قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شجرة العائلة
نشر في الصحافة يوم 21 - 07 - 2013

: كلتوم أخت الحربي والحربي أخ الزين والزين زوج كلتوم، كيف يكون ذلك الأمر ممكناً؟ اختلط الحاضر بأزمنته الراهنة بالماضي بذكرياته ومتفرقات النسيان التي تحشد ثناياه، ذكريات جميلة في الغيط القديم واولى سنوات التخضيرة.. السفر غرباً باللواري اوائل الستينيات وتخب تعلو وتهبط الكثبان الرملية وقد وصلت وتجاوزت الابيض.. كسلا وارض القاش.. الزمن الجميل يلجأ اليها هرباً أحواله الماثلة حيث تنتظره، ويجد في الاتجاهات تحديات تلازمها مصاعب، في كل فينة صنوف معاناة تلازمها علل مرض مزمن.. تتقد الأفكار.. تلتقي الخيالات في ذهن يوسف المتحكم، يحاول لملمة ما يتفرق منها وطرد ما يزحم تلك الأفكار.. ينغمس في النسيان حتى ينسى أنه يوسف محمود، وأن أمه رقية بت سليمان، وأن خاله يوسف الذي ذهب إلى الصعيد أو ربما ذهب الى جبال تقلي.. لم يعد الامر في جليته ولا يعدو في كل أحواله أن يكون حالة صفاء ذهني تخص يوسف المتحكم وحده ولا غير، الأمر ببساطة ان أحمد الحربي قد زوّج أخته لأمه لأخيه من أبيه.
يوسف المتحكم أمه بنت عم أبيه، دفع أبوه مهراً لبنت عمه خمسين ريالاً جيداً، كان وقتها مهراً يكفي لتزويج خمس نساء جملة واحدة.
كان شديد الفخر بجده السابع، ويقال زيادة في الكلام الحادي عشر سعد المتحكم، حتى سمي به، كانت الحكايات لا تضاهيها بطولة اجداده الذين قضوا في مقتلة القوز، حينما باغتتهم جردة من الجهادية أمام القرية في صيف قائظ عند حفير كنينة بعد قائلة النهار بقليل. وتصدى لها من كان بالفريق حين حاولت الجردة غنم الأنعام التي وردت الحفير.. ساد هرج ومرج عظيم.. مات حمد الجبوري الذي كان شاباً يافعاً ثابت القلب شجاع بقرت المجموعة الغازية بطنه، ربطها بعمامة كان يلفها حول رأسه، قتل الكثير منهم ثم قضى، مات في تلك الغزية، رجال صناديد وكهول مص الدهر مخ عظامهم ذوداً عن الحمى.
عادت المجموعة الغازية أدراجها دون أن تغنم شيئاً مما ورد على الحفير.
يوسف المتحكم هو ابن محمود بن إبراهيم بن حمد بن محمود بن علي بن شلهمة بن كنينة بن سعد المتحكم. وفي رواية أخرى للنسابة موسى أب جكة هو يوسف بن محمود بن إبراهيم بن حمد بن أحمد بن شهلمة بن كنينة بن نايل بن عبود بن موسى بن سالم بن منصور بن سعد المتحكم. ولسعد المتحكم قصص وحكايات يرويها إبراهيم ود حمد جد يوسف، وللرجل تاريخ ناصع، وهو بحر زاخر من الحكمة، وله مواقف مشهودة كان يتخذ من جزيرة كيكي مقراً له في أول عهده، ويقال عنه إنه حارب مع عجيب المانجيل في آربجي ثم زحفا بجيوشهما نحو سوبا، ثم استقر الأمر لعجيب المانجيل في قري، وبعدها صار سعد المتحكم أمير ديار تمتد من شجرات الأراك إلى الشمال من أم سدر وحتى مشارف الصعيد كانت داره منزلة إضياف، حيث كان مشهوراً بالكرم، ومن عاداته أنه كان يحلب لبن بقرته في اناء من القرع ويغطيه بطرف ثوبه ويحمله الى كل امرأة تكون في النفاس دون أن يكل أو يمل، ويهدي ثوبه من القنجا الذي يتلفح به الى كل مسكين تعوزه الثياب يصادفه في الطريق، وحين يسأل عن اين وضعه يجيب ربما اكلته احدى بقراته، وما رد صاحب حاجة قط، ومطمورته يكيل منها للخالات والعمات، ولسعد المتحكم احد عشر ولداً، أمحمد وهو أكبرهم سار بأهله وسكن البحر ناحية ام شرفة، وهو جد البواليد حيث اشتغل احفاده بالزراعة وعمروا تلك الديار وبنوها بالطوب الدانقيل، وكان اساطين هذه الصنعة ابناء من السافل وابناء ريف من أسوان، وكان تأثير الزراعة والسكن جوار النهر، وكانت طباعهم تخلو من الخشونة وفيها لين، وحسن تدبير شؤون الحياة كان بائناً في حماسهم ونشاطهم.
منصور التالي لأحمد، حيث استقر بديار أبيه أم سدر، وتولى ابناؤه واحفاده الحكم والامارة والنظارة، وساروا على نهج آبائهم الاوائل، وتسود طباعهم الحكمة والرزانة والاناءة، واشتهروا بالجود وكانوا كرماء كاسلافهم، الا انهم قلة ولم يكونوا بالكثرة كابناء عمومتهم الآخرين، ولمناصرة ابناء عمومتهم من احفاد سعد المتحكم الآخرين الفضل في ابقاء حكمهم، وعلى الرغم من قلتهم كانوا فرساناً لا يشق لهم غبار وقويي الشكيمة والبأس، مرهوبي الجانب ولهم هيبة عظيمة. والثراء يجري بين أيديهم.
محمود وناصر ونايل وحسان استقر حالهم بأم سدر واشتغلوا بالزراعة والرعي والتجارة، وكانت كثرتهم ظاهرة للعيان، وامتدت فروعهم وبعد فترة من الزمان ضاقت الفلوات حول ام سدر بقطعانهم واحفادهم، وسار الرعاة منهم نحو البلاد الواسعة حيث الكلأ والماء لقطعان المواشي والانعام الصغيرة، وذهبت بهم المذاهب نحو الصعيد الجواني وما بعده، حيث استوعب الخلاء الممتد هناك هذه الأعداد من الناس والبهائم.
علي وحمد ومعالي استقر بهم المقام على الضفة الاخرى للنهر ناحية الشلال، وامتدت فروعهم ولم تنقطع صلات فروعهم عن أم سدر، وتحفظ غالبيتهم شجرة نسبهم الواصلة الى سعد المتحكم، واشتهروا بالنباهة والحذق، وفشى فيهم التعلم واختلطوا بساكني تلك النواحي من ناحية آبائهم وأمهاتهم، ولم يتبق الا خيط رفيع يفصل هذه الانساب عن تلك الأصول حتى تجد الحمدي اصل امه من تلك الديار وأحد الشلاليين أصل أمه معالي.
خالد وبدر هما اصغر أبناء سعد المتحكم، وقطن بنوهم الى الشرق من ام سدر الى الجنوب قليلاً، وعمروا تلك البقعة، وكانت لذراريهم قرى ظاهرة كبيرة، ويقال أن خالداً اشتغل في صباه ويفاعة شبابه بصيد الافيال مع قبائل الحمرات، ولم يعد الى الديار الا وهو كهل، ابيض حاجباه، وترهل لحم جسمه وتساقط شعر اهدابه حتى سمى خالد الأهدب، وكان في شبابه فارع الطول نحيلاً خفيف الجسم، وحتى في كهولته لم ينحن ظهره ويتقوس، وكان حاد البصر، نافذ العزم، ذا رأي وفطنة.
تزوج الكثيرات من قبائل الحمران، وفولانية التقى ابيها في طريق عودته من الحج قبالة بربر، وواحدة من الفوزي ووزى، وجبرتية، ولم تصحبه في عودته إلا اصغر نسائه اللاتي بلغن العشرين، وكان مزواجاً ولم يتعد في كل تلك الزيجات حد الشرع، ولسعد المتحكم تسع بنات، وكان يزوجهن باقل المهور، حتى انه زوج احداهن بنصف ريال فضة، كانت تلك سريتي، كانت الصغرى فيهم لابن عمها الذي كان لا حدود لعطائه رغم قلة ما يملك. واكبرهن أمامة ذات قدر كبير من الجمال ورجاحة العقل، بنت ابيها ولا فخر، امرأة بهكنة، تملك الذهب والمال، وكانت صنو بعلها.
ثم صُلحة ومهلة وام فرسات ونايلة وبتول وصفية وعائشة.
يوسف محمود الابن الأكبر لناظر الخط الذي امتدت نظارته من الاراكسات وام شرفة حتى حدود الصعيد، الا ان قانوناً اصدره وزير الحكم المحلي الغى بموجبه كل مظاهر الادارة التي تنظم شؤون الناس في الريف البعيد، إرث عتيق عمره مئات السنين، ذلك بايعاز من الرئيس الغاضب الذي يرأها متدثرة بثياب الطوائف وعقائدها.
حرم القرار الناس في أم سدر وحواليها من سيد ديرة والقربين، سيد القدح أب خرس، لازم الحدود، لذلك يوسف المتحكم حُرم من تقليد متوارث منذ مملكة الفونج، ألا وهو الجلوس على الككر ولبس الطاقية ام قرنين عند تقلد النظارة وتولى واجبهاتها، بعد تقلد منصب عمدة لأم سدرة، ثم اقيل العمدة يوسف من منصبه لتضامنه مع المجموعات التي قامت باضراب شهير حرضت بموجبه مجموعة من المزارعين على عدم القيام بأية من الاعمال الفلاحية، واعلان العصيان، وان موقفه غير واضح، هكذا بررت السلطات امر إقالته ونقلت العمودية لعمه زايد.
يوسف محمود قبل أربعة عقود أو يزيد رجل تملؤه الحماسة، يحب الحياة، يحب الخير وفعله، كان يترسم خطى الاقدمين، لكن لا الناس ولا احداث الزمن متقاربة، لأن الناس اشبه بزمانهم من آبائهم. وكان يحدّث عن التاريخ القريب والتاريخ البعيد، عن الناس وعن حادثات الزمن.
كان جدي حاج ابراهيم يقول عن ابيه حمد انه كان وحيداً لا أخ له إلا اربع اخوات هن نايلة، امامة، سريتي ومهلة، كان لأبناء عمومته منافسة أقرب إلى الخصومة، لأنه نشأ وتربى في كنف عمته ست البنات، لأنها وهبت له كل ما تملك إذ أنها عقيم، ويقال انها اهدته جرة مملوءة بالذهب وحُق من خشب الابنوس تحفظ فيه وثائق ما تملك، اذ لها مائة وعشرون جدعة، ثلاثون حبل بحري، ولها شهادة بحث لمائة فدان في تسجيلات الاراضي في عام 6291م مهر توقيعها بالحبر السائل حنفي ناصف رئيس تسجيلات الاراضي، كما اشترت سبعة حبال بحرية من حميدان الاشقر بخمسة جنيهات مصرية، وكاتب الوثيقة البدري أُمحمد الأمين وشهد عليها خوجلي ود الزين ومعروف السنجك، وذلك في 51 رجب 0131 هجرية.
كان حمد وحيداً لو هلك لما أنبت بعده أثر ذرية، ولما قامت له قائمة تذكر بالخير، ولم ينجب الا ثلاثة بنين هم جدي حاج ابراهيم واخويه نايل ومحمود وبنتين هما امامة وخلود، وجدي حاج ابراهيم حمد انجب ابي محمود الذي تزوج من ابنة عمه نايل نعمة، وانجبني انا يوسف واخوتي الجاك، علي، الشامي، آمنة، حليمة، عرفة، السعدية وأم جلال.
وانجب زايد وكان شديد السمرة، وكل من رآه قال لا صلة له بابناء ابراهيم، وكان ابهر العينين، تزوج من ابنة عمته مهلة، كان اباها من جزيرة صاى، وكان ابوها صديقاً لجدي، لهم مركب كبير يجوب النيل، ينقل الغلال ويحمل في جوفه خمسين اردباً وله شراع ضخم.
سالم كان درويشا له احوال، تخافه النساء على وجه الخصوص، ويبذلن له كل ما يطلبه، لأنه كان يقلب الكلام، تارة يحادث عالم غير موجود باصوات مسموعة، يأتي باخبار الغائبين والمسافرين واحوالهم، كان الاعتقاد السائد ان سالماً ذو ولاية خفية، لدروشته اجوال، مرة تراه في ملابس رثة، مرة تراه في ملابس نظيفة شديدة البياض، وتحت الرث والنظيف من الثياب جسد نظيف ولا أثر على أقدامه من غبار السير والمشي، وإن امضى النهار بطوله في التجوال، زوّجه أحد الشيوخ ناحية ام شرفة احدى بناته وانجب منها ابنين وسيمين كانا من الحفظة.
وأنجب بابكر الذي سافر الى مصر ودرس بالازهر واستقر به المقام في السيدة زينب، وصار بيته قبلة لكل معارفه الذين قصدوا الديار المصرية، وتزوج من طنطا، وجاء بعد حين احد ابنائه يتعرف على جذور ابيه ويصلهم، وأدرك ابراهيم ود حمد في اواخر ايامه ونال العفو من رجل سمته الرضاء.
وأنجب المبارك الذي عاش في ام شرفة واشتغل بالتجارة، ودرس في كتابها واكمل المدرسة الاولية، ثم ذهب ليلتحق بمدرسة بيت الامانة الوسطى، وسكن في العباسية جوار محطة عابدين، ومدير بيت الامانة الشيخ عبيد عبد النور، بجانب ضابط المدرسة فؤاد التوم الذي كان ذا شخصية قوية يرهب كل الطلاب، ولمعلميها القدح المعلى في جعل فصولها قاعات للعلم والمعرفة، أبو بكر سرور، محمد كردمان، هاشم عثمان حارس مرمى المريخ وزاكي الدين بلال.
كانت تصنع لهم الطعام بت فرحين ربة الدار، ويبدأ عملها بعد الفجر بقليل. ويشربون الشاي في أكواب الشوب الكبيرة مع الرغيف الشمسي ذي الرائحة اللطيفة، يحضره العم حمد. وقد استدار الزمان قليلاً، ومضى على الاستقلال عام ونصف، والندبة التي على جبهته هي بفعل ضربة ضربها اياه كمساري الترماى حيث دفع له قرشاً ثمن التذكرة بين الخرطوم وام درمان، وصاح في وجهه يا اولاد يا عفاريت الشيطنة تقفز من عيونكم، ضربه بمؤخرة قلم الكوبيا، ثمن التذكرة قرشان ونصف وليس قرشاً.
وتم قبول المبارك بالمدارس الثانوية، وتم توزيعه على مدرسة جوبا الثانوية، وهنا رفضت أمي الحاجة سفره الى هناك واحداث الاضطرابات الاولى لم ينجل غبارها، كما ان البلد بعيدة والسفر اليها ببابور الماء يستغرق اياما طوالاً.
نفيسة تزوجها العمدة صالح ابو جديري ورحل بها الى بادية بالقرب من قيلي، وكانت تعود الى أم سدر في أوقات متباعدة، وكانت ذات بنين وبنات كثر.
ونعمة عاشت شيئاص من طفولتها في ام شرفة، وقبل ان تصير يافعة بقليل تزوجها محمود نايل واستقر في الشلال وانجبت الخضر، صديق، الصادق ونصف دستة من البنات المليحات، أمامة، مهلة، نايلة، نفيسة حليمة وخلود.
وأنجبت حليمة التي كانت تدرس في خلوة الفكي، ولذكائها المفرط تعلمت القراءة والكتابة، وذاكرتها تختزن الكثير من القصص والحكايات، الغابة المسحورة قصص ابو زيد الهلالي، وأحاجي جدتها بت المك، وشعر الحماسة ولها شعر واراجيز غير كثيرة عن جدها حمد المك، وتزوجها الباقر وهو ازهري تزامل مع اخيها بابكر، وكان يأتيهم بأخباره قبل ان يقطع الاخير صلته وتطويه الغربة تحت جناحها، ولها منه فاروق، جعفر، مالك ونفيسة.
خلود ابراهيم لزمت ام سدر في طفولتها وشبابها وكهولتها، وعمرت حتى أخرجت اسنان اللبن بعد المائة ونيف. وتزوجت بابن عمتها امامة علي افندي، تاجر مُجد وله أسفار متعددة الى الحجاز ومصر وكرن، اكتسب من اسفاره الكثير من التجارب، عرف الكثير من تقاليد الشعوب، له بر خاص بخاله ابراهيم، وله ظرف لا يجاريه فيه أحد، الهندمة عنده لها أصول، ذات يوم والناس صيام غم على الناس غطى السحاب صفحة السماء، أكل الانتظار بقية صبر الصائمين، قام النصيح يؤذن أمام البروش، كان علي أفندي قد اشار على خاله ابراهيم ألا يفطر لان الوقت لم يحن، نظر الى ساعة جيبه تبقى زمن يسير ودون اليسير بقليل، ما هي إلا هنيهة والشمس انكشفت وبين مغيبها دقائق، صاح الناس يا علي افندي غلبتنا بساعة جيبك. وتململ بعد الافطار الخليفة، اذ كل حديث له فيه رأي، لأن رأيه صواب ورأي غيره يحتمل الخطأ، لأن ما تسيره العربة التيمس في ساعة قد يقطعه الرجل بحماره في يوم كامل، وان دواء الحكماء انجع من الوصفات التي تصفها الجدات، المغالطة، ان علي افندي قال ان بندق نايل تضرب سبعة وعشرين ياردة، ورد عليه الخليفة ان بندق اب دهلة تضرب من ام سدر الى الخرطوم، ولأجل ذلك ارسل له اب دهلة كسوة بلدية وعليها ثوب من الساكوبيس.
سريتي ابراهيم كانت ككل النساء في ام سدر لا تخرج عن دثار الريث والرتابة، حيث ثوب الزراق وعطر بنت السودان وحجول العاج تزين ارجل البدينات وينتعلن الزوزو، والحياء يلف الحياة، الحياة وقتها تنعنق من ربقة الوافد البغيض والحناجر الغضة تنادي بالرحيل، الهتاف المدوي يهز اركان الزمان، الجلاليب البيض طلائع الشباب تهتف بحياة الوطن، كانت سريتي ترقد بجانب ابنها حسن، بعد ان قرر الحكيم جوزيف البينو ان يذهبوا به الى الاستبالية في خرطوم الدُرُمّبال، حيث لم يجد القرظ نفعاً، وشراب الاعشاب، خليط التربة. وكانت الحالة الأولى التي تعالج في البندر، لان ام سدر تعالج مرضاها بطرق العلاج المتوارثة وخبرة الكبار والمعمرين والرقية والبخور والاحجبة. وكانت تلك اولى تجارب سريتي في الذهاب الى المدينة. وصار حسن بن سريتي فيما بعد طبيبا يعالج مرضاه في ام سدر، يعلم شكواهم، تدور شكواهم ان المرض آخذ بتلابيب النفس، ويوردها ضيق الخلق، وحشرجات دون حشرجات الروح، خميم انفاس، تنمل الاطراف ارتخاء في العصب، سيولة اللعاب، زغللة العيون فوران الدم تيبس الريق وجفافه، ثقل في الاذان فلتان في الذاكرة، الاقدام لا تقو على السير كما كان الامر قبل عشرين عاماً، ثم تصل أخيراً الى ما يعينه في تشخيص المرض ووصف الدواء.
جلس يوسف محمود يشكو من مرضه المزمن، الضغط والنقرس، لانه يرى أن لا بديل للحوم والالبان وروائبها، كال له من المحاذير ما يكفي ساكني حي راق من البندر تصنيف درجته الأولى، وقت انطلق حول العالم سحر ونجاعة الاسبرين والمسكنات والمطيبات الاخرى وأنها الحل، وولع المتعالجون بها ويتخطفون ارشادات الاطباء بشغف ونهم من حيث التوقيت والجرعة، انصياعهم للمنع بعد دخل عدد من مباحات الغذاء في قائمة المحرمات.
وصف له صفاً من الادوية تحتاج الى ممارض خاص ملتزم ودقيق يعين ابن خاله عليها. لم يجد يوسف المتحكم في كلام ابن عمته في وصفته نهاية لمعاناة ما يشكو منه، بل الحرمان والدواء المر.
وراح حسن يسأل ابن خاله عن اخوته، كيف حال الجاك، ماذا صنع ابن علي مع الدراسة، ولماذا يترك الشامي حتى الآن دون زواج، كيف آمنة وصحتها وهل تصر على شرب القهوة، عرفة، سعدية، ونعمة فرداً فرداً وأبناء أميرة بنت آمنة وأبناء بنته سعاد وزوجها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.