باسنبل: إقامة بطولة ألعاب القوى العربية في موعدها تعكس استقرار الاتحاد واحترافيته    حماس وإصرار في تدريبات سيد الأتيام    العناية الربانية وبراعة المصطفى تنقذ الهلال من أخطاء ريجي الكارثية    البرهان يشهد مراسم تسليم وتسلم رئاسة هيئة الأركان    الاعيسر يؤكد أهمية التلاحم الشعبي والمشاركة الفاعلة للجميع في حماية الوطن وبناء مستقبله    السودان..ترتيبات لتوفير مبالغ مالية لشراء محصول القمح    شبكة "بريكس": فيتنام توظف الذكاء الاصطناعى لتحسين الفحوص الطبية ورعاية المرضى    "نحن نبيدهم" .. ترامب من شرفة البيت الأبيض: تلقيت الرد الإيراني    "جوجل" تحذر من ثغرة أمنية تهدد مستخدمي كروم    القوات المسلحة السودانية: أبطال الدلنج يسطرون ملحمة جديدة من ملاحم الفداء والتضحية    عن الواقع السوداني: أوراق من ذاكرة «أبريل 1985»    إلغاء منصب نائب القائد العام .. تعيين كباشي وميرغني ادريس مساعدين للقائد العام    الزمالك يستقر على عدم المشاركة فى السوبر والكؤوس الأفريقية لكرة اليد    زد فى مواجهة قوية أمام المقاولون العرب بمجموعة الهبوط بالدورى    ريهام حجاج : مشهد وفاة ابنى فى توابع كان مشهداً مؤلماً من الناحية النفسية    نجوم يقتحمون عالم البيزنس.. أبرز قصص النجاح من الشاشة إلى العلامات التجارية    حديث ساخر بين هشام ماجد وهنا الزاهد يثير تفاعل الجمهور    البرهان يصدر قرارًا    اركض أو ارحل".. رسائل قاسية لمبابي في ريال مدريد    كامل إدريس يؤكد مضاعفة ميزانية الشباب والرياضة ويوجه بمنع الإعتداء على الميادين الثقافية والرياضية    لجنة أمن محلية الخرطوم تصدر قرارا بحصر التجار والعاملين بالأسواق في إطار الضبط الأمني    كاف يراوغ ببراعة    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    الزمالك فى مواجهة قوية أمام المصري بافتتاح منافسات مجموعة التتويج بالدوري    ماذا يحدث عند شرب القهوة يوميا لمدة 14 يوما؟.. فوائد لا تتوقعها    كيف تقيس ضغط الدم في المنزل؟.. أخطاء شائعة قد تُفسد دقة النتائج    الفواكه والخضروات مفيدة إذا عرفت كيف تأكلها.. تعرف على أفضل الطرق الصحية    شاهد بالصور.. بإطلالة أنيقة الفنانة إيمان الشريف ترد على هجوم النشطاء بشأن التسجيلات المسربة لها: (التجاهل صدقة جارية علي فقراء الأدب)    شاهد بالصورة والفيديو.. دخل معها في وصلة رقص مثيرة.. الفنان محمد بشير يتعاقد مع "راقصة" مصرية لإشعال حفل عيد ميلاده    شاهد بالفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تفاجئ جمهورها بظهورها "عروساً" مع ممثل مصري معروف    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التناص: مقاربة نظرية شارحة (5 / 7)
نشر في الراكوبة يوم 16 - 03 - 2015

مصطلحا التناص والنقل أو التحويل، يشير كلاهما إلى عملية إنتاج النص وتأويله في علاقته بغيره، وبالتالي إلى فكرة النصية.
ميدل ايست أونلاين
بقلم: د. مصطفى بيومي عبدالسلام
البنيات الخاصة
أشرت سلفاً إلى أن "جوليا كرستيفا" يعود إليها الفضل في تقديم تأطير مفهومي لفكرة التناص، لكن لابد من الانتباه إلى أن هذا التأطير المفهومي قد تم تقديمه في سياق التحول من البنيوية إلى ما بعدها. وعلى الرغم من ذلك، فإن "كولر" يعتقد بأن "مفهوم التناص هو مفهوم مركزي لأي وصف بنيوي أو سميوطيقي للدلالة الأدبية".
لا يعني هذا أن "كولر" لا يدرك التحول الذي تم في النظرية الأدبية في ستينيات القرن العشرين، وإنما يعني أمرين، أولهما: إنه يعتقد أن ما بعد البنيوية لم تشرح "قصور وأخطاء البنيوية كثيراً جداً مثلما لم تبتعد عن حل مشكلات المشروع التي تجعل الظواهر الثقافية مفهومة وواضحة. ولم تشدد، بدلاً من ذلك، على انتقاد المعرفة، والمجموع، والذات. إنها عالجت كل واحد منها بوصفه نتيجة إشكالية.
إن البنيات الخاصة بأنظمة أو أنساق الدلالة أو المعنى لا توجد بطريقة مستقلة عن الذات بوصفها موضوعات للمعرفة، ولكنها بنيات للذوات التي تكون متعالقة بالقوى التي تنتجها".
أما الأمر الثاني فإنه يتعلق بتصور "كولر" عن السميوطيقا" أو علم العلامات العام، إنه يرى أنه ليس سهلاً أن نميز البنيوية من السميوطيقا: "إنه قد لا يكون خطأ أن نقترح تطابق البنيوية والسميولوجيا"، هذا ما جعل "كولر" يصف "التناص" بأنه مفهوم مركزي لأي وصف بنيوي أو سميوطيقي للدلالة الأدبية، لأن التأطير المفهومي للتناص انبثق من خلال المشروع السميوطيقي ل "كرستيفا".
هذا المشروع كان يهدف إلى تدمير وهم البنية المكتفية بنفسها، وانفتاحها على ما سواها، أو بعبارة "كرستيفا" إن "السميوطيقا يمكن أن توجد فقط بوصفها انتقاداً للسميوطيقا، انتقاداً ينفتح على شيء ما غيرها".
ربما يبدو غريباً أن يوصف هذا المشروع الانتقادي للسميوطيقا بأنه مشروع بنيوي، لأن "كرستيفا"، كما طرحت "توريل موا" في تقديمها لكتاب "قارئ كرستيفا" (1986)، "لم تكن بنيوية، ولكن بالأحرى (إذا تم استخدام التصنيفات) نوع ما من ما بعد البنيويين".
أما "بارت" في مراجعته لكتابها "سميوتيك"، فإنه يصف عملها بأنه جديد ودقيق كلية، وقوته تكمن في التغيير أو الاستبدال، يكتب "بارت":
"جوليا كرستيفا تغير نظام الأشياء: إنها دائماً تهدم الانشغال السابق ... وما تستبدله هو المنطوق من قبل، ذلك يعني أن تقول الإلحاح على المدلول، أي السذاجة، وما تدمره هو السلطة، سلطة العلم الواحدي وسلطة الأبوة".
إن التناص ليس مفهوماً شفافاً كما أشرت سلفاً، فهو ينطوي على تعقيد نظري، وصياغة "كرستيفا" له في أواخر الستينيات من القرن العشرين كان أيضاً حدثاً تناصياً معقداً. فلقد انبثق المفهوم في زمن النظرية، إذا استخدمنا عنوان كتاب "باتريك ففرينش": زمن النظرية، أو بالأحرى يتناص مع زمن النظرية. وزمن النظرية هو زمن "تل كيل"، إنه "زمن التأمل، والإثارة القوية للنشاط المكرس للدراسة العميقة لنظرية ما للأدب".
إن "تل كيل" لا تشير فقط إلى المجلة التي تحمل هذا المسمى ومجموعة المفكرين الذين تحلقوا حولها، وإنما، أيضاً، تشير إلى "حركة في الأدب والنظرية". هذه الحركة وصلت ذروتها بعد ثورة مايو 1968، وبعد صدور كتاب "نظرية الجماعة" في العام نفسه، وقد أسهم فيه كل من "دريدا"، و"فوكو"، و"بارت"، و"كرستيفا"، و"فيليب سولرز"، و"جان ريكاردو"، وغيرهم من النقاد الطليعيين.
ويمكن أن نجمل ما تهدف إليه الجماعة، مع الاحتراز، في تجاوز الشكلي والبنيوي، والأفكار التقليدية للكاتب، مركزة على "اللغة بوصفها نقطة البداية لنوع جديد في السياسة والذات، وينبني عمل الجماعة على فهم جديد للتاريخ بوصفه نصاً، وللكتابة ليس بوصفها تمثيلاً ولكن بوصفها إنتاجاً. وفي نطاق هذه المعايير بحثوا عن دراسة مفاهيم جديدة لتوصيف هذه الرؤية الجديدة للفضاء الاجتماعي أو الدال .. لإنتاج تاريخ جمعي لأنواع مختلفة من الكتابة متموقعة في علاقة بزمنها ومكانها المعين".
إن "التناص" هو أحد المفاهيم الجديدة التي تبنتها جماعة "تل كيل"، ولقد عملت "كرستيفا" على تأطير هذا المفهوم منذ وصولها إلى "باريس" (1965)، وانضمامها لتلك الجماعة، لكن ما يميز عمل "كرستيفا" ليس فقط تأطير مفهوم التناص، وإنما، أيضاً، في تأطير مفهوم جديد للنص بوصفه إنتاجية. وقد لاحظ "كولر"في دراسته العميقة لمفهوم النص: تقلباته وتغيراته، أن ما يلفت الانتباه في رحلة النص أو مفهومه المرتحِل هو "أن النص، في المعجم الموسوعي لعلوم اللغة (1972) ل "دكرو" و"تودوروف"، لديه مادتين متناقضتين. ففي المتن الأساسي للمعجم يتم تعريف النص بوصفه نظاماً ما للمنطوق يكمن وراء الجملة ... لكن في الملحق بعد ذلك، الذي يلتمس وضع التطورات الحديثة في حسبانه...، يحتوي أيضاً على مادة للنص، تحت عنوان: النص بوصفه إنتاجية".
إن تعريف النص بوصفه إنتاجية يتعارض بطريقة جوهرية مع أي استخدام اتصالي أو تمثيلي للغة، كما أنه يشير إلى أن "النص أدى وظيفته دائماً بوصفه مجالاً انتهاكياً فيما يخص النسق الذي يتم تنظيم إدراكنا، وقواعدنا، والميتافيزيقا الخاصة بنا، وحتى معرفتنا العلمية، طبقاً له، أي نسق تتعلم أي ذات، متموقعة في المركز لعالم ما يجهزها بشيء مثل الأفق، أن تفسر المعنى القبلي افتراضاً لهذا العالم، أي معنى يتم فهمه فعلياً لكي يكون أصلاً فيما يتعلق بتجربة الذات في العالم".
إن مفهوم النص بوصفه إنتاجية يؤكد فكرة النصية التي عارضت بشدة ثبات العلاقة بين الدال والمدلول، وثبات المعنى أو المدلول المتعالي إذا استخدمنا مصطلح "دريدا"، والاستخدام الاتصال أو التمثيلي للغة، ومن ثم يحيل إلى فكرة التناص التي "صاغت التشفير أو النصية لما تم التفكير فيه سلفاً في مصطلحات غير سميوطيقية مثل: الوعي والتجربة والحكمة والقصة أو الحكاية والنوع أو الجنوسة والثقافة".
لقد كان مدخل "كرستيفا" إلى النص بوصفه إنتاجية هو انتقاد السميوطيقا التقليدية التي تذرعت بخطاب العلم في مقاربة موضوعها، متخذة من النموذج اللغوي منهجها. إن أي ممارسة اجتماعية في ظل هذه الفكرة، كما تطرح "كرستيفا"، يمكن أن يتم دراستها بطريقة علمية بوصفها نموذجاً ثانوياً يتعلق باللغة الطبيعية، ومتنمذجاً على هذه اللغة، ويصبح بدوره نموذجاً أو نمطاً لها.
إن السميوطيقا لابد أن تتجاوز هذه الفكرة لكي تصبح علماً نقدياً أو انتقاداً للعلم، فهي لا يمكن أن تتجمد أو تتصلب داخل دائرة النموذج، إنها "حالة من التفكير حيثما يرى العلم نفسه (أو يكون واعياً بنفسه) بوصفه نظرية ... فالسميوطيقا تفكر في موضوعها وأدواتها والعلاقة بينهما وعندما تفعل ذلك فهي تفكر في نفسها: أي بوصفها نتيجة لهذا التأمل تصبح نظرية للعلم ذاته الذي تشيده. هذا يعني أن السميوطيقا هي إعادة تقييم في الوقت نفسه لموضوعها و/أو نماذجها، وانتقاد لهذه النماذج (أي انتقاد للعلوم التي تستعير منها هذه النماذج)، وانتقاد لنفسها (بوصفها نسقاً للحقائق الثابتة) .. إنها شكل مفتوح للبحث، وانتقاد مستمر يرتد على نفسه ويقدم انتقاده الذاتي".
من خلال هذه الرؤية للسميوطيقا بوصفها علماً نقدياً يتجاوز إطاره التقليدي، تقدم "كرستيفا" مفهوماً للنص بوصفه إنتاجية أو في موضع الإنتاج وليس بالأحرى منتج يتم استهلاكه. فالتحليل السميوطيقي الجديد أو السيماناليز "يدرك دوره الإنتاجي في تشييد الموضوع الخاص بدراسته، ومن ثم يؤكد وضعه بوصفه إنتاجاً أو إنتاجية".
ولتأكيد ذلك الوضع الإنتاجي للسميوطيقا تزاوج "كرستيفا" بين فكرة الإنتاج عند "ماركس" وفكرة عمل الحلم عند "فرويد"، "وما جذبها إلى التحليل الماركسي للإنتاج كان انفتاحه على العمليات الاجتماعية التي تشيد ظاهرة القيمة.
لقد بين تحليل "ماركس" بطريقة جوهرية أن موضوع أي خطاب انطوى على علاقة اجتماعية ومن ثم على علاقة ذاتية متداخلة. وبالطريقة نفسها، ما أجبر "كرستيفا" للرجوع إلى "فرويد" كان عدم قدرة "ماركس" للتنظير للديناميكية الذاتية للإنتاج التي اشترطت سلفاً الاستغلال الاجتماعي من خلال القيمة".
إن السميوطيقا الجديدة تتحول إلى النص الاجتماعي، وتأخذ موضوعها، كما تطرح "كرتسيفا"، من "الممارسات السميوطيقية المتعددة، التي تتأملها بوصفها ممارسات عبر لغوية، ذلك يعني أنها تشتغل من خلال وعبر اللغة". ومن خلال هذا المنظور يتم تعريف النص بوصفه "جهازاً عبر لغوي يعيد توزيع نظام اللغة من خلال ربط الكلام الاتصالي، الذي يهدف إلى الإخبار بطريقة مباشرة، بأنواع مختلفة من المنطوقات السابقة أو المتزامنة"؛ على هذا الأساس تنظر "كرستيفا" إلى النص بوصفه إنتاجية، وهذا يعني أمرين: "أولهما: أن علاقته باللغة التي يكون متموقعاً فيها هي علاقة إعادة توزيع (تدميرية – تشييدية)، ومن ثم يمكن أن يتم مقاربتها بطريقة أفضل من خلال المقولات المنطقية وليس بالأحرى المقولات اللغوية؛ وثانيهما: أنه يكون (أي النص) إبدالاً للنصوص، أي تناصاً: في فضاء نص معين تتقاطع وتتعدل منطوقات متعددة مأخوذة من نصوص أخرى"؛ وتصبح مهمة السميوطيقا الجديدة هي "تعيين التنظيمات أو الترتيبات النصية المختلفة من خلال وضعها داخل النص العام (الثقافة) الذي تكون تلك التنظيمات جزءاً منه، ويكون هو بالدور جزءاً منها".
وتطلق "كرتسيفا" على هذه الخصوصية مصطلح "الإيديولوجيم"، وتعده الوظيفة التناصية التي يمكن قراءتها وهي تتمظهر مادياً في المستويات البنيوية المختلفة لكل نص. إن مفهوم النص بوصفه "إيديولوجيماً" يحدد "الإجراء نفسه لسميوطيقا تتأمله، على وجه التحديد، داخل (نص) المجتمع والتاريخ، عن طريق دراسة النص بوصفه تناصاً. إن "الإيديولوجيم" لأي نص هو البؤرة حيثما تدرك العقلانية العارفة تحول المنطوقات (التي لا يمكن اختزال النص إليها) إلى كلية ما (النص)، بالإضافة إلى إدماج هذه الكلية داخل النص التاريخي والاجتماعي".
إن تأمل النص داخل نص المجتمع والتاريخ وإدماجه فيهما لا يعني مطلقاً أن يختزل النص إلى منطوقات سابقة عليه أو متزامنة أو أن يرتد إليها ارتداد العلة إلى معلولها والنتيجة إلى سببها، ولكن يشير إلى النقطة الحاسمة في التفكير في التناص من خلال فكرة النصية. هذا ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن "كرستيفا" قد تأولت "باختين" لأنه يمثل بالنسبة إليها الإمكانية لانفتاح اللغويات على المجتمع. لقد تجاوز "باختين" عن الانغلاق الشكلي للغويات ليضيف بعداً ديناميكياً للبنيوية، وما يسمح له بهذا البعد الديناميكي هو "مفهومه للكلمة الأدبية بوصفها تقاطع الظواهر النصية وليس بالأحرى نقطة أو موضع ما (أي معنى ثابت)، وبوصفها حواراً بين كتابات عديدة"؛ وإذا كانت الكلمة هي أصغر وحدة بنيوية، فإن "باختين" "يموقع النص داخل التاريخ والمجتمع، اللذين تتم رؤيتهما بوصفهما نصوصاً مقروءة من قبل الكاتب الذي يُدخل نفسه فيهما عن طريق إعادة كتابتهما. إن الديكروني (التاريخي – التعاقبي) يتم تحويله إلى السيكروني (المحايث – الآني)" .
ضمن إطار هذا التأول تقدم "كرستيفا" مفهوم التناص: "إن أي نص يكون مشيداً بوصفه فسيفساء من الاقتباسات؛ أي نص هو امتصاص وتحويل لنص آخر. إن فكرة التناص تستبدل فكرة الذاتية المتداخلة".
إن إلحاح "كرستيفا" على أن فكرة التناص تستبدل فكرة الذاتية المتداخلة هو إلحاح على تجاوز ما قدمه "باختين" من ناحية، ووصل فكرة التناص بأفكار النصية من ناحية أخرى؛ إن عمل "باختين" "يتركز على الذوات الإنسانية الفعلية موظفاً اللغة في مواقف اجتماعية معينة، وطريقة "كرستيفا" في التعبير عن هذه النقاط تبدو أنها تتجنب الذوات الإنسانية مفضلة عليها المصطلحات المجردة: النص والنصية".
وإذا كان ثمة اشتراك بين "كرستيفا" و"باختين" في الإلحاح على أن النصوص لا يمكن فصلها من النص الثقافي والاجتماعي وتأملها داخلهما، فإن هذا لا يعني أن فكرة "التناص"، كما يطرح "دوري"، "قد تم إدراكها من قبل "باختين" في كتابه: مشكلات في شعرية دوستوفسكي (المنشور في روسيا 1929)، وتطورت في مقالاته المجموعة تحت عنوان: الصورة الحوارية، التي نُشرت معظمها في عشرينيات القرن العشرين"؛ ولكن يعني أن "كرستيفا" أعادت صياغة أفكار "باختين" وتحويلها إلى فكرة النصية. وقد لاحظ "كلايتون" و"روثستين" أن "كرستيفا" "تدس كلمة "النص" داخل إعادة صياغة "باختين": "كل كلمة (نص) هي تقاطع لكلمات (نصوص) ...".
وعلى الرغم من أن الأقواس تتضمن أن "كرستيفا" تضيف مرادفاً، أو على أقصى تقدير، تضيف توسعاً محايداً لمفهوم "باختين"، فإن هذا التنصيص (النصوصية) ل "باختين" يغير أفكاره، أي يغيرها بطريقة كافية لكي تسمح لمفهوم التناص الجديد بأن يبرز أو يظهر".
وإذا أضفنا إلى ذلك أن "كرستيفا" افتتحت مقالها: "الكلمة والحوار والرواية" بالإشارة إلى فكرة الكتابة وإلى المعنى الشعري بوصفه جراماً ديناميكياً، فإنه يحيلنا على وجهة نظر "دريدا" في الكتابة، وهي "تضيف بعداً لم يكن موجوداً عند "باختين" أصلاً، وهو بعد اللامحدد أو اللامتناهي، والاختلاف – الإرجاء ، والتناثر أو التبعثر".
إن النص هو إبدال للنصوص، وتتم عملية الإبدال، كما تطرح "كرستيفا"، بنقل أو تحويل نظام علامة إلى نظام علامة آخر، لكن هذا التحويل يقتضي "تدمير الوضع القديم وصياغة وضع جديد"، أو إعادة توزيع لأنظمة علامة أو علامات في نظام علامة أو علامات جديد. هذا المفهوم للتناص قد أسيء استخدامه في النقد الغربي، وتحول إلى نقد للمصادر والتأثيرات، واقترن بمفاهيم تقليدية مثل الإلماع أو الإلماح والسرقة، ذلك ما دفع "كرستيفا" أن تستبدل مصطلح النقل أو التحويل بمصطلح التناص:
"إن مصطلح التناص يشير إلى ذلك التحويل أو النقل لنظام (أنظمة) علامة (علامات) إلى نظام آخر أو أنظمة أخرى. ولكن لأن المصطلح قد تم فهمه، عادة، في معنى متبدل ل "دراسة المصادر" فإننا نفضل مصطلح النقل أو التحويل".
ليس ثمة خلاف بين مصطلح التناص والنقل أو التحويل، فكلاهما يشير إلى عملية إنتاج النص وتأويله في علاقته بغيره، وبالتالي إلى فكرة النصية. وإذا كان الفضل يعود إلى "كرستيفا" في صياغة فكرة التناص، فإن "رولان بارت" يعد من أكثر النقاد والمنظرين قبولاً لهذه الفكرة والدفاع عنها. إن هذا ما سوف يشغل انتباهنا في الفقرة اللاحقة.
أستاذ النقد الأدبي المشارك كلية دار العلوم – جامعة المنيا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.