قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حماية الإبداع والمبدعين، لماذا وكيف؟!
جابر حسين
نشر في الراكوبة يوم 09 - 04 - 2021


تدق علي نوافذي المرتعدة
أسمع الأشياء القاصية تقول:
الأشياء التي لا أقوي عليها دون صديق
ولا أستطيع أن أحبها دون أخت،
هناك العاصفة المتقلبة
تمر عبر الغابة وعبر الزمن.
كل شئ كأن لا عمر له
منظر الأرض كشعر المزامير
شدة وعنف وأبدية.
ما أصغر الذي تصارعه
وما أكبر الذي يصارعنا.
لو هزمتنا العاصفة كما هزمت الأشياء
لإتسعنا وغدونا بلا أسماء )…
– قصيدة " المتأمل " للشاعر الألماني راينر
ماريا ريلكه –
المثقف، ونعني به، الشاعر والروائي والقاص والمسرحي والتشكيلي والموسيقار والمغني، نساء ورجالا، هم، علي اطلاقهم، يعيشون في بلادنا، وعند غيرنا، أوضاعا حياتية مزرية، في ظل اهمال وتجاهل(متعمد)، أو، لنكون حسنو النية، فنقول لعدم وعي الجهات التنفيذية في الدولة للدور بالغ القدر لهم، ولأعمالهم الإبداعية في نهضة الدولة وازدهارها وجعلها في المسار المحتوم للتقدم والرفاه لشعوبها في الحقول كافة. لقد رأينا وعشنا، بأسف عميق وحسرات كثار، كيف نالت جائحة الكورونا، في موجتها الأولي والثانية وحتي اليوم، من مبدعين كثر فأودت بهم، فهم، علي أية حال، نعدهم في الفئات الأضعف، ماديا ونفسيا، من فقراء بلادنا، وهم أيضا، يشكلون الأغلبية الساحقة من بنات وأبناء بلادنا. وبالأمس القريب، رحل عنا، بذات التجاهل تجاه المبدعين، التشكيلي والكاتب المبدع علاء الدين الجزولي، ونحن غارقون، بكلياتنا، في صراع المحاصصات واقتسام ما يجود به عليهم من نضالهم لنيلها، وفي خضم القتل المجاني في نيالا والجنينة، والمليشيات المدججة بالسلاح الفتاك تجوب البلاد من أقصاها إلي أدناها، في انفلاتات مرعبة من قتل ودماء تسيل في كل حين وفي كل مكان، وحكومة الثورة في نعيم سباتها، لا تسمع الإستغاثات والأنين والألم ولا تري إلا ما يدور في ردهات مكاتبها ووعيها الزائف! وها هو الشاعر الكبير محمد طه القدال، يرقد مريضا، وقد علمنا، وفقا لبيان توضيحي من أسرته، أنه بدأ يعاني من آلام لازمته في الأونة الأخيرة، وبحسب من فحوصات أجريت عليه من اختصاصين بالخرطوم أن هنالك أورام ، وشرعت تنتشر، من البنكرياس! وفي التسريبات، وكذلك تصريحات رسمية، تقول أنه نقل إلي أحد مشافي الدوحة علي نفقة الدولة علي ما أمر به رئيس الوزراء، هو وليس وزير الثقافة، لكننا، والحال كذلك لن نقولها ( شكرا حمدوك ) حتي يستوي حال الفترة الانتقالية برمتها، حتي تصحو وتنهض لتكون، بالفعل، في صف الثورة والثوار/ت وفي صف شعوبنا بلا أية مزايدات والتفافات!
الإبداع في الراهن من عالمنا، كيف يفهم ويكون؟
مع بدايات الألفية الثالثة، ظل خبراء الاقتصاد الحقيقيون يشيرون، استنادا إلي العلم والواقع الماثل، إلى أن القرن الحادي والعشرين بدأ يشهد تحولاً في ثروات الأمم، وأن القدرة العقلية والخيال والابتكار وتنظيم التقنيات الحديثة هي العناصر الإستراتيجية الأساسية في التقدم الاقتصادي، هل توافقونني يا صدقي كبلو وكمال كرار؟، فالمعارف والمهارات هي التي سيكون عليها المعول الأساس في أية مشاريع تنموية حقيقية. وسيعاد توزيع القوى على الأرض، لتنتقل الراية من الأمم التي تمتلك المصادر الطبيعية ورأس المال، إلى الأمم التي تجعل شعوبها مبتكرة ، تشتغل علي الخيال المبدع والرؤيات التي ينتجها المبدعون، وتعرف كيف توظف رأس المال وتستغل الموارد الطبيعية لدى الدول الأخرى لمصلحتها هي ولتقدمها في الحياة المعاصرة.
( فالمفهوم العام للتفكير الابتكاري الخلاق يمكن أن يشترك فيه كل إنسان على قدر جهده واجتهاده ومعلوماته وحدود التغيير التي يملكها، متى وأينما توافرت الظروف له، ومتى كان المجتمع أو البيئة تشجعه على ذلك. فمجتمع الموظفين الروتيني يحارب الموظف المبتكر، لأنه متحصن باللوائح والمستندات والأوراق، غير ناظر إلى قضية النهضة والتنمية، وحاجات الناس المتزايدة. أما قادة الاقتصاد الإبداعي، فيرحبون بكل من يتفنن في طرح المزيد من الأفكار التي تطور المنتجات، وفق احتياجات الناس، وأذواقهم المتغيرة، ولكل سبل تزيد من تسويقها وتفتح آفاقاً جديدة، أو تلك التي تختصر مراحل الإنتاج وتقلل التكلفة)*.
ضرورة أن يكون تفكيرنا خلاقا ومبدعا.
لقد أصبح من البدهي في عالمنا اليوم، أن التفكير الخلاق ضرورة وطنية لابد منها لدى أي مخطط إستراتيجي تنموي، لأن (المجتمع الإنساني يواجه على اختلاف مستوياته عالماً بالغ التعقيد، تتكاثر مشكلاته بمعدل يفوق قدرة بشره على حلها)*. وهذا، بطبيعة الحال، يفتح المجال واسعاً، من أجل فتح الآفاق أمام مختلف المبدعين والحالمين والمخططين، على مختلف الأصعدة والمجالات، وهنا يأتي ما يسمى الاقتصاد الإبداعي، الذي يعني، من ضمن الكثير الذي يعنيه، إفساح المجال لدعم المبدعين والمتميزين والمخترعين، مادياً ومعنوياً، وتمكينهم على المستوى القيادي، الذي يمكنهم، هم لا غيرهم، من وضع واقرار الخطط والبرامج والاشراف الكلي علي تنفيذاتها.
ومفهوم الاقتصاد الإبداعي، الذي يعتمد على فكرة استثمار الإبداع، له مفهومان: الأول وهو المفهوم الشامل، ويخص كل أشكال الإبداع في شتى المجالات: العلمية، الثقافية، التقنية، الإدارية، التربوية، الرياضيةوغيرها.
ويرتكز الاقتصاد الإبداعي على قياس مدى تقدم المجتمعات والدول في إبداعاتها التنموية بشكل عام، ويتحدد من نسبة الإنفاق على البحث والتطوير إلى الناتج القومي، ومدى مشاركة القطاع الصناعي في الإنتاج القومي، إضافة إلى عدد الشركات التقنية المدرجة في سوق الأسهم، (ويُقصد بالشركات التقنية هنا الشركات التي تستثمر في البحث والتطوير سواء كانت شركات أدوية أو شركات الإلكترونيات أو الطاقة المتجددة أو شركات الإنترنت أو غيرها من الشركات التي تتخذ من المعلوماتية الجديدة والأبحاث سبيلاً لنهضتها. كما يشمل أيضاً عدد خريجي المؤسسات التعليمية سواء كانوا مهندسين أو حاصلين على شهادات عليا ممن ينضمون إلى مشاريع البحث والتطوير، إضافة إلى نسبة حمَلة الشهادات العليا من مجموع السكان)*.
هكذا، يمكننا أن نري، أنه قد أصبح الاقتصاد الإبداعي جزءاً أساسياً من التطور الذي وصل إليه الاقتصاد العالمي، وبات يشكل تحولاً كبيراً في بنية الاقتصاد ذاته. فبدلاً من الاقتصاد التقليدي المعتمد على المواد الخام، أو الزراعة، أو الصناعة، صار الاقتصاد الإبداعي رافداً مهماً لا غنى عنه من قبل صناع السياسة الاقتصادية، لأنه يشكل إضافة نوعية من جهة العوائد المالية، ومن جهة توفير فرص العمل وعائدات الصادرات أيضاً. والأهم من هذا، أنه يفتح مجالات جديدة لاستيعاب طاقات بنات وأبناء المجتمع، وحفزهم على المزيد من الابتكار والإبداع. ولنا أن نتخيل عندما يجد المبدع نفسه وقد صارت أفكاره وإلهاماته سبباً في مدخول مالي إضافي، ما يشجعه على بذل المزيد من التخييل والجهد الذي سيعود عليه وعلى وطنه بالنفع.
الأمر الذي يجعل أصحاب المخيلة وتفكراتها، هي، وهم قادة الأمم، وأن المبدعين هم الذين في طليعة العمل، ولا نعني بالقيادة هنا القيادة السياسية، وإنما القيادة العلمية والإدارية والإرشادية والبحثية، أما دور السياسيين فهو توفير المناخ وفرص العمل للجميع وتنفيذ الخطط؛ دون تمييز لفئة على فئة، أو أن تستأثر فئة بعينها بالمناصب وتحرم المستحقين، كما هو، للأسف، ما يجري الآن عندنا!
( ففي الماضي، كان أقصى وسيلة للمبدع، أن يتربح من بيع رواية يؤلفها، أو عمل تشكيلي يبيعه، أو قصائد ومقالات ينشرها، وغالباً ما تعود عليه بالقليل. أما المخترعون فقليل ما نالوا المكانة، وحققوا ما يريدون. لذا، نعرف أن كثيراً من المبدعين والمخترعين عاشوا وماتوا فقراء، ولو عاصروا زمننا لوجدوا أن خيالاتهم قد تكون سبباً في ثرائهم، على شريطة أن تتوجه إبداعاتهم دعماً للنهضة والتنمية)*.
إن فلسفة الاقتصاد الإبداعي تلتقي مع مفهوم «التفكير الخلاق» الذي لا يقتصر على فئة واحدة من الناس هم العلماء والمبدعون والمبتكرون كما يتوهم البعض؛ وإنما له مفهوم واسع يتمثل في كونه ملكات عقلية موزعة عل البشر جميعاً، بمستويات وأشكال واتجاهات مختلفة،( تتمثل في القدرة على الدفع بالتفكير ليولد أفكاراً جديدة، معتمداً على مقومات متعددة، منها: مساءلة الفروض الراسخة، وتحدي الأوضاع القائمة، والتخلص من قبضة المتحكمين في الأوضاع)*.
فالمجتمعات الحديثة المعاصرة معقدة في تركيبها المؤسسي: الاقتصادي والصناعي والمعرفي وأيضاً الاجتماعي، بعكس المجتمعات القديمة: الزراعية أو الرعوية، التي عاشت على بنية اجتماعية تراتبية، واقتصاد متوارث، معلومةٌ مشكلاتها وحلولها، بعكس المجتمعات الصناعية أو المعلوماتية المعاصرة، بمصانعها التي يعمل فيها مئات الآلاف، وأسواقها التي تشمل ملايين البضائع والأصناف، وموانئها ذات الحاويات العملاقة التي تبحر في المحيطات والبحار، حاملة ملايين الأطنان من المنتجات ما بين مواد خام أو مصنوعات، ناهيك عن البحارة الذين يعملون عليها، ما يعني الحاجة المتزايدة للإبداع والمبدعين.
وهذا كله، يجعل أي تنمية تنظر إلى الشعب على أنه طاقة فاعلة في العمل وفي الابتكار وفي الإنتاج، فهي في حاجة لكل فكر وابتكار وجهد وذراع.
( كما يلتقي الاقتصاد الإبداعي مع فلسفة التنمية المستدامة، والتي تشمل أبعاداً ثلاثة: التنمية الاقتصادية، والإدماج الاجتماعي، والاستدامة البيئية، مدعومة بالحكم الرشيد. كما تعد نظم القياس والبيانات السليمة حاسمة لتحويل أهداف التنمية المستدامة إلى أدوات عملية لحل المشكلات وتحريك الحكومات والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني وقطاع الأعمال، توفير بطاقة تقييم لمتابعة التقدم المحرز وضمان تحقيق المساءلة)*. وسنلاحظ هنا، أن المسألة لم تعد محصورة في وجود أشخاص، وإنما إستراتيجية تنتهجها الدولة، على مستويات عدة، من أجل تحقيق أهدفاً، تمثل في التنمية المستدامة، التي سترعى كل فئات الشعب، بمختلف شرائحه، وأبرز هذه الأهداف: القضاء على الفقر، والجوع، وتوفير بيئة سليمة، ومدن صحية، وتعليم جيد، ومساواة، وطاقة نظيفة، وفرص عمل، تحقيقاً لمجتمع الرفاه، وهذه هي، علي التحديد ما نادت بها شعارات ثورتنا المجيدة.
ولا شك أن هذه الخطط والإستراتيجيات، ستوجد، بالضرورة، مجتمعاً منتجاً مبتكراً، نشيطاً وفاعلاً، يستخدم موارده بشكل صحيح، ويستفيد من عقول أبناء وطنه، ويوقف نزيفها المستمر بالهجرة إلى الخارج، أو بالانكفاء في الداخل.
الأمر الأخر، فيما يختص بالاقتصاد الإبداعي، هو المفهوم الأضيق الذي يختص بالإبداع في أبعاده الثقافية والفلسفية والفكرية والتشكيلية والسينمائية، حيث ينظر إلى أثر الفنون والآداب والفكر في البنية الاقتصادية والاجتماعية، ومنتجاتها ومخرجاتها، وهي تحمل بعداً رمزياً وأيدلوجياً يعبر عن ثقافة المجتمع وهي تراعي، عادة، الاعتبارات البيئية، وتتركّز في المناطق الحضرية الرئيسية الواسعة، وتَستخدم كثيراً عمالاً من ذوي المهارة الرفيعة، وتعتمد اعتماداً كبيراً على النظم والأنشطة والمؤسسات الثقافية غير الرسمية. ( وتعود أيضاً هذه الصناعات بالمنافع التي لا يمكن قياسها باعتماد أسعار السوق وحدها والتي تعمل عوضاً عن ذلك على تأكيد الهوية الثقافية المميزة للأماكن التي تنشأ فيها هذه الصناعات وتتنامى، مما يتيح تحسين ظروف الحياة والارتقاء بصورة المجتمعات المحلية وبهيبتها*).
سنلاحظ هنا أيضا، أن الثقافة بمختلف أشكالها هي المؤثر الأكبر على الاقتصاد الإبداعي، لأنه لا اقتصاد ولا صناعة ولا تقنيات بدون غطاء ثقافي وفكري وفني.
( ولكي نوضح الصورة أكثر فإن غالبية المنتجات التي تأتي إلينا مستوردة من بلادها، تحمل شعارات وأسماء وأشكالاً تعبر عن ثقافة هذه البلاد، وما انتشار الثقافة الأمريكية إلا بسبب انتشار صناعاتها، مصحوبة بإنتاج فني عملاق في السينما، بجانب تحكمها في عالم الحواسيب والشبكة العنكبوتية. وهذا يؤثر على خيارات المستهلكين أنفسهم، فإذا أحببنا نموذجاً ثقافياً وفكرياً، فهذا ناتج عن القوة الناعمة التي تروّج لهذا النموذج، ما يجعل الناس تقبل على شراء هذه المنتجات، وتتذوق أعماله الفنية، وتردد كلماته وعباراته وشعارات وفلسفاته)*.
إن هذا، بلا شك، يحتاج إلى طاقة البشر الإبداعية والابتكارية، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، فهي العامل المحرّك الرئيسي لهذه الصناعات، والمغذية له فنياً وفكرياً، ( وقد أصبحت هذه الطاقة هي الثروة الحقيقية للبلدان في القرن الحادي والعشرين. وتؤثر بصورة غير مباشرة، وبشكل متزايد على فهم المرء أينما كان للعالم المحيط به، وعلى المعنى الذي يعطيه لوجوده فيه، وعلى الطريقة التي يؤكد بها حقوقه كإنسان ويبني بها علاقات مثمرة مع الآخرين )*.
ومن هنا، فقد أصبح الفنانون والمبدعون يشكلون الصف الموازي في التنمية والنهضة، فلا يمكن لأي مجتمع يريد الحفاظ على هويته الحضارية، أن يقوم بصناعات، وينشئ المدن، معتمداً على غير ثقافته وأفكاره. وإلا سيكون مجتمعاً مسلوب الإرادة والثقافة، مشلول الفكر والإبداع، وستكون تنميته تقليداً للآخرين.
وهذا يقودنا إلي التساؤل المركزي في هذه الحالة: أليس من الضروري، والموضوي، والعلمي معا، أن تكون لنا ( مفوضية ) تنشأ بقانون يحكم عملها، وعليها، وحدها، الأشراف علي عملها وتنفيذاتها؟ ذلك من شأنه، إذا تم، أن يجعل العمل الثقافي، بكل محمولاته، في الجوهر من مشاغل واشتغالات الفترة الانتقالية التي، نفترض، أنها من أعمدة وأساسيات مقومات الفترة الانتقالية التي نصت عليها أهداف ومواثيق الثورة. ثم، ومن باب الأسئلة الموضوعية، ألا يحق لنا أن نسأل، في الملأ من حيثيات الثورة، ومن أهم واجبات الفترة الانتقالية، ضرورة أن تكون لنا، في هذه المرحلة الهامة من مسار ثورتنا، أن تكون لنا ( مفوضية ) للثقافة، تعني، بكامل مسئولياتها، بحال الإبداع والمبدعين؟! ، وكم يحزنني، شخصيا، حرمان مبدعينا من ( منحة ) التفرغ التي تتيح لهم تقديم أعمالا إبداعية، فكرية وأدبية، وهم في أفضل الأوضاع التي توفرها لهم، باستحقاق لا شك فيه، الأمر الذي ظل معمولا به في مصر منذ عبد الناصر، ولا يزال، فأين نحن منهم يا ( كهنة ) الثقافة الرسميون في وزارة الثقافة وحكومتنا؟!
هذه، مجرد خواطر، رؤي وتفكرات، في شأننا الثقافي، نقدمها، بتجرد وتواضح، لتكون، كما نأمل، أن تكون مدخلا موضوعيا، لمناقشة، واجراء حوار جاد حول واقعنا الثقافي، نتناول عبره، حال الإبداع والمبدعين، وما نسعي، جميعنا، ليكون، هذا الحال، الضروري المهم، في خططنا ورؤانا فيما يخص شأننا الثقافي.
ليتنا، نري، ونقرأ، هذا الحوار يحوز علي مقدمة اهتمامنا في هذه المرحلة من عمر ثورتنا المجيدة، ننتظرإذن، لنري.
هوامش:
——–
* د. مصطفي عطية جمعة 11/9/2018، صحيفة البيان الليكترونية.
*رؤى مستقبلية: كيف سيغير العلم في القرن الواحد والعشرين؟ ميتشيو كاكو، ترجمة: د.سعد الدين خرفان، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2001م، ص23، 24.
* المصدر السابق، ص(79),
* الاقتصاد الإبداعي، د. عبد الله الردادي، جريدة الشرق الأوسط، لندن، 29 يناير 2018م، العدد (14307).
* العقل العربي ومجتمع المعرفة: مظاهر الأزمة واقتراحات بالحلول، د. نبيل علي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2009م، ج2، ص75.
* مؤشر أهداف التنمية المستدامة ولوحات المعلومات، التقرير العالمي، مؤسسة برتلسمان وشبكة حلول التنمية المستدامة، نيويورك، يوليو 2017م، ص11.
* المصدر السابق، ص12.
* الاقتصاد الإبداعي، د. عبد الله الردادي، م س.
* تقرير عن الاقتصاد الإبداعي، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، منشورات مجمع أبوظبي للثقافة والفنون، 2013م، ص17.
* السابق، ص15.
د. مصطفى عطية جمعة Sep 11, 2018اقتصاد
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.