رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: جرد الحساب في إحالة العميد طبيب طارق كجاب    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    مقربون من محمد صلاح يرجحون وجهته القادمة.. إيطاليا أو أميركا؟    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التكتل الأوربي: رؤية تحليلية للدور والتداعيات في المشهد الدولي عقب نفاذ اتفاقية لشبونة
نشر في الصحافة يوم 27 - 02 - 2010

فى اليوم الاول من شهر ديسمبر 2009 اى قبل اسبوع من الآن دخلت اتفاقية لشبونة حيز التنفيذ، بعد ان صادقت عليها جميع الدول الأعضاء فى الاتحاد الاوربى «سبع وعشرون دولة» كانت آخرها جمهورية الشيك، وبهذا يكون التكتل الاوربى قد اكمل آخر مراحل عملية التحول التدريجي، من تكتل اقليمى الى تكتل يطمح فى لعب دور متعاظم فى المشهد الدولى ومواجهة التحديات الدولية الراهنة بمنهج اكثر طموحا ونفوذا وتماسكا وتنسيقا على مستوى السياسة الخارجية، وعن طريق الضغط من خلال آليات التعاون التنموى والمساعدات الدولية الرسمية، لتمرير سياساته ومبادئه وقيمه فى مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد وسيادة القانون.
اتفاقية لشبونة التى تم التوقيع عليها بواسطة رؤساء حكومات دول الاتحاد الاوربى ال «27» فى عام 2007م وتمت المصادقة عليها فى نوفمبر 2009م ودخلت حيز التنفيذ فى مطلع ديسمبر 2009م، شملت تعديلا فى جوهر وظائف التكتل ضمن الاتفاقيات السابقة المؤسسة للتجمع الاوربى خاصة اتفاقية امستردام ونيس. وتجىء الاتفاقية لتضخ قوة دفع جديدة فى وظائف الاتحاد الاوربى وتفعيل دوره، والعمل على تحديثه واصلاحه للعب دور اكثر طموحا فى المشهد الدولى.
ولتأمين لعب ذلك الدور بفاعلية مع الشركاء الآخرين، رسمت الاتفاقية هيكلا قياديا واسع الصلاحيات بقواعد راسخة فى اتخاذ القرار خاصة فى مجال السياسة الخارجية والدفاعية والامنية، ورئاسة تتعدى الفترة الحالية الى عامين ونصف بسلطات ونفوذ كبير، لاحداث ذلك التغيير وبمؤسسة قائمة بذاتها ممثلة فى مجلس الاتحاد الاوربى الذى يداوم فيه رئيسه بشكل دائم عكس ما كان سابقا، اذ كان دور الرئاسه تنسيقيا فقط وبشكل تعاقبى فترة ستة اشهر للرئاسة لكل دولة من الدول الاعضاء. وقد وضعت الاتفاقية فى أعلى هرم التكتل موقعين قياديين مهمين لادارة دفة التكتل، موقع رئيس المجلس الاوربى الذى اختير له رئيس وزراء بلجيكا السيد/هيرمان فان رومبى بنفوذ وحراك دبلوماسى كبير بتنسيق اكبر على مستويات مختلفة خارجيا مع مفوضيات الاتحاد الاوربى التى سوف تلعب بعد فترة سريان الاتفاقية دورا محوريا بتكامل وتنسيق كبير مع بعثات الدول الاعضاء فى الاتحاد الاوربى لتنفيذ تلك السياسة، خاصة فى مجال التعاون التنموى والمحور التجارى القضايا الأكثر حساسية واهمية بالنسبة للدول النامية والاقل نموا، ثم موقع الممثل الاعلى للشؤون الخارجية والسياسة الامنية للاتحاد الاوربى الذى عينت فيه البارونة كاثرين اشتون «بريطانية» التى كانت تشغل منصب المفوض التجارى بالمفوضية الاوربية.
الدور التصالحي لبلجيكا هو الامتياز لنيل رئاسة التكتل:
كانت بريطانيا وبعض الدول الاوربية تفضل أن يكون الشخص المرشح للرئاسة ذا قدرات سياسية كبيرة لاحداث تغيير جوهرى فى دوائر الفعل العالمى، وكانت حظوظ تونى بلير هى الاوفر، الا ان ترشيحه واجهته عدة مشاكل ابرزها دعمه ودوره فى حرب العراق، ورفضه من قبل اليسار الاوربى، فضلا عن انه لم يجد السند والدعم من كل من الرئيس الفرنسى ساركوزى والمستشارة الالمانية انغلا ميركل، وهذا ما زاد من حظوظ رئيس وزراء بلجيكا هيرمان فان رومبى الذى تم الرجوع اليه باعتباره خيارا توافقياً، إذ لم يكن ذلك الشخص ذا الوزن والنفوذ السياسى من بين المرشحين ولا حتى لثقل بلجيكا السياسى. ومن بين الاسباب فى اختيار رئيس الوزراء البلجيكى دوره الكبير فى توحيد بلجيكا بعد الازمة السياسية التى كادت تعصف بها وتحيلها لاكثر من دولة، نتيجة محاولة استقلال الاقليم الفلامنكى عن بلجيكا التى حينها استقالت الحكومة البلجيكية السابقة واصبحت بلجيكا بلا حكومة لمدة ستة اشهر خلال عام 2008م، فقط كانت تحكمها المؤسسات والتكنغراط كأروع مثال لحكم المؤسسات المدنية فى النظم الديمقراطية المستقرة. وفى نهاية ديسمبر 2008 طلب ملك بلجيكا البرت الثانى من هيرمان فان رومبى تشكيل حكومة جديدة وقبول منصب رئيس الوزراء، باعتباره من الشخصيات الوطنية المتصالحة. وحينها قبل رومبى الموقع رئيسا لوزراء بلجيكا من الفترة 30/12/2008 حتى 30/11/ 2009م، داعما لوحدة بلجيكا من الانزلاق نحو التشظى. وقد قدرت الدول الاوربية خاصة فرنسا والمانيا هذا الدور الذى استطاع فيه رومبى العمل على وحدة وتماسك بلجيكا وبقاء التكتل موحدا، وكانت ابلغ رسالة هى الإصرار على عدم تشظى التكتل الاوربى وجعله نموذجا للتوحد والانصهار. فهل يمكن أن يكون هذا الدرس ذا دلالة وبلادنا اليوم تتجاذبها العواصف من كل حدب والسفينة تبحر نحو الاستقرار، ويابسة الوحدة التى يعلق عليها كل وطنى غيور آمال التوحد والتعايش والسلم والامان من اجل سودان قوي يسع الجميع بدون فوارق وتمييز؟
تسييس التعاون التنموي وتداعياته على الدول النامية:
استبق دخول الاتفاقية حيز التنفيذ جدل واسع حول دور الاتحاد الاوربى فى المشهد الدولى، وتداعيات اتفاقية لشبونة على الدول النامية ومجموعة الدول الافريقية الكاريبية الباسفيكية التى تعرف بمجموعة ال ACP التى ترتبط مع الاتحاد الاوربى وفق اتفاقية شراكة كوتونو، وقاد تنظيم تلك الفعاليات مراكز البحوث والاستراتيجيات «وأوعية الرأى» والمعاهد المتخصصة الاوربية فى بروكسل، وشارك كاتب المقال فى العديد منها، وحينها عبرنا عن مخاوفنا بشأن تسييس التعاون التنموى والمساعدات التنموية الدولية، وكان ذلك من خلال ورش العمل وجلسات الاستماع والسمنارات، ومن بين المؤسسات المعهد الاوربى للادارة العامة والمركز الاوربى لادارة سياسات التنمية الاكثر حراكا وسط دوائر اوعية الرأى الاوربى. وجاءت مخرجات تلك الورش مؤكدة على التداعيات السالبة جراء المصادقة وتنفيذ اتفاقية لشبونة على الدول النامية، وتحديدا دول مجموعة ال ACP خاصة الجانب المتعلق بالتعاون التنموى واتفاقيات التجارة، بعد أن حددت الاتفاقية فى مادتها رقم «208»: ان سياسة الاتحاد الاوربى فى مجال التعاون التنموى سوف تخضع لمبادئ واهداف السياسة الخارجية للاتحاد، اكثر من ذلك حددت الاتفاقية فى مادتها رقم «209» دورا تشريعيا وتنفيذيا واسعا للبرلمان والمجلس الاوربى للتدخل بوضع المعايير التشريعية والضوابط التى بموجبها تتم المصادقة على سياسات التعاون التنموى وتنفيذه. وهذا لم يكن موجودا ضمن اطار التعاون التنموى مع دول المجموعة سابقا، واستحدثته الاتفاقية كسياسة جديدة لتوجيه وتسييس التعاون التنموى، كما اكدت الاتفاقية على تكامل سياسات الاتحاد الاوربى فى مجال التعاون التنموى مع سياسات الدول الاعضاء فى تناغم تام يعزز كل الآخر، وهذا الوضع مؤكد لديه تداعيات خطيرة على دول مجموعة ال ACP خاصة أن اتفافية لشبونة اغفلت أية مرجعية لذكر اسم دول المجموعة الافريقية الكاريبية الباسفيكية، وبالتالى فإن أمر التعاون التنموى سوف يصبح خاضعا لتشريعات البرلمان الاوربى والبرلمانات الوطنية فى الدول الاعضاء فى الاتحاد الاوربى. وتباعا سوف تعمل الاتفاقية على تطبيق معايير جديدة بسقوف عالية للتعاون التنموى، خلاف ما نصت عليه اتفاقية شراكة كوتونو. وهذا بلا شك سوف تكون لديه تداعيات سالبة على دول المجموعة، بل وحرمانها من كل المزايا الخاصة والافضليات الممنوحة ضمن اتفاقية شراكة كوتونو، خاصة التمويل التنموى المخصص لكل دولة، وقياسه بتحقيق مطلوبات الاتحاد الاوربى فى قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان وسيادة القانون. وينتفى تماما مبدأ الشراكة المتساوية والادارة المشتركة للموارد التى اصلا كانت ضعيفة للغاية.
وكانت الصورة واضحة بالنسبة لدول المجموعة الافريقية الكاريبية الباسفيكية قبل المصادقة على اتفاقية لشبونة، فقد ظل القلق والتوجس يلازمان دول المجموعة منذ عام 2005م حتى طرح فكرة دمج موارد صندوق التنمية الاوربى فى الميزانية العامة للاتحاد الاوربى ما يسمى ب BUDGETIZATION التى تم رفضها فى كثير من المناسابات والاجتماعات الوزارية المشتركة بين دول المجموعة والاتحاد الاوربى، باعتبار ان هذا يقدح فى اهم مبادئ اتفاقية كوتونو، وهو الادارة المشتركة للموارد وبعدها عن اى جهاز تشريعى، باعتبار ان هذا ما نصَّت عليه الاتفاقية خوفا من تسييسها ووضع شروط ومطلوبات يصعب على دول المجموعة تحقيقها فى ظل الظروف الصعبة التى تمر بها تلك الدول، خاصة تأثير الأزمة المالية العالمية، ومع كل ذلك جاءت اتفاقية لشبونة لتمنح البرلمان قوة وفوق ذلك بسياسة تعمل على الربط المحكم بين الديمقراطية والدفاع والتنمية(3DS) كحزمة واحدة مطلوبة لتحقيق اهداف السياسة الخارجية، وان اية واحدة من تلك المبادئ تعزز الاخرى، بل حتى التعريف الذى هو اصلا مختلف عليه فى مفاهيم كثيرة سوف يتم تحديد معاييره وفقا للقيم الاوربية. واخيرا اصبحت سلطة البرلمان الاوربى هى الاساس فى عملية اتخاذ القرار بشأن التمويل المقدم من الاتحاد الاوربى، وسوف يتلاشى تماما دور صندوق التنمية الاوربى الآلية المعتمدة فى اتفاقية شراكة كوتونو.
وتقف ثلاثة اهداف رئيسة وراء الاتفاقية، اولها فاعلية وسرعة اتخاذ القرار، ثم مزيد من الديمقراطية من خلال دور متعاظم للبرلمان الاوربى والبرلمانات الوطنية فى الدول الاعضاء، وثالثها مزيد من التنسيق والتوحد والتماسك تجاه السياسة الخارجية للتكتل الاوربى على مستوى جميع دوله الاعضاء، وبهذا يتجه التكتل لربط اتخاذ القرار بالمؤسسات التشريعية فى تقارب كبير مع المؤسسات الامريكية، مثل ما ينحو مجلس الشيوخ الامريكى ودوره الكبير فى الرسم والاشراف على السياسة الخارجية والامنية للولايات المتحدة الاميركية. وقد منحت اتفاقية لشبونة البرلمان الاوربى سلطات جديدة، اذ تم ادخال «40» مجالا جديدا تجىء وفق قرارات مشتركة بين البرلمان الاوربى والمجلس الاوربى باعتباره منحى جديدا للقرار المشترك التشريعى والتنفيذى، وتركت للبرلمان الاوربى سلطة اتخاذ القرار، وكان القرار قبل اتفاقية لشبونة خاصة فى قضايا التعاون التنموى تقرر فيه لجنة صندوق التنمية الاوربى، ومن ثم تتم المصادقة عليه من المجلس الاوربى ويخطر فقط البرلمان الاوربى بذلك، الا ان هذا الوضع تم تعديله تماما. وتشمل المجالات الجديدة التى ادخلت، وهى من سلطة البرلمان الاوربى الزراعة، سياسات الطاقة، الهجرة والتمويل المقدم من الاتحاد الاوربى بما يشمل التعاون التنموى للدول النامية ودول المجموعة الافريقية الكاريبية الباسفيكية.
تعزيز الدبلوماسية المتعددة والحد من حراك العلاقات الثنائية:
عنصر مهم فى هذا التحول، هو انه نتيجة لهذا التغيير الكبير فإن قوة دفع العلاقات الثنائية BILATERAL RELATIONS لدول الاتحاد الاوربى سوف يحد من مفعولها، لتتقلب الدبلوماسية المتعددة للتكتل مع غالبية دول العالم، خاصة الدول النامية، وان قوة وحراك التكتل سوف يلقى بثقله الجديد للعب دور جديد فى المشهد الدولى وفق فعل خارجى وهيمنة على التعاون التنموى باعتبار ان التكتل يعد اكبر مانح دولى. وبالتأكيد فإن هذا الوضع سوف يقوى من آليات الدبلوماسية متعددة الاطراف التى تدور فى فلك التكتل الاوربى بطموح كبير لجعل صوته الاقوى من بين الشركاء الدوليين، مسنودا بأجهزة تشريعية وتنفيذية وقرار موحد وسياسة خارجية متماسكة ومتسقة، وقناة واحدة لاتخاذ القرار ممثلة فى الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الامنية التى هى ايضا نائب لرئيس المفوضية الاوربية الذراع التنفيذى للاتحاد الاوربى، فضلا عن رئيس المجلس الاوربى ذي الصلاحيات الواسعة الذى وضع تحت تصرفه خدمات واسعة من أجهزة الدبلوماسية الفاعلة والنشطة لخدمة اهداف دوائر الفعل الخارجى. وهذا التوجه سوف ينهى الخلاف فى كثير من الملفات الشائكة التى كانت محل انقسام بين دول الاتحاد الاوربى، وعلى رأس تلك الملفات ملف العلاقات مع روسيا وقضايا تغير المناخ والعولمة بما يشمل موضوع التجارة العالمية.
وفوق كل هذا التغيير لم يخف قادة الرأي ومنظمات المجتمع المدني الاوربية والنشطاء فى مجال التنمية، مخاوفهم الكبيرة، بل وتأمينهم على تسييس عملية التعاون التنموى والاستثمارات الخارجية المباشرة للدول النامية التى سوف تربط ربطا محكما بأهداف السياسة الخارجية، وتدخل البرلمان والمجلس الاوربى فى تحديد التشريعات والضوابط القانونية بشأن تمويل التعاون التنموى.
الحوار السياسي في اتفاق شراكة كوتونو هو الخيط الرابط:
فى تقديرنا ان اتفاق شراكة كوتونو لم يتبق فيه غير محور الحوار السياسى بين دول المجموعة والاتحاد الاوربى، باعتباره أحد العناصر الثلاثة التى تشكل اركان هذه الاتفاقية التى تشمل محور القضايا السياسية بما فيها الحوار السياسى ومحور تمويل التنمية والمحور التجارى. وبعد التعديلات الجوهرية التى أحدثتها اتفاقية لشبونة من آليات وتشريعات فى مجال التعاون التنموى، يصبح تأثير هذا المحور ضعيفا ومن طرف واحد UNILATERAL، اما المحور الثالث فهو المحور التجارى المتمثل فى اتفاقية الشراكة الاقتصادية والافضليات التجارية التى يتيحها الاتحاد الاوربى لدول المجموعة، وهذا المحور سوف ينتهى بالتوقيع على اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين دول المجموعة والاتحاد الاوربى التى بموجبها تنتهى فترة السماح الممنوحة لدول المجموعة من قبل منظمة التجارة العالمية. وفوق ذلك يظل الوضع معقدا فى ظل عدم الوصول لاتفاق وختام المفاوضات بشأن اتفاقية الشراكة الاقتصادية التى أفرزت تقسيمات اقليمية وتباعداً بين الجانبين تسبب فيها الجانب الاوربى بالضغط على كثير من الدول بالتوقيع على الاطار الانتقالى للشراكة حتى لا تتضرر منتجاتها من النفاذ للاسواق الاوربية، وحاليا الوضع شبه مجمد بسبب القضايا التجارية الخلافية، وعلى رأسها محور التنمية الذى تصر عليه دول المجموعة.
وبرزت عدة اسئلة حول جدوى المفاوضات الجارية بشأن المراجعة الثانية لاتفاقية شراكة كوتونو فى ظل هذا التغيير الشامل، خاصة فى اهم محور وهو التعاون التنموى الذى سوف يتم على مراحل وبالتدرج، ولازالت الصورة ضبابية بشأن مستقبل صندوق التنمية الاوربى ضمن إطار اتفاقية كوتونو. وسؤال آخر ماذا يضير المجموعة فى إعادة النظر حول رؤيتها بشأن مستقبلها والبحث عن الخيارات التى سبق أن وضعتها الدراسة العميقة التى تمت فى عام 2007م، للعب دور فاعل ومؤثر فى المشهد الدولى. وبعد لشبونة باعتبارها ورقة ضغط للتكتل الاوربى فى البحث عن توسيع الشراكة مع لاعبين آخرين، كانت الصين واليابان على طاولة البحث، وعندها لم يخف الاتحاد الاوربى قلقه الكبير للبدائل التى وضعتها المجموعة.
وفى تقديرى أن شعرة الحوار السياسى بين دول مجموعة ال ACP والاتحاد الاوربى، سوف تظل هى الاهم فى هذه المرحلة التى يتشكل فيها العالم، خاصة على مستوى المجموعة الافريقية التى تشهد العلاقات بينها والاتحاد الاوربى تقاربا كبيرا ومحاولات من التكتل الأوربى لتقوية مؤسساته وهياكله، للعب دور كبير فى القارة الافريقية والحد من الصراعات والحروب، ولا يخفى علينا اهتمام الاتحاد الاوربى المتزايد باقليم القرن الافريقى، والدور الكبير الذى يعوِّل عليه السودان فى لعب دور فى منطقة القرن الافريقى وافريقيا، ضمن منظومة دول ال ACP التي هي فى حاجة لتمتين علاقاتها مع اوربا والحفاظ على الشراكة القائمة باعتبارها ارفع نموذج لعلاقات الشمال بالجنوب، وشريكا تجارياً منذ فترات سابقة. والأهم من ذلك أن قضية التعاون جنوب جنوب تتطلب جهودا كبيرة لجعل اوربا تتكيف مع هذا التوجه، خاصة فى ظل نماذج للعلاقات الاقتصادية الراسخة بين التكتل الاوربى وكل من روسيا والصين والبرازيل فى قضايا استراتيجية كالطاقة مثلا مع روسيا «الغاز» والبرازيل «الوقود الحيوى» والصين باعتبارها شريكا تجاريا مهما. وإفريقيا لديها أكبر ميزة وهى أنها سوق كبير ومسيطر عليه، اذ يبلغ عدد سكانها حوالى بليون نسمة، فضلا عن حجم الموارد الطبيعية البكر وقضايا اخرى جيواقتصادية وجيوسياسية لا يسعها هذا الحيز من المقال.
سفارة السودان- بروكسل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.