سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



باسكال كينيارد: الرواية والتاريخ
نشر في الراكوبة يوم 01 - 11 - 2012

كثيرا ما تثير الرواية التاريخية الغبار في وجه الدارسين، والنقاد، وتتناسل الأسئلة بعضها من بعض، فما هي الرواية التاريخية؟ وما علاقتها بالتاريخ ؟
وما الأسلوب النموذجي الذي ينبغي للمؤلف اتباعه في كتابة رواية تتخذ من التاريخ فضاءً تحل فيه؟ وما موقف القارئ من الحوادث التاريخية المندرجة في سياق المحكيّ الخيالي؟ وهل عليه أن يعود من حين لآخر لما يتوافر لدية من وثائق ليتأكد من صحة ما يروى، أم عليه أن يتخطى ذلك، ويعدُّ المحكيّ الخيالي شيئا لا علاقة له بالتاريخ؟ هذه الأسئلة قلما تظهر في أثناء قراءتنا لرواية باسكال كينيارد Pascal Quignard الذي يقدم لنا فيها نموذجا يجيب فيه عن بعض هاتيك الأسئلة إجابات جديدة تمثل موقفا معرفيا من علاقة الرواية من حيث هي متخيل سردي بالتاريخ من حيث هو بناء معرفي.
وكاتب هذه الرواية شاعرٌ، وقاصّ، وروائيّ، وقد نشر روايات عدة، وفاز بجائزة غونكور 2002وهي ابرز جوائز الأدب بباريس، وترجمت روايته فيلا آماليا للعربية، ترجمها محمد المزيودي وصدرت عن المجلس الوطني للثقافة في الكويت في سلسلة الإبداعات(2012) ونشر منها فصلان اثنان في العدد 66 من مجلة نزوى العمانية في ربيع 2011 وله من الروايات : (كارس) و( أقراص شمشاد ) و( صالون ورتمبورغ) و( أدراج شامبورد) أما روايته هذه ' كل أصباح العالم ' Tous les matins du monde أو All the Worlds Mornings فكانت قد فازت بجائزة لانغ دو فرانس 1991 وترجمتها إلى اللغة العربية هالة صلاح الدين لولو، وصدرت عن دار ورد للنشر في دمشق. وهي رواية شقت طريقها إلى الشاشة الكبيرة بفضل المخرج الفرنسي آلان كورنو Alain Corneau فازدادت شعبية الكاتب، وارتفعت أرقام مبيعات رواياته على الرغم من صعوبتها، وتدني مبيعاتها، إذا قيست بروايات أخرى أكثر رواجًا، وأكثر سيرورة.
والرواية التي نحن بصدد الحديث عنها - ها هنا- يمكن أن توصَفَ بأنها رواية تاريخية على الرغم من أن التاريخ لم يفرض عليها فرضًا مثلما هي الحالُ في روايات أخرى. ومما يشجع على إدراجها في عداد الروايات التاريخية أن بطل هذه الرواية، وهو دو سانت كولمب إنسان حقيقيّ، له حضورهُ التاريخي، فهو المنسنيور دو سانت كولمب de sainte- colembe الذي عاش في موطنه فرنسا بين عامي 1640 و 1700 وهو موسيقي وعازفُ فيولين violist وكان قد عاصر الحقبة الذهبية من حكم لويس الرابع عشر الذي نيف عهدُه على الخمسين عاما من 1661- 1715 وورد ذكرُه في متن الرواية غيْر مرة (ص16و19).
علاوة على هذا، ثمَّة إشارات متعدِّدة لمدرسة تربوية، وفلسفية عقلانية، عرفت باسم بور- رويال (ص22) أي نبلاء البلاط Port Royal ومن أشهر علمائها المهتمين بالجوانب التربوية والعقلية أنطوان آرنولد، وبيير نيكول. وتأثر بهذه المدرسة، بلْ التحق بها- بكلمة أدق - الشاعر المسرحي الكلاسيكي جان راسين Racine (1639- 1699) الذي نبغ في كتابة المسرحيات التراجيدية، والكوميدية، وكان منافسًا لموليير Moliere وكورني Corneille ومن أشهر أعماله التراجيدية فيدرا، وأندروماك، وبيرنيس، ومن الكوميديا مهزلة' المتخاصمون' وبسبب مسرحيته ' فيدرا ' اتُّهم بالفجور، واعتزل المسرح، ولقب بمؤرخ البلاط. وقد ورد ذكره في الرواية مرارا(ص64). وباستثناء هذه الإشارات لا نجد في الرواية ما يوحي بأنها رواية تاريخية، بمعنى أن الحوادث التي تقع فيها، وتجري، ويسردها للمرويّ له ساردٌ عليمٌ، ليست مما يمكن العثور عليه في أحد المراجع التاريخية، ليتأكد القارئُ من صدق الحكاية، ومن أن الزمن الذي وقعت فيه، وجرت، تم تحديده تحديدًا غير مشكوك فيه. لهذا تحوَّلَ التاريخ في هذه الرواية إلى مُتخيّل سردي لا علاقة له بالمدونات التي ينبغي للكاتب أو للقارئ كليهما التأكد من صحّة حدوثها، ومن سلامة الروايات التي تحدثت عنها، أو سردت ما فيها من مجرياتٍ، ووقائع.
ومعنى ذلك أنَّ باسكال كينيارد اتخذ من التاريخ (القرن السابع عشر) فضاءً، وإطارًا، يكتنفان الحوادث، ويحيطان بالوقائع. فهو يشيرُ، مَثلا، في مَسْعاهُ لتحرير التاريخ من تاريخيَّته، لوفاة السيّدة دو سانت كولمب، زوجة البطل الموسيقي، فيذكر أنها كانت سنة 1650 تاركة وراءها طفلتين هما مادلين الكبرى، وتوانيت. مع أنّ كولمب فيما تذكر أخبارُهُ عاش بين سنتي 1640 و1700 أي أنه لم يكن قد تجاوز عام 1650 السنة العاشرة من عمره. وهذا شيءٌ يلقي الضوء على تحكم الكاتب المبدع بالتاريخ، فهو لا يُذْعِنُ لأحكامه الصارمة، لا سيما فيما يتعلق بالزمن. أي أنّ بطل الرواية لا حظّ له من شخصية المنسنيور المذكور سوى الاسم، وأنه موسيقي، عدا عن ذلك فهو من اخْتراع الكاتب.
على أنّ الأجواء التي تحيطُ بكولمب، من حيث هو بطل للرواية، ترجع بالقارئ إلى زمن موغل في الماضي، عندما لم تكنْ الطرقاتُ مرْصوفة في باريس، ولا مُعبّدة، ويتنقل الناس بين القرى، والمُدن، مشيًا على الأقدام، إذ لم تكن تتوافر العربات المجرورة إلا للبورجوازيين. أمّا تقصي الكاتب لطقوس الحياة اليومية في الكوخ الذي يقيم فيه على ضفة نهر بييفر، غير بعيد من جسر دوفين، فهو يؤكد أنها تمثلُ، على الأرجح، حياة إنسان أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى، يُمْضي الوقت بالعزف، وتعليم الموسيقى لليافعين، والتسلية بلعِبِ الوَرَق، ومن حين لآخر يتمشى تحت أشْجار الصفصاف، أو في القارب العتيق الذي يحتفظ بهِ منْذ أمَدْ بعيدٍ. ولأنَّ كولمب هذا يؤلفُ مقطوعاتٍ موسيقية مؤثرة فيمن يتذوقون الموسيقى، لا سيما بعد وفاة زوجته التي هي الحبُّ الأول، والوحيد في حياته، ومن تلك المقطوعات مقطوعة ' مثوى الحَسَرات ' فقد لمَعَ صيته، وطبقت شهرته الآفاق، ووصل ذِكرُهُ إلى مسامع لويس الرابع عشر، فأحب أن يصغي إليه في القصر، وأن يكون واحدا من موسيقيّي البلاط ليغدق عليه من المال ما يرتقي به إلى مستوى الميسورين. فأنفذ إليه اثنين من موظفي القصر لاستحضاره، وهنا تتجلى المفارقة؛ فالموسيقي (الأيّم) لم يستقبلْ موفدي الملك لويس الرابع عشر بما يليق، بل أحمرَّ وجهُه عند سماعه العرض، كما لو أنه أهين، ورفض رفضًا قاطعًا أنْ يكون مُهرِّجًا في البلاط، فالموسيقى في نظرهِ أسْمى، وأجلّ، من أن تُمْتَهَنْ، وتتخذ وسيلة كسْبٍ رخيص، كالذي عرَضاه، ' فألواح الخشب الرماديّة- إشارة للكوخ والمرْكَب وشجرة التوت، ورنين الأوتار السبعة المشدودة على الفيولين، وابنتاه، وموْضعُ الذكريات، واشجار الحور والصفصاف، والماء الرقراق، هذا هو بلاطه، وهو لا يستبدل به البلاط الذي في قصر فرساي. ' ص 17
تلك الزيارة، وما جرى فيها من حوار، حفزت الملك لويس الرابع عشر لتكرار المحاولة، ولكنه في هذه المرة أنفذ إليه مع الموسيقيّ أحد رجال الدين، وهو الكاهن ماتيو ظنا منه أن للكاهن من التأثير فيه ما ليس لغيره. وتكرَّرَ عنادُ الموسقي، وخاطب الموفدَيْن بالقول: ' إن قصركم المنيف لا يضاهي كوخيَ الحقيرَ هذا '. وشبه الكاهن ومن معه من رجالات البلاط ' بالغرقى الذين يريدون جرَّ الآخرين معهم للغرق '. ص 21 وراجت إشاعة بعد ذلك أن الموسيقي من العُصاة المتمرّدين، وقد يكون من جماعة البور- رويال . وإذًا، يقف الفنان على مسافة كبيرة من السلطة، فمصدر شهرته هو موسيقاه لا دعم الملك، أو البلاط، ومقطوعة ' مثوى الحسرات ' هي التي تذكره بالماضي عندما كان ينعم بدفء الزوجة التي تظهر له فجأة وهو يداعب أوتار الفيولين، وتجلسُ على مقربة من المائدة التي وضعتْ عليْها قارورة نبيذ، وقطْعَة منَ الحَلوى. وتطلبُ منه أن يستمرَّ في العزف، وهي تُصْغي لصَوْت الموسيقى، وعندما ينتهي ويمدّ يدهُ لتناول الكأس يكتشف أنه نصف فارغ، وأنّ الحلوى قد قُضِمَ منها شَطْر. أكانتْ حيَّة ؟ سؤال يطنُّ في أذنيه طنين الأجراس. تتكرر زيارة الزوجة المتوفاة مرارًا (ص35)، وفي كل مرة تستثير شجونه، وأحزانه، ثم تختفي، فهو، إذًا، يعيشُ معَ زوْجتهِ المتوفّاة، وابنتيه المراهقتين.
تلكَ هي حبكة الرواية الرئيسَة؛ الصراع بين الفن الحقيقي والفن المُدجَّن، بين الحياة الحقيقية والحياة مع الموتى. وثمة حبكة أخرى في موازاة هذه الحبكة. فمجيءُ ماران ماريه- ابن السبعة عشرة- ليتعلم من كولمب العزف على الفيولين أثار الركود الذي ران على الكوخ من سنوات، فقد امتحن كولمب الفتى فرآه لا يصلح أنْ يكون عازفًا، أو موسيقيًا، أو تلميذًا (ص33)، لا لأنه غيْر موهوب، ولكن لأنه يتغيا من الموسيقى الاقترابَ من الملك لويس الرابع عشر، وأن يكون من موسيقيّي البلاط. وذلك ما يتنافى مع مبدأ استقلال الفنّ عن السلطة. وهو المبدأ الذي يدينُ به كولمب، ويؤمن. ومن العَجيب أنّ الأبَ يلفُظُ الفتى، ويرفضه، رفضًا باتا وقاطعًا، فيما تتمسك به ابنتاهُ، الكبرى تستلطفه لكوْنها لمْ تعْرفْ شابًا غيره، والأخرى توانيت تراوده عن نفسه مراودة امرأة العزيز لفتاها الذي شغَفَ قلبَها حبًا، وتبعا لذلك سرعان ما أصبح عشيق الأختين، فتتبادلان القبلات معه في خفيةٍ عن الأب، وفي خفيةٍ عنْ بعْضهما، وتنتهي الأمورُ بمادلين بجنين يولد ميتا(ص63). ولكيْ نرى الفارق بين الأب والفتاتين من ماران نذكر الحادثة التي كشفتْ عن أن مارييه يحاول أن يتعلم العزف من البنتين، فاستشاط الأب غضبًا، وحطَّم الفيولين (ص49) مخاطبًا الفتى في سورة انفعاله، وغضبه، الشديد: ' اسْمع يا سيد. آهات النحيب التي ينتزعها الألم انتزاعًا من صدر ابنتيّ أقرب إلى الموسيقى من الأنغام التي تعزفها أنت. اترك الساحة، ولا تعد إليها قط. فأنتَ بهْلوانٌ عظيم الشأن، لكنك موسيقيّ لا شأن له، ولا يعدو حَجْمُه حجْمَ خوخة، أو خُنفساء، ينبغي لك أن تعزف في قَصْر فرساي. ' ص50
يتنبأ دو سانت كولمب بكلماته تلك بالحدث التالي، فقد تولى ماريه، الذي لم يتجاوز العشرين بعد، منصب موسيقيّ الملك ص51 وتعليقًا على رغبة ماريه في الزواج من مادلين يقول كولمب: ' لا أدري إن كنت سأزوجك ابنتي. لا شك أنك رجل ذو مركز يدرّ دخلا جيدًا. وتعيش في قصر يحبُّ ملكُهُ الألحان. لكنْ سيّانَ عندي أن يعرض امرؤ فنه في قصر منيف، أو في كوخ حقير، تهتز فوقه أغصان شجرة التوت، وبالنسبة لي، هناك ما هو أكثر من الأنامل، والأذن، والمقطوعة الموسيقية، والفنّ.. إنه الهوى الذي أعيش. ' ص 53 هما نقيضان إذًا، عازفٌ يريد أنْ يوظف موسيقاهُ لإمتاع الملك، وموسيقار يريد التعبير عن هواه، أي عن شعوره الفياض، والمفعم، بالحب.
وقد راوغ ماريه بدوره الذي يشبه دوْرَ سائس الخيول، وهو يهم بترويض الجواد الجامح، فيحاول أن يتسلل خفية للكوخ بعد أن علم بما لدى كولمب من مؤلفات موسيقية مثيرة لم يَسْمعْ بها أحد، إلا أن السيد كولمبْ لم يقعْ في الفخ، ومع ذلك لم يبلغ اليأس مبلغه من ماريه، وعلى الرغم من الجفْوة التي باعدَتْ بينه وبين الأسرة ردَحًا من الزمن تزوَّج فيه من امرأة أخرى، إلا أنه ظل يتحَيَّنُ الفرصة للحصول على أنواط القطع الموسيقية السرية لهذا الموسيقار العجيب. وحانت الفرصة عندما طلبت مادلين، وهي تحتضر، أنْ يأتي ليعزفَ لها قطعة ' الحالمة '، وهي القطعة التي طالما عزفها عندما كانا يخلوان ويمارسان الحب. كانت مادلينُ تحبه حبًا صادقا فيما هو يداجي، ويخادع، باحثا عن التسلية لا غير. وفي مشهد متوتر يتناول ماريه الفيولين ويعزف المقطوعة (الحالمة) لكنّ هذا العزف كانَ آخر عهدها بالحياة ، فبعد مغادرته الكوخ ماتت منتحرة بأنشوطة صنعتها بنفسها من أحزمة السرير. وما هي إلا أيام حتى كان ماريه في طريقه للكوخ بناءً على استدعاء السيد كولمب، فكان درسه الأخير له هو أن الموسيقى أكبر من الملوك، وأكبر من المَجد، وأكبر من التعبير، وأغلى من الذهب، وأرقّ من الحبّ، وأطهرُ من الحَسْرة، وأكثر ألمًا من الهَجْر، وأكثر حلاوةً من الحلوى، التي تقدَّم لشخص غير مرئي- في إشارة لزوجته المتوفاة- وإنما هي تنهُّداتٌ أولئك الذين يُعْوزُهُمُ البيان، وهي مناغاة الأطفال، وضرباتُ الإسْكافي (ص83)، وأخيرًا يدعوهُ ليُسمعَه المقطوعتين السرّيتين، وهما ' الدموع ' و ' قاربُ الموْت ' وفي اللحظات التي يعلو فيها صوتُ الموسيقى تتلاقى أنظارُهما فإذا هما يبكيان، ولم يعد ماريه لقصر فرساي إلا معَ بزوغ الفجر. في العبارة الأخيرة ' مع بزوغ الفَجْر ' غموضٌ يُسبغ على الأثر كلّهُ ما يمكن أن يوصف بطابع انعدام التحديد، أو اليقين. فهل توفي كولمب؟ ثمة ما يشير لذلك، فقد سمعه ماران وهو يهمسُ لنفْسه قبل أن يدلفَ الكوخ قائلا: ' آه. إني لا أخاطبُ إلا ظلالا غدتْ اليوم جدَّ هرمة. ولم تعد تتحوَّلُ عن مكانها. آهٍ لو أنّ في هذا العالم أحدًا غيري يتذوّق الموسيقى. إذًا لكلمته، وعهدتُ له بها، وعنئذ أستطيع أنْ ألفظ أنفاسيَ الأخيرة. ' ص 82
فبهذهِ العبارات يكون الكاتبُ قد أوحى إيحاءً غير مباشر بأنّ ماران هو منْ سيعهد إليه بأسرارهِ بوَصْفهِ آخر من يتذوَّقون الموسيقى، ويقدرونها حقَّ قدرها، بعد أن أبدى ما أبداهُ منْ حرْص شغوفٍ، وولع يصل حدّ الهوس بالألحان الخفيّة لكولمب، وفي مقدمتها مثوى الحسرات، ودموع، وقارب الموت.
إذا تخطينا سؤال العلاقة المتوترة بين الفن- الموسيقى والسلطة الملك لويس الرابع عشر، والبلاط ، وهي الفكرة الأساسيّة التي تدور حولها الرواية، وتجاوزنا الفهم الدقيق لطبيعة الفنّ، مثلما أفاض في الحديث عنها كولمب لماريه، والفارق بين الحبّ الحقيقي الذي يتمثل في عشق مادلين لموسيقيّ المَلِك، وهيام كولمب بزوْجته المتوفاة، مقابل الخداع والمُداجاة اللذين اتصف بهما ماريه في علاقته الغرامية بكل من مادلين، وتوانيت، إذا تجاوزنا ذلك كلّه، وَواجهنا السؤال الذي طرحناه عن النمط الذي تمثله الرواية في السياق النوعي لعلاقة الرواية بالتاريخ، لاحظنا أنّ الكاتب لا يتعمَّد اللجوء لمدونة تاريخيةٍ ما، يحيلنا إليها على النحو الذي نجده في ليون الأفريقي لأمين معلوف (ظلال وأصداء ص 134- 141)، أو في المخطوط القرمزي لأنطونيو غالا الإسباني( السابق ص 118- 126)، وقد أسْعفَه في هذا اعتمادُهُ القويُّ على السرد المكثف في الرواية؛ فالإفراط في الإيجاز الذي يبلغُ دَرَجَة الشحّ أغناهُ عن التطرق لحوادث تاريخية وقعت في الحقبة التي تمتد من العام 1650 إلى العام 1689 وهو العام الذي أوحى لنا فيه إيحاءً غير مُباشر بنهاية حياة الموسيقي كولمب. فالكثيرُ من الروائيّين الذين يكتبون روايات تاريخية يظنّون أنَّ من واجب الكاتب أن يُلقي الضوء على الحوادث التي جرت في الحقبة التي تشملها الرواية، فتتكدَّس المجريات وتتنوع الشخصيات، وتكثرُ الأمكنة، مما يوقع القارئ في ملابساتِ التأكد من أنّ هذا السرد التخييلي يعكس الحقيقة التاريخية أمْ لا، وما إذا كان يمثل زيادة تؤدي لانتفاخ النص، مثل بالون كبير، رغم أن الحبكة لا تتطلب مثل ذاك الانتفاخ الذي نجده في رواية البيت الأندلسي لواسيني الأعرج. وقلما يتمكن الكاتب من رصد الحوادث التاريخية رصدًا دقيقًا من غير فجوة هنا، وثغرة هناك، أما باسكال كينيارد فقد تخلص من هذا كله بفضل التكثيف الذي انماز به مُتخيّله السردي. فهو تكنيك أمْلى عليه - من جانبٍ آخر - تقليلَ عدَد الشخوص، وعدم الإسراف في رسم ملامح الشخصيات النادرة التي ظهرت على نحو أو آخر، فمعرفتنا بالشخوص معدومة، أو شبه مَعْدومة، باستثناء كولمب، وماران ماريه. فما الذي نعْرفُه عن مادلين، وتوانيت، سوى أنهما ابنتا كولمب، وتعزفان، وتحبان الموسيقى، وتولعَان بماريه. وما الذي نعرفه عن زوج البطل المتوفاة؟ لا شيء إلا ما كان منها من حبّ للموسيقى. وما الذي عرفناه في الرواية عن الكاهن ماتيو، وعن الموظف في البلاط كونيه، وعن هذا أو ذاك من الإسكافي، إلى صانع الآلالات الموسيقية، إلى الرسام الذي أنجز للبطل لوحة تظهر فيها زوجته المتوفاة؟ وهذا أضفى بصورة من الصور أهمية قصوى على شخصية كولمب، ووضعه في دائرة الاهتمام، وفي بؤرة الأضواء التي تسلط على محكيّ الرواية، فهو ضرْبٌ من التبئيرfocalization لا يشاطرُه فيه سوى ماريه الذي يعد من باب التبئير الثانوي، فكلّ ما قيل عن ماريه جاء من أجل الوضوح المطلوب في ملامح كولمب، وتعميق تلك الملامح، والخطوط، وإظهار الظلال، مع الأحوال النفسية، والعصبية، لهذا الفنان العاشق للموسيقى، أي أنَّ جُلَّ ما في الرواية من تفاصيل على ما فيها من التكثيف، وُظف في بلورة شخصية الموسيقيّ الغريب دو سانت كولمب، ونهايته المحتومة. فلم يفرضْ التاريخ على هذه الرواية إذًا، ولم يكتفِ الكاتبُ بإعادة قراءة التاريخ وتدوينه بأسلوبٍ سرْديّ يتقيد فيه بمحتواه المعْرفيّ، ولكنَّ التاريخ يمثل طيفًا يتراءى خلال قراءتنا لها من بعيدٍ، كنغمة موسيقية خافتة تظهر من حين لآخر في قطعة تحتوى عشرات، إن لم نقل، مئات النغمات، التي تصرفُ الانتباه عن تلك النغمة المتكررة الآتية من بعيد.
بهذا المفْهوم تعدّ رواية باسكال كينيارد هذه مثالا للرواية التاريخية التي لا تتناول التاريخ تناولا مُباشرًا، وإنما تكتفي منه بالقليل الذي يكفي ليُضْفيَ على النصّ صفة الإيحاء بالماضي، بدلا من الواقع، وإنْ كانتْ - في حقيقة الأمْر - روايَةً تصِفُ الواقعَ، وما فيهِ منْ توتُّر، وصراع، من خيانةٍ وخداع، من موْت وحياة، باعتبارهِ - مَجازيًا - من إرْثِ الماضي.
القدس العربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.