"ميتا" تهدد بوقف خدمات فيسبوك وإنستغرام في أكبر دولة إفريقية    بورتسودان وأهلها والمطار بخير    المريخ في لقاء الثأر أمام إنتر نواكشوط    قباني يقود المقدمة الحمراء    المريخ يفتقد خدمات الثنائي أمام الانتر    مليشيا الدعم السريع هي مليشيا إرهابية من أعلى قيادتها حتى آخر جندي    ضربات جوية ليلية مباغتة على مطار نيالا وأهداف أخرى داخل المدينة    الأقمار الصناعية تكشف مواقع جديدة بمطار نيالا للتحكم بالمسيرات ومخابئ لمشغلي المُسيّرات    عزمي عبد الرازق يكتب: هل نحنُ بحاجة إلى سيادة بحرية؟    فاز بهدفين .. أهلي جدة يصنع التاريخ ويتوج بطلًا لنخبة آسيا    بتعادل جنوني.. لايبزيج يؤجل إعلان تتويج بايرن ميونخ    منظمة حقوقية: الدعم السريع تقتل 300 مدني في النهود بينهم نساء وأطفال وتمنع المواطنين من النزوح وتنهب الأسواق ومخازن الأدوية والمستشفى    السودان يقدم مرافعته الشفوية امام محكمة العدل الدولية    وزير الثقافة والإعلام يُبشر بفرح الشعب وانتصار إرادة الأمة    عقب ظهور نتيجة الشهادة السودانية: والي ولاية الجزيرة يؤكد التزام الحكومة بدعم التعليم    هل هدّد أنشيلوتي البرازيل رفضاً لتسريبات "محرجة" لريال مدريد؟    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (ألف ليلة و....)    الرئاسة السورية: القصف الإسرائيلي قرب القصر الرئاسي تصعيد خطير    عثمان ميرغني يكتب: هل رئيس الوزراء "كوز"؟    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء الشاشة نورهان نجيب تحتفل بزفافها على أنغام الفنان عثمان بشة وتدخل في وصلة رقص مؤثرة مع والدها    كم تبلغ ثروة لامين جمال؟    حين يُجيد العازف التطبيل... ينكسر اللحن    أبوعركي البخيت الفَنان الذي يَحتفظ بشبابه في (حنجرته)    شاهد بالفيديو.. في مشهد نال إعجاب الجمهور والمتابعون.. شباب سعوديون يقفون لحظة رفع العلم السوداني بإحدى الفعاليات    شاهد بالصور والفيديو.. بوصلة رقص مثيرة.. الفنانة هدى عربي تشعل حفل غنائي بالدوحة    تتسلل إلى الكبد.. "الملاريا الحبشية" ترعب السودانيين    والد لامين يامال: لم تشاهدوا 10% من قدراته    استئناف العمل بمحطة مياه سوبا وتحسين إمدادات المياه في الخرطوم    هيئة مياه الخرطوم تعلن عن خطوة مهمة    تجدد شكاوى المواطنين من سحب مبالغ مالية من تطبيق (بنكك)    ما حكم الدعاء بعد القراءة وقبل الركوع في الصلاة؟    عركي وفرفور وطه سليمان.. فنانون سودانيون أمام محكمة السوشيال ميديا    تعاون بين الجزيرة والفاو لإصلاح القطاع الزراعي وإعادة الإعمار    قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ؟!    الكشف عن بشريات بشأن التيار الكهربائي للولاية للشمالية    ترامب: يجب السماح للسفن الأمريكية بالمرور مجاناً عبر قناتي السويس وبنما    كهرباء السودان توضح بشأن قطوعات التيار في ولايتين    تبادل جديد لإطلاق النار بين الهند وباكستان    علي طريقة محمد رمضان طه سليمان يثير الجدل في اغنيته الجديده "سوداني كياني"    دراسة: البروتين النباتي سر الحياة الطويلة    في حضرة الجراح: إستعادة التوازن الممكن    التحقيقات تكشف تفاصيل صادمة في قضية الإعلامية سارة خليفة    الجيش يشن غارات جوية على «بارا» وسقوط عشرات الضحايا    حملة لمكافحة الجريمة وإزالة الظواهر السالبة في مدينة بورتسودان    وزير المالية يرأس وفد السودان المشارك في إجتماعات الربيع بواشنطن    شندي تحتاج لعمل كبير… بطلوا ثرثرة فوق النيل!!!!!    ارتفاع التضخم في السودان    انتشار مرض "الغدة الدرقية" في دارفور يثير المخاوف    مستشفى الكدرو بالخرطوم بحري يستعد لاستقبال المرضى قريبًا    "مثلث الموت".. عادة يومية بريئة قد تنتهي بك في المستشفى    وفاة اللاعب أرون بوبيندزا في حادثة مأساوية    5 وفيات و19 مصابا في حريق "برج النهدة" بالشارقة    عضو وفد الحكومة السودانية يكشف ل "المحقق" ما دار في الكواليس: بيان محكمة العدل الدولية لم يصدر    ضبط عربة بوكس مستوبيشي بالحاج يوسف وعدد 3 مركبات ZY مسروقة وتوقف متهمين    الدفاع المدني ولاية الجزيرة يسيطر علي حريق باحدي المخازن الملحقة بنادي الاتحاد والمباني المجاورة    حسين خوجلي يكتب: نتنياهو وترامب يفعلان هذا اتعرفون لماذا؟    من حكمته تعالي أن جعل اختلاف ألسنتهم وألوانهم آيةً من آياته الباهرة    بعد سؤال الفنان حمزة العليلي .. الإفتاء: المسافر من السعودية إلى مصر غدا لا يجب عليه الصيام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصحافة السودانية سُلطةٌ رابعةٌ مع وقف التنفيذ!!
نشر في الصحافة يوم 01 - 06 - 2013


: مدخلٌ أوَّلٌ:
خيرٌ من يقوم بتنشيط وإنعاش ذاكرة الأمة والتبصير بمواطن الخلل وكشف المستور وترقية الذوق والحس الوطني واستقراء المستقبل، صحافةٌ حرَّةٌ ومسؤولةٌ يقودها أهل العلم والرشد.
مدخل ثانٍ:
توجيه رئاسة الجمهورية الذي جاء على لسان النائب الأول للرئيس الأستاذ علي عثمان محمد طه خلال لقائه بالقصر الجمهوري مع قيادات المؤسسات الإعلامية ورؤساء تحرير الصحف، والقاضي برفع «الرقابة القبلية» عن الصحف، خطوةٌ شجاعةٌ من الحكومة في طريق بسط الحريات لأبعد مدى، وهو بلا شكٍّ سيلقي عبئاً ثقيلاً على أهل الصحافة، ويتطلب منهم التكيُّف الحذر مع متطلبات المرحلة والتواؤم المتناغم مع مساحة الحرية المتاحة التي لا تتوفر لدى كثير من دول محيطنا العربي والإفريقي، وذلك بالمشاركة الفاعلة مع بقية السلطات لإدارة دفَّة الحياة والناس بالحكمة والموعظة الحسنة، وإلا فلا مناص من الصحف أصلاً إلا إذا أردنا لها أن تكون في خانة «العيار الما يصبش يدوش»، أو «الصفيحة» بدلاً من «الصحيفة» على حد قول الأستاذ ود المكاشفي في إحدى شفافياته!!
وفي السياق ذاته يأتي نبأ تخصيص المجلس الوطني لنصف وقته لمناقشة عمودٍ صَحَفِيٍّ، كتبه أحد الصحافيين الأجلاء في إحدى الصحف اليومية خلال الأيام الفائتة، حدثٌ يستحق أن تهتز له الأوساط الصحفية، بوصفه يُمثِّل مؤشراً جديداً لتقويم العلاقة «الفاترة» القائمة الآن بين أهل الحكم والصحافة من جانب، وبين الجمهور والصحافة من جانب آخرَ؛ فقد وصفها من قبل الأمين العام للمجلس القومي للصحافة والمطبوعات، بأنها عبارةٌ عن «كناتين» ضعيفة القدرات هشَّة البنيات، ووصفها وزيرٌ ولائيٌّ مرموقٌ بأن بعض أهلها ينشرون ثقافة الجهل في المجتمع!! ولكن دعك من هذا الادعاء أو ذاك. وحتى تتجاوز صحافتنا محطة «كلام جرايد ساكت» وتحظى بالاحترام، دعونا ندلف للموضوع مباشرة، فالحديث هنا ليس تحليلاً، أو تأويلاً لِمَا خَطَّه قلم الكاتب، أو ما ساقه من مبرراتٍ، وقناعاتٍ بنى عليها هجومه اللاذع على أعضاء «البرلمان» و «جعلهم في برلمانهم يجقلبون»، بقدر ما هو وقفةٌ للتدبُّر والتأمُّل في ردِّ الفعل الغاضب، والأثر العميق الذي أحدثه العمود في دهاليز إحدى أذرع السلطة في بلادنا العزيزة الغالية، ولعل في هذا «الغضب البرلماني» مؤشراً لفتحٍ جديدٍ للصحافة السودانية، ومدخلاً للحديث عن حاضرها ومستقبلها، وهل هي فعلاً مؤهَّلةٌ لتؤدي دورها الرقابي بالمستوى المطلوب، لتحظى بمثل هذه المكانة المرموقة التي وجدتها عند أهل البرلمان وغضبهم الجميل؟ وهل تبتغي الصحافة غير هذا الهدف النبيل الذي يتبعه عملٌ أو تبريرٌ، أم الأمر مجرد حادثة عابرة و«فقاعة صابون» وانفعالٍ مؤقتٍ يصب في سياق النية المبيَّتة، لكتم الأنفاس وتكسير الأقلام وإراقة مدادها على موائد الحكام أصحاب السلطة والسلطان، وجرِّها لمواضع الذلة والانكسار، وجعلها أداةً طيِّعةً ليِّنةً في أيدي المسؤولين، وصنّاع القرار.
وانطلاقاً من هذه المعطيات يبرز السؤال: هل الصحافة السودانية الحالية يمكن أن تلعب دورها بوصفها سلطةٍ رابعةٍ «افتراضيةٍ»، وتسهم في البناء الوطنيِّ، وتحظى باحترام الجمهور والحكومة ومؤسساتها أم أن أمامها طريقاً وعراً وشائكاً لبلوغ هذه المكانة؟ وفي هذا المقال نحاول أن نقترب من حياض صاحبة الجلالة السودانية، وإثارة هذا الموضوع الحيوي المهم، ونترك الباب موارباً لبقية الأقلام، للطرق على ملفِّه الساخن. فالمتابع عن كثبٍ للصحف السودانية التي تصدر حالياً بمختلف توجهاتها السياسية والرياضية والاجتماعية، وعددها الذي يقارب الأربَع والثلاثين صحيفةً عدا المتوقف منها بمسببات، أو دونها يلاحظ أن أغلبها يُعَد صحفاً وليدة التأسيس، وعمر أكثرها توزيعاً لا يتجاوز بضعة أعوام، بل إن بعضها لم يُكمل عامه الأول، والملاحظة الأخرى المهمة في هذا الشأن أن كل نظامٍ عسكريٍّ يصل إلى سدة الحكم هناك فقرةٌ ثابتةٌ في«البيان الأول» تأمر بتأميم الصحف القائمة، وتلغي تراخيصها؛ لتقوم على أنقاضها صُحُفٌ مرحليَّةٌ ناطقةٌ باسمه، ثم لا تلبث هذه الصحف «المرّوضة» أن تفشل وتبور بضاعتها رغم ما يوفرونه لها من إمكانات إلا أن مصيرها دائماً الإغلاق والنسيان من ذاكرة الشعب، أو تؤول لتجارةٍ رائجةٍ لبيع «الراجع» بالكيلو« بمقبرة» الصحف في عمارة «أبو العلا» القديمة!! علماً بأن تأريخ الصحافة السودانية قديمٌ وعريقٌ، وعمرها قد قارب مائة عامٍ، فقد بدأت «بحضارة السودان في عام 1919م» على أيدي نفرٍ كريمٍ من الوطنيين، واختُتمت «باليوم التالي 2013م» أحدث الصحف صدوراً، والبقية ستأتي تباعاً خلال الشهور والأعوام القادمة؛ من خلال عمليات الإحلال والإبدال والتوليف والانشطارات المتتالية. وفي كل هذه التحوُّلات والحِقَب يتبادل الصحافيون الأدوار، بعضهم يتكيَّف مع الوضع السياسي الراهن الجديد، ويلعب أدواراً «حرباوية» تقع في إطار ثقافة «دعونا نعيش»، وهؤلاء قومٌ كثرٌ، ويمكن أن نطلق عليهم «موظفو الصحافة» و غالباً لا تتجاوز كتاباتهم محطة خدش الجلد، ثم تؤول بتراكم السنين إلى أدب صحفي سوداني يظل حبيس أضابير دار الوثائق المركزية، والبعض الآخر «أولو بأسٍ شديدٍ»، تجبرهم مبادئهم ومهنيتهم العالية على ألا يتخلَّوا عن قول الحق، وهؤلاء يطولهم الإيقاف التعسفي، فيطويهم النسيان، ومع هذا فإن هناك صحفاً راسخةً حافظت على أسمائها القديمة رغم تبدل الملاك ونجحت إلى لحدٍّ ما في المحافظة على نكهتها ومذاقها العام، وتُعد صحف «الصحافة، الأيام والرأي العام» هي الأعرق من حيث الاسم، ومازالت أسماؤها ومحتواها تُحدث رنيناً في نفوس من عايشوا عصرها الذهبي، ورابعتهم صحيفة «السودان الجديد ومؤسسها الأستاذ الراحل أحمد يوسف هاشم أبو الصحافة السودانية التي توقفت عن الصدور منذ البيان الأول لثورة مايو المظفرة!!!»، ولك أن تلاحظ عزيزي القارئ الفرق بين سودان «أحمد يوسف هاشم» الجديد الذي كان يُبشِّر بسودان ما بعد الاستقلال وسودان «الحركة الشعبية» الجديد الذي نعيش جانباً من فصوله وتداعياته هذه الأيام، وهناك صحف «الخرطوم، وألوان وأخبار اليوم والسوداني»، فهي قديمةٌ نوعاً ما، أما بقية الصحف فمازال الوقت مبكراً للحكم على مخرجاتها و «طول نفسها»، ومعرفة مدى قدرتها على الصمود، وكل هذا متعلقٌ بالإجابة عن السؤال المطروح: هل الصحف السودانية مرهونةٌ ببقاء الأنظمة السياسية أم تحمل عناصر الفناء داخل كواليسها وأحشائها؟ ويمكنك أن تقارن هذا بصحف دولٍ من حولنا؛ ففي الشقيقة مصر مثلاً صدرت صحيفة «الأهرام» في عام 1875م، ومازالت تحتفظ بنكهتها وشهرتها وتُوزّع الآن في السودان بسعر صحفنا المحلية نفسه، ألا يثير هذا أكثر من تساؤل؟ وهل تملك الصحف السودانية القدرة على الصمود قياساً على المعايير العالمية لإنجاح الصحف وتأثيرها على الرأي العام المحلي والإقليمي؟ حيث تمثل التجارة جزءاً مهماً من مهنة الصحافة. ويقول الخبراء في «بزنس» الصحافة إن جودة أيِّة صحيفةٍ غالباً ما يكون الحكم عليها بلغة السوق، مثل نسبة الإعلانات، وهناك مبدأٌ اقتصاديٌّ راسخٌ يجزم أن الصحف المسؤولة تخصص ما يزيد عن 65% من محتوياتها للإعلانات، والمتوسط يقل قليلاً عن 60%، وهي بهذه الكيفية تجارةٌ رابحةٌ قبل أن تصل إلى يد القارئ هكذا تعمل الصحف الراسخة صاحبة الرسالة المستدامة وعادةً ما يربط عدد العاملين في الصحف بالتوزيع، حيث يكون المعيار هو موظفاً واحداً لكل ألف قارئٍ. وتبعاً لهذا المعيار، فإن الصحيفة التي يصل توزيعها إلى«50 ألف» نسخة ينبغي أن يعمل بها«50» مخبراً صحفياً ومحرراً، فهل وفق هذا المعيار تعمل صحفنا؟ ويمكن مقارنة هذه المعايير العالمية بالتوزيع اليومي للصحف السودانية، حيث أوردت آخر الإحصاءات التي يصدرها المجلس القومي للصحافة والمطبوعات أن أكثر صحفنا توزيعاً لا يتجاوز حجم طباعتها «مائة ألف» نسخةٍ في اليوم؛ وبنسبة توزيع 92% من حجم المطبوع، وأقلها يطبع «ثلاثة آلاف» نسخةٍ؛ ولا يتجاوز توزيعها 50% من حجم المطبوع؛ وهذا الرقم الضئيل مقارنةً بحجم السكان «35 مليون نسمة»، ونسبة الإعلانات، وحجم سكان ولاية الخرطوم «8 ملايين نسمة» يفصح عن حجم الشغف القرائي للصحف السودانية، ويعكس الحالة البائسة التي تعيشها الصحافة والصحافيون، وهذا الترتيب الافتراضي للصحف السودانية الذي يجرى من حينٍ إلى آخرَ، هل يتم بدراسةٍ إحصائيَّةٍ معياريَّةٍ دقيقةٍ لمعرفة شرائح القرَّاء ومستوى طبقاتهم ودرجة تعليمهم وثقافتهم، لمعرفة المعايير الحقيقية التي استند عليها، وهل درجة التوزيع وحدها تكفي لتصنيف الصحف وقياس جودتها وموجهاتها؟ فالصحف الصفراء أو ما يسمى بصحف الفضائح في المصطلحات الصحفية هي الصحف الأكثر توزيعاً في بقاع الأرض، فهل يُعدُّ هذا نجاحاً أم يصب في خانة الإسقاطات الإنسانية والتفلت المجتمعي؟ وفي هذا السياق تقول إحدى الطرف الصحفية: «فقد ظلت صحيفة نيويورك بوست (New York Post) الشعبية تخسر المال مدَّةً تزيد عن عشر السنوات؛ وكان أحد الأسباب هو فقدانها سوق الطبقة الراقية وسوق الإعلان، وعندما حاول مالكها السابق «روبرت مردوخ» إقناع المعلنين بألا ينصرفوا عنها، يفترض أن مدير أحد المتاجر الكبرى رد عليه قائلاً: «ولكن قراءك يا «مستر مردوخ» هم من يسرقون البضائع من محلاتنا!!» هذا جانبٌ، أما الجانب الآخر المتعلق بالجودة الصحفية وفنون التحرير وكتابة الأعمدة والسياسة العامة للصحيفة، فمعظم الاتجاهات تشير إلى أن الصحافة بصفة عامة وفي ظل تنامي المعرفة وانفجار المعلومات وتوفُّر الأخبار على القنوات الفضائية وعبر الشبكة العنكبوتية، تسير نحو صحافة الرأي، لكنها مازال لها وجودٌ فاعلٌ رغم منافسة الصحافة الإلكترونية وعادة ما تستمد الصحف قوتها وعنفوانها من مقالات الرأي وكُتَّاب الأعمدة الراسخين في العلم، وأهل السودان أيضاً يطالعون الصحيفة من خلال الاطِّلاع على عمود كاتبهم المفضَّل، أو الكُتَّاب الذين في جوفهم نارٌ!! والذين يمتازون بالجرأة والشجاعة وحصافة الأفكار وإطلاق المبادرات وكشف زيف الساسة وتنبيه الحكام لمَواطن الفساد وأوكار الشر، ويتسق مع هذا أن الصحافة عموماً هي المهنة الوحيدة التي لا تحتاج إلى واسطةٍ ومجاملاتٍ وعلاقاتٍ عامَّةٍ ووجهٍ حَسَنٍ؛ بحيث تُمثِّل المهارات والثقافة العالية والاستعداد النفسي وعِزةُ النفس أهم شروط الانتساب حتى ولو كنتَ من حملة زمالة قسم الصحافة بجامعة «أكسفورد»، أو تحمل رخصة الاتحاد المهْني للصحافيين السودانيين لممارسة المهنة، أو أراد الناشر «لحاجةٍ في نفس يعقوب» أن يمنحك شرفاً لا تستحقه، ولكن المتأمل لصحفنا اليوم يلاحظ أوجه القصور والاختلال في هذا الضرب، فالأعمدة الصحفية وهي أرقى فنون العمل الصحفيِّ أصبحت متاحةً لقطاعٍ عريضٍ من صغار الصحافيين والمتصحفين، دون توفُّر المعايير المطلوبة، وحتى فكرة العمود بوصفها فكرةٍ مبسطةٍ تتقيَّد بمفرداتٍ منتقاةٍ ومساحةٍ محددةٍ وفكرةٍ تترك أثراً، أصبحت شفراتٍ وألغازاً وتقمص أدوار وتراشقاً بالكلمات وجدلاً وأوهاماً، وهذا بالطبع لا ينتقص من قدر إرثنا الصحفي القيِّم على مرِّ التأريخ، وكُتَّابِنا الكبارِ الذين وصل بعضهم لدرجة العالمية، وأعمدتهم «المسبكة» تأوي إليها أفئدة القراء ويتلقفونها مثل الخبز الساخن الخارج لتوه من الفرن!! ولكن للأسف الشديد ضاعت الأفكار والمواهب والحروف الصادقة الأمينة في زحمة الفوضى، والترهل الصحفي واختلال المعايير «رحم الله الدكتور الصحفي كمال حنفي الذي رحل عنَّا في صمت خلال الأيام الفائتة، وكان يُمثِّل بعموده الناضج «إلا قليلاً» أحد ملوك الأعمدة الصحفية في بلادنا».
والقارئ السوداني عادةً ما يتلقى خدمةً صحفيَّةً جيِّدةً من الصحافيين الذين ينافسون تنافساً شرساً، للحصول على الأخبار وكتابتها بطريقةٍ جديرةٍ بالاهتمام، بشرط ألا يعتمدَ الصحفي إثارة المشاعر أو المبالغة فيها، وبالطبع ليست أخباراً على شاكلة «ولادة طفلٍ برأس ثور أو كساد سوق الملبوسات الداخلية في سوق سعد قشرة كما جاء في مانشيت إحدى الصحف»، ومع ذلك ليس من الضروري أنه كلما ازداد ميل الصحيفة نحو الإثارة كان تدفُّق أرباحها على حسابات الشركة أكبر، فالسلامة التحريرية والصحة المالية والنفسية يعملان جنباً إلى جنبٍ؛ حيث المنتج التحريري القوي يجذب القراء من الطبقات الراقية وهو ما يريده المعلنون ولا يستطيع أكثر المتفائلين وبالنظرة الفاحصة لصحفنا وعددها الذي لا يتناسب مع وضع الدولة وثقافة الشعب أن يتكهن بما يحمل الغد من بشريات، ليبرز سؤالٌ مُلِحٌّ آخرُ: لماذا تكتب الصحف؟ ولمَن تكتب؟ طالما أنها لا تلقي بالاً لدى المسؤولين، ولا تحظى باهتمام غالبية الجمهور، بالرغم من أن التأريخ يفصح أن الصحافة السودانية لعبت أدواراً مفصليةً في حركة تأريخنا السياسي المعاصر، وأسهمت بصورةٍ فاعلةٍ في تقويض الأنظمة الديمقراطية، بدءاً بالنظام الديمقراطي الأول 1953 1957م «اختلاف السيدين» وتأجيج الصراع بينهما والنظام الديمقراطي الثاني 1965 1969م، باستهدافها المذل لرموز ذلك العهد والنظام الديمقراطي الثالث 1985 1989م بالوصفة ذاتها، ومراجعةٍ لدار الوثائق المركزية تفصح عن ماذا كانت تفعل صحفنا في تلك الفترات المتعاقبة، و الآن ربما انتحى بعضها منحًى آخرَ لم تعهدْه من قبل، وتحولت بعض الأقلام في غفلة من الزمان إلى أظافرَ وأنيابٍ تنهش في جسد الوطن المنهك، وتعمق جراحاته، وتعقد أزماته مع صباح كل يوم جديد؛ دون أن يُلقى لها بالاً، أو تسدى لها نصيحةً.
أمنياتنا القلبية الصادقة أن تندفع الصحافة السودانية نحو الجودة والاتقان، وأن تحوز على اهتمام أهل السودان، وأن تكون لكلِّ صحيفةٍ شخصيتها وتميز اسمها التجاريِّ، ولها القدرة على «الديناميكية» المتجددة والتكيُّف مع التغيُّرات التقنية المتطوِّرة، وألا يرتبطَ وجودها وسياستها بحقبةٍ معيَّنةٍ، وأن تعرف كيف تفرِّقُ بين الخاصِّ والعامِّ، وتحافظ على شرف المهنة وأخلاقياتها، دون المساس بأمننا القوميِّ وثوابتنا الوطنيَّةِ.
والله المستعان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.