأنهم لن يعودوا إلى قديمهم!
رابعا: الانتفاضة: هل تُفضي إلى التغيير المنشود؟!
1. مِن منظورٍ آخر، يبدو وكأننا "نُعيدُ اختراع العَجَلَة" ونبذل جهوداً عظيمة ونُفسِحُ وقتاً مهولاً، كما يقولون، لنمضي في نفس الطريق، وبذات المَسْلَك، لنعيد إنتاج ما حدث في أكتوبر 1964 ومارس/أبريل 1985.
2. ابتداءً، هل سيناريو كهذا يبقي ممكناً وقابلاً للتحقيق؟! أي هل من المُمكِن إعادة إنتاج تجربتي أكتوبر وأبريل؟! وبكُلِّ وضوحٍ، أنا لا استبعد أن ينتفض الشَّعب بإرادته ويخرُج إلى الشارع بكُلِّ فئاته وطوائفه، ففي نهاية الأمر الشَّعب سيِّد قراره. ولكني أبني السيناريوهات، ليس على العمليَّة process، بل على النتيجة النهائيَّة للعمليَّة outcome، بمعنى هل ستُفضي الانتفاضة إلى تفكيك النظام، وهكذا نحو التغيير المنشود، أم ستقود إلى تفكُّك الدولة وتمزُّق البلاد؟! والذي وصفتُهُ في مقالٍ أخير "الكرة في ملعب الرئيس" بالسيناريو الأكثر ترجيحاً، وما زلتُ، بل أصبحتُ أشدُّ يقيناً، إذ أنَّ الشواهد عليه باتت تتري يومياً. فعلى سبيل المثال، ظلَّت الثورة الشعبيَّة المدنيَّة والمسلَّحة مستمرَّة في سوريا لأكثر من ثلاث سنوات، استشهد خلالها حوالي 200000 سوري، فهل سقط نظام الأسد، أم أن سوريا تسير على طريق التمزُّق؟! واندلعت الانتفاضة الشعبيَّة أيضاً في اليمن، واستمرَّت شهوراً، وبلغت أعداد الشُهداء والمُصابين والمُعاقين الآلاف، ولكنها أيضاً لم تُفلح في الإطاحة بالنظام، بل ارتضت كافة القوى السياسيَّة تسوية سياسيَّة، تنحَّى الرئيس بموجبها، وأخذ نائبه مكانه، مع مشاركة الحزب الحاكم في إدارة عمليَّة انتقال السُّلطة سلمياً.
3. لذلك، فانه يتوجَّب علينا أن نُلقي نظرة فاحصة علي الظروف الموضوعيَّة والشروط الذاتيَّة اللازمة للانتفاضة، والتي توفَّرت في أكتوبر 1964 وأبريل 1985، مقارنة بواقع المشهد السياسي الرَّاهن، وطبيعة وموازين القوي السياسيَّة والاجتماعيَّة. ففي وقتٍ كانت فيه المعارضة في أوج قوَّتها وقمَّة وحدتها، وعلى أعلى درجات التماسُك، علي المستويين التنظيمي والبرامجي، مع تفهُّمٍ ومساندةٍ إقليميَّة ودوليَّة مُقدَّرة في النصف الأخير من التسعينات، لم يغِب عن بالها الصعوبات والعراقيل التي قد تحول دون الانتفاضة.
4. في أواخر عام 1997، وفي معرض تحليله وتقييمه لاحتمالات وقوع انقلابٍ عسكري أو انتفاضة شعبيَّة، حدَّد الزعيم الراحل، جون قرنق، ثلاث عقبات رئيسة أمام الانتفاضة، تجعل احتمال حدوثها ضعيفاً، وهي: أولاً، مشكلة تتعلق بمن يُفترض توجيههم للانتفاضة، خاصَّة الحركة النقابيَّة التي عمل النظام على تحطيم استقلاليَّتها، والأحزاب التي تمَّ اختراقها أيضاً.. ثانياً، في 1964 و1985، أيَّدت جميع القوى السياسيَّة والنقابيَّة بمختلف الأطياف، يميناً ويساراً، الانتفاضة وشاركوا فيها، ولو كل بمقدار، بينما بعد 1989 أصبحت الجبهة الإسلاميَّة في الحُكم وهي تمتلك نسبة مقدَّرة من المناصرين والمُوالين، مِمَّا يُعرِّض المظاهرات الشعبيَّة للقمع المباشر من قِبَلِ قوَّات الأمن، بلباسٍ مدني، لإيذاء وسحق المتظاهرين.. أما الصعوبة الثالثة، فتتصِّل بموقف القوَّات المسلحة السودانيَّة، وبحدِّ قول الزعيم الراحل: «يمكن الاستمرار في التظاهُر لمدَّة أسبوع أو لشهرين أو ثلاثة أو لستة أشهر، ولكن لا بُدَّ من أن تسقط الحكومة».. ولكن، كيف تسقط؟! فسُقُوطها يُحدِّده الموقف الذي يتخذه الجيش. فهكذا، في عام 1964 أعلنت حكومة عبُّود وقف إراقة دماء السُّودانيين في شوارع العاصمة، وأصدرت الأوامر للجيش بالعودة إلى ثكناته. هذه هي الطريقة التي سقطت بها الحكومة. فلابُدَّ أن تكون هناك وسيلة لتغيير الحرس. وفي 1985، أذاع سوار الذهب بياناً في الإذاعة والتلفزيون أعلن فيه قرار الجيش بالانحياز لجانب الشَّعب، ومع أنها كانت كذبة، إلا أن حكومة نميري سقطت بهذه الطريقة. فإن لم تتخذ قيادة الجيش ذلك الموقف الواضح، لما سقطت الحكومة. ففي زائير كانت هناك انتفاضة أضخم ومظاهرات أكثر حشداً مِمَّا حدث في الخرطوم في أي وقتٍ من الأوقات، ومع ذلك لم تسقُط الحكومة، لأن الجيش ظلَّ داعماً للرئيس موبوتو حتي النهاية، وبالتالي لم تنجح الانتفاضة. أما في الوقتالراهن، فلدينافي السُّودان جيشان في داخلمادُرِجَ على تسميته ب"الجيشالسُّوداني"، فهناكمُكوِّنُالجبهةالإسلاميَّةوعناصرالجيش"القديم".فإنحدثتمواجهةصداميَّةبين المُكوِّنين،فستكونالغلبةلعناصرالجبهةالإسلاميَّة، إذ لديهم"ميزة تفضيليَّة".. (الواثق كمير، جون قرنق ورؤيته للسُّودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانيَّة، دار رؤى، القاهرة، 2005).
5. فالسؤال الذي يطرح نفسه بشدَّة، هو: هل زالت هذه العقبات، أو حتى قُمنا بدراستها والمُفاكرة حولها، فاستخلصنا أن الظروف أضحت مواتية تماماً للانتفاضة والإطاحة بالنظام؟! هل لدينا، مثلاً، قوَّة بديلة للحركة النقابيَّة ودورها المِفصَلي في انتفاضتي أكتوبر وأبريل في قيادة تنفيذ الإضراب العام والعصيان المدني؟! أم هناك عوامل أخرى أكثر قوَّة وفعاليَّة تُرجِّح كفَّة الانتفاضة وتجُبُّ هذه الصعوبات الثلاث.! في رأيي، أن هذه العراقيل ما زالت قائمة، بل وأصبحت أكثر تعقيداً..
i. أولاً: منذ 1997وحتى الآن، تمكَّن نظام الإنقاذ من إحكامِ قبضته وفرض هيمنته علي الحركة النقابيَّة، والقضاء على استقلاليَّتها بالكامل، وإكمال تبعيَّتها التامَّة للسُّلطة التنفيذيَّة. فالجبهة الإسلاميَّة/المؤتمر الوطني كانت تُدرِك جيداً، من واقع تجربتي أكتوبر وأبريل، أن النقابات تشكِّل رأس الرُّمح والمُحرِّك الرئيس للانتفاضة، فكان لا بُدَّ من تحييدها أو تدجينها بالكامل لصالح النظام، وهي سياسة أتت أُكلِهَا في نهاية الأمر. أما اختراق سُلطة الإنقاذ للأحزاب السياسيَّة، فقد أدَّى إلى، ونجح في، تقسيمها إلى أجنحة متصارعة، بعضها يُشاركُ في الحكومة والبعض الأخر يعارضها.
ii. ثانياً: انعكس هذا التشرذُم على وضع المعارضة نفسها، إذ هي الآن تفتقر إلي التوافُق على إسقاط النظام، حيث يُفضِّل البعض تغيير النظام وإقامة النظام الجديد، وبالتالي غياب إجماع القوى السياسيَّة كشرطٍ أساس لنجاح الانتفاضة. وللمُفارقة، فالمعارضة أيضاً غير متفقة حتى على الحوار، كوسيلة لتفكيك النظام. فالأحزاب المتبقية ضمن قوى الإجماع الوطني ترفُض أي حوار لا يقود للتفكيك، وهناك أحزاب أخرى تشترط المشاركة بإجراءاتٍ مكتملة لتهيئة المناخ وآليَّة تنفيذ مخرجات الحوار، بينما انخرطت أحزابٌ أخرى في آلية (7+7)، وتوافقت على "خارطة طريق"، (مع الوضع في الاعتبار بأنَّ التحالُفات السياسيَّة في الوقت الرَّاهن على درجةٍ عالية من السيولة وعدم الثبات)، والسُؤال قائم: كيف نُسقِط النظام بينما هناك بعض القُوى الرئيسة التي لا تتفق ابتداءً على مفهوم إسقاط النظام؟! وهل تمتلك القُوى المتبقية تحت مظلة الإجماع الوطني القُدرة على إسقاط النظام لوحدها وبمفردها، حتى ولو نجحت مساعي وجهود توحيد هذه القوى؟!
iii. ثالثاً: يبدو أن جُلَّ النقاش يركِّز على عمليَّة توحيد المعارضة وتأهيلها لقيادة الانتفاضة لإسقاط النظام، بينما أغفل الجانب الآخر، وربَّما الأكثر أهميَّة، المتمثل في عمليَّة انتقال السُّلطة، ومن ثمَّ، نقلها لمن؟! فلنفترض أن الانتفاضة قد اندلعت ووصلت الذُروة، هل نتوقع أن ينحاز الجيش، الذي تشكِّك خطابات المعارضة نفسها في قوميَّته للشعب؟! وهلهذاهونفسالجيشالسُّودانيفي1964 و1985؟! ذلك،إضافةإلىأنه،ومنذحديث جون قرنق في 1997، أنشأت قوَّات موازية جديدة، بما فيها قوَّات الدَّعم السَّريع وقوَّات الدِّفاع الشعبي، وتحوَّل جهاز الأمن الوطني لقوَّة عسكريَّة ضاربة.. وفوق ذلك، المليشيات القبليَّة المنتشرة.. فكيف يتم انتقال السُّلطة في ظِلِّ هكذا أوضاع سائبة؟! وما هيالقُوىالتيستتكفَّلبعملَّيةالانتقالفيظِلِّتعدُّدالقوىالمسلَّحةوالمتصارعةعلى السلطة؟!
6. فوق كُلِّ ما طرحه جون قرنق من صعوباتٍ تواجه الانتفاضة، فلنُمعِن النظر في التحوُّل الجذري الذي أدخلته الإنقاذ في النظام التعليمي، مِمَّا أفضي إلي إضعاف الوعي والتفكير النقدي واستقلاليَّة الفرد. فالأجيال التي قادت ثورتي أكتوبر وأبريل كانت نتاجاً لتعليمٍ عالي الجودة، مسلحة بمهاراتٍ ومعارف واسعة، ومُلمَّة بأوضاع البلاد ومنفتحة على العالم الخارجي. أمَّا الآن، فالشباب في الفئات العمريَّة من 18 إلى 40 سنة، الذي كان عليه قيادة الانتفاضتين، والمحرِّك الرئيس لثورات الربيع العربي، هُم مَن توفر غالبيَّتهم قاعدة الإسلاميين والمُناصرين لنظام الإنقاذ. ومع ذلك، يشير البعض إلى احتمال اندلاع "انتفاضة الجوع" أو "ثورة الجياع" بحَسَب الأوضاع الاقتصاديَّة المتردية، وتدهور الأحوال المعيشيَّة وتفشِّي الفقر. ولكن، هل تُعَدُّ هذه ثورة للتغيير الذي ننشده؟! فالانتفاضة أو الثورة هي نتاجٌ لوعي الجماهير بتظلُّماتها ومطالبها وتطلُّعاتها لمستقبلٍ أفضل، وليست فقط استجابة للظروف الماديَّة القاسية وتدهور الأحوال المعيشيَّة. ففي أكتوبر 1964، كان الاقتصاد السُّوداني قوياً نسبياً، والوضع المعيشي أفضل حالاً، مع ازدهارٍ في أوضاع رأس المال العالمي، ونُمُوِّ طبقةٍ وُسطَى متعلِّمة ومتطلِّعة وطموحة، ولو أن الأوضاع كانت أسوأ في 1985، ولكنها لم تبلغ ما وصلت إليه الآن من بُؤسٍ شاملٍ وقاعٍ سحيق.. أم هل نُخطِّط لصناعة انتفاضة مختلفة الشكل والمضمون هذه المرَّة؟! وحُكماً على طبيعة القوى وأوزانها الجماهيريَّة، هل قُوى الإجماع الوطني، حتى ولو توحَّدت، مستعدَّة لمُنازلة القوى الأخرى في انتخابات ما بعد الفترة الانتقاليَّة، وإن جاءت مبرَّأة من كُلِّ عيب؟!
7. لا شكَّ أن الإطاحة بالنظام، عن طريق الانتفاضة الشعبيَّة، تهدف في نهاية الأمر إلى الانتقال بالشعب السُّوداني إلي واقعٍ سياسيٍ تتغيَّر فيه موازين القوى، وعَقدٌ اجتماعيٌ جديد يُفضي بالبلاد إلي دولة ديمقراطيَّة تعدديَّة، قائمة على حقوق المواطنة المتساوية وحُكم القانون. ومع ذلك، أعتقد بشدَّة أنه أزَفَ الوقت للمراجعة النقديَّة الصارمة، والتأمُّل العميق في نتائج الثورتين في 1964 و1985 مقارنتها بالأهداف المُعلنة، وأن نتعلم من تجاربنا ونستخلص الدروس، بقصد تجنُّب الوقوع في نفس الأخطاء. فثمَّة سؤالٍ آخر يُطِلُّ برأسه ويستدعي التأمُّل والتفكير: ما هي الضمانات هذه المرَّة أن لا تترتب على الانتفاضة أوضاعٌ انتقاليَّة لا تُفضي للتغيير المطلوب، من تحوُّلٍ ديمقراطي وسلامٌ عادل، بل تجهض الانتفاضة وتعود بالبلاد إلى "الدورة الخبيثة"؟! فقد سبق الشعب السُّوداني الشعوب العربية الأخرى إلى "الربيع العربي" بتحقيقه لثورتين/انتفاضتين شعبيَّتين، أسقطتا نظامين عسكريَّين استبداديين.. الشَّاهد، أن الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان ألقت بظلالٍ كثيفة على أسباب ودوافع الانتفاضة الشعبيَّة، كما للحرب الدائرة حالياً في دارفور، كُردُفان والنيل الأزرق تأثير مشابه. ولكن، لم تبلغ الثورة، في التجربتين، هدفها الرئيس في تأسيس واستدامة نظام حُكمٍ ديمقراطي حقيقي، يلبِّي طموحات قوى التغيير، بل ارتدَّت على أعقابها، ليعود حُكمُ الفرد أو الحزب الواحد، ويتعثَّر بناء دولة المواطنة والديمقراطيَّة، المستوعبة لتعدُّد وتنوُّع مُكوِّنات السُّودان السياسيَّة والإثنيَّة والدينيَّة والثقافيَّة، والفشل في معالجة كافة أشكال الإقصاء والتهميش لشعوبه.
8. إذن، الحاجة ماسَّة لإدراك الأسباب التي أدَّت لفشل كلتا الثورتين في تحقيق أهداف الشَّعب مُفجِّر الانتفاضتين، والحوار حولها بعُمقٍ، قبل الشُّروع في تجربةٍ أخرى تُدخِلُ البلاد في نفقٍ مظلم جديد، لا تَكسَبَ القُوى الثوريَّة منها إلا إقصاء على نحوٍ جديد. فموازين القُوى، بقدر تنظيمها وقُدرتها على حشد وتعبئة جماهيرها ساعة انفجار الانتفاضة، هي التي تحدِّد من تؤول له السُّلطة بعد فترة الانتقال. ففي كلتا الحالتين عادت الأحزاب السياسيَّة "التقليديَّة" للسلطة، بحُكم أنها أكثر تنظيماً، والأهم فهي المُخوَّلة للتنافُس الانتخابي، وهكذا الوصول للسُّلطة وحَصْد ثمار الانتفاضة، وتكييف النظام السياسي وفقاً لحساباتها الحزبيَّة، ومن ثمَّ، الإخفاق في معالجة مشاكل البلاد المتراكمة من منظورٍ وطني، خاصة الحرب الأهليَّة التي توسَّعت رُقعتها الآن. كذلك، قدَّم لنا "الربيع العربي" درساً مهماً، فبعد سقوط النظام الحاكم، تحقق القُوى السياسيَّة الأكثر تنظيماً الفوز في نهاية الأمر بحُصُولها على نصيب الأسد من قسمة السُّلطة، في مقابل خيبة ظن "القوى الثوريَّة". إذن، هل أعدَّت الأحزاب المطالبة بإسقاط النظام العدَّة لما بعد الإسقاط، وحدَّدت موقفها في خريطة توازُن القوي التي ستتشكَّل وفقاً لنتائج الانتخابات؟! بمعنى آخر، هل تمتلك "القوى الثوريَّة" المبعثرة قوَّة انتخابيَّة voting power يُعتَدُّ بها؟! فقد اعتمدت هذه القُوى في 1964 و1985 على النقابات وشرائح ما أُطلق عليه "القُوى الحديثة"، ولكن خاب أملها، إذ أوضحت التجربة أن "النقابة" لا يمكن أن تكون حزباً، أو تلعب دور الحزب في الحياة السياسيَّة.
خامسا: كيف يتم انتقال السُّلطة سلمياً؟!
1. أنا لي رأيٌ قديم، بأن هدف المعارضة "إسقاط النظام" ظلَّ يشوبُهُ الغُموض، ويمضي دون تعريف دقيق لمعني الإسقاط المقصود، خاصَّة عندما تتحدَّث قيادات المعارضة عن "تفكيك" النظام عن طريق الحوار في مقابل إسقاطه بواسطة انتفاضة شعبيَّة، قد تحتاج للحماية المسلَّحة. ومع ذلك، يبدو أن إسقاط/تفكيك النظام في نظر المعارضة يعني وضعاً وترتيبات انتقاليَّة كاملة الدَّسم، تديرها القوى السياسيَّة المدنيَّة والعسكريَّة المناوئة، بالاحتكام لمبادئ وثيقتي "الفجر الجديد" و"البديل الديمقراطي"، تقود إلي تفكيك النظام السياسي برُمَّته وتنظيم انتخاباتٍ حرَّة ونزيهة، على شاكلة الأوضاع الانتقاليَّة التي تنتجها الانتفاضات والثورات الشعبيَّة بعزلِ الحزب الحاكم تماماً، وإقصائه من المسرح السياسي، كما في حالات الاتحاد الاشتراكي السُّوداني والحزب الوطني المصري والتجمُّع الديمقراطي الدستوري التونسي.. (لا يعني ذلك تطابُق الآراء بشأن الانتقال بين كل هذه القوى).
2. أفهمُ جيِّداً أن تفرض المعارضة وضعاً انتقالياً كامل الدَّسم، في حالة نجاحها في الإطاحة بالنظام، سواءً عن طريق الانتفاضة الشعبيَّة أو العمل المسلح، أو الاثنين معاً، وحسمها لآليَّة الانتقال، ولكن يستعصي عليَّ الفهم في التمسُّك بنفس المطلب، حينما يتمَّ التوافُق على انتقالٍ سِلمِي للسُّلطة عن طريق الحوار والتسوية السياسيَّة الشاملة. ولذلك، يُبغِضُ المؤتمر الوطني مجرَّد الإشارة ل"الانتقال"، طالما ما زال حاكماً ولم تُقصِهِ من السُّلطة انتفاضة شعبيَّة أو يطيح به انقلابٌ عسكري، كما يحسب انتقال السُّلطة، في 1955، 1964، 1985 و2005 حدث في ظرفٍ غير الظرف، وزمانٍ غير ما نعيشه الآن، إذ لا يستقيم في نظره أن يُسلِّم أي حزبٍ حاكمٍ السُّلطة لمعارضيه هكذا على طبقٍ من فضَّةٍ على مائدة حوار!
3. يتوجَّب علينا في هذه المجموعة، وعلى كل المهمومين والمهتمين بالشأن الوطني العام أن نتداول بشفافيَّة ونتناقش بعُمقٍ وتبصُّر فيما إذا كان الانتقال المُكتمِل الأركان خيارٌ على قدرٍ راجحٍ من الواقعيَّة السياسيَّة، على خلفيَّة ما يجابه قُوى التغيير من تحديَّات جِسَام وحاجة ملحَّة لقيام كتلة تاريخيَّة وتيَّار وطني عريض، يصنع بديلاً مقنعاً وجاذباً للجماهير. فأنا اعتقد بشدَّة أن أمر "الحوار الوطني" المطروح لا يستقيم، ولن تقود نتائجه إلى توافُقٍ وطنيٍ حول كيف ننتقل بالبلاد إلى مستقبلٍ أفضل، وإن شارك فيه الجميع، إلاَّ إذا اتفقت كافة القوى السياسيَّة، بما في ذلك المؤتمر الوطني، وقوى المجتمع الحيَّة على مدى scope التغيير المطلوب في البِنيَة (البِنيَات) السياسيَّة والمُؤسسيَّة للدولة السودانيَّة بعد أكثر من رُبع قرنٍ من الزمان من هيمنة الحزب الواحد علي مفاصل ومؤسَّسات الدولة.
4. وبنفس القدر، من جهة النزاع المُسلَّح، نجد أن معضلة التباعُد في المواقف بشأن "مدى" مواضيع وأجندة التفاوُض بين الحكومة والحركة الشعبيَّة/شمال، هي التي ظلَّت دوماً تهدِّد المُفاوضات بالانهيار. فالجدل يدورُ حول: هل تقتصر المحادثات فقط على قضايا "المنطقتين"، كما تنظر الحكومة للأمر، أم مخاطبة النزاع من منظورٍ شامل، بما في ذلك مناقشة المسائل القوميَّة الدستوريَّة، كما ترى الحركة؟! وكما في حالة الحوار السياسي العام، فلن يُكتَبَ النجاح لجولات التفاوُض المرتقبة في الوصول لاتفاقٍ بدون توافُق الطرفين على طبيعة ومدى المُخرجات المتوقعة من المفاوضات. فلكُلِّ طرفٍ تصوُّره وتوقُّعاته لنتائج التفاوُض وطبيعة ومدى التغيير الذي سيُفضي إليه، كما أنه من الضرورة أن يتفق الطرفان علىالمحطَّةالتيستقودإليهارحلة التفاوُض في نهايةالمطاف، فيُقبِلَ كلٌ منهُماعلىالحوار بعقلٍ مفتوح، وبثقة فيما قد يُسفِرَ عنه من نتائج. هذا ما يجب على المؤتمر الوطني إدراكه.
سادسا: الدولة العلمانيَّة في مقابل الدولة الدينيَّة.. أم دولة المواطنة؟!
1. تعرَّضَت مداخلات المجموعة إلى موضوعٍ في غاية الأهميَّة، هو علاقة الدِّين والدَّولة، كقضيَّة دستوريَّة محوريَّة، يُشكِّل التوافُق السياسي والمُجتمعي حولها إحدى ركائز بناء دولة المُواطنة السُّودانيَّة. إذ لا شكَّ أن السُّودان، بالرغم من ذهاب الجنوب بأغلبيَّته غير المُسلمة، سيظلَّ متنوِّعاً دينياً، مِمَّا يستدعي إعادة صياغة العلاقة بين الدِّين والدَّولة، ومراجعتها معاً، للاستفادة من تجارب الآخرين في التوفيق بين مصادر التشريع ومستحقَّات دولة المُواطنة. ومع ذلك، فقد دار معظم نقاش المجموعة حول هذه القضيَّة من منظور الدولة الدينيَّة، التي يرفُضها الجميع، في مقابل الدولة العِلمانيَّة. وأحسبُ أنَّ الحوار في ضوء هذه الثنائيَّة لن يكون مُجدياً أو مُنتجاً، خاصَّة وأن مثل هذه المفاهيم والتداوُل حولها غير مألوف أو مهضوم لسواد السُّودانيين، بينما الواجب يُملي علينا استخدام لغة يفهمُها المواطن العادي. أودُّ هُنا أن أُشرِكَكُم معي فيما توصَّلنا إليه حول علاقة الدِّين والدَّولة في مداولات "لجنة رؤية وبرنامج الحركة الشعبية شمال"، التي تشرَّفتُ برئاستها في مايو 2011، والتي لم تَرَ مُخرَجَاتِهَا النُور بسبب اندلاع الحرب في جنوب كُردُفان في 5 يونيو 2011.
2. لقد ظلَّ مفهوم الدولة الدينيَّة عَظْمَة نزاعٍ في السياسة السودانيَّة منذ ستينات القرن الماضي. ورغم صعوبة تطبيقه في بلدٍ متعدِّد الأديان مثل السُّودان، ورغم إلغائه فعلياً في دستور 1998، ما زال الذين يُعاودَهُم الحنين لتلك الرُؤية يتصرَّفون من منطلق أن الدولة السُّودانيَّة الراهنة هي دولة دينيَّة. المُغالطة بشأن فكرة أثبتت التجارب عدم جدواها في مجتمعاتٍ متعدِّدة الأديان لا تفيد أصحابها، ولن تفيد السُّودان في شيء. فإن سيطرة الدولة أو هيمنة أجهزتها الرسميَّة على الدِّين، اعتقاد أو ممارسة وطقوس أو مُؤسَّسات، حسب تجارب السُّودان، لم تُفِدْ الدين في شيء، بل أصبحت وسيلة لتسويغ القهر والاضطهاد السياسي باسم الدين. على أن عدم الاعتراف بالدولة الدينيَّة لا يُنكِر حق أي مجموعة دينيَّة في أن تُعبِّر عن أفكارها سياسياً، وأن تُنشِئ أحزاباً لذلك، تعكس عًبْرَها أفكارها، طالما احترمت هذه الأفكار التعدُّد السياسي، وطالما لم تلجأ إلى مصادرة الحقوق الأساسيَّة للآخرين، وطالما نأت بنفسها عن احتكار الدين من أجل إضفاء طابع مقدَّس على المُمارَسَات السياسيَّة، وكثير منها لا تبيحها الأديان.
3. إنَّ المعالجة السليمة لقضيَّة العلاقة بين الدين والدَّولة والسياسة تشترط التسامُح والاحترام في المُعتقد الديني كمقدِّمة للمُساواة في المواطنة، حيث لا تخضع المعتقدات لمعيار، وعلاقة الأغلبيَّة والأقليَّة. وتشترط أيضاً، إقرار حقيقة أن الدين يُشكِّل مكوِّناً من مُكوِّنات فكر ووجدان شعب السُّودان، ومن ثم رفض كل دعوة تنسخ أو تستصغر دور الدِّين في حياة الفرد وفي تماسُك لُحمة المجتمع وقِيَمِهِ الروحيَّة والأخلاقيَّة وثقافته وحضارته. وتحديداً، يلتزم الجميع بالمبادئ التالية:(أنظر الشفيع خضر، الدين والسياسة، الراكوبة، 28 فبراير 2013)
- المُساواة في المُواطنة وحريَّة العقيدة والضمير بصرف النَّظر عن المُعتقد الديني.
- المُساواة في الأديان، على أن تعترف الدَّولة السُّودانيَّة وتحترم تعدُّد الأديان وكريم المُعتقدات، وتُلزِم نفسها بالعمل على تحقيق التعايُش والتعامُل السِّلمي والمُساواة والتسامُح بين الأديان والمُعتقدات، وتسمح بحريَّة الدعوة السِلميَّة للأديان، وتمنع وتجرِّم استغلال الدينٍ في السِّياسة، أو الإكراه أو أي فعل أو إجراء يُحرِّض على إثارة النعرات الدينيَّة أو الكراهيَّة العنصريَّة في أي مكان أو منبر أو موقع في السُّودان.
- الشعب مصدر السُّلطات والحُكم يَستَمِدَّ شرعيَّته من الدُستور.
- سيادة حُكم القانون واستقلال القضاء ومساواة المواطنين أمام القانون، صرف النظر عن المُعتقد أو العُنصُر أو الجنس.
- ضمان الحقوق والحريات الأساسيَّة السياسيَّة والمدنيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة.
- كفالة حريَّة البحث العلمي والفلسفي وحق الاجتهاد الديني.
4. وبالرغم من أن موضوع الدِّين والسياسة، أو الدِّين والدولة، احتلَّ حيِّزاً كبيراً في الجدل السياسي منذ الستينيات، إلَّا أنه، في جانبٍ منه، كان امتداداً لجدلٍ أوسع على نطاق الأمَّة الإسلاميَّة كلها، حول الحفاظ على الهُويَّة في سياق عالم تعدُّدي. ومع ذلك، حدث اختراقٌ هام في هذا الشأن، تَمَثَّل في قرار التجمُّع الوطني الديمقراطي حول "الدِّين والدَّولة"، الذي تبنَّاه مؤتمر أسمرا للقرارات المصيريَّة في عام 1995، تمَّ تثبيت القرار الخاص بالعلاقة بين الدِّين والدَّولة، في "إعلان" أسمرا على مبدأ عدم استغلال الدِّين في السياسة، وذلك بإقرار العديد من التدابير الدستوريَّة التي تكفُل المُساواة الكاملة بين المواطنين تأسيساً على حق المواطنة، بما في ذلك الاحتكام للقضاء، وتطابُق كل القوانين مع المبادئ والمعايير المعنيَّة بحقوق الإنسان والمُضمَّنة في المواثيق والعهود الدوليَّة والإقليميَّة لحقوق الإنسان، وتقضي ببُطلان أي قانون يصدُر مخالفاً لذلك وتعتبره غير دستوري.
5. كماأنهمنالمهمالاستهداءبتجاربالآخرينمنالدُّولالإسلاميَّة(مصر،تركيا،ماليزيا،إندونيسيا،سنغافورا) في الاتفاق على صيغة تكفُل المُساواة في حقوق المُواطنة، وفي الوقوف أمام القضاء المدني، بغضِّ النظر عن المُعتقد الديني للفرد. لقد نجحت، على سبيل المثال، الجارة مصر في تحقيق التوازُن بين حقوق المواطنة، وتطلُّعات الأغلبيَّة المسلمة في البلاد. فالتعديلاتالدستوريَّةالتيأجازهامجلسالشعبالمصريفيمارس 2007 أبقتعلىالمادة (2) المثيرة للجدل في الدستور المصري، والتي تجعل من "مبادئ التشريع الإسلاميَّة المصدرالأساسيللتشريع". وبرغمماأثارتههذهالمادَّةمنشُكوكٍوتخوُّفٍوسطالأقباط المصريين، إلا أنها وجدت قبولاً لدى قطاعاتٍ واسعة من القُوى السياسيَّة المصريَّة، كما لم تعترضعليهاالكنيسةالأرثوذكسيَّةالمصريَّة، طالماظلَّكل المصريين، سواءًكانوامسلمينأم أقباطاً،يخضعونلنفسالقوانينالمدنيَّةالمُوحَّدةللبلاد،فيماعداتلكالمتعلقةبالأحوال الشخصيَّة.وفيلبنان،حيثتقومالسياسةعلىالمُحاصَصَةالدينيَّة-الطائفيَّة،يحتكمكل المواطنيناللبنانيين إلى القانون المدني، فيما عدا قضايا الأحوال الشخصيَّة. وها هو حزبٌ إسلاميٌ عتيق، حزب العدالة والتنمية التُركي، يكتسح الانتخابات التركيَّة الأخيرة، وفق دستورٍ يفصِلبينالدِّينوالدولة، وجيشٌمُكلفٌدستورياً بإنفاذالعِلمانيَّة، بدونأنيتشكَّكأحدٌ في، أو ينتقص من إسلاميَّته!
سابعا: الحوار الوطني.. هل من مخرج آمن آخر؟!
1. يبدو أن المجموعات المناديةبإسقاط النظام كمَخرَجٍ وحيد من الأزمة التي تهدِّد وجود الوطن، قد أغفلت الحوار كوسيلة للتغيير، وما يدور حوله من جدلٍ، وأسقطته تماماً من حساباتها، إلَّا من بعض الإشارات عن "إعلان باريس" المُوقَّع بين حزب الأمَّة القومي والجبهة الثوريَّة. ومن ناحية أخرى، فالمعارضة الحقيقيَّة، في نظر هذه المجموعات، هي التي ترفع شعار "لا حوار مع النظام بل الإطاحة به"، ما عدا في حالة قبول النظام بالتخلِّي عن السُّلطة طوعياً. فالمجموعة تُعُد الاتحادي الديمقراطي جزءً من السُّلطة، وحزبُ الأمَّة القومي متردِّد ومواقفه دوماً رماديَّة اللون ومتذبذبة، أما الشعبي والإصلاح اللآن فيتحمَّلا وِزرَ المشاركة في نظام الظُلم والاستبداد والفساد لفترة طويلة. فرئيسا الحزبان من قباطنة الإنقاذ ومركبها الغارق، وليس لديهما ما يُؤهِّلهُما ليكونا في معارضة تسعى لإسقاط النظام، بل هُما مُجرمان ينبغي خضوعهما للمحاسبة والمُساءلة. وأذكُرُ هُنا رداً طريفاً وبسيطاً، ولكنه ينطوي على معانٍ كبيرة، وإدراكٌ عميق، واحترامٌ لأدب الخُصومة والمصالحة السياسيَّة للزعيم الراحل د. جون قرنق على سؤال صحفي مصري في أعقاب توقيع الحركة الشعبيَّة والمؤتمر الشعبي لمذكرة تفاهُم في فبراير 2001، فقد سأله حمدي رزق، المُحرِّر بمجلة ‘المُصوَّر'، وأنا شاهدٌ علىذلك:«كيفتمُدَّ يدك للشيخ التُرابي وتوقع معهاتفاق تفاهُمٍ مشترك، وهوعرَّابُ النظام ومُؤسِّسه، والذيبرَّرالحرب في الجنوب بأنها جهادٌ ضدغيرالمسلمين؟!».. فقال له الزعيمالراحل: «نحننتفاوضمعالنظامفيالخرطوملوقفالحربوتحقيقالسلامفي السُّودان،فهليعنيسؤالكأنأتفاوضفقطمع"القساوسة"وأتجنَّبالحديثمع"البابا"؟»..ففيسعيهنحوالسَّلام ووحدة السُّودان، قطع الزعيم الرَّاحل مسافة طويلة وشاقة، من موصوم ب"الوثنيَّة" و"الكُفر" و"الإلحاد"، تاركاً خلف ظهره كُلَّ المرارات وضغائن الاقتتال وأهوال الحرب، للتصالُح مع "البابا"، ومصافحة غريمه الأوَّل من أجل السلام ووحدة البلاد.
2. إن عدم الوضوح في تحديد هدف "إسقاط النظام"، في ظِلِّ تصاعُد العمل المسلَّح في غرب وجنوب شرق البلاد وعدم حَسْم المِلفَّات العالقة بين الشمال والجنوب، مع غياب التوافُق بين، والرُّؤية المشتركة للقُوى السياسيَّة المعارضة، يحمل مُؤشِّرات تُنذِرُ بتفتُّت السُّودان. وبعبارة أخرى، فإن ضعف مُؤسَّسات الدولة السُّودانيَّة، والتكوين السياسي المُعقَّد للبلاد، وغياب الثِقَل المُوازن المُوحَّد لهيمنة المؤتمر الوطني على المركز، والافتقار إلى وحدة القضيَّة والهدف والأساليب بين القوى السياسيَّة، وما نشهدُهُ من استقطابٍ سياسيٍ بين مختلف المتصارعين على السُّلطة، يجعل الخط الفاصل بين سقوط النظام وتفكُّك الدولة رفيعاً جداً. وهكذا، في ظِلِّ هذه الظروف، يمكن لسُقوط النظام، وما قد ينجُم عنه من فراغٍ في السُّلطة، أن يقود حتماً إلى صراع دامٍ على السُّلطة، من قِبَلِ التنظيمات المسلَّحة المُتعدِّدة من أجل السيطرة على الخُرطوم، وأجزاء أخرى من البلاد، واحتمال مواجهة أي احتجاجاتٍ شعبيَّة بقمعٍ مُفرِط يقابله عنفٌ مُضاد، وهو ما سيكون من المستحيل كبحه أو التحكُّم فيه. وفى ظِلِّ تضَعْضُع السُّلطة المركزيَّة في الخُرطوم، فإن الدُّوَل المجاورة، والتي تعاني من مشاكل سياسيَّة ونزيفٌ داخلي، قد لا تتوانى من التدخُّل واحتلال المناطق المُتنازع عليها في الحُدود المشتركة والواقعة في متناول أيديهم، أو التحالُف مع أحد أو بعض الفصائل الداخليَّة المتصارعة على السُّلطة لخدمة الأهداف الخاصَّة لهذه الدول. أما إيران، وبعض الحكومات الإسلاميَّة الأخرى المتعاطفة في المنطقة، ستتقدَّم الصفوف لمُؤازرة ودعم النظام لتفادي سقوطه.
3. كما أوضحتُ في الورقة الموسومة ب"الكرة في ملعب الرئيس: تفكُّك الدَّولة السودانيَّة السيناريو الأكثر ترجيحاً"، يناير 2013، يبدو أن هذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً، لا سيَّما في ضوء التطوُّرات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والديموغرافيَّة التي شهدتها البلاد خلال العقدين الماضيين. فقد أسفرت هذه التطوُّرات عن نزوحٍ غير مسبوق للعاصمة القوميَّة، أفرز مجتَمَعَيْن متباينين، "مجتمع الأغنياء"، الذين يملكون كل شيء، و"مجتمع الفقراء"، الذين لا يملكون شيئاً، مع تآكُلٍمستمرفيالطبقةالوُسطى،مِمَّاسيُشعل الغضب الشعبي، المُلتهب أصلاً، ويُنذِرُ بانقسامٍ حاد قد يُفضى إلى قتالٍ أهلي وفوضى عارمة. وهكذا، فإن التهميش والمظالم المتجسِّدة في العلاقةبينالمركز والمناطق "المُهمَّشة" يجب أن لا تُلهينا عن الغُبن الاقتصادي والاجتماعي للفقراء والمُستضعفين في المركز نفسه، مِمَّا يهدِّد بنسف السلام الاجتماعي. أنا طبعاً لا أقلِّل منشأنالأحزابالسياسيَّةودورهاكدعامة أساسيَّة لبناء وتطويرالنظام الديمقراطي، أوأبخس حقها الدستوري في التداوُل السلمي للسُّلطة بحسب رغبة الشعب في انتخاباتٍ حرَّة نزيهة.
4. هذا هو السيناريو الوحيد الذي من شأنه أن يُنقِذ البلاد من الانزلاق إلى الفوضى، ويحُولُ دون انهيار الدولة، ويحافظ على وحدة أراضي السُّودان. ويُفترضُ أن يتم التحوُّل الديمقراطي سلمياً بتوافُق كل القوى السياسيَّة، بالطبع بما في ذلك المؤتمر الوطني، وقوى التغيير الآخرين، خاصة الشباب (نساء ورجال)، دون إقصاءٍ أو استثناء، على مشروع للتغيير يُفضي إلى الانتقال من هيمنة الحزب الواحد إلى التعدديَّة السياسيَّة نحو بناء دولة المواطنة السودانيَّة التي تحترم التنوُّع. ويُشكِّل هذا التحوُّل هدفاً رئيساً لاتفاقيَّة السلام، والذي فشل الشريكان في الحُكم، خاصة المؤتمر الوطني، وبقية القوى السياسيَّة، في تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.
خاتمة:
1. منذ نهاية الفترة الانتقاليَّة وانفصال الجنوب، تشهد البلاد مآزق مستمرَّة ومتتابعة على نطاقٍ غير مسبوق، ومناخا سياسيامحتقنا ومتوترا، وتعيش في مرحلة "توازُنٍ الضَّعف"، حكومة ومعارضة. فالآن هناك استقطاب "رأسي" حادٌ وملحوظ بين الحكومة من جهة، والمعارضة السلميَّة والمسلَّحة على حدٍ سواء، وبعض منظمات المجتمع المدني والتكتلات الشبابيَّة، من جهة أخرى. أيضاً، هناك الانشقاقات والانقسامات "الأفقيَّة" داخل الأحزاب السياسيَّة، بما فيها الحزب الحاكم والحركة الإسلاميَّة، والتي - ويا للمفارقة - أتت بالحزب إلى سُدَّة الحُكم، والحركات المسلَّحة، وتواتر معلومات عن تذمُّرٍ وتمَلمُلٍ داخل القوَّات المسلحة، مع تنامي الولاء القبلي والعرقي، وظهور الجهاديين والجماعات الإسلاميَّة المتطرِّفة وتصاعُد نشاطاتهم العنيفة والمُرعبة. ويتجلَّى هذا الاستقطاب السياسي الحاد في النزاع المسلح وتدهوُر الوضع الأمني في دارفور بوتيرة متسارعة، والحرب الدائرة في جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، وتردِّي الأوضاع الاقتصاديَّة وتفشي الفساد، والعلاقة المتوترة مع الجنوب، وشبح الحرب يلوح في الأفق بين السُّودانَيْن، وفوق ذلك كله، كيفيَّة التعامُل مع المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة.
2. في ظِلِّ هذه الأوضاع المضطربة، بحثُنا ينبغي أن يكون في الأساس عن وسيلة تقود، ليس لوحدة المعارضة بغرض إسقاط النظام، بل أن نسعى لابتداع طريقٍ جديدة للتغيير والانتقال السِّلمي للسُّلطة لضمان وحدة السُّودان نفسه. علي الجهود أن تتركَّز على التوصُّل إلى توافُقٍ وطني ومجتمعي يجنِّب البلاد ويقيها شرور التمزُّق والتفتُّت. فبدون وجود دولة أصلاً، يفقد الجدال حول وحدة المعارضة، لتتولى مهمَّة الإطاحة بالنظام، جدواه. فسيناريو تفتُّت الدولة وتمزُّق البلاد ليس مجرَّد فزَّاعة يستخدمها المؤتمر الوطني لإثناء الجماهير عن الخروج في الشارع والمطالبة برحيل النظام، وإن لجأ الحزب الحاكم لاستدعائه بغرض التخويف والتخذيل من الانتفاض ضده.
3. في سياق توازُن الضعف الذي يسود المشهد السياسي، حكومةً ومعارضة، فإن إصرار المؤتمر الوطني على احتكار سُلطة الدولة، وعلى الاستبعاد الكامل والإقصاء للقُوى السياسيَّة الأخرى، من جهة، وتمترُس المعارضة المدنيَّة والمسلَّحة، إزاء هذا العناد في موقفها الذي يهدف إلى الإطاحة بالنظام من جهة أخرى، لعبة صفريَّة يمكن أن تصل إلى نقطة اللاعودة، ولا يوجد فيها طرفٌ منتصر، بل خاسرٌ وحيد هو الوطن.
4. فنحن نفتقر إلى ثلاث ركائز رئيسة، من بين العوامل الحاسمة والمطلوبة لتحجيم ولَجْمِ النزاعات المسلَّحة المتفاقمة، والتي لا يستقيم تماسُك أي دولة بدونها، وهي: أولاً، رؤية مستقبليَّة واضحة للمستقبل.. ثانياً: قيادة متوافقٌ عليها من كافة القُوى السياسيَّة.. وثالثاً، ربَّما الأهم، وجود مؤسَّسة (مؤسَّسات) قوميَّة محايدة تُحصِّن الدولة من الانهيار. لقد أكَّدت تجارب دول "الربيع العربي" أن توفر هذه المقوِّمات، أو على الأقل واحد أو اثنان منهم، هو ماوقففيطريقانزلاقهذهالبلدانفيأتونالفوضى، مصروتونسعلىوجهالخصوص.
5. تمثل التسوية السياسيَّة الشاملة، عن طريق حوارٍ وطنيٍ حقيقيٍ يتَّسم بالشمول الجديَّة، وليس علي شاكلة حوار "الوثبة"، تتفق على مواضيعه وآليَّاته ومُخرَجَاته كافَّة القُوى السياسيَّة والمجتمعيَّة، السيناريو الوحيد الذي من شأنه أن ينقذ البلاد من الانزلاق إلى الفوضى، ويحول دون انهيار الدولة، ويحافظ على وحدة أراضي السُّودان. ويُفترضُأنيتمالتحوُّل الديمقراطيسلمياًبتوافُقِكلالقُوىالسياسيَّة،بالطبعبمافيذلكالمؤتمرالوطني،وقوى التغييرالآخرينخاصةالشباب (نساء ورجال)، دون إقصاءٍ أو استثناء، على مشروع للتغيير يُفضي إلى الانتقال من هيمنة الحزب الواحد إلى التعدُّديَّة السياسيَّة، نحو بناء دولة المواطنة السودانيَّة التي تحترم التنوُّع.
6. ومن البديهي، أن الحوار الذي يُفضي إلى التحوُّل الديمقراطي الحقيقي والسلام المُستدام، ليس بهدفٍ سهل التحقيق، يمضي دون تكلفة أو صراع، طالما ظلَّ الحزب الحاكم يرغب في تجييره لصالح استمرار هيمنته علي الدولة، في ظِلِّ ما يواجهه الحزب من تحديات داخليَّة وخارجيَّة. وهذا ما عبَّرت عنه رشا عوض بكلماتٍ واضحة: «فالخطأ الفادح الذي يقع فيه كثيرون هو الاعتقاد بأن "الحلول التفاوضيَّة السلميَّة" والتسويات عبر آليَّة "الحوار الوطني" لا تحتاج إلى معارك نضاليَّة نوعيَّة ومُكلِّفة، ولذلك فإن الفيصل في نجاح "إعلان باريس" – مثلاً - في تحقيق اختراق على الأرض، هو العمل من أجل توسيع قاعدته داخلياً، وتسويقه إقليمياً ودولياً كرؤية حاكمة لحراك المعارضة السودانيَّة المدنيَّة والمُسلَّحة، ولكي ينجح هذا التسويق فلا بُدَّ من فعلٍ معارضٍ على الأرض (مظاهرات ومواكب سلميَّة واعتصامات وحراك جماهيري لافت على الأرض مهما ارتفعت كلفة ذلك) لإجبار النظام على أخذ "إعلان باريس" مأخذ الجَدِّ، ولإقناع المحيط الإقليمي والدولي بأن لا مجال لحلٍ لا ينقل البلاد إلى مربَّع جديد متحرِّر من هيمنة المؤتمر الوطني».. (رشا عوض، نفس المصدر).فهكذا، لعل اعلان باريس وما لحقته من تشاورات بين آلية 7+7 والجبهة الثورية بواسطة الآلية الأفريقية العليا تشكل جميعها خطواتومحطات في طريق طويل وشاق نحو حوار شامل جاد ومجد، ولا يستثني احدا.وقد صادفت هذه الخطوات تأييدا إقليميا ومباركة دولية، كما خلقت رأيا عاما يدفع بالحوار إلىالأمام حتي ينعقد الحوار ويصل إلى نهاياته المنطقية.
7. لذلك، أولاً، هناك ضرورة مُلِحَّة لتوحيد مواقف كل قوى التغيير ومباشرة الضغط والمثابرة، باستخدام وابتداع كافة الوسائل السلميَّة لإجبار المؤتمر الوطني للجلوس حول مائدة حوارٍ منتج، والإيفاء بمستحقَّات الحوار وشروط تهيئة المناخ، خاصَّة والمُجتمعان الإقليمي والدولي لا يميلان لدعم فكرة إسقاط النظام، لإدراكهم بعواقبها الوخيمة، بل يؤيِّدان الحوار الوطني وينشغلان هذا الأيام بنشاط مكثف وحراك واسع النطاق، داخلياً وإقليمياً ودولياً، لجمع كل القوى السياسيَّة حول طاولة حوار جاد ومُجِد.. ثانياً، ينبغي على قُوى التغيير العمل على صياغة رؤية تفصيليَّة لتصوُّر هذه القوى لمفهوم "إعادة هيكلة الدولة"، خاصَّة وكل مؤسَّساتها من جيشٍ وشرطة وأمنٍ وقوَّات نظاميَّة أخرى، والخدمة المدنيَّة والمُؤسَّسات العدليَّة. فهذا الموضوع الهام، الذي لا يستقيم التغيير المنشود دونه، لم يجد بعد نصيبه من النقاش والمداولة.. وثالثاً، ابتدار حوارٍ عميق وصريح في سياق هذا الحراك، حول سُبُل قيام "كتلة تاريخية" وبناء تيَّار وطني عريض، والاتفاق على الآليَّات الضرورية واللازمة لهذا الغرض.
8. ومع ذلك، فإن الانتقال السِّلمي لن يتحقق إلَّا إذا اعترف الحزب الحاكم بعُمق الأزمة، وأنه من المستحيل بمكان، في ظِلِّ هذا الاستقطاب والمناخ السياسي المُحتقن، أن يواجه ويعالج التحديات الجسام ل"سودان ما بعد الانفصال" بمُفرده ولِوَحدِهِ، أو حتى مع حُلفائه المحليين والاقليميين والدوليين.كما أن أى حوار يتوقع أن تقود نتائجه البلاد إلى بر الأمان لن يكتب له النجاح إلَّا إذا أبدى المُؤتمر الوطنى إستعداده للتغير الحقيقى، وتخلى عن دعوات الإصلاح والتغييرات الشكلية التى لا تمس بنية السلطة وتركيبة الحُكم.إنَّ المُؤتمر الوطني مطالبٌ بأن يُقِرَّ بكينونة القُوى السياسيَّة والمدنيَّة السُّودانيَّة، وصعود قُوى جديدة في مناطق النزاع المسلَّح (دارفور، جنوب كُردُفان والنيل الأزرق) وقواعدها الاجتماعيَّة، وبدورها، وضرورة مشاركتها في إيجاد الحلول لمشكلاتنا القوميَّة.
الواثق كمير
تورونتو – سبتمبر 2014


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.