رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    القوات المسلحة رصد وتدمير عدد من المسيرات المعادية ومنظوماتها بدقة عالية    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صلاح أحمد ابراهيم يرد على عمر مصطفى المكي
أوراق خضراء : الصحافة تفتح الملفات القديمة صلاح أحمد ابراهيم و عمر مصطفى المكي وجها
نشر في الصحافة يوم 19 - 02 - 2012

رسمت المساجلات الصحفية لنفسها طريقا فارقا في العقود الماضية من تاريخنا المهني، فقد كانت ملح الأوراق في بلاط صاحبة الجلالة الملكي، وزاد المجالس الانيقة في ارجاء البلاد، ومعين الفكر والمتعة وحسن الذوق الذي لا ينضب لجمهور القراء، والمتبتلين العاشقين لمحاسن الكلم. ولما كانت ستينيات القرن الماضي من أزهى حقب الفكر والكتابة، لانها شهدت اصطراع تيارات سياسية وفكرية وثقافية مختلفة في المشهد السوداني، فقد افرزت اقلام عملاقة وعقول حرة تحلق في السموات دون حتى قيود دنيوية. ومن اشهر تلك الاقلام التي تساجلت فكريا على صفحات جريدة « الصحافة» في اواخر الستينيات الراحلين صلاح احمد ابراهيم وعمر مصطفى المكي. وتعيد الصحيفة نشرها اثراءً للساحة الفكرية والصحفية.
وفيما يلي تواصل «الصحافة» نشر ردود الراحل صلاح احمد ابراهيم على ما خطه الراحل عمر مصطفى المكى.
1- عمر وحديث الإفك
الآن حصحص الحق. والحق كما قيل ابلج والباطل لجلج. يقول كونفشيوس «الرجل الشريف يهتم بشخصيته والرجل الوضيع يهتم بوضعيته. الرجل الشريف يصبو للعدالة ، والرجل الوضيع يصبو للوصول. الظربان ينم عن افرازه. كما ان طيب الورد مؤذ بالجعل لقد حسب عمر مصطفى المكي. والعقرب التي من وراء خادمتها الخنفساء ان سيلا عارماً متتالياً من الشتائم والافتراءات بامكانه ان ينال من شخصي الضعيف او يضعف من حجتي القوية، لقد حسب عمر مصطفى المكي والذين من وراء عمر مصطفى المكي ان الارعاد والارزام وخوار العجول الهائجة بامكانها ان تخرس لسان الحق وتطفيء قبس الحقيقة. وتقطع أصبع الاتهام.
«لو كان الكذب مباحاً لكانت مروءة الشافعي تمنعه أن يكذب»
يحيى بن معين
ومع أن الكذب ليس مباحاً إلا أن الكويذب يكذب بلا حياء، بلا مروءة ورغم أنه من أجل إحداث الأثر الدرامي العابر في نفوس الجمهور المبهور، يلقى بالكذبة الفاجرة دون أن تطرف عين ضميره المنفصل. نستمر في فضح أكاذيبه وعلى أعضاء حزبه الذين ارتضوا مختارين أن يتوشحوا بعار ترويجها ان يواروا رؤوسهم في الرمل وان يخجلوا له وان يخجلوا منه، وان يسألوا أنفسهم كيف بحق الجحيم ظل يقودهم إلى مثل هذه «الحالة النفسية» وهم في غفلة من أمرهم. يمرحون في جهلهم يطرون الخز والديباج الذي يلبسه فرعونهم.. وهو عريان عريان عريان. الفرية رقم «22»: يقول الكويذب إن ثمة ما جعل «صحيفة الأيام ترفض الاستمرار في نشر المقالات وإعادتها له معتذرة عندما ذهب يسأل عن مصيرها» انتهى
هذا هو الكويذب وهذه هي «الأيام» ان لم يكن ثمة أكثر من كويذب في الحزب.
فقد كان آخر مقالة ذهبت بها للأيام هو ردي على الأستاذ بابكر كرار وقد سلمتها للأستاذ عبد المجيد الصاوي، بيد أن المقالة تأخرت في النشر بأمر من رئيس التحرير السيد محجوب عثمان، وعندما اتصلت به قدم لي قائمة من التعديلات السياسية التي يرى إدخالها في المقالة.. عجبي.. بعضها يتعلق برأيي في موقف الاتحاد السوفياتي من القضية العربية وبعضها بموقف سواهم وهكذا. وعندما رأي الأستاذ اصراري على نشر مقالتي كما تعبر عني أنا كاتبها دون أدنى تعديل أو سحبها كلية من الصحيفة، سمح أخيراً بنشرها كاملة بعد التلكؤ الذي نوهت به، وقد نشرت المقالة كاملة بالفعل، هذا وقد حضر معي المقابلة الأستاذ علي المك وتابع الموضوع برمته الأستاذ عبد المجيد الصاوي من أسرة تحرير الأيام. وبعدها لم اذهب للأيام بمقال قط حتى يرفض أو يعاد لي، ولم أخط فيها حرفاً إلا خطاباً قصيراً نشره علي المك ضمن صفحته أهاجم فيه الذين يتباكون على أسرة كنيدي باعتبارها من أعمدة النظام الرأسمالي الاستغلالي البشع في أمريكا، ولم ينم إلى علمي أن رئيس التحرير قد استاء من كلمتي هذه، علماً بأن الشيوعيين قد ذرفوا دمعة أو دمعتين على كل من «شهيديها» باعتبارهما من يسار اليمين أو من يمين اليسار لا أدري.
وسبب عزوفي عن الكتابة في الأيام ان الأستاذ محجوب عثمان رغم الدماثة التي أبداها واللباقة التي تناول بها الموضوع وتنازله النهائي في النهاية عن وجوب ادخال التعديلات التي قدمها وسماحه لوجهة نظري بالظهور كما هي، هو حسب علمي عضو في اللجنة المركزية للحزب المرزوء الموبوء، وهذا ما جعلني أتوجس من الدخول في تجربة جديدة معه. فانتقلت منذ ذلك الحين للكتابة بجريدة السياسة «عبد الخالق المرشح للدائرة الجنوبية يرفض قبل تبرع رئيس تحريرها له لأنه سمح لصلاح مهاجمته في الصحيفة «؟» وستستمر الملاحقة وأساليب الضغط المختلفة مع كل صحيفة» والآن أكتب بالصحافة، ولا أدري أين أكتب غداً، ولكنني لن أسكت حتى لو اضطررت إلى نشر كلماتي بالقيمة.. بل ولا أدري والله ماذا يحدث لي لو منحتهم الظروف فرصة واحدة ولو ضئيلة في التحكم بمصائر الناس، لو صار عمر مصطفى وزير داخليتهم مثلاً أو رئيس محاكم تفتيشهم، أو مدير مصلحة التلفيقات والاعترافات المستخلصة عن طريق الأنف لا الحنجرة، إذن لتحول الاغتيال المعنوي الذي يمارسونه الآن إلى اغتيال حقيقي، والتصفية السياسية عن طريق الشتائم الشخصية إلى «تصفية مادية» بمعنى الاعدام والسجن المؤبد والأشغال الشاقة، ولكن الشعب والحق أقوى من الحشاشين، أقوى من «النهاضين».. أقوى من الفتوات «والقبضايات» ألم يقترح بعضهم في فرع من فروع الحزب «بانت» وغير «بانت» مسألة استخدام العنف البدني مع العبد الضعيف؟
إن عمر مصطفى يتفنن في القاء أكاذيبه وهو سائر في طريقه لا يلتفت، يلقيها بمنتهى اليسر والسهولة وكأنه يقزقز لباً، وهذه الملكة ولا شك قد استغرقت منه مراناً طويلاً، واستوجبت تخديراً أطول للضمير، وابادة شاملة للقيم الخلقية الرفيعة في النفس. مسكين عمر مصطفى أقول أنا وتقول أنت بل مسكين الحزب.
الفرية رقم «23»: يقول عمر بأنني لا التزم «ولو بمقدار ذرة تجاه قضايا العمل الثوري في هذا البلد، ولم نسمعه يوماً واحداً يقول رأياً حول مشكلة» انتهى.
هل هذه حقيقة أم فرية؟ ان دفاعي عن حزبكم إبان حله وأيام كانت الرجعية كلها تهب عليكم هبة رجل واحد، كان وحده يكفي لقطع لسانك، ولازلت على استعداد للذود عن شجر قد بلوت المر من ثمره.
إن الحكم في ما نشتجر فيه يا عمر هو الشعب لا أنت - ولقد وقف معي الشعب وجميع أحباب الحقيقة في امتحاني الرهيب بك، وليس لدى ذهب المعز ولا «آلاف الدولارات» أو الروبلات. فشد من أزري وعضدني، وما لدي من رحلة إلى «فارنا» أو سوتشي وما من بعثة إلى جامعة الصداقة أو جامعة شارل.. وما من مهرجان أو ندوة أو اجتماع وما من امكانيات «تبيض» للاسم وتلميع للشهرة ومساندة لمنصب أو تزكية لقيادة، ولكنني بكل فخر مجرد خدام للشعب، وللحقيقة أحرق أعصابي في الذود عما أراه الحق. وأعود إلى فراشي مثخناً بالجراح ويدي تضغط على فم جرحي تحت الحزام، وهي تقطر دماً لأنني لم أخش في القول عتياً ولا عتيد. عزائي الوحيد يا مسيلمة أصوات لم أسمعها من قبل تقول لي نحن معك يا صلاح، وأيادٍ لم أصافحها من قبل تلوح لي من بعد أو تضغط على راحتي بالتأييد، وقلوب مشفقة تكاد تطفر شفقة من حدقات العيون تحنو علىَّ حنو أم على وليد، والله لكأنني زعيم، ووالله لكأنني عظيم حتى لتصيبني الدهشة، فأسأل نفسي ما الحاصل، وأشعر بحاجة إلى رفع سوطي عليها، كل ذلك لأنني باسمهم برزت إليكم في العراء، وشققت إليكم جنح الليل مردداً كلمات شاعرنا الشعبي:
قولو للفكج المبنى نحن في «العوليب» نزلنا
المكذب في نفلنا اليقود الخيل يصلنا
إما جبنا التار قدلنا وإما فد مره انغسلنا
ففي مقالة كانت بعنوان «عميل جديد ينازل عمر مصطفى» «يقول صوت ابن مخلص من أبناء هذا الشعب لا تربطني به وشيجة واشجة هو الزميل «علي العماس» من المعهد الفني بالخرطوم ما يلي:
واليوم تعيد الأحداث نفسها ويجند مصطفى المكي من جديد كل خبراته ومقدراته الفائقة على الكذب والنفاق ضد صلاح، فيرسم له خياله الخرافي الذي اعتاد المبالغة، صورة لم ير الشعب شاعره البسيط المتواضع - الذي ورث من شعبه كل ما هو أصيل وخير بها» انتهى
حقاً لقد تأثرت تأثراً كبيراً بهذه الكلمات الصادقة البسيطة، واعتبرتها وساماً منحني إياه الزميل علي العماس تشع في وسطه هذه الماسات الأربع «شاعر الشعب البسيط المتواضع» ففيها كل ما يحفزني لمزيد من النضال ومزيد من حب الشعب ومزيد من التواضع والبساطة ومزيد من التطهر من كل ما يعلق بي ما علم عمر مصطفى وما لم يعلم، وما علمت منها وما لم أعلم. انها كلمة «شكراً» يقولها الشعب على لسان ابن مخلص لمن ليس مستحقاً لها تمام الاستحقاق.
«وبشر الحافي» ووالله لم نتقابل حتى حمل إلي البريد مقالته، يقول في رد على عمر مصطفى بأن صلاحاً حفظنا الرب من الاستخذاء أمام الثناء «أكبر وأكثر نقاء.. صلاح الذي يواكب الانسان السوداني عذابه.. صلاح الذي يحرقه جمر الواقع الحياتي للإنسان الأغبش في بقاع أرضنا الجدباء.. صلاح الذي يثرينا لحناً مستلهماً جراحنا حين غيره يستلهم الخصل الحريري والعيون النجل والليلاك الذي لا ينبت في ترابنا.. صلاح من هذي الأرض.. يعيش وجودها ويتعذب بعذابها.. صلاح الملتزم أبداً جانب الحقيقة، وما الحقيقة غير الصدق يا عمر؟ ولقد كان صلاح صادقاً.. وأميناً.. وموضوعياً» انتهى. لمثل هذه الكلمات يحلو النضال ويعذب الألم وبها تبرير كل مساعينا.
شكراً لكم إخوتي شكراً! فلولا شعوري الصادق بأنكم معي، لأنكم مع الحق، ولولا دفاعكم عني وثقتكم في، ما كانت لي هذه القوة العارمة على مغالبة الباطل ومجالدة المكروه وهتك قناع الطاغوت. سيأتي ولا شك يوم تتطهر حركتنا الاشتراكية في زحفها المقدس من ورمها الخبيث وعاهاتها المزمنة، فتزيل القذى عن عينيها، وتستأصل هذه الدودة الشريطية.
إن قضية العمل الثوري الأولى في نظري توفير القيادة المعافاة القادرة على كسب احترام وثقة الاشتراكيين وتوحيد ولائهم وتجديد قواهم وتوسيع نطاقهم، المبرأة من الانحرافات والانتهازية ذات الصلة الوثقي بمن تمثل وتقود المفكرة المبتكرة التي ينبض قلبها بحب الشعب. ويمتلئ وجدانها بهم الشعب، والتي تقف على الأرض السودانية الصلبة فلا تحرك من بعد بالخيوط الخفية كما لو كانت في مسرح للعرائس.
لذلك من أجل تنظيف «الاصطبلات اليوجينية» التي لا ينظفها إلا تحويل نهر بحاله، تلك الاصطبلات التي في قيادة حزبكم، كرست وقتي وضحيت بموهبتي اذ انشغالي بفضحها انشغال بقضية العمل الثوري الأولى في البلاد، بل في القارة بمشكلة الحركة الجماهيرية الكبرى، وهي القيادة السياسية الممثلة في مركزها الاساسي وهو الحزب الشيوعي.
وكانت قصيدتي «انانسي - اول طلقة في «السوادة» ولم تكن مجرد هجاء بل نقد مركز امين حتى اعترف الامين العام لحزبكم الذي هو عام وليس بأمين للاستاذ«...»
عضو حزبه بأنه ليس غاضبا على صلاح لما جاء فيها، إذ أن كثيراً مما جاء فيها حق لولا أنه فرضته عليه فرضا ظروف الحركة السياسية. حسنا وهل «عدو نقائصه في سواه عدو عدو نقائصه» فرضته عليه فرضا ظروف الحركة السياسية؟ يا للمرائي! قالها حين كان لا يزال لديه عشم في اجتذابي الى أحابيله المدرة ليمتص حيويتي وجرأتي ومقدرتي على الرؤية الصحيحة، وسنضطره لكي يقول ما هو أكثر من ذلك قليلا من الصبر يا رفاق، وسيقول مرغما ما هو اكثر من ذلك، وسنقذف إليه في وجهه بنقده الذاتي مرارا وتكرارا كما فعل مع الرفيق «شاكر» حتى يقول الحقيقة كلها صاغرا ذليلا «ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم»...
سأل «تزوكونغ» ،كونفشيوس عن انبل الناس فرد عليه المعلم «انه الذي يمارس أولاً ما يحض عليه ثم يحض بعد ذلك على ما يمارس» .. ولكن الرفيق راشد ينهي عن خلق ويأتي مثله يا للعار! وسنوضح ذلك في وقته.. يكفي الآن ان نقول لمهدئ خواطره ان اهتمامي بقضايا العمل الثوري اهتمام حقيقي لأنه اهتمام ثوري حقيقي لا اهتمام مرتزقة يعيش على مربى وزبد العمل الثوري يسمن به كما تسمن ذبابة «التسي تسي» بدم الإنسان العزيز..
القرية رقم «24»: ويقول مسيلمة انني أدافع عن السياسة الاقتصادية للنظام الراهن من الاذاعة والتلفزيون، بل كذبت يا مسيلمة لقد قدمت حلقات مسلسلة عن الميزانية الماضية، ولم يكن ثمة دفاع بل مجرد عرض للجوانب المختلفة للميزانية، وشرح للارقام وبسط لكيفية وضعها وتبيان مصادر الدخل والمنصرف الخ .. وكان دوري تقديم الموظفين الذين وضعوها بحكم وضعهم في الخدمة المدنية لا تقديم السياسيين، وفي اولئك الموظفين من يقرب او يبعد عن الحزب الشوعي، ولا دخل لذلك في عمله او في ما قال، والغرض ان يتعلم الشعب كيف يتابع مثل هذه الوثقية الحيوية بخيرها وشرها ولقياداته السياسية ان تنقدها دحضا او تأييدا، ومن اعضاء الحزب الشيوعي من يساعد في وضعها بحكم عمله والا فلينكر الكويذب. اما انا فلا اتحمل اوزار احد، ولا اخدع الشعب ابدا لمرتب خسيس لا يسمن ولا يغني من جوع. كنت اتحدث مع امي واخوتي كيف ان بعضهم حسب انني اصلحت من اسلوب اختي الكبرى في خطابها الذي نشرته لها في اول حلقة، لي فردت والدتي بأنهم لا يعلمون ان اختي الكبرى تقول شعرا عظيماً، ولها في اكتوبر شعر جيد، ثم ادلت بتعليق كان مفاجئاً لنا وقالت بحماس أكيد «ألا يعلمون ان هذا البيت قد جمع بين العلم والفقر» وانفجرنا ضاحكين لهذه الحقيقة، ولكنها حقيقة نحبها ونفخر بها .. فلو كان من واجبي ان ادافع عن سياسة حزب من الاحزاب اقتصادية او سواها فسيكون واجبا نابعا من اقتناع «بالماهية» لا جريا وراء الماهية، وعن اتباع لصوت الضمير لا خوفا من سوط المدير، ولأعلنت ذلك للملأ وتحملت تبعته، بل الكويذب مرجف ومفترى يلقي القول جزافا على عواهنه دون وازع كما عودنا دائماً، لأنها وظيفته فليهنأ فهو الطاعم الكاسي.. أما انا فسأظل أعلم الشعب ما ينبغي ان يعلم لأنه هو الذي علمني، لا أسأله في ذلك غير المودة في القربى.
حين بلغني نبأ سقوطي في انتخابات الخريجين في غانا وكنت اتوقعه كان الظلام دامسا في غرفتي، والوحشة تحدق بي، والبعوض يؤنسني وهجم على حب هذا الشعب واحاطت بي وجوه من لا أعرفهم ولكن احبهم فكتبت قصيدتي «إلى حبيب» ... وقلت:
لست بعاتب عليك
ولو
راض وما زمرته لله
اهل سمعتني اطلب في يوم من الايام شيئا منك؟ اي شيء منك؟ هل سمعتني؟
حتى ولو حبك؟ أو صمتك كي تسمع أحلى أغنياتي فيك؟ أو لطفاً كأن تعرف اسمي مثلا؟
أو أن تقول: آه..
أذكر أنه يوم كذا قال كذا؟
أو أنه قاسى الذي قاسيته
وربما أكثر فالجرح به جرحان .. أو هذا الذي بسببي تقرحت عيناه؟
أو: لحظة ! هذا ألذ، لم ينسني قط.. الذي يحملني كالتمر في جرابه الى أقاصي الأرض، هذا العبد باختياره، الوفي ككلاب الصيد» .. لا تشوفت الى ذاك ولا عشمتني ..
يكفي الهوى المؤلم لي تلذذا، يكفى اتحادي فيك حتى دون أن تدرك انت ذاك.. حتى دون ان تحس بوجودي، لن أكون يوماً ما وان اهملتني بعاتب عليك. راض والف راض لو رضيت .. لو رفت علي ظلام غربتي ومضة عقدين من اللؤلؤ كالبراق منك، لو سمعت صوتك الأجش - ما احلاه - في اغنية سادرة سعيدة تزري بكل أغنياتي فيك.. دعني ولا تلحف.. لأجذب اللحاف حتى عنقي البعوض حولي حائم كأنه الذئاب قد شم دمي كغارة جوية تستطلع الأهداف.. سوف ينقض اذا لم اجذب اللحاف.. ليلة سعيدة..! قلت الذي أردته.. رح في اغتباط ضامن في يده.. راض وما زمرته لك!!
أنا أحب الشعب يا عمر مصطفى.. أحبه بشغف .. وأنت من تحب؟ قل ولا تخجل..
الفرية رقم 24: وفيها يقول بأنني الموظف الوحيد المستثنى من القوانين، والذي يجد حماية خاصة وفيها استعداء رخيص لم يغب على فطنة القارئ.. والحق إنني غير مستثنى من القوانين ولكنني أعرف كيف استفيد من القوانين.. ويذكر الأستاذ بابكر أنني حين وقعت على مقالة باسم مستعار هو «الاشتراكي المخلص» كان هو الذي أفتاني بأن من حقي أن أوقع باسمي كاملاً... ومع ذلك فإنني في سبيل الشعب وما اعتقد انه الصواب والواجب على استعداد للتضحية بالروح الغالية ناهيك عن الوظيفة والترقية والعلاوة وما الى ذلك من عرض الدنيا الزائل.. فكل من عاش ليس يعدم قوتاً، كل من مات ليس يعدم قبراً يا بنجوس ابي المتواضع سبقني الى هذا الطريق ورغم ما جره عليه تصلبه في ما رآه الحق، فإنه ترك لنا من عنت العيش ما نفخر به ونتعلم منه، ترك لنا هذه الحدة والصلابة وعدم المساومة في الحق. وهكذا حرصت على الاحتفاظ بكامل حريتي لكي أخرج من أي باب متى أشاء وهامتي مرفوعة ولا سمع أكبر كبير ما أرى لزاماً على إسماعه، ولو كنت على النطع وامام السياف، فكثيرها رائح يا بنجوس وقليلها رائح. ويبقى من المال الأحاديث والذكر.. إنني لا أعمل بالحماية ولكن حمايتي الوحيدة هي ايماني بالشعب وبصحة مسعاي ومبغاي وبأنني لست وحدي..
استعداؤك الرخيص للسلطة يدل على إفلاس في القيم ولن يفت من عضدي مهما حدث.. لقد كان عليك لو كانت لديك ذرة من الاحساس بالمسؤولية أن تحاول الانطلاق من حيث وقفت انا من اجل توسيع حريات المواطنين، لا أن تحاول سلب ما اكتسبناه بالممارسة وأنت تسعى لتدميري.. كان شعارك «عليَّ وعلى اعدائي يا رب ثم مددت يديك إلى اعمدة هيكل الحريات، ولكنك مجرد نجركوك وهذه هي عقدتك.. دع زملائك يكتبون بلا خوف كما اكتب انا بدلا من قيامك بهذا الاستعداء، وسترى أو يرون أن الأمر لا يحتاج الى حماية خاصة بل الى ذكاء خاص، والا فمن كان يحميني أيام العساكر، وأنا أكتب ما كتبت او اقول ما قلت، ويمكنك على سبيل المثال أن ترجع الى ما حدث في ساحة مكتبة بلدية بحري حين غمزت العهد القائم في معرض حديثي عن النشر في السودان، متسائلاً: «ولكن من يقول البغلة في الإبريق» وكنت قد بلتها بالفعل وحدث ما حدث، وإن جاءت سليمة كما يذكر الحاضرون آنذاك... إنها ليست مسألة حماية أو عدمها بل مسألة جرأه أم جبن.. وسنطرق موضوع الجبن حين نتكلم عنك أيام الحكم العسكري، وذلك قبل ان تبدأ زياراتك لعيادة الامراض العصبية، أم حسبت إنا لن نعلم يا أستاذ؟ يا ست سنوات تحت الأرض؟ يا طالب كلية الاقتصاد؟ عجبي! فمن سميته «ابراهيم» تزويرا وكذبا في بطولتك الخيالية «ست سنوات تحت الارض» موجود والحمد لله، هو الزميل المناضل علي عمر، الزميل الذي غمطته حقه وسرقت منه بطولته الحقة، ولكنه على أية حال قد شهد موقفك الفاجع أمام الشرطة، ورأى ما رأى من انهيارك وتخلخلك وكذبك المواتي.. لكل نواقصه وعيوبه، ولكن معدن الإنسان الحقيقي يظهر في مدى استعداده للاعتراف بنواقصه وعيوبه ومثالبه، وبمعرفته وقدر نفسه وبتقبله.. للحقيقة، وبنضاله ضد سلبياته، فما معدنك الحقيقي يا عضو المكتب السياسي واللجنة المركزية لحزب الفجر الجديد والإنسان الجديد.. الحزب الشيوعي؟ الفرية رقم «25» ... يكفي هذا القدر رفقاً بالقراء.. ولكن لماذا كل هذا الكذب؟! لماذا هذا المستوى في قيادة الحزب؟!
هذا ما سنتناوله ابتداءً من المقالة القادمة.
الإثنين 16 سبتمبر 1968م
العدد رقم (1710)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.