من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    وزارة البنى التحتية والنقل تُطلق خدمة إلكترونية لإصدار شهادة عدم الممانعة للمستوردين    والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرزنامة : الليلة ما جانا/ حبيبنا ال ..!
نشر في الراكوبة يوم 14 - 06 - 2022


الإثنين
كان صدِّيق يوسف أكثر من صريح، وأجهر من واضح، وهو يعلِّق، تلفزيونيَّاً، على قول حميدتي، قائد قوَّات الدَّعم السَّريع، قبل أن يعدِّل الانقلابيُّون من تكتيكاتهم، بأنَّهم يرفضون مجرَّد مبدأ «الحوار» مع مَن وصفهم بأنهم «يشحذون سكاكينهم لذبحنا» (!) حيث أبدى صدِّيق اتِّفاقه التَّام مع حميدتي، قائلاً :
«نعم، لا يُعقل أن تتوقَّع استجابة رموز النِّظام الحاكم لمطالبتك لهم بالتَّنازل لك عن السُّلطة، وأنت تعلن، صباح مساء، أنك ستحاكمهم على الجَّرائم التي ارتكبوها»!
والواقع أن صدِّيقاً لم يقصد، كما فهم البعض خطأ، أن يكون المقابل ل «الحوار» مع الانقلابيِّين إعفاؤهم من المساءلة عن جرائمهم، وإنَّما قصد، ببساطة، التَّعبير عن «لامعقوليَّة» مثل هذا «الحوار» نفسه أصلاً! .
هكذا لم يقتصر التَّعبير عن هذه «اللامعقوليَّة» على صدِّيق وحده، بل شمل حميدتي أيضاً! فلم يعُد ثمَّة ما يبرِّر رمي الرَّافضين ل «اجتماع التَّسوية»، الأسبوع الماضي، ب «التَّعنُّت»، أو «التَّشدُّد»! . فها هم الانقلابيُّون أنفسهم، بحسب حميدتي على الأقل، قد أعلنوا رفضهم لهذا «الحوار» أيضاً! وإن كانت لكلٍّ من الطَّرفين أسبابه الموضوعيَّة للرَّفض الصَّريح، أو حتَّى التَّظاهر بقبول هذا «الحوار»! .
الشَّاهد أنه كان ينبغي على الآليَّة الثُّلاثيَّة المشتركة أن تتريَّث، قبل أن تعجِّل بدعوة مَن أعلنوا رفض «التَّسوية» للجلوس مع الانقلابيِّين، حتَّى لا تخطئ التَّقدير، فتجد نفسها في موضع المفاضلة بين خيارين، فقط، لا ثالث لهما، فإمَّا أن تعتبر هذا الرَّفض ضرباً من «التَّعنُّت/التَّشدُّد»، أو أن تضطرَّ، كما وقع فعليَّاً، إلى تأجيل ميقات الاجتماع الذي لهوجته وحدها، قبل أن تعود لعقده «بمن حضر»، لتخلص إلى السَّير في طريق «تسوية» كاريكاتيريَّة بين «انقلابيِّين» و«انقلابيِّين»!.
من جانب آخر ثمَّة عامل إضافي كان ينبغي على الآليَّة، أيضاً، وضعه، في اعتبارها، في ما لو اتَّسم عملها بالجدِّيَّة اللازمة، وهو أن ميزان القوَّة لن يبقى، دائماً، على حال الثَّبات، إذ سيميل، عاجلاً أم آجلاً، ضدَّ الكفَّة «العسكريَّة» للانقلابيِّين، في ما لو أثبتت قوى الثَّورة قدرتها على اجتذاب المزيد من التَّعاطف الدَّاخلي والدَّولي مع بسالتها وسلميَّتها، مِمَّا يُتوقَّع أن يرتدَّ بحرج بالغ، لا محالة، إلى نحر الآليَّة الثُّلاثيَّة التي سيبدو انحيازها، أرادت أم لم ترد، مفضوحاً، بسبب ذلك، إلى صفِّ القوَّة العسكريَّة المادِّيَّة! ولتوضيح هذا العامل نشير إلى مضاء العزم وقوَّة الشَّكيمة مِمَّا تبدي الجَّماهير العزلاء في ملاحم استشهادها، على مرأى من كلِّ عدسات التَّلفزة في الشَّوارع، مباشرة، وإصرارها الذي لا يعرف الوهن أو التَّراخي على إسقاط الانقلاب وسلطته، واستكمال مهام ثورة ديسمبر المجيدة، في مشاهد ما تنفكُّ تشعل، بل وتلهم الإعلام والخيال الثَّوريَّين في كلِّ أرجاء العالم.

الثُّلاثاء
عندما قدَّم لويس مورينو أوكامبو، المدَّعي العام الدَّولي الأسبق، قضيَّته ضد البشير أمام محكمة ما قبل المحاكمة Pre – trial Court، بعد تقديمه قضيَّة هارون وكشيب، عنَّت لي بعض الملاحظات، من وجهة نظر القانون الجَّنائي الدَّولي، أوجزتها، وقتها، ضمن روزنامة 25 أغسطس 2008م، وما أعقبها.
أبرز تلك الملاحظات أن لائحة اتهام المدَّعي العام الدَّولي للبشير، بعكس قضيَّة هارون وكشيب، لم تقتصر على «جرائم الحرب War Crimes» و«الجرائم ضد الإنسانيَّة Crimes Against Humanity»، تحت الفقرتين/ب، ج من المادة/1/5 من «نظام روما لسنة 1998م Rome Statute»، بل شملت، أيضاً، «الإبادة الجَّماعيَّة Genocide»، تحت الفقرة/أ. ومع أن الرَّجل، بعد أن وضع دعواه أمام تلك المحكمة، للتقرير في مقبوليَّتها، بدا واثقاً وهو يخاطب نقَّاده قائلاً: «ما من أحد يعرف أدلَّتي؛ فلننتظر قرار القضاة!» (الغارديان؛ 8 أعسطس 2018م). غير أننا عبَّرنا، آنذاك، عن رأي مفاده أن قبول تهمة «الإبادة الجَّماعيَّة»، في تلك الحالة بالذَّات، في ما لو قبلتها المحكمة، سيكون مستغرباً، لأكثر من سبب:
(1) فلجنة أنطونيو كاسيسي الدَّوليَّة التي حقَّقت في أحداث دارفور، بتكليف من كوفي أنان، السكرتير العام للمنظَّمة الدَّوليَّة، بطلب من مجلس الأمن الدَّولي، خلصت، فى يناير 2005م، إلى أن ثمة «جرائم حرب» و«جرائم ضدَّ الانسانيَّة» ارتكبت فى الاقليم، وأوصت، من ثمَّ، ب «إحالة Referral» الملف إلى المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة ICC. أمَّا «الإبادة الجَّماعيَّة» فقد أخضعتها اللجنة لدراسة قانونيَّة عرضنا لها في كتابينا «الحقيقة في دارفور» و«النِّزاع بين حكومة السُّودان والمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة»، الصَّادرين، بهذا الخصوص، عن «مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان» عام 2006م، حيث استبعدت اللجنة وقوع هذه الجَّريمة، وإن لم تستبعد وقوع أفعال قد تشكِّل «ركنها المادِّي»، لكنَّها تشكَّكت في توفُّر «ركنها المعنوي/القصد الجَّنائي Mens Rea – Intention»، تاركة الأمر برمَّته لتفصل فيه المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة بعد إحالة الملف إليها.
(2) حول هذه المسألة احتدم الجَّدل داخل مجلس الأمن عند مناقشة نتائج عمل اللجنة. ولمَّا لم تأخذ بوقوع «إبادة جماعيَّة» سوى أقليَّة بقيادة الولايات المتَّحدة، أصدر المجلس، في 31 مارس 2005م، قراره رقم/1593، بإحالة الملف، تحت الفصل السَّابع، إلى المحكمة، تاركاً لها التَّقرير بشأن ارتكاب هذه الجَّريمة من عدمه، حسبما أوضح خوان مانديز، مساعد الأمين العام الأسبق للأمم المتَّحدة لمنع «الإبادة الجَّماعيَّة»، لدى زيارته، في وقت لاحق، إلى الخرطوم (الأيام، 27 سبتمبر 2005م).
(3) تلقَّى أوكامبو الملف تحت المادة/13/ب من «النِّظام». وبعد دراسة تقرير اللجنة، قرَّر، فى 6 يونيو 2005م، فتح تحقيق مستقل استغرق أكثر من 18 شهراً، قدَّم خلالها تقارير نصف سنويَّة إلى المجلس، من بينها تقريره في 13 ديسمبر 2005م الذي تضمَّن نتائج زيارة وفد من مكتبه إلى السُّودان «للوقوف على المحاكم الوطنيَّة ومدى مطابقتها للمعايير الدَّوليَّة ونظام روما» (الصَّحافة، 14 ديسمبر 2005م). لكنه، لا في هذا التَّقرير، ولا في تقريريه التَّاليين، لم يشر، لا من قريب ولا من بعيد، إلى موضوعة «الإبادة الجماعيَّة».
(4) وفي أواخر نوفمبر 2006م، على هامش دورة الانعقاد الخامسة للجَّمعيَّة العموميَّة للدُّول الأعضاء في المحكمة بلاهاي، والتي شاركتُ فيها شخصيَّاً، وقدَّمتُ كلمة «التَّحالف الدَّولي الدَّاعم للمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة CICC»، كما شارك وفد حكومي برئاسة السَّفير سراج الدِّين حامد، عقد أوكامبو مؤتمراً صحفيَّاً أعلن فيه فراغه من تجهيز أوَّل قضيَّة ضمن ملف دارفور لتقديمها لمحكمة ما قبل المحاكمة. لكنه لم يشر، هنا أيضاً، إلى «الإبادة الجَّماعيَّة».
(5) وفي 27 فبراير 2007م عقد أوكامبو مؤتمراً صحفيَّاً آخراً أعلن فيه تقديمه، فعلياً، لقضيَّة «هارون وكشيب» أمام محكمة ما قبل المحاكمة، موجِّهاً للرَّجلين تهماً بارتكاب «جرائم حرب» و«جرائم ضدَّ الإنسانيَّة»، غير أنه لم يوجِّه، لأيٍّ منهما، تهمة «الإبادة الجَّماعيَّة»، علماً بأن ذلك كان من اختصاصه في ما لو كان رأى موجباً له.
(6) وفي 2 مايو 2007م قرَّرت محكمة ما قبل المحاكمة قبول الدَّعوى، وأدلَّة الادِّعاء، دون أن تضيف تهمة «الإبادة الجَّماعيَّة»، وكان ذلك، أيضاً، من اختصاصها في ما لو رأت موجباً له.
(7) وهكذا، إذا أخذنا في الاعتبار هذه الوضعيَّة المنعدمة لموضوعة «الإبادة الجَّماعيَّة»، عبر كلِّ المراحل القانونيَّة التي مرَّ بها ملف دارفور؛ وأخذنا في الاعتبار، أيضاً، ما يُعرف في فقه القانون الجَّنائي الدَّولي، منذ «محاكمات نورمبرج» في عقابيل الحرب العالميَّة الثَّانية، ب «سلسلة القيادة chain of command» التي تربط حلقاتها المتَّصلة مسؤوليَّة «المرءوسين التَّابعين» بمسؤوليَّة «القادة المتبوعين»، وفق القرار الذي كانت الجَّمعيَّة العامَّة للأمم المتَّحدة قد اتَّخذته بالإجماع، خلال دورة انعقادها الأولى في نوفمبر 1946م، بتقنين مبدأ «عدم الاعتداد بحصانات الرُّؤساء وأعضاء الحكومات في ما يتَّصل بالجَّرائم الدَّوليَّة»، ضمن سبعة مبادئ مستخلصة من تلك المحاكمات، واعتبارها مبادئ أساسيَّة للقانون الجَّنائي الدَّولي؛ فقد كان من رأينا أن هذا المنطق القانوني نفسه سيستدير «ليصعِّب» من إمكانيَّة قبول المحكمة توجيه تهمة «الإبادة الجَّماعيَّة» في حالة البشير «القائد المتبوع»، كونها، في حالة هارون وكوشيب «المرءوسَيْن التَّابعَيْن»، لم ترد، ابتداءً، من لدن المدَّعي العام الدَّولي، ولا اجترحتها هي من تلقاء نفسها، خاصَّة وأن هذا المدَّعي العام نفسه كان، في العام السَّابق، قد اعتبر الرَّجلين أبرز «المرءوسين التَّابعين» المسؤولين عن جرائم الإقليم، وحدَّدها في «جرائم الحرب» و«الجَّرائم ضدَّ الإنسانيَّة»، فقط، دون ذكر لجريمة «الإبادة الجَّماعيَّة»! .
بالنَّتيجة، خلص رأينا المتواضع إلى أن ثمَّة خطأ قانونيَّاً مؤكَّداً، إمَّا في ورقة الاتِّهام ضدَّ هارون وكوشيب، أو في ورقة الاتِّهام الأخرى ضدَّ البشير، إذ لا يمكن أن تكون كلتاهما صحيحة في نفس الوقت! .
(8) بالفعل، ومثلما توقَّعنا، أصدرت محكمة ما قبل المحاكمة قرارها بقبول تهمتي «جرائم الحرب» و«الجَّرائم ضدَّ الانسانيَّة»، محجمة، تماماً، عن قبول تهمة «الإبادة الجَّماعيَّة»، مِمَّا حدا بأوكامبو للطَّعن في ذلك القرار أمام الدَّائرة الاستئنافيَّة، محتجَّاً بأن محكمة ما قبل المحاكمة قد رمت، في تلك المرحلة الباكرة، لتحميله عبء الإثبات دون مستوى الشَّكِّ المعقول beyond a reasonable doubt، في حين أن المطلوب منه، لقبول القضيَّة في هذه المرحلة، لا يتجاوز محض البيِّنة المبدئيَّة prima facie evidence.
(9) قبلت محكمة الاستئناف الطعن، بهذا المنطق، آمرة بتوجيه تهمة «الإبادة الجَّماعيَّة» إلى البشير، ريثما تأتي المرحلة التي يمكن أن يُطلب فيها من الاتِّهام تقديم بيِّناته دون مستوى الشَّكِّ المعقول.
ربَّما، فقط على هذه الخلفيَّة، نستطيع أن نفهم، مثلاً، مغزى تعليق القاضي أنطونيو كاسيوسي، رئيس لجنة التَّحقيق الدَّوليَّة التي كانت، منذ البداية، قد استبعدت «الإبادة الجَّماعيَّة»، عندما وصف توجيه المدَّعي العام الدَّولي هذه التُّهمة للبشير دون أن يكون قد وجَّهها، ابتداءً، لهارون وكوشيب، بالأمر «المُحيِّر puzzling!» (الغارديان، 18 أغسطس 2018م)؛ كما نستطيع أن نفهم مشاعر الإحباط التي انتابت أليكس دي وال، الأكاديمي البريطاني، ومستشار فريق الوساطة الأفريقي السَّابق للسَّلام في دارفور، والتي عبَّر عنها بتعليقه على المؤتمر الصَّحفي للمدَّعي العام الدَّولي حول التُّهم التي وجَّهها للبشير، قائلاً : «خرجت من المؤتمر مصدوماً .. لقد رسم أوكامبو صورة لا يمكن لباحث رصين أن يسلِّم بها .. لقد صعَّب الأمر على أنصار العدالة في دارفور، مِمَّن ينادون بملاحقة المسؤولين عن جرائم أقل شناعة من الإبادة الجَّماعيَّة!» (المصدر نفسه).
مهما يكن من أمر، فإن هذه المسألة القانونيَّة البحتة هي برمتها رهن ما ستكشف عنه البيِّنة من خلال محاكمة كوشيب حاليَّاً، أو محاكمة البشير أو هارون إذا ما تمَّ تسليم ومحاكمة أيٍّ منهما مستقبلاً.

الأربعاء
ربَّما لا يعلم كثيرون أن السُّودان كان، في عام 1918م، أحد ثلاث مستعمرات بريطانيَّة كبرى موعودة، آنذاك، بمستقبل باهر، من حيث التَّنمية، والقابليَّة للتَّطوُّر السَّريع، وهي «السُّودان كندا أستراليا»، بعكس مستعمرات أخرى كثيرة، كالهند مثلاً!
وقد لا يعلم هؤلاء، أيضاً، أن البرلمان البريطاني أجاز، لذلك السَّبب، في 23 أغسطس 1918م، بعد أن وضعت الحرب الأولى أوزارها، «قانون الهجرة وشروط الإقامة الدائمة»، في المستعمرات الثَّلاث! وجاء على رأس تلك الشُّروط الحصول على «بطاقة خضراء قرين كارد» كان سعرها يبلغ، آنذاك، 25 ألف جنيه استرليني، وكان بالغ الضَّخامة»! وبالتَّالي كان على كلِّ مَن يرغب في الهجرة إلى السُّودان، مِن المستثمرين، والموظفين، والحرفيِّين، من كل الجِّنسيَّات، أن يودع المبلغ المذكور في بنك باركليز دي سي «بنك الخرطوم الآن»، والذي افتتح عام 1913م، لكي يحصل على «القرين كارد» السُّوداني أو الاقامة الدائمة، والأمر نفسه ينطبق علي «القرين كارد» الكندي والاسترالي!.
بموجب ذلك القانون جاءت إلى السُّودان عدَّة أسر، مثل: بيطار، وحجَّار، وجوماشيان، وبنجامين، ومعلوف، وسركيس ازمرليان، والفريد مكالباين، وغيرهم من الأغاريق، والشُّوام، والأرمن، والهنود، والمصريِّين، مِمَّن أمسوا، مع الزَّمن، جزءاً لا يتجزَّأ من نسيج البلاد الاجتماعي المميَّز! .

الخميس
على شرف محمَّد المكي ابراهيم، أمير شعراء الشَّباب المحدثين، القادم، بعد طول غياب، وعلل متطاولة، من الأرض الجَّديدة، تناولنا، مساء رابعة عيد الفطر الأخير، طعام العشاء على مائدة د. معتصم يوسف العامرة بكلِّ ما أفاءت علينا أسرته الكريمة من فيض عطائها الوافر. معتصم هو أستاذ اللغة والأدب العربيَّين بالجَّامعات السُّعوديَّة، وهو الشَّقيق الأصغر للشَّاعر والعالم الرَّاحل د. محمَّد الواثق يوسف تلميذ عبد الله الطَّيِّب النَّجيب.
حول المائدة تحلق نفر من أصدقائنا وأصدقاء معتصم، وزملاء طفولته، في قرية «النَّيَّة» بشمال بحري، ورفاق صباه وشبابه في الثَّانوي، والجَّامعة، وحتَّى مرحلة الكهولة في مختلف مواقع العمل داخل وخارج السُّودان. وكانت للسَّمر، بطبيعة الحال، شجون تشقَّقت في شتى المناحي، على رأسها الأنس بالكتب، ما شغل، كالعادة، مكانة عليَّة، لا سيَّما وأن أهمَّ ما أهمَّت مضيِّفنا في تصميمه لبيته مكتبة ضخمة تحوي آلاف الكتب! .
ويعجزني، بهذه المناسبة، شكر الأديب السَّفير د. خالد محمَّد فرح الذي أحضر لي معه، ليهديني، نسخة من الطَّبعة الأولى لآخر كتبه، وقد صدر عن مركز عبد الكريم ميرغني الثَّقافي بأم درمان، في أكتوبر 2021م، وهو ترجمته إلى العربيَّة «دراسة شعر الفرزدق النَّقديَّة»، بعنوان «مع الفرزدق في أكسفورد»، والتي كان أنجز أصلها، بالإنجليزيَّة، البروفيسير العالم عبد الرَّحيم الأمين (1916م 1968م).
شرعت، فور عودتي إلى البيت، في مطالعة الكتاب، معتزماً أن أكتب عنه، يقيناً، لدى فراغي منه، فهو قمين بذلك من جهتي التَّأليف والتَّرجمة. على أن ثمَّة أمراً طريفاً لفت نظري بشدَّة في ما اطلعت عليه، حتَّى الآن، ضمن مقدِّمة المترجم، فلم أطق صبراً على تأجيل التَّنويه به! لقد لاحظ د. فرح، في صفحتي 19 و20 من الكتاب، حداثة التَّركيب في قول الفرزدق: «يَا مَنْ رأى بارِقَاً أرِقتُ لَهُ/ بَيْنَ ذِرَاعَيْ وجَبْهَةِ الأَسَدِ»، أي بين ذِراعَيْ الأسدِ وجبهتِهِ. وأشار إلى أن وجه الحداثة، هنا، قائم على الفصل بين المضافِ والمضافِ إليه بذكر مضافٍ آخر، أو مضافاتٍ أخرى بينهما. ثمَّ ما لبث أن لاحظ، استطراداً، انتصار الفرزدق لمذهب عامِّيَّتنا السُّودانيَّة باستخدام «ال» الموصوليَّة التي تأتي عندنا بمعنى «الذي»، بخلاف كثير من العامِّيَّات العربيَّة المعاصرة الأخرى التي تستخدم لفظة «اللي» في هذا السِّياق، وذلك على نحو ما جاء في إحدى أغنياتنا الشَّعبيَّة: «الليلة ما جانا/ حبيبنا الكان معانا»، أي «حبيُبنا الذي كانَ معنا»؛ والشَّاهد هو قول الفرزدق: «مَا أنْتَ بالحَكَمِ التُّرْضَى حُكُومَتُهُ»، أي «الذي تُرضَى حُكُومَتُهُ» .. فتأمَّل! .

الجُّمعة
أدهش المرحوم الاعلامي عبد المطلب الفحل مشاهديه على قناة «إس 24»، ثامن عيد الفطر المبارك، بحكاية «عجيبة!» قال إنها حدثت له، عندما كان تلميذاً بالثَّانوي قبل أكثر من نصف قرن، وقد لا يصدِّقها أبناء هذا الزَّمان!
فحوى الحكاية أنه، في شهر فبراير من عام 1968م، وبينما كان يستعدًّ لأداء بعض الامتحانات المدرسيَّة، فوجئ بانقطاع التَّيَّار الكهربائي مرَّتين، خلال يومين متاليَين (!) فسارع بإرسال خطاب، عن طريق البريد، إلى مدير الهيئة القوميَّة للكهرباء، آنذاك، دون سابق معرفة بينهما، يعبِّر له فيه عن انزعاجه من ذلك! وفي اليوم التَّالي، مباشرة، جاءت إحدى ناقلات الهيئة تحمل فريقاً من عمَّالها أصلحوا عطباً ما في أحد الأعمدة بالحي، فانتظم التَّيَّار، وإلى ذلك سلَّموه خطاباً، ما زال يحتفظ به، بل وعرضه على الشَّاشة، بتوقيع محمَّد نصر أبوبكر، عن المدير العام للهيئة شخصيَّاً، يعتذر له فيه، برقَّة ودماثة، عمَّا حدث، واعداً بعدم تكراره .. إن شاء الله.

السَّبت
ثمَّة مفارقتان تبدوان عجيبتين، مظهريَّاً، وتحيطان بسيرة «كارا» الذي لقي مصرعه، أواسط مايو المنصرم، في تبادل لإطلاق النار مع قوَّات مباحث فرعيَّة شرق النِّيل:
المفارقة الأولى : أن «كارا» هذا، برغم كونه محسوباً على الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان شمال، والتي أشرف القائد الفذ الرَّاحل د. جون قرنق على تأسيسها، فكريَّاً وحركيَّاً، إلا أن هذا «الكارا» ظلَّ، في نفس الوقت، يقود إحدى أخطر عصابات القتل والنَّهب الوالغة في أحطِّ وأقذر صنوف العمليَّات الإجراميَّة في الخرطوم، ما يلقي بمسؤوليَّة جسيمة على قادة الحركة، خصوصاً صديقي ياسر عرمان الذي تهمُّني سمعته، فأتوقَّع ألا يستهين بعواقب ما يجري تداوله، حاليَّاً، بل و«استثماره»، من كلام ضارٍّ بشأن حقيقة المكانة القياديَّة التي يُقال إن «كارا» كان يتبوَّأها في الحركة! واستطراداً أرجو أن يسمح لي ياسر بأن أنصحه، أيضاً، باتِّخاذ موقف أكثر وضوحاً من تصريحات رئيسه مالك عقار الذي ما ينفكُّ حجره يغطس كلَّ يوم في أنظار ملايين الشَّباب مِمَّن يتصدُّون للاستشهاد بصدور عارية، دفاعاً عن الحريَّة والسَّلام والعدالة، بينما هو لا يكفُّ عن شتمهم والتَّباذؤ عليهم كبوق من ماركة «صوت سيِّده» تابع للجنة البشير الأمنيَّة! .
المفارقة الثَّانية: تتَّصل بما يُقال عن حرص «كارا» الدَّائم، أوان حياته، على الظهور بمظهر «الورع والتَّقوى!» رغم سمعته الإجراميَّة الغارقة في الطين، والوحل، والقذارة، وكلِّ ما اشتُهر به من قسوة لا تعرف الرَّحمة في ارتكاب جرائمه، والتَّعامل مع ضحاياه! ففي كلمة استقصائيَّة أفادت محرِّرة الحوادث النَّشطة هاجر سليمان بأنه مشهود له بقيام الليل، وأداء الصَّلوات في مواقيتها، وترتيل القرآن بصوت رخيم، وصيام يومي الاثنين والخميس من كلِّ أسبوع، وما إلى ذلك (الانتباهة؛ 18 مايو 2022م).
فضُّ المفارقة الأولى لا يكون بغير إدراك أن الانتماء الشَّكلي لمؤسَّسة نضاليَّة، مهما عظم شأنها، وتسامت قيمها المعلنة، لا يكفي ستاراً لإخفاء المباذل الشَّخصيَّة لأصحاب هذا الانتماء إن وُجدت! أمَّا فضُّ المفارقة الثَّانية فليس بعيداً عن فضِّ مثيلاتها لدى «تجار الدِّين»، مِمَّن لا يعدو حرصهم على مظاهر «الورع والتَّقوى» محض الاستثمار لهذه القيم في إصابة مآرب شخصيَّة! .

الأحد
اشتهر الإمام الشَّعبي، عليه رحمة الله ورضوانه، بخفَّة الظلِّ، وكذلك فتاواه. وحدث أن استفتاه رجل في مسألة طلاق بقوله:
«تزوَّجتُ امرأةً فوجدتها عرجاء .. فهل لي أن أطلِّقها»؟!
فأفتى له الشَّعبي قائلاً:
«إن كنتَ تزوجتَها، أصلاً، كي تسابقَ بها .. فطلِّقها»! .

[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.