انخفاض منسوب النيل الرئيسي والعطبرواي بمحطة عطبرة    الحكم بالإعدام على ستة من قوات الدعم السريع بأحداث الأبيض    إجتماع مرتقب الأحد المقبل بين وزير المالية واتحاد الغرف الصناعية    أحكام رادعة لأصحاب مصنع عشوائي لمخلفات التعدين    التفاصيل الكاملة لإدانة (6) من منسوبي الدعم السريع في مجزرة الأبيض    الحكم بالإعدام قصاصاً ل(6) متهمين فى قضية مجزرة الأبيض    فى سابقة خطيرة.. القبض على فتاة تسطو إلكترونياً بنظام بنكك    ندى القلعة تكشف عن معاناتها مع الفقر وتقول : لو جاني زول فقير وبخاف الله لابنتي لن أتردد في تزويجها    الأحمر يواصل تدريباته تحت إشراف غارزيتو    سحب قرعة كأس العرب للسيدات    برمجة مفاجئة للطرفين الهلال ينازل أزرق عروس الرمال مساء اليوم    تقرير يحذر من إهدار ملايين جرعات لقاح كورونا بالدول الفقيرة شهريًا    مطالبة بازالة التقاطعات فى مجال التعاون الاقتصادي والتجاري بين السودان السعودية    شداد يكشف كواليس تكفل الإمارات بإعادة تأهيل ستاد الخرطوم    الاسواق …ركود وكساد وارتفاع في الأسعار    مركز الأشعة بمدني يتسلم جهاز الأشعة المقطعية    اعفاء النائب العام المكلف.. مبررات المطالبة    صباح محمد الحسن تكتب : كرامتنا وصادر الماشية    مشار يعلن السيطرة على معارضة جنوب السودان    جامعة الخرطوم تشرع في تصميم شبكات مياه غرب كردفان    ورشة تدريبية لمكافحة العدوى للعاملين بمراكز العزل بالجزيرة    الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يؤدي اليمين الدستورية اليوم الخميس    شح في غاز الطبخ بالخرطوم    إخضاع شحنة صادر ماشية اعادتها السعودية للفحص    جدل التشريعي.. هواجس ومطبات التشكيل    واتساب يضيف ميزة جديدة ل "اللحظات الخاصة"    توقيف مُتّهم بحوزته أزياء رسمية تخص جهات نظامية بالخرطوم    الكويت.. قرار طال انتظاره عن الدوام الرسمي بكل الجهات الحكومية    بلاغات عديدة من محمود علي الحاج في زملائه، وقرار بمنعه من دخول الاتحاد    عرض سينمائي لفيلم«هوتيل رواندا» غدا بمركز الخاتم عدلان    دار السلام أمبدة تستضيف فيلم أوكاشا    هل زواج الرجل من امرأة زنا بها يسقط الذنب ؟    مصادر تكشف تفاصيل مثيرة حول شكوى الأهلي ضد المريخ    إعلان نتيجة الأساس بولاية سنار منتصف أغسطس    دراسة: عدد ضحايا الفيضانات سيتضاعف في العقد القادم    المريخ: الرؤية غير واضحة بشأن جمال سالم    المسابقات تفاجى أندية الممتاز بتعديل البرمجه    رسالة غامضة من زوج ياسمين عبد العزيز تحير الجمهور    الشرطة توقف شبكة إجرامية متخصصة في كسر المحلات التجارية    حاكم إقليم النيل الأزرق يؤكد استقرار وهدوء الأوضاع الجنائية والأمنية بالإقليم    جنوب السودان .. المعارضة العسكرية تقصي "رياك مشار" عن زعامة حزبه    أبرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة يوم الخميس الموافق 5 أغسطس 2021م    تطورات جديدة في محاكمة وزير الدفاع الأسبق بتهمة الثراء الحرام والمشبوه    وصول (600) ألف جرعة لقاح (كورونا) من أمريكا للسودان    لجنة الانتخابات بالمريخ تجتمع وتنتخب رئيس اللجنة ونائبه    الأدب والحياة    سافرن للزواج فوجدن أنفسهن يتحدين صوراً نمطية عنهنّ    كلمات …. وكلمات    نصائح لخفض مستوى الكوليسترول في الدم!    أخصائي أورام روسي يكشف عن الأعراض المبكرة لسرطان المعدة    "بلومبرغ": دراسة تكشف عن استهداف هاكرز صينيين لوزارات خارجية عربية    السودان ..الاستيلاء على (26) ترليون جنيه.. تفاصيل مثيرة لقضية شركة كوفتي    شاهد بالفيديو: (العريس في السودان بقطعو قلبو) الفنانة جواهر تصرح وتتحدث بشفافية عن الزواج في السودان    ترامب يتحدى وزارة العدل مجددا للحفاظ على سرية إقراراته الضريبية    لجأت للسحر من أجل الزواج قبل 50 عامًا ثم تبت.. ماذا أفعل؟    ما هو حكم الذهاب للسحرة طلبا للعلاج؟    مصالحة الشيطان (2)    بداية العبور؟!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودانيون أخذوا بنهج المغاربة في تحفيظ القرآن الكريم
«ملامح من العلاقات الثقافية بين المغرب والسودان منذ القرن الخامس عشر وحتى القرن التاسع عشر» (4)
نشر في الصحافة يوم 10 - 07 - 2010

قدم هذا البحث في محاضرة بناءً على دعوة من معهد الدراسات الإفريقية جامعة محمد الخامس «الرباط» المملكة المغربية، وقدم موجزاً لها في محاضرة بمجمع اللغة العربية. وقد نشرت في كتيب بجامعة الملك محمد الخامس في الرباط.
5. كتب علم التوحيد، يتبع السودانيون مذهب الإمام أبو الحسن الأشعري في عقائد التوحيد مثل ما يفعل المغاربة ومنهم انتقلت أشهر كتبهم في علم الكلام إلى سودان وادي النيل. ومن رواد علم التوحيد في دولة الفونج المصري، وهو محمد القناوي، قدم في نحو عام 950ه ودخل بربر، وأربجي، وسنَّار.(64) إلا أن الأثر الكبير ورد من المغرب في شكل رسائل شاعت في البلاد وعلى رأسها مؤلفات أبو عبد الله محمد بن أبي يعقوب الحسيني السنوسي، من مواطني تلمسان (ت. 895/1480). وكان عالماً صالحاً ألَّف في التوحيد والقراءات وغيرها، ومن أشهر مؤلفاته في التوحيد العقيدة الكبرى المسماة عقيدة التوحيد، وعقيدة أهل التوحيد الوسطي، وعقيدة أهل التوحيد الصغرى، وتسمى أم البراهين، وله نحو سبع رسائل أخرى في نفس المجال.(65) وقد وجدت هذه الرسائل اهتماماً كبيراً وعناية فائقة من العلماء السودانيين درساً وتدريساً وشرحاً. وممن اهتم بها المضوي، محمد بن محمد أكداوي، حفيد المصري محمد القناوي، ووضع عليها أربعة شروح: العمدة والأوسط والصغير والحاشية. قال عنها ابن ضيف الله: «شأنها يكتبن بمداد الذهب».(66) ومن الكتب الطريفة التي نالت عناية خاصة من المؤلف تدريسه وشرحه للأجرومية، وهو من أشهر كتب مبادئ النحو تأليف عبد الله بن محمد بن محمد بن دأود الصنهاجي المعروف بابن أجروم (1273-1323). وقد وجدت هذه الرسالة، التي فاق عدد شرَّاحها الستين، قبولاً حسناً في العالم العربي والسودان.(67) وصنف عبد الله بن دفع الله العركي نظمين على كبرى السنوسية ومقدمات السنوسية. والشيخ عبد الله من كبار العلماء وقد سلك طريق القوم على الشيخ حبيب الله العجمي.(68) وممن أسهموا في تطوير دراسة علم التوحيد في سلطنة الفونج، محمد بن عدلان الشايقي، الذي يصفه ود ضيف الله «بشيخ الإسلام، خاتمة المتكلمين، المجدد للدين». وكان عند حجه لبيت الله الحرام، جاور ودَرَسَ علم الكلام والمنطق والأصول على الفقيه عبد الله المغربي، عالم المدينة المنوَّرة، الذي يغلب أنه عاش في القرن الثاني عشر الهجري، ويفهم أنه كان من علماء المالكية في عصره. ولما عاد الشيخ محمد بن عدلان إلى وطنه دَرَّسَ كبرى الشيخ السنوسي ووسطاه وأم البراهين، وصغرى الصغرى. ولم يكن تدريس هذه الكتب، عدا أم البراهين، معروفاً في سلطنة الفونج من قبل. وكان يدعو لضرورة معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، ويؤكد «أن من لا يعرف الله بالدليل والبرهان فليس بمؤمن». وتقاطر الناس عليه وشدَّت إليه الرحال، وانتشر علمه وكتبه حتى بلغت دار برنو، ومن مؤلفاته شرحه الكبير على أم البراهين، وهو بعنوان حجة العارفين، ومنها العقيدة الأشعرية: تحفة الطالب، متناً وشرحاً.(69) وممن مهروا في علم التوحيد أرباب الخشن المشهور بأرباب العقائد (ت. 90-1691)، الذي ألَّف كتاباً في أركان الإيمان أسماه الجواهر. وعليه تقاطر الطلاب، الذين فاق عددهم على الألف، من المنطقة الواقعة بين دار الفونج ودار برنو.(70)
علوم القرآن: القراءات والتجويد
يروي ود ضيف الله أن علوم القرآن خاصة الجوانب العلمية منها مثل السند والقراءات وما يتعلق بالتجويد والتلاوة قد ازدهرت في بلاد الفونج على يد محمد بن عيسى سوار الذهب تلميذ التلمساني المغربي، الذي «سلكه طريق القوم وعلمه علم الكلام من تجويد وروايات ونحوها»،(71) وكان ذلك في نحو منتصف القرن السادس عشر، وفي زمن مقارب لذلك قرأ سوار الذهب بعض هذه العلوم على المصري محمد القناوي. لكن الرافد الأكبر فيما أرجح كان للشيخ التلمساني. وممن أخذوا علوم القرآن على الشيخ محمد بن عيسى ونشروه تلاميذه: الشيخ عيسى ولد كنو الذي قرأ عليه القرآن وأحكامه، وعبد الله الأغبش، وعبد الرحمن الأغبش، الذي قرأ أحكام القرآن في متن الخرازي ومتن الجزري علي الشيخ عيسى ولد كنو، وعنه أخذ علوم القرآن كثير من علماء السودان.(72) ولم أعثر بْعدُ على ترجمة لمؤلف متن الخرازية، ولكن ورد في مقدمة ابن خلدون أن أبا عمرو الداني قد ألَّف كتاب المقنع في رسم القرآن وأن أبا القاسم الشاطبي قد كتبه شعراً في رائيته المشهورة وأن الخراز، وهو من المتأخرين في المغرب قد ألَّف أرجوزة أخرى زاداً فيها على ما جاء في كتاب المقنع. ولقيت هذه الأرجوزة قبولاً في المغرب وأهمل الناس ما سبقها. وصارت هذه الأرجوزة عماد هذا العلم في السودان،(73) حتى أن عبد الرحمن الأغبش كتب شرحاً عليها(74) صار مدار علم التجويد في هذه الديار.
والكتاب الثاني متن الجزرية من تأليف شمس الدين أبو الخير ياسين الجزري الدمشقي (ت. 833ه) وكان من كبار الحفاظ وعلماء القراءات، ومن مؤلفاته: غاية النهاية في رجال القراءات، أولي الرواية والدراية رتبه على حروف المعجم. وكذلك النشر في القراءات العشر، وهو في علم القراءة والتجويد، ولمتن الجزرية شرحان أولهما من تأليف المضوي محمد بن محمد أكداوي،(75) وثانيهما لعبد الرحمن بن أحمد الأغبش،(76) وقد وردت الإشارة إليهما. ووضع الشيخ الدنفاسي، تلميذ عبد الله الأغبش منظومة بعنوان منظومة الدنفاسي في ضبط وعد آي القرآن الكريم، وعدد أبياتها ثلاثمائة وأربعة وثمانين وهي متداولة بين طلاب العلم في شكل مخطوطات، حتى قيَّض الله تعالى للأستاذ محمد الأمين الغبشاوي فنشرها عام 2002م. وما زال ما يعرف عنه قليل جداً.(77)
قراءات القرآن
ظل أهل «السودان» منذ عدة قرون، يقرأون القرآن الكريم تلاوة وحفظاً براويتي أبي عمر الدوري (ت. 246ه) عن أبي عمر العلاء البصري، وورش عن نافع (110ه - 197ه)، وظلت الروايتان تسودان هذه الديار حتى نافستها رواية حفص (90- 180ه)عن عاصم مؤخراً. وبدأ التحول بعد أن صار السودان جزءاً من الخلافة العثمانية في القرن التاسع، وصاحب ذلك انتشار المصحف المطبوع بهذه الرواية. وتنتشر رواية حفص عن عاصم في مصر وكثير من البلاد الإسلامية، وحديثاً وجدت هذه الرواية رواجاً في المدارس الحكومية السودانية وفي المعاهد الدينية، مثل خلاوي همشكوريب؛ كما غلبت رواية حفص على مسابقات حفظ القرآن الكريم في كثير من الأقطار العربية والإسلامية.
والراجح أن روايتي الدوري وورش قد دخلتا السودان منذ عهد بعيد، ويغلب أنهما قد وفدتا مع الهجرات العربية الأولى ومع الرواد من العلماء من مصر مثل حالة مذهب الإمام مالك في الفقه. وغلبت رواية الدوري على أواسط بلاد السودان وغربه ووصل تأثيرها إلى شاد، كما يقرأ بها أهل الصومال، ولكن دائرة نفوذها بدأت في الإضمحلال، وكادت الرواية أن تندثر الآن.
أما رواية ورش فقد انتشرت في كل شمال أفريقيا(78) (عدا مصر) كما غلبت على بلاد السودان الغربية بدءاً من السنغال وفي شاد، ودارفور، كما قرئ بها في خلاوي دنقلا ودارفور. ربما كان استثناء مصر في فترة محددة من تاريخها الإسلامي الطويل، ولكن لنذكر أن صاحب هذه الرواية عثمان بن سعيد ورش المقرئ المصري. وقد حفظ القرآن على نافع وجوَّده عليه عدة ختمات «وكان ثقة حجة في القراءة وإليه انتهت رئاسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه ومن مصر انتقلت هذه الرواية إلى سودان وادي النيل.
ومما عزز انتشار هذه الرواية، مثل المذهب المالكي، التأثير الإسلامي المغربي والغرب أفريقي، ممثلاً في العلماء القادمين عبر طريق الحج القادم من بلاد الشنقيط وأقصى من بلاد السودان الغربية.(79)
ومما يجدر ذكره أن السودانيين قد أخذوا بنهج المغاربة في تحفيظ القرآن الكريم للناشئة منذ نعومة أظفارهم قبل اشتغالهم بتلقي أي علم أو مهنة سواه.(80) وكان بعض تلاميذ الخلاوى قد تعلموا الخط المغربي (المغاربي) الذي كان من أهم خصائصه جعل نقطة واحدة للقاف فوقها، وللفاء واحدة من تحتها.(81) وفي إقليم دارفور كان الخط المغربي يعرف بخط ورش- أي الخط الذي يكتب به المصحف الشريف وهو على قراءة ورش في إقليم دارفور.(82)
وخلال الفترة قيد البحث، هذه، كان كثير من حقاظ القرآن عامة يجمعون بين روايتي ورش عن نافع، والدوري عن أبي عمر والعلاء.
التصوف
ازدادت المؤثرات الإسلامية المغاربية منعة وقوة في السودان عندما ساد التصوف على الفضاء المغاربي وعمَّ بلاد السودان الغربية، وبدأ انتشار هذا الأثر في القرن الخامس عشر وبلغ ذروته في أواخر القرن التاسع عشر ولعل أهم مؤشر مُوَثَق لذلك هو قدوم الشيخ حمد أبو دُنَّانة الشاذلي المغربي في منتصف القرن الخامس عشر، وقيل أنه قدم من مراكش عام 849 /1445م. وهو أول من أدخل الطريقة الشاذلية التي أسسها القطب الصوفي الإمام أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي الذي ولد بشاذلة إحدى قرى إفريقية، ومات بحميثرا في صحراء عيذاب عام 1258، وضريحه مصدر جذب لكثير من المغاربة وهم في طريقهم لأداء فريضة الحج.(83)
والشيخ حمد أبو دُنَُّانة هو صهر الشيخ أبو عبد الله محمد بن سليمان بن عبد الرحمن الجزولي الشاذلي المولود في جزولة بمراكش، توفي بين عامي 1465 و 1470م، وهو مؤسس الطريقة الجزولية، فرع من الشاذلية، ومؤلف كتاب دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في الصلاة على النبي المختار، ولعله أكثر كتب الأوراد شيوعاً في السودان.(84)
وعند قدومه استقر الشيخ حمد في قرية سقادي الواقعة غرب المحمية وقيل أنه تزوج في دنقلا، وأنجب من الذرية ولداً واحداً هو الشريف حسن البيتي، ومن البنات سبعاً زوجهن لعدد من وجهاء البلد الدينيين والسياسيين. مثل الشيخ عبد الله جمَّاع، ملك العبداللاَّب، والشيخ إدريس ود الأرباب الولي الشهير.(85) ومع أن هذه الموجة من تعاليم الطريقة الشاذلية لم يكتب لها الانتشار الواسع فإن نارها ظلت متقدة عند بعض العلماء مثل الشيخ خوجلي بن عبد الرحمن (1065-1155ه)، وهو ممن جمعوا بين التصوف والفقه، وجمع بين الطريقة القادرية والشاذلية، ووصفه ابن ضيف الله بأن «الأساس قادري والأخلاق شاذلية». وقال أنه: «سلك طريق القوم على الشيخ أحمد التنيكتاوي الفلاتي [الفُلاني] القطب الرباني القاطن بالحرم النبوي».(86)
وممن سلكوا في الطريقة الشاذلية الشيخ حمد المجذوب (1693-1776)، وانخرط في سلكها في الحجاز على الشيخ الدراوي تلميذ الشيخ أحمد بن ناصر الشاذلي، وهو ممن عاصروا السيد أحمد بن إدريس في الحرمين الشريفين. وتمكن الشيخ حمد من نشر الطريقة بين مريديه من الجعليين والبجه وازدهرت تعاليم الشاذلية على يد حفدته المجاذيب واشتهرت الطريقة باسم المجذوبية.(87)
من أهم آثار الطريقة الشاذلية انتشار أورادها وكتب مشايخها مثل دلائل الخيرات الذي ورد ذكره من قبل ومناجاة بن عطاء الله ، ولطائف المنن في مناقب أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن الشاذلي لتاج الدين بن عطاء الله السكندري، وكتاب لطائف المنن والأخلاق في بيان التحدث بنعمة الله على الإطلاق، والطبقات الكبرى المسماة بلواقح الأنوار في طبقات الأخيار للشيخ عبد الوهاب أحمد بن علي الشعراني (ت. 65-1566)، وقد ترجم فيه لجماعة من الصحابة والتابعين والأولياء حتى أواسط القرن العاشر للهجرة. ومن مؤلفات الإمام الشاذلي المتداولة في البلاد الوظيفة، وحزب البحر.(88) وقد كان لهذه الأدبيات أثر كبير على الأسلوب الذي اتبعه ابن ضيف الله في تأليف طبقاته، وربما على الجو الصوفي الذي غلب على البلاد عامة.
ولعل من أقدم الطرق الصوفية انتشاراً في سلطنة الفونج وأعمقها أثراً الطريقة القادرية المنسوبة للشيخ عبد القادر الجيلاني (1077-1116)، ولقد اقترن انتشارها بالشيخ تاج الدين البهاري البغدادي الذي قدم من الحجاز إثر دعوة من داود بن عبد الجليل التاجر السوداني عام 1577م. وفي أثناء إقامته في السودان التي دامت سبع سنوات سلَّك عدد من المريدين منهم محمد الهميم بن عبد الصادق، وبان النقا الضرير وآخرين من علية القوم.(89) وطلب أيضاً من الشيخ عبد الله بن دفع الله العركي الانخراط في سلك الطريقة القادرية واعتذر الأخير متعللاً بأنه لا يريد أن ينشغل بغير الفقه، وكان الشيخ ممن حققوا مكانة علمية رفيعة، فقد درس على يد والده وعلى يد الشيخ عبد الرحمن بن جابر وحج أربعة وعشرين حجة، اثنتا عشرة ذاهباً ومثلها جواراً. واشتهر الشيخ دفع الله بالعلم في الحجاز ودرَّس في مقام الإمام مالك. وعند عودته ولاه ملك العبداللاَّب، الشيخ عجيب الكبير، القضاء فباشره بعفة ونزاهة وكان ذا باع في علم التوحيد وقد نظم كبرى السنوسي والمقدمات، وفرغ من إعدادها عام 8-1599 ولكنه لما رأى ما أحرز مريدو الشيخ تاج الدين البهاري من مكاسب دنيوية، وما حققوا من كرامات، قرر أن ينخرط في الطريقة القادرية، وأسرع للحاق بتاج الدين في مكة المكرمة فلما علم بموته سلك الطريقة على خليفته وعاد إلى السودان مرشداً للناس في الفقه والتصوف، ووجد قبولاً شديداً عند الناس ونمت طريقته نمواً كبيراً، وعبر أحد مريديه امتدت آثارها للمغرب.(90)
ويروى أن الشيخ إدريس ود الأرباب (1508-1650) وهو أول من أحيا الطريقة القادرية، التي يروى أنه أخذها بمدد من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو من شيخ يدعى عبد الكافي قدم عليه بالخطوة من المغرب. ولعل للرواية الأخيرة صدى لصلة صوفية بالمغرب، خصوصاً وقد دخلته الطريقة القادرية قبل السودان.(91) ويتكرر هذا الصدى فيما رواه عمارة بن شايقي، الذي عاش على الأرجح في النصف الأول من القرن الثامن عشر، وكان قد قرأ الرسالة وعلم الكلام، وحج بيت الله الحرام وفيه درَّس الفقه والتفسير والتجويد وعلوم العربية. قال: «ذات يوم قدام الحلفاية رأيت رجلاً مثل القمر فناداني وأجلسني بين يديه فلمس عليَّ فرأيت الأرض مشرقها ومغربها وطولها وعرضها وبرها وبحرها ... تحت رجلي فقلت له: من أنت؟ قال أبوك أبو مدين. قال لي: قل لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه وسلم من كل يوم مائة مرة». قال: «ثم قدمت بيت الله الحرام فسألت عنه؟ قيل لي هو غوت قطب المتقدمين. ثم رجعت إلى بلدي فنصبت خلوتي، واشتغلت بذلك مدة تسع سنين. ثم يأتي يقول لي: أخدم يا ولدي أنا أبوك أبو مدين».(92)
والشيخ أبو مدين هو شعيب بن الحسن الأندلسي (520-495/1126- 1196) من مشاهير الصوفية في الأندلس، وقد عاش في بجايه، وله فيها أتباع كثيرون، وأشتهر ابنه مدين بالتصوف أيضاً. ويعكس هذا الخبر تواتر التواصل الصوفي بين المغرب والسودان.(93)
وحول أسر محمد الهميم، وبان النقا الضرير، وعبد الله بن دفع الله العركي، وغيرهم من المشايخ كالشيخ إدريس ود الأرباب، وحسن ود حسونة، ازدهرت فروع الطريقة القادرية وصار معظم سكان وادي النيل من مريديها.
وشهدت البلاد دخول طرق أخرى مثل السمانية التي نشر تعاليمها الشيخ أحمد الطيب البشير (1742-1823)، تلميذ الشيخ محمد عبد الكريم السمان نزيل المدينة المنوَّرة، في أواخر عهد الفونج.(94) وتغلب تعاليم الطرق ذات الأصل المغربي على باقي الطرق التي انتشرت في السودان ممثلة في تعاليم السيد أحمد بن إدريس الفاسي (1749-1838) والسيد أحمد التجاني (1737-8-1815).
أولاً: السيد أحمد بن إدريس الفاسي: ولد في ميسور بالقرب من فاس، ويرجع نسبه إلى الإمام إدريس بن عبد الله، نشأ في أسرة دين وعلم. وبعد أن نهل من المعارف الإسلامية في بلده رحل إلى مصر أولاً ثم الحجاز ثانياً، واستقر في عسير في اليمن أخيراً. وتوافقت رحلته مع ظهور الحركة الوهابية السلفية في بلاد العرب. وفي جوار الحرمين الشريفين مكة والمدينة كوَّن حلقة دراسية، اشتهرت باسم المدرسة الإدريسية، ولم يقف اهتمامها بمسائل التصوف اليومية من قراءة الأوراد والأحزاب، لكنها اهتمت، مثل حركات الإصلاح المعاصرة بالتركيز على دراسة الكتاب والسنة. وقد جمعت هذه المدرسة بين المسلم الذاكر والمسلم الداعية، وكان هدفها أن تعيد للإسلام أصالته النقية الخالية من البدع.(95)
وكان لتعاليم السيد أحمد وأفكاره أثر عظيم على أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي عامة، والسودان خاصة، ويمكن تقسيم الذين أثَّروا على السودان بهدى من تعاليمه إلى مجموعتين: غير السودانيين وهم السيد محمد عثمان الميرغني، والسيد عبد العال [العالي، أو المتعالي]، وأخوه السيد محمد بن إدريس. ومجموعة السودانيين وهم السيد إبراهيم الرشيد، تلميذه وخليفته، والسيد إسماعيل الولي بشكل غير مباشر، والسيد محمد المجذوب الصغير الذي أسلفنا الحديث عنه.(96)
ولد السيد محمد عثمان الميرغني (1783-1853م)، مؤسس الطريقة الختمية في السودان، في سلامة بالقرب من الطائف. ترعرع في كنف عمه محمد ياسين بن عبد الله المحجوب الميرغني، العالم والصوفي المكي المشهور، ونهل من علوم الظاهر، بما فيها المذهب المالكي، وعلوم الحقيقة، وانتسب إلى خمس طرق صوفية هي النقشبندية، القادرية، الشاذلية، الجنيدية، والميرغنية- المنسوبة إلى جده عبد الله الميرغني- قبل أن ينضم إلى مدرسة (أو حلقة) السيد أحمد بن إدريس ذات التوجه الدعوي. فبعث به إلى أثيوبيا، ثم إلى السودان لينشر تعاليم أستاذه في نحو عام 1813. وفي أثناء طوافه على أجزاء كبيرة من سلطنة الفونج نجح في استقطاب عدد كبير من العلماء والصوفيين إلى تعاليم أستاذه، وشيَّد عدداً من الزوايا، وأنشأ شبكة نشطة من الوكلاء، وأسس قرية السنية (سميت بالختمية لاحقاً) وجعل منها مركزاً لنشاطه. وبعد وفاة أستاذه، وما تبعه من خلاف حول من يخلفه، خاصة بين السنوسي والميرغني، تفرغ الأخير لتأسيس طريقته المستقلة الختمية (أو خاتمة الطرق) ووجدت الطريقة قبولاً شديداً خاصة من فئة التجار في العهد التركي المصري.(97)
ومن الختمية تفرعت الطريقة الإسماعيلية، التي أسسها السيد إسماعيل الولي (1793-1863) عام 1842، بإقليم كردفان، وكان داعية ناجحاً، وشاعراً مجوداً، وكاتباً غزير الانتاج.(98)
الإدريسية: أسس محمد وعبد العال (1820-1878)، من أبناء السيد أحمد بن إدريس، طريقة ترعى تعاليم والدهم وتدعو لها، وعرفت الطريقة رسمياً بالطريقة المحمدية الأحمدية الإدريسية. وكان تأسيسها على الأرجح في عام 1874 بعد وفاة الشيخ إبراهيم الرشيد الذي كان أبناء السيد أحمد بن إدريس يعتبرونه بمثابة خليفة لوالدهم. وأسست الطريقة أولاً في دنقلا، ثم أم درمان وديار الشايقية. بسط نفوذ الطريقة الإدريسية في السودان السيد عبد العال وابنه محمد، وقد خلَّف هذان الشيخان وثائق مكتوبة بالخط المغربي. كما نجح إبراهيم الرشيد، تلميذ السيد أحمد بن إدريس في نشر تعاليم أستاذه في ديار الشايقية ودنقلا والكوة وأم درمان. وللطريقة الرشيدية، التي لا تنفصل عن تعاليم الإدريسية الأحمدية، مريدون في الهند والشام والصومال. والشيخ إبراهيم الرشيد هو إبراهيم بن صالح ود حاج الدويحى، ولد في الكرو جنوب كريمة عام 1813 والتحق بالسيد أحمد بن إدريس عام 1833 ولازمه حتى وفاته عام 1837. وكان موضع ثقة عند أستاذه.(99)
ويتجسد العامل الصوفي المغربي، ثانياً، في الطريقة التجانية المنسوبة للسيد أحمد بن مختار التجاني المغربي (ت. 1815). ولد بقرية عين ماضي بولاية الأغواط بالجزائر. نهل العلم من المعارف الإسلامية في فاس وتلمسان وتونس والقاهرة والحرمين الشريفين، وحفظ القرآن الكريم على روايتي نافع وورش في زمان مبكر (ت. 1773). ويروى أنه سلك الطرقة الخلوتية، وربما التقى السيد أحمد بن إدريس. وجاء في أحد الروايات السودانية أن السيد أحمد التجاني عمل تاجراً في الأبيض بكردفان لخمس سنوات في نحو عام 2-1773 ؛ ومنها رحل إلى الحجاز في عام 1-1782 وأعلن عن إنشاء الطريقة التجانية بعد توجيه نبوي. وانتشرت الطريقة في الشمال الأفريقي وعبر الصحراء في بلاد السودان الغربية.(100)
ولعل أول من أدخل الطريقة التيجانية في السودان، وكان ذلك في نحو منتصف القرن التاسع عشر، الرحالة التونسي سيد البشر بن سيدي محمد، حيث سلَّك عدداً من المريدين، وعين أربعة مقدمين، وكان لهم فضل نشر الطريقة في البلاد.(101)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.