والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصحافة السودانية سُلطةٌ رابعةٌ مع وقف التنفيذ!!
نشر في الصحافة يوم 01 - 06 - 2013


: مدخلٌ أوَّلٌ:
خيرٌ من يقوم بتنشيط وإنعاش ذاكرة الأمة والتبصير بمواطن الخلل وكشف المستور وترقية الذوق والحس الوطني واستقراء المستقبل، صحافةٌ حرَّةٌ ومسؤولةٌ يقودها أهل العلم والرشد.
مدخل ثانٍ:
توجيه رئاسة الجمهورية الذي جاء على لسان النائب الأول للرئيس الأستاذ علي عثمان محمد طه خلال لقائه بالقصر الجمهوري مع قيادات المؤسسات الإعلامية ورؤساء تحرير الصحف، والقاضي برفع «الرقابة القبلية» عن الصحف، خطوةٌ شجاعةٌ من الحكومة في طريق بسط الحريات لأبعد مدى، وهو بلا شكٍّ سيلقي عبئاً ثقيلاً على أهل الصحافة، ويتطلب منهم التكيُّف الحذر مع متطلبات المرحلة والتواؤم المتناغم مع مساحة الحرية المتاحة التي لا تتوفر لدى كثير من دول محيطنا العربي والإفريقي، وذلك بالمشاركة الفاعلة مع بقية السلطات لإدارة دفَّة الحياة والناس بالحكمة والموعظة الحسنة، وإلا فلا مناص من الصحف أصلاً إلا إذا أردنا لها أن تكون في خانة «العيار الما يصبش يدوش»، أو «الصفيحة» بدلاً من «الصحيفة» على حد قول الأستاذ ود المكاشفي في إحدى شفافياته!!
وفي السياق ذاته يأتي نبأ تخصيص المجلس الوطني لنصف وقته لمناقشة عمودٍ صَحَفِيٍّ، كتبه أحد الصحافيين الأجلاء في إحدى الصحف اليومية خلال الأيام الفائتة، حدثٌ يستحق أن تهتز له الأوساط الصحفية، بوصفه يُمثِّل مؤشراً جديداً لتقويم العلاقة «الفاترة» القائمة الآن بين أهل الحكم والصحافة من جانب، وبين الجمهور والصحافة من جانب آخرَ؛ فقد وصفها من قبل الأمين العام للمجلس القومي للصحافة والمطبوعات، بأنها عبارةٌ عن «كناتين» ضعيفة القدرات هشَّة البنيات، ووصفها وزيرٌ ولائيٌّ مرموقٌ بأن بعض أهلها ينشرون ثقافة الجهل في المجتمع!! ولكن دعك من هذا الادعاء أو ذاك. وحتى تتجاوز صحافتنا محطة «كلام جرايد ساكت» وتحظى بالاحترام، دعونا ندلف للموضوع مباشرة، فالحديث هنا ليس تحليلاً، أو تأويلاً لِمَا خَطَّه قلم الكاتب، أو ما ساقه من مبرراتٍ، وقناعاتٍ بنى عليها هجومه اللاذع على أعضاء «البرلمان» و «جعلهم في برلمانهم يجقلبون»، بقدر ما هو وقفةٌ للتدبُّر والتأمُّل في ردِّ الفعل الغاضب، والأثر العميق الذي أحدثه العمود في دهاليز إحدى أذرع السلطة في بلادنا العزيزة الغالية، ولعل في هذا «الغضب البرلماني» مؤشراً لفتحٍ جديدٍ للصحافة السودانية، ومدخلاً للحديث عن حاضرها ومستقبلها، وهل هي فعلاً مؤهَّلةٌ لتؤدي دورها الرقابي بالمستوى المطلوب، لتحظى بمثل هذه المكانة المرموقة التي وجدتها عند أهل البرلمان وغضبهم الجميل؟ وهل تبتغي الصحافة غير هذا الهدف النبيل الذي يتبعه عملٌ أو تبريرٌ، أم الأمر مجرد حادثة عابرة و«فقاعة صابون» وانفعالٍ مؤقتٍ يصب في سياق النية المبيَّتة، لكتم الأنفاس وتكسير الأقلام وإراقة مدادها على موائد الحكام أصحاب السلطة والسلطان، وجرِّها لمواضع الذلة والانكسار، وجعلها أداةً طيِّعةً ليِّنةً في أيدي المسؤولين، وصنّاع القرار.
وانطلاقاً من هذه المعطيات يبرز السؤال: هل الصحافة السودانية الحالية يمكن أن تلعب دورها بوصفها سلطةٍ رابعةٍ «افتراضيةٍ»، وتسهم في البناء الوطنيِّ، وتحظى باحترام الجمهور والحكومة ومؤسساتها أم أن أمامها طريقاً وعراً وشائكاً لبلوغ هذه المكانة؟ وفي هذا المقال نحاول أن نقترب من حياض صاحبة الجلالة السودانية، وإثارة هذا الموضوع الحيوي المهم، ونترك الباب موارباً لبقية الأقلام، للطرق على ملفِّه الساخن. فالمتابع عن كثبٍ للصحف السودانية التي تصدر حالياً بمختلف توجهاتها السياسية والرياضية والاجتماعية، وعددها الذي يقارب الأربَع والثلاثين صحيفةً عدا المتوقف منها بمسببات، أو دونها يلاحظ أن أغلبها يُعَد صحفاً وليدة التأسيس، وعمر أكثرها توزيعاً لا يتجاوز بضعة أعوام، بل إن بعضها لم يُكمل عامه الأول، والملاحظة الأخرى المهمة في هذا الشأن أن كل نظامٍ عسكريٍّ يصل إلى سدة الحكم هناك فقرةٌ ثابتةٌ في«البيان الأول» تأمر بتأميم الصحف القائمة، وتلغي تراخيصها؛ لتقوم على أنقاضها صُحُفٌ مرحليَّةٌ ناطقةٌ باسمه، ثم لا تلبث هذه الصحف «المرّوضة» أن تفشل وتبور بضاعتها رغم ما يوفرونه لها من إمكانات إلا أن مصيرها دائماً الإغلاق والنسيان من ذاكرة الشعب، أو تؤول لتجارةٍ رائجةٍ لبيع «الراجع» بالكيلو« بمقبرة» الصحف في عمارة «أبو العلا» القديمة!! علماً بأن تأريخ الصحافة السودانية قديمٌ وعريقٌ، وعمرها قد قارب مائة عامٍ، فقد بدأت «بحضارة السودان في عام 1919م» على أيدي نفرٍ كريمٍ من الوطنيين، واختُتمت «باليوم التالي 2013م» أحدث الصحف صدوراً، والبقية ستأتي تباعاً خلال الشهور والأعوام القادمة؛ من خلال عمليات الإحلال والإبدال والتوليف والانشطارات المتتالية. وفي كل هذه التحوُّلات والحِقَب يتبادل الصحافيون الأدوار، بعضهم يتكيَّف مع الوضع السياسي الراهن الجديد، ويلعب أدواراً «حرباوية» تقع في إطار ثقافة «دعونا نعيش»، وهؤلاء قومٌ كثرٌ، ويمكن أن نطلق عليهم «موظفو الصحافة» و غالباً لا تتجاوز كتاباتهم محطة خدش الجلد، ثم تؤول بتراكم السنين إلى أدب صحفي سوداني يظل حبيس أضابير دار الوثائق المركزية، والبعض الآخر «أولو بأسٍ شديدٍ»، تجبرهم مبادئهم ومهنيتهم العالية على ألا يتخلَّوا عن قول الحق، وهؤلاء يطولهم الإيقاف التعسفي، فيطويهم النسيان، ومع هذا فإن هناك صحفاً راسخةً حافظت على أسمائها القديمة رغم تبدل الملاك ونجحت إلى لحدٍّ ما في المحافظة على نكهتها ومذاقها العام، وتُعد صحف «الصحافة، الأيام والرأي العام» هي الأعرق من حيث الاسم، ومازالت أسماؤها ومحتواها تُحدث رنيناً في نفوس من عايشوا عصرها الذهبي، ورابعتهم صحيفة «السودان الجديد ومؤسسها الأستاذ الراحل أحمد يوسف هاشم أبو الصحافة السودانية التي توقفت عن الصدور منذ البيان الأول لثورة مايو المظفرة!!!»، ولك أن تلاحظ عزيزي القارئ الفرق بين سودان «أحمد يوسف هاشم» الجديد الذي كان يُبشِّر بسودان ما بعد الاستقلال وسودان «الحركة الشعبية» الجديد الذي نعيش جانباً من فصوله وتداعياته هذه الأيام، وهناك صحف «الخرطوم، وألوان وأخبار اليوم والسوداني»، فهي قديمةٌ نوعاً ما، أما بقية الصحف فمازال الوقت مبكراً للحكم على مخرجاتها و «طول نفسها»، ومعرفة مدى قدرتها على الصمود، وكل هذا متعلقٌ بالإجابة عن السؤال المطروح: هل الصحف السودانية مرهونةٌ ببقاء الأنظمة السياسية أم تحمل عناصر الفناء داخل كواليسها وأحشائها؟ ويمكنك أن تقارن هذا بصحف دولٍ من حولنا؛ ففي الشقيقة مصر مثلاً صدرت صحيفة «الأهرام» في عام 1875م، ومازالت تحتفظ بنكهتها وشهرتها وتُوزّع الآن في السودان بسعر صحفنا المحلية نفسه، ألا يثير هذا أكثر من تساؤل؟ وهل تملك الصحف السودانية القدرة على الصمود قياساً على المعايير العالمية لإنجاح الصحف وتأثيرها على الرأي العام المحلي والإقليمي؟ حيث تمثل التجارة جزءاً مهماً من مهنة الصحافة. ويقول الخبراء في «بزنس» الصحافة إن جودة أيِّة صحيفةٍ غالباً ما يكون الحكم عليها بلغة السوق، مثل نسبة الإعلانات، وهناك مبدأٌ اقتصاديٌّ راسخٌ يجزم أن الصحف المسؤولة تخصص ما يزيد عن 65% من محتوياتها للإعلانات، والمتوسط يقل قليلاً عن 60%، وهي بهذه الكيفية تجارةٌ رابحةٌ قبل أن تصل إلى يد القارئ هكذا تعمل الصحف الراسخة صاحبة الرسالة المستدامة وعادةً ما يربط عدد العاملين في الصحف بالتوزيع، حيث يكون المعيار هو موظفاً واحداً لكل ألف قارئٍ. وتبعاً لهذا المعيار، فإن الصحيفة التي يصل توزيعها إلى«50 ألف» نسخة ينبغي أن يعمل بها«50» مخبراً صحفياً ومحرراً، فهل وفق هذا المعيار تعمل صحفنا؟ ويمكن مقارنة هذه المعايير العالمية بالتوزيع اليومي للصحف السودانية، حيث أوردت آخر الإحصاءات التي يصدرها المجلس القومي للصحافة والمطبوعات أن أكثر صحفنا توزيعاً لا يتجاوز حجم طباعتها «مائة ألف» نسخةٍ في اليوم؛ وبنسبة توزيع 92% من حجم المطبوع، وأقلها يطبع «ثلاثة آلاف» نسخةٍ؛ ولا يتجاوز توزيعها 50% من حجم المطبوع؛ وهذا الرقم الضئيل مقارنةً بحجم السكان «35 مليون نسمة»، ونسبة الإعلانات، وحجم سكان ولاية الخرطوم «8 ملايين نسمة» يفصح عن حجم الشغف القرائي للصحف السودانية، ويعكس الحالة البائسة التي تعيشها الصحافة والصحافيون، وهذا الترتيب الافتراضي للصحف السودانية الذي يجرى من حينٍ إلى آخرَ، هل يتم بدراسةٍ إحصائيَّةٍ معياريَّةٍ دقيقةٍ لمعرفة شرائح القرَّاء ومستوى طبقاتهم ودرجة تعليمهم وثقافتهم، لمعرفة المعايير الحقيقية التي استند عليها، وهل درجة التوزيع وحدها تكفي لتصنيف الصحف وقياس جودتها وموجهاتها؟ فالصحف الصفراء أو ما يسمى بصحف الفضائح في المصطلحات الصحفية هي الصحف الأكثر توزيعاً في بقاع الأرض، فهل يُعدُّ هذا نجاحاً أم يصب في خانة الإسقاطات الإنسانية والتفلت المجتمعي؟ وفي هذا السياق تقول إحدى الطرف الصحفية: «فقد ظلت صحيفة نيويورك بوست (New York Post) الشعبية تخسر المال مدَّةً تزيد عن عشر السنوات؛ وكان أحد الأسباب هو فقدانها سوق الطبقة الراقية وسوق الإعلان، وعندما حاول مالكها السابق «روبرت مردوخ» إقناع المعلنين بألا ينصرفوا عنها، يفترض أن مدير أحد المتاجر الكبرى رد عليه قائلاً: «ولكن قراءك يا «مستر مردوخ» هم من يسرقون البضائع من محلاتنا!!» هذا جانبٌ، أما الجانب الآخر المتعلق بالجودة الصحفية وفنون التحرير وكتابة الأعمدة والسياسة العامة للصحيفة، فمعظم الاتجاهات تشير إلى أن الصحافة بصفة عامة وفي ظل تنامي المعرفة وانفجار المعلومات وتوفُّر الأخبار على القنوات الفضائية وعبر الشبكة العنكبوتية، تسير نحو صحافة الرأي، لكنها مازال لها وجودٌ فاعلٌ رغم منافسة الصحافة الإلكترونية وعادة ما تستمد الصحف قوتها وعنفوانها من مقالات الرأي وكُتَّاب الأعمدة الراسخين في العلم، وأهل السودان أيضاً يطالعون الصحيفة من خلال الاطِّلاع على عمود كاتبهم المفضَّل، أو الكُتَّاب الذين في جوفهم نارٌ!! والذين يمتازون بالجرأة والشجاعة وحصافة الأفكار وإطلاق المبادرات وكشف زيف الساسة وتنبيه الحكام لمَواطن الفساد وأوكار الشر، ويتسق مع هذا أن الصحافة عموماً هي المهنة الوحيدة التي لا تحتاج إلى واسطةٍ ومجاملاتٍ وعلاقاتٍ عامَّةٍ ووجهٍ حَسَنٍ؛ بحيث تُمثِّل المهارات والثقافة العالية والاستعداد النفسي وعِزةُ النفس أهم شروط الانتساب حتى ولو كنتَ من حملة زمالة قسم الصحافة بجامعة «أكسفورد»، أو تحمل رخصة الاتحاد المهْني للصحافيين السودانيين لممارسة المهنة، أو أراد الناشر «لحاجةٍ في نفس يعقوب» أن يمنحك شرفاً لا تستحقه، ولكن المتأمل لصحفنا اليوم يلاحظ أوجه القصور والاختلال في هذا الضرب، فالأعمدة الصحفية وهي أرقى فنون العمل الصحفيِّ أصبحت متاحةً لقطاعٍ عريضٍ من صغار الصحافيين والمتصحفين، دون توفُّر المعايير المطلوبة، وحتى فكرة العمود بوصفها فكرةٍ مبسطةٍ تتقيَّد بمفرداتٍ منتقاةٍ ومساحةٍ محددةٍ وفكرةٍ تترك أثراً، أصبحت شفراتٍ وألغازاً وتقمص أدوار وتراشقاً بالكلمات وجدلاً وأوهاماً، وهذا بالطبع لا ينتقص من قدر إرثنا الصحفي القيِّم على مرِّ التأريخ، وكُتَّابِنا الكبارِ الذين وصل بعضهم لدرجة العالمية، وأعمدتهم «المسبكة» تأوي إليها أفئدة القراء ويتلقفونها مثل الخبز الساخن الخارج لتوه من الفرن!! ولكن للأسف الشديد ضاعت الأفكار والمواهب والحروف الصادقة الأمينة في زحمة الفوضى، والترهل الصحفي واختلال المعايير «رحم الله الدكتور الصحفي كمال حنفي الذي رحل عنَّا في صمت خلال الأيام الفائتة، وكان يُمثِّل بعموده الناضج «إلا قليلاً» أحد ملوك الأعمدة الصحفية في بلادنا».
والقارئ السوداني عادةً ما يتلقى خدمةً صحفيَّةً جيِّدةً من الصحافيين الذين ينافسون تنافساً شرساً، للحصول على الأخبار وكتابتها بطريقةٍ جديرةٍ بالاهتمام، بشرط ألا يعتمدَ الصحفي إثارة المشاعر أو المبالغة فيها، وبالطبع ليست أخباراً على شاكلة «ولادة طفلٍ برأس ثور أو كساد سوق الملبوسات الداخلية في سوق سعد قشرة كما جاء في مانشيت إحدى الصحف»، ومع ذلك ليس من الضروري أنه كلما ازداد ميل الصحيفة نحو الإثارة كان تدفُّق أرباحها على حسابات الشركة أكبر، فالسلامة التحريرية والصحة المالية والنفسية يعملان جنباً إلى جنبٍ؛ حيث المنتج التحريري القوي يجذب القراء من الطبقات الراقية وهو ما يريده المعلنون ولا يستطيع أكثر المتفائلين وبالنظرة الفاحصة لصحفنا وعددها الذي لا يتناسب مع وضع الدولة وثقافة الشعب أن يتكهن بما يحمل الغد من بشريات، ليبرز سؤالٌ مُلِحٌّ آخرُ: لماذا تكتب الصحف؟ ولمَن تكتب؟ طالما أنها لا تلقي بالاً لدى المسؤولين، ولا تحظى باهتمام غالبية الجمهور، بالرغم من أن التأريخ يفصح أن الصحافة السودانية لعبت أدواراً مفصليةً في حركة تأريخنا السياسي المعاصر، وأسهمت بصورةٍ فاعلةٍ في تقويض الأنظمة الديمقراطية، بدءاً بالنظام الديمقراطي الأول 1953 1957م «اختلاف السيدين» وتأجيج الصراع بينهما والنظام الديمقراطي الثاني 1965 1969م، باستهدافها المذل لرموز ذلك العهد والنظام الديمقراطي الثالث 1985 1989م بالوصفة ذاتها، ومراجعةٍ لدار الوثائق المركزية تفصح عن ماذا كانت تفعل صحفنا في تلك الفترات المتعاقبة، و الآن ربما انتحى بعضها منحًى آخرَ لم تعهدْه من قبل، وتحولت بعض الأقلام في غفلة من الزمان إلى أظافرَ وأنيابٍ تنهش في جسد الوطن المنهك، وتعمق جراحاته، وتعقد أزماته مع صباح كل يوم جديد؛ دون أن يُلقى لها بالاً، أو تسدى لها نصيحةً.
أمنياتنا القلبية الصادقة أن تندفع الصحافة السودانية نحو الجودة والاتقان، وأن تحوز على اهتمام أهل السودان، وأن تكون لكلِّ صحيفةٍ شخصيتها وتميز اسمها التجاريِّ، ولها القدرة على «الديناميكية» المتجددة والتكيُّف مع التغيُّرات التقنية المتطوِّرة، وألا يرتبطَ وجودها وسياستها بحقبةٍ معيَّنةٍ، وأن تعرف كيف تفرِّقُ بين الخاصِّ والعامِّ، وتحافظ على شرف المهنة وأخلاقياتها، دون المساس بأمننا القوميِّ وثوابتنا الوطنيَّةِ.
والله المستعان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.