تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجنوبيون في الشمال: شؤون وشجون الوحدة والانفصال
نشر في الصحافة يوم 15 - 06 - 2010

يقف السودانيون في الشمال وكذا في الجنوب من موضوع الوحدة والانفصال في مفترق طرق خطير، ولا يوجد بين هؤلاء استثناء إلا جماعة « الانتباهة» من جهة «وزمزمة» الاستاذ باقان اموم الانفصالية من الجهة الاخرى، فكلا الجماعتين قد حدد موقفه بكتابة جملة الانفصال، ووضع النقطة في نهايتها المؤشرة على تمام معنى الكلام ودلالته..
وأنا من الذين يحترمون مواقف الناس اذا كانت منطلقة من قناعات شخصية قوية، وليست قناعات «قطيعية» (من قطيع، وهي متابعة الآخرين بدون رأي شخصي) او اخرى «نعمتجية» (وهي ترداد ما يقوله الآخرون بطريقة الببغاء وقول نعم للحق والباطل).
للأخ الكريم ابو الشهيد ابوبكر، الباشمهندس الطيب مصطفى لا ازيد على ذكر موقف الداعية الكبير الاستاذ ابو الاعلى المودودي ، احد اساتذة دعاة هذا العصر عليه رحمة الله عندما عارض التيارات الوطنية الضيقة ولم يوافق على انفصال باكستان من الهند من منطلقات وقناعات اسلامية راسخة، فالهند التاريخية كانت امبراطورية اسلامية كما يعلم المؤرخون، ولهذا فهو لم يفقد الامل في عودتها الى اصلها. هذا الموقف جر على الداعية الكبير كثيرا من النقد والتجريح، ولكن المودودي صاحب قناعات عميقة قال بها ودافع عنها، وذهب الى ربه حيث ساحة المحكمة الكبرى التي لا تحتاج الى مدعي اتهام وشهود ومحامي دفاع، وابوالشهيد ابوبكر (واسمح لي ان اخاطبك بكنيتك) فيه شئ من صفات الاستاذ المودودي (وان لم يكن وحدويا مثله) وهي الاصرار والدفاع عن قناعاته بقوة.
اما الاخ باقان اموم الذي يقف في الخندق المقابل لخندق صاحب (الانتباهة) ، فأقول له ما قاله احد مزارعي الجزيرة في قريتنا (الجديد خليف )، (وليست الثورة كما اسماها احد قواد ثورة مايو)، وهي تقع حوالي 37 كيلومتر جنوب الخرطوم. فقد نصح هذا المزارع زميلا له ألا يشتري زاملة معينة لأنه يرى أن هذه الزاملة لا تقو على المشي في موسم الخريف والوحل ولكن الآخر اصر على شرائها، عندها قال له ساخرا: (بقابلك عند خمج الطين) والدلالة واضحة ان الزاملة (ستبرك) وتقف عاجزة عن المسير في الظروف الصعبة! قد يحتاج الاستاذ باقان لشرح بسيط لهذه الاستعارة metaphore واقترح عليه اسمين يختار منهما من يريده للشرح: احدهما الدكتور عبداللطيف سعيد بالمعهد الاسلامي للترجمة والآخر هو الدكتور عبداللطيف البوني الموجود بأماكن كثيرة فكلاهما من منطقة الجزيرة القريبة من قريتي ويفهمان مثل هذه الاستعارات جيدا.. اقول ان «خمج الطين» لن يبدأ في الجنوب بعد الانفصال، وانما هو حادث الآن.. لكني اتوقع ان يكون هذا «الخمج» نارا حامية بعيد الانفصال.
ولقد فهم ما ذهب إليه (الآباء المؤسسون).. للفكر والتيار السياسي الجنوبي من امثال سانتنيو دينق وسرسريو إيرو عندم عارض هؤلاء الانفصال من داخل الجمعية التشريعية عام 1948م، كما اعتقد. ومهما ادعى الاستاذ باقان ومدرسته انهم ليسوا خريجي مدرسة (الآباء المؤسسين) هذه وان مدرستهم هي الفكر المنحدر من خريجي جامعة ماكريري والآخر الذي تربى في حضن الاقطار التي تسمى الآن اقطار منابع النيل، يوغندا وكينيا وغيرها.. فإنهم لا يستطيعون ان ينكروا فضل مدرسة هؤلاء الآباء المؤسسين على الفكر السياسي الجنوبي - وهو وحدوي في الاصل - بنفس الطريقة التي لا ينكر بها الساسة الامريكيون منذ استقلال الولايات المتحدة وحتى اليوم تأثير مدرسة (آبائهم المؤسسين) من امثال جورج واشنطن وجون آدامز وتوماس جفرسون وبنجامين فرانكلين. غير اننا لا ندفع بهذا السبب السلبي في الدعوة للوحدة، اي تحذير الجنوب من الفتن الداخلية بعد الانفصال.. وان جنة (الجنوب) التي يتوقون إليها بعد الانفصال سيتحول نداؤها من (هلم الى جنتكم) سيتحول الى (أُنج سعد فقد هلك سعيد).. بدل هذا سندفع بالاسباب الايجابية لنداء الوحدة هذا، واهما اننا - رغم الاختلاف - شعب واحد ورغم الظلم الذي حاق بالطرفين من بعض، فإننا ننظر الى الخلف، وإنما ننظر الى الامام، ونعتقد بقوة اننا قادرون على تكوين بلد واحد نضرب فيه المثل للعالم اننا من التسامح وسعة الافق بحيث نجعل ما حدث وراءنا ، ولا ننظر الا الى قوة ارادتنا المدفوعة بمساعدة خالقنا على خلق امة واحدة يسود فيها العدل والمساواة .. نحن المسلمون نؤمن ايمانا قاطعا انه لا فضل لعربي على اعجمي إلا بالتقوى ولا على أبيض على اسود كما يقول رسولنا الكريم صلوات الله عليه وتسليمه .. واقول للاستاذ باقان : انظر الى الانجيل: ستجد فيه نفس المعنى لأن الكتابين او الوثيقتين من مصدر واحد كما هي قناعتنا، واظن انها قناعتكم ايضا.
اذهب من هذا الى لب الموضوع المضمون في هذه المداخلة، وهو بطريقة مباشرة يخص المليونين او اكثر من الجنوبيين الذين يسكنون بالشمال الآن، قبل حوالي الاسبوعين من الوقت الذي اكتب فيه هذه المداخلة وقفت بعد صلاة الجمعة في المسجد الذي يقع فيه مكان سكني وهو مسجد عمر بن عبدالعزيز بمربع 60 اركويت وتكلمت بانفعال شديد عن سلوك بعض السكان ودورهم في تحطيم و«تشليع» بعض العشش التي يسكنها جنوبيون جوار المنازل التي يوافق اصحابها على سكن هؤلاء، وذكرت ان ذلك السلوك «يطعن» في اخلاقنا وحتى في «رجولتنا» وما ندعيه من تسامح، وبعد الكلمة الموجزة جاءني بعض المصلين يناقشني في الامر، وكنت قد ذكرت اثناء حديثي اننا يجب ألا «نطرد» جنوبيي الشمال حتى ولو حدث الانفصال، وإنما نحرص على تثبيتهم كمواطنين بدولتنا فلجوئهم إلينا اثناء الحرب التي اشعلها اهلهم ضدنا يضرب اقوى الامثلة على تسامح السودانيين . هل يعقل ان يلجأ الهوتو الى بلاد التوتسي في حرب الابادة التي دارت بينهم ؟! وهل يعقل ايضا ان يلجأ البوسنيون الى بلاد الصرب اثناء حرب البلقان...؟!!
ان هذه الظاهرة فريدة في التاريخ، ولكنها - رغم التنويه بها - لم تعط ما تستحق من دلالة. الذين تكلموا معي في المسجد بعد مداخلتي القصيرة شريحة ممثلة للسودانيين، منهم من كان مديرا لمصلحة حكومية مهمة، ومنهم الجامعيون ، وآخر تاجر صاحب خبرة في الحياة والتعامل مع الناس. وبعض هؤلاء كان يرى ألا «يبيت» معنا الجنوبيون في الشمال ليلة واحدة بعد الانفصال..! ولأجمل واختصر الموضوع، فهذا الرأي منطلق من موقف عاطفي يغذيه العجز عن التفكير السوي، وهو فوق ذلك ضد المنطلقات الاسلامية والعدلية ، وضد مصالحنا الاستراتيجية ، غير انني اتصور ان كثيرا من المسؤولين في قمة الجهاز الحكومي والتنفيذي ربما ينطلقون من هذا الاتجاه الضيق..!
انني من هذا المنبر اوجه هذا الرأي بقوة للسيد رئيس الجمهورية بصفة شخصية وايضا للسيد نائبه، وهما شخصان اثق في تحليهما بالحكمة والأناة ان يصدرا قرارا واضحا منذ الآن ومشفوعا بأدلته - كالإقرار المشفوع باليمين كما يعرفه القانونيون - بأن المواطنين الجنوبيين في الشمال في حالة حدوث الانفصال يعتبرون مواطنين في بلدهم مهما أُطلق عليه السودان او الشمال، وتصدر في حقهم فورا الاوراق الثبوتية الدالة على ذلك.. إنني اعتبر هذا الاجراء اقوى العوامل واكثرها فعالية في ان يعيد البلدان المنفصلان النظر في امر الوحدة حتى بعد الانفصال، اما اذا كان قرار الاستفتاء للوحدة ، فهو ما نريد .. كم من سنة مضت وقطيعة مؤقتة حدثت بين ألمانيا الغربية والشرقية ثم دعتهما عوامل الوحدة للرجوع بعد القطيعة .. وأنا اجزم ان هذا سيكون مصير الكوريتين ، فالقطيعة بين هؤلاء واولئك مفتعلة وصورية artificial - وربما يظن البعض ان المقارنة بوضعنا ليست في محلها لوحدة اللغة والنسيج الديني والثقافي بين الألمانيتين والكوريتين وانعدامها في حالنا. ولكنني اعتقد غير ذلك فالتاريخ والمعايشة قد غزت عوامل الوحدة بين الشمال والجنوب وحلت محل اللغة والإرث الحضاري، فنساء الجنوب اليوم في الشمال يلبسن الثوب السوداني ورجالهم يلبسون الجلابية والعراقي وبعضهم اعتنق الاسلام ، والآخرون قد قطعوا اكثر من نصف الطريق الى ذلك.
اتوقع اذا تم الانفصال بعد الاستفتاء ان تحدث زوابع ورعود ومن هذه الزوابع امتناع كثير من قادة الجنوبيين من اتخاذ الجنوب موطنا لهم من امثال الدكتور لام اكول وغيره كثيرون من الذين لهم تحفظات على فلسفة ومنطلقات الحركة الشعبية لتحرير السودان، إنني اتنبأ ان هؤلاء سيصفون جسديا اذا اتخذوا الجنوب موطنا لهم بعد الانفصال اللهم إلا اذا «دخلوا الغابة» للمرة الثانية ، وفي هذا استحالة من القوة بمكان بحيث انها استحالة وجودية existential - فالمناضل والثوري لا يستطيع ان يدخل الغابة مرتين بنفس الطريقة التي اعتقد بها الفيلسوف اليوناني «أرستوفينس» ان الانسان لا يستطيع ان يقفز في النهر مرتين لنفس السبب الوجودي المذكور حيث ان النهر عند القفزة الثانية سيكون غير النهر وهذه قصة شرحها يطول... فعولن مفاعيلن فعول مفاعيل..
مثل الدكتور لام أكول وغيره كثيرون يجب ألا يُعتبروا لاجئين بدولتنا ، وانما هم مواطنون أصليون .. إذا احبوا حمل جوازات سفر دولة الجنوب فهم وما يريدون ، ولكن حقهم الاول في حمل جوازات بلادنا لأننا نسمح بازدواجية الجنسية . واذا اعترفنا «سياسيا» بالدولة الجديدة في الجنوب، فنحن لا نعترف «معنويا» بانفصالها عن جسدها الأم. ولذلك نقيم سياستنا على ذلك اليوم الذي تعيد فيه الاطراف النظر في كل شئ وتتجه نحو الوحدة الطوعية الابدية.
لقد قامت الآن مفوضية برئاسة الاستاذ محجوب محمد صالح لرعاية امر الوحدة والدعوة لها. وقد اتخذ قرار بأن تتحول اللجنة التي يرأسها المشير سوار الذهب لجهة تدعم الوحدة حيث كان منوط بها ترشيح المشير البشير لرئاسة الجمهورية.
ومع احترامي لجهود الجهتين فإنني على قناعة راسخة بأن اهدافهما لن تكون ممكنة بدون اصدار هذا الامر الجمهوري الخاص بإعلان ان المواطنين الجنوبيين في الشمال مواطنون في دولتنا في حالة الانفصال ،، وهذا لا يحتاج لتنسيق بين الشريكين لأنه يخص سيادة دولتنا بعد الانفصال وليس قبله، يجب الا تسمح الدولة بترحيل جنوبيي الشمال بصورة قسرية، اما من يختار الذهاب للجنوب فهو وما يختار. يجب ان تدافع الحكومة عن هذا الحق حتى بالسلاح. اكثر الدعوات للوحدة الآن عبارة عن «سكلي» و «ووب ووب» مثل نياح النساء الموتورات في عزيز عليهن، وهذا لا يجدي شيئا. الذي يجدي هو الحزم في هذا الامر، ووجود مليونين او اكثر من مواطني الجنوب في الشمال من مختلف القبائل من اكبر عوامل الضغط على الدولة الجديدة - في حالة وجودها - الى اعادة النظر في الوحدة الطوعية.
اذا كان هنالك من نصيحة تزجى للشماليين والجنوبيين في اطار هذه المداخلة ، فهي محاولة التخلي عن «العنصرية» و «الجهوية» التي انتشرت هذه الايام ! فهي في نظري تفاحة «إبليس» التي تسببت في طردنا من الجنة ونزولنا الى الجحيم الذي نحن فيه الآن...!! وهذه «العنصرية» هي كعب أخيل HEEL OF ACHILLES الخاص بنا والتي ستؤدي الى هلاكنا كما ادت الى هلاك آخيل إن لم نتخلَ عنها.
«دعوها فإنها منتنة» كما يقول المصطفى عليه افضل الصلاة والتسليم. تحكي الاسطورة اليونانية ان البطل اليوناني المحارب آخيل - ACHILLES- قد غمسته امه عند ولادته في نهر مقدس يُكسب الحماية الأبدية من الاصابة بالسلاح، وكانت تمسكه من طرف كعبه الذي لم تمسه الماء، فكان هلاكه في الحرب بالطعن في تلك الجهة التي لم تلمسها الماء على يد الفارس الطروادي «هكتور» في ال «ODYSSEY» ملحمة الشاعر اليوناني HOMER . العنصرية ليست هي دائما عنصرية الابيض ضد الاسود ولا العربي ضد الاعجمي ، هنالك العنصرية «المعقوفة» او «المقلوبة» وهي امتلاء الاسود بالكراهية غير المبررة لكل البيض وامتلاء الاعجمي بالكراهية غير المبررة لكل العرب، وهي معروفة اصلاحا ب INVERTED RACISM . اما ما اعلمك وما احلمك يا رسول الله فقد ضمنّت هذا المعنى العميق في حديثك عن الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم وهم الشيخ الزاني والحاكم الكذاب والعانس«الفقير» المتكبر.. فهذا الفقير المتكبر يزاول التكبر «المعقوف» او «الملتوي» او «المعكوس» وهو ما يوازي العنصرية «المقلوبة» اي عنصرية الاعجمي على العربي وعنصرية الاسود على الابيض غير المبررة، وقس عليها كل اشكال وانواع التحيز والعنصريات متعددة الاشكال والالوان . ان المكون النفسي الموازي للعنصرية هو «التكبر» .. وكما في الأثر الصحيح فقد كتب ربنا على باب الجنة انه لن يدخلها «متكبر» . وفي الانجيل ان الأرض سيرثها «خافضو الرؤوس تواضعا ولينا - الذين لا يستنكفون عن خدمة عباد الله» : The meek shall inherit the earth
Those who stand and serve.
ويعادل هذا عندنا نحن المسلمين قول الله تعالى «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون».. الانبياء 105.
اختم مداخلتي هذه بمقطعين - الأول والأخير - من قصيدة الشاعر الامريكي «روبرت فروست (1874 - 1963) Robert Frost ذات الدلالة الفلسفية العميقة والخبرة فيما يختاره الناس ويتركونه، ولروبرت فروست سطوة فائقة على حبك المعاني واختيار الالفاظ من قبيل «السهل الممتنع» للتعبير عن هذه المعاني ، وعنوان هذه القصيدة يمكن ترجمته ب «الدرب الذي اخترنا تجنبه» Road Not Taken وهذا الدرب ارجو ان يكون هو درب الانفصال:
The Road Not Taken
Two roads diverged in ayellow wood and sorry I coukd not travel both and be one traveler , long Istood and looked down one as far as I could to where it bent in the undergrowth
ويختم Frost قصيدته بالمقطع:
Ishall be telling this with asigh some where ages and ages hence two roads dverged in awood , and I,Itook the one less trveled by, and that has mde all the difference.
وارجو ان يسعدني زميلي ورفيقي في (الاغتراب) ! من ولاية الجزيرة الى «دار الغربة» في العاصمة القومية الخرطوم..!! بترجمة قصيدة Frost الى العربية، فهو ليس مترجم حاذق فحسب، ولكنه شاعر فحل مجيد، هو الدكتور عبداللطيف سعيد ..
حاشية على المتن:
أخذت كنية الاستاذ الطيب مصطفى من الدكتور ربيع عبدالعاطي عبيد صاحب العمود الراتب «بالانتباهة»، وهو بهذه المناسبة احد تلاميذي في مرحلة الماجستير، وبهذا فإنني قد علمته الرماية، لكنه عندما أجادها رماني...!! ما يميز عطاء د. ربيع في مجال التعليق السياسي بالفضائيات الدولية او الكتابة الصحفية انه يزن كلماته، فهي لا تتجاوز افكاره . ود. ربيع خبير في مجال النزاعات الدولية وفضها، وهو مجال نادر عندنا، وهو الآن ليس بتلميذ لي... ولكنه صديق.. ألتمس ايضا من الاستاذ مدير التحرير - في حال نشر هذه المداخلة ، ان يثبت عبارة انني من ولاية الجزيرة و «مغترب»! بالعاصمة القومية الخرطوم، فأنا ارتب على هذه العبارة معنىً فلسفياً غربتي هي (غربة الراعي) وهي غربة (وجودية).. existential - ليست مثل وجودية الفيلسوف الفرنسي سارتر ولا تلميذه البيركامو المولود بالجزائر ، ولكنها قريبة - وليست متطابقة - مع غربة العلامة وشيخ النقاد العرب في القرن العشرين البروفسر إحسان عباس رحمه الله. وقد درَّس إحسان بجامعة الخرطوم في بداياتها وفي سيرة حياته التي اسماها «غربة الراعي» ذكر السودان بخير كثير حيث اثبت ان احسن فترة في حياته قضاها في السودان.
وهذا موضوع طويل، ولكنني اشير الى انني ايضا قد رعيت الغنم - غنم والدي - بقرية الجديد شمال الجزيرة في الطفولة، واعتز بذلك اشد الاعتزاز لأن ذلك يربطني بالمصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم.
- اللهم إنك قد سميت نفسك الشهيد، وأنت شهيد على أقوال وأفعال خلقك ، اللهم أشهد على ما قلت ، حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
٭ سوداني من ولاية الجزيرة «مغترب» في العاصمة القومية الخرطوم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.