التعليم العالي: الاثنين المقبل اجتماع إجازة الأعداد المخططة للقبول بالجامعات للعام الدراسي 2021-2022م    بنك السودان يبيع الدولار ب 449 جنيها في مزاده الخامس عشر    تحالف المليشيات وانقلابيي 25 اكتوبر يهدد الانتقال الديموقراطي    نيسان باترول 2022 تنطلق رسمياً "المواصفات والأسعار"    والي النيل الأبيض المكلف يتفقد سوق الخضر والفاكهة بمدينة ربك    تواصل العمل في تأهيل إستاد القضارف التهامي يشكر ورئيس لجنة المنشآت يوضح تقرير مرتضى دياب    قرارٌ بتشكيل قوة مشتركة رادعة    معدل التضخم في السودان يواصل الانخفاض مسجلا 350% لشهر أكتوبر    مقرها الفاشر .. البرهان يُشكل قوة ردع لحسم التفلتات الأمنية بالولايات    مكتب البرهان يقيّد دعوى قانونية ضد صحفية أجنبية    أجر صلاة الجماعة في البيت.. ثوابها والفرق بينها وجماعة المسجد    اختر فقط جهة الاتصال والمدة..وسيمكنك"واتساب"من إخفاء الرسائل تلقائياً    السودان ولبنان مباراة تضميد الجراح    ارتفاع اسهم المدربين الشباب في المنافسات القومية (1)    محمد رمضان يحتفل بذكرى زواجه التاسع بهذه الطريقة    تعرف إلى قائمة الدول الأكثر تضررا من كورونا    مشروبات من الطبيعة.. ستغنيك عن مسكنات الآلام!    الاتحاد السوداني يكشف حقيقة إقالة فيلود    محمد عبد الماجد يكتب: هل هؤلاء (الشهداء) خونة؟    مدرب بايرن يقرر اللعب بالصف الثاني أمام برشلونة    برهان: يا عيني وين تلقي المنام!!    والي النيل الابيض المكلف يؤكد إهتمامه بالقطاع الرياضي    وزارة الطاقة والنفط تضخ كميات من الجازولين والبنزين والغاز للعاصمة والولايات في الأسبوع الجاري    تحولات في المشهد السوداني (4- 6 )    اسعار صرف الدولار والعملات مقابل الجنيه في السودان    السودان .. مشروع لتطوير الزراعة والتسويق يدخل حيّز التنفيذ الرابع    نجم الراب درايك يطلب سحب ترشيحيه لجوائز "غرامي"    محكمة انقلاب 89 تمنح هيئة الدفاع إذن مُقاضاة وكيل نيابة    مع الأمير العريفي الربيع في المعتقل والموقف من الانقلاب    الأعلى في 7 سنوات..ثروة أغنى رجل في إفريقيا ترتفع لمستوى قياسي    انخفاض كبير في أسعار محصولين    السخرية في القرآن الكريم (1)    حكومة دبي تعلن تغيير نظام العمل الأسبوعي في الإمارة    الشمالية تشرع في إجراءات تجارة الحدود مع مصر وليبيا    مصر.. أول تعليق لوالدة سفاح الإسماعيلية : ابني مسحور وما يعرفش يذبح فرخة !    لجنة الاطباء تعلن احصائية لإصابات تظاهرات 6 ديسمبر    وصفة علمية لوجبة فطور.. تبقيك نحيفًا    صاحب محل ثلج يُطالب تعويضه ب(2.7) مليون جنيه    صلاح الدين عووضة يكتب : ذكرياتي!!    اتهام شاب بالتصرف في مبلغ ضخم تم تحويله في حسابه عن طريق الخطأ    إسماعيل حسن يكتب : بدون ترتيب    الاتّحاد السوداني والمريخ يترقّبان قراراً من (كاس)    هذا العصير يحميك من السكتة الدماغية    السلطات تطلق سراح (5) من رموز النظام البائد    بسبب الظروف الأمنية تأجيل محاكمة المتهمين في قضية تجاوزات النقل النهري    المحكمة ترفض شطب قضية خط هيثرو في مُواجهة وزير بالعهد البائد    فوائد قراءة سورة الملك قبل النوم    كيفية صلاة الاستخارة ووقتها وكيف أعرف نتيجتها    سورة تقرأ لسداد الدين.. النبي أوصى بتلاوتها قبل الفجر    القضاء يحسم موقف حفتر من المشاركة بانتخابات الرئاسة    السعودية تعلن "الجرعة الثالثة" شرطا لدخول الأسواق والمراكز التجارية بدءا من فبراير    كابلي نجوم لا تأفل (2-2) ربيع رياضنا ولى    بعد رفضها إذاعة بيان الداخلية بسبب عدد قتلى المظاهرات .. نازك محمد يوسف: تم استيضاحي وإيقافي    تحولات المشهد السوداني (3+6) السودان ملف إقليمي؟    محكمة الفساد تحدد موعد النطق بالحكم ضد علي عثمان    يا وطن انت ما شبه العذاب !!    اشتباك بالذخيرة بين الشرطة وتجار مخدرات بأم درمان    *ورحل أيقونة الغناء السوداني* *عبدالكريم الكابلي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. صديق الزيلعى : هوامش حول قضية التهميش ( حالة دارفور)
نشر في حريات يوم 23 - 04 - 2014


هوامش حول قضية التهميش ( حالة دارفور)
د. صديق الزيلعى
ازمة دارفور فى جوهرها ازمة اقتصادية/ سياسية/ بيئية/ اثنية/ اجتماعية/ ثقافية. لا يمكن تبسيطها بارجاعها لعامل وحيد، مهما عظم شأنه وكبر تأثيره. فالتهميش مثلا شكل سببا اساسيا وعاملا فعالا فى تفجير الازمة، ولكنه ،وحده، لا يقدم تفسيرا كاملا لكل ما حدث، خاصة وان قضايا ومشاكل دارفور معقدة اصلا ، وتعقدت اكثر بمرور الزمن وتداخل عدة عوامل مع بعضها البعض فى تفاعل مركز. لا نعتقد بان اى نظرية احادية الجانب تساعد فى تقديم حلول واقعية تعالج جذور ازمة بحجم ازمة دارفور، خاصة اذا علمنا ان دارفور هى سودان مصغر فى كبر حجمها ( حوالى خمس السودان) وتعدد قبائلها وتنوع بيئاتها الطبيعية وانشطتها البشرية بالاضافة لمجاورتها لاربعة اقطار. ولان للازمة جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتاريخية فان اى محاولة لمعالجتها عن طريق الحل العسكرى سيكون مصيرها الفشل التام. وحتى اذا تم هزيمة الحركات المسلحة عسكريا وبقيت جذور الازمة، فانها ستؤدى للانفجار مرة اخرى، وربما بشكل اكثر عنفا. كما نعتقد بان الحلول الثنائية لن تؤدى الا لتعميق الازمة واستمرار معاناة الملايين من البسطاء وزيادة الانقسامات القبلية التى اتخذت طابعا تناحريا، يهدد بشكل دائم ، لا رجعة فيه، التعايش السلمى الذى اشتهر به ابناء دارفور لعدة قرون.
نعيد ، بلا ملل، وسنكرر باستمرار بان ازمة دارفور هى تجلى للازمة السودانية العامة، وحتى وان اتخذت طابعا دارفوريا مميزا. فمعظم الاسباب والعوامل التى فجرت الازمة فى دارفور فجرت ازمات فى اجزاء اخرى من الوطن. فبلادنا تواجه مفترق الطرق وازمات مستحكمة تهدد وجودها كدولة مما يستدعى مشاركة كافة قواها السياسية ومنظماتها المدنية وقواتها النظامية فى الجلوس سويا لايجاد حل قبل ان يتشظى الوطن ويتم صوملته بشكل كامل.
هذه المقال ليس دراسة كاملة ، كما قلنا، لازمة دارفور، ولا ينبغى له ادعاء ذلك. انما هو محاولة لابراز العوامل الاساسية التى فجرت الازمة ومحاولة للنظر اليها فى اطارها التاريخى. وهو محاولة للاسهام فى توضيح بعض جوانب المسألة الدارفورية ، وهو يتكامل مع الجهود الثرة التى بذلها العديد من ابناء الوطن وبعض المهتمين بالشان السودانى من الاجانب. كما ان هذا المقال هو محاولة لحفز الاخرين على شحذ اذهانهم والتصدى الجاد لدراسة وتقييم كل محاولات تشخيص ازمة دارفور والاسهامات المحلية والدولية لحلها وتبادل الرأى حول ما تراكم من معلومات ومقترحات خلال المفاوضات التى تمت (حتى الان). كل تلك الجهود للتداول حول الخروج برؤية شاملة تستفيد من قصور تجارب الماضى وللتعلم من الايجابى فى تلك التجارب لتصميم وبناء تصور جديد يستهدف الحل الشامل والعادل للازمة فى اطار وطنى شامل.
ووضعا للمسألة فى اطارها التاريخى العام، قمنا بحصر العوامل المتعددة التى فجرت الازمة ،ثم قمنا بتبويبها وترقيمها حتى تعطى القارئ الصورة العامة المجملة. وننبه هنا ان تلك العوامل ليست كتلا صماء تتحرك لوحدها فى خط مستقيم وموازى للاخريات. وانما هى عوامل متداخلة، تؤثر وتتأثر وتتفاعل وتعمق اثار بعضها البعض، وقد نتج بعضها عن عوامل سبقته واثرت ، هى بدورها، فى عوامل لاحقة. ونرى الا يفهم هذا التقسيم الا فى اطار النظرة الكلية الشاملة للازمة الدارفورية. ومن الطبيعى ان تتكرر بعض النقاط او الاحداث فى اكثر من عامل، وهذا يرجع كما ذكرنا من قبل، لتداخل المسببات والنتائج.
فى راينا ان العوامل/الاسباب التى ادت لتفجر الازمة فى دارفور هى:
(1) قضية التهميش الاقتصادى والاجتماعى
(2) الصراع حول الارض
(3) موجات الجفاف والتصحر
(4) سياسات الحكومات المركزية المتعاقبة
(5) سياسات السودان الخارجية ( منذ الاستقلال وحتى الان)
(6) توفر السلاح الحديث
(7) تشجيع ودعم القبلية
(8) اهمال قضايا المنتج الصغير
(9) تطور الوعى السياسى وفقدان الثقة فى احزاب المركز
(10) حل الادارة الاهلية واهمال قرارات مؤتمرات الصلح القبلى
(11) انعدام الديمقراطية ( على كل المستويات السياسية)
(12) الحرب الاهلية فى الجنوب
(13) الدور السلبى لبعض المتعلمين
( 1) التهميش الاقتصادى والاجتماعى
التهميش هو احد التعابير التى ترسخت ، مؤخرا، فى ادبنا السياسى. وبدون الاغراق فى لجة التعريفات والمصطلحات نقول ان فهمنا للتهميش ، فى اطاره العام، هو ابعاد او عزل او حرمان او تخفيض مستحقات اوتجميد وضع منطقة او مناطق او مجموعات فى داخل قطر ما مما يجعلها فى وضع اسوا من بقية المناطق او المجموعات الاخرى. والتهميش يمكن ان يكون سياسيا او جغرافيا او اقليميا او اجتماعيا. وللتهميش اشكال متعددة تشمل تهميش اقليم او لغة او دين او ثقافة او مجموعة اثنية او جماعة ايدولوجية او طبقة اجتماعية. بل ويمكن ان يشمل التهميش شعبا باكمله وهو مانجده فى الانظمة العسكرية التى تحرم شعبا كاملا من حق اختيار الحكومة التى تقوده. وفى الاطار السودانى تعددت الاجتهادات فى تعريف المناطق المهمشة واكثرها استخداما تلك التى عرفت مناطق الهامش بانها المناطق خارج مناطق الوسط النيلية التى نالت معظم المشاريع التنموية والخدمات الاجتماعية.
اضحت قوى الهامش ، كما تم التعارف عليها ، احدى القوى الاجتماعية التى فرضت وجودها السياسى والعسكرى فى الصراع من اجل التغيير فى السودان. وقوى الهامش تطور طبيعى للقوى الاقليمية التى ظهرت بعد ثورة اكتوبر 1964 واهمها جبهة نهضة دارفور واتحاد عام جبال النوبة ومؤتمر البجا واتحاد ابناء المسيرية واتحاد ابناء دنقلا والتى لعبت دورا مقدرا فى نشر الوعى الديمقراطى فى مناطقها. كما انها امتداد لتضامن قوى الريف التى ظهرت فى الساحة السياسية بعد انتصار الانتفاضة فى 1985 وكانت لها مواقف مشهودة فى الدفاع عن قضايا الريف ودعم الخط السياسى للحركة الشعبية لتحرير السودان. ووجدت العديد من قوى الهامش سندا سياسيا و ايدولوجيا فى اطروحات قرنق حول السودان الجديد. وهكذا هى قوى مؤثرة فى الساحة السياسية السودانية وتعبير اصيل عن الظلامات التاريخية التى عانى منها العديد من ابناء هذا الوطن. وقبل ان نواصل مناقشة قضية التهميش يجدر بنا ان نقدم خلقية تاريخية بما نقصده بتهميش غرب السودان عامة ودارفور خاصة.
بعد استتباب الامر للجيش الاستعمارى الغازى وعند اكتمال ارساء البنيات الاساسية لجهاز دولته، بدات الادارة الاستعمارية فى التخطيط لتنفيذ بعض العوامل التى ادت لغزو السودان ، تحت الشعار الخادع باعادة ممتلكات مصر لمصر. كما هو موثق ، تم غزو السودان لاسباب استراتيجية واخرى اقتصادية. الاسباب الاستراتيجية ،التى اسرعت بالغزو، تمت فى اطار السباق الانجليزى الفرنسى الملهوف للحصول على مستعمرات فى افريقيا ونجاح فرنسا فى احتلال فشودة. بالاضافة لحلم بريطانيا القديم بانشاء امبراطورية استعمارية فى افريقيا ، تمتد من الاسكندرية الى راس الرجاء الصالح.
اهم الاسباب الاقتصادية هى خلق سوق للمنتجات البريطانية وتوفير المواد الخام التى تحتاجها الصناعة الانجليزية. فى ذلك الحين كانت صناعة النسيج، فى لانكشير، هى احدى اهم الصناعات وذات احتياج مستمر للقطن. وتصادف ان مناخ السودان يصلح لانتاج القطن طويل التيلة ، افضل اصناف القطن. اجرت الادارة الاستعمارية المسوحات الاولية والتجارب فوقع الاختيار على الجزيرة لصلاحية وخصوبة تربتها وتوفر مياه الرى الدائم ولوضعها الطبوغرافى الذى يسهل الرى الانسيابى وقربها من الميناء الوحيد. نزعت اراضى المواطنين باسعار اسمية زهيدة وانشا خزان سنار ومدت الخطوط الحديدية وارغم المزارع على زراعة القطن. وهكذا تم الحاق الاقتصاد السودانى بالسوق الراسمالى العالمى واصبح القطن يشكل العمود الفقرى لاقتصادنا القومى.
اصبحت الجزيرة هى البقرة الحلوب للادارة الاستعمارية وهكذا بذلت كل جهودها لانجاح وازدهار زراعة القطن بها. انجاح الزراعة وتقليل المصروفات يستدعى تدريب سودانيين لشغل المناصب الدنيا فى ادارة المشروع وادارة جهاز الدولة. لذلك قامت الادارة الاستعمارية وادارة مشروع الجزيرة بتوفير الخدمات الاجتماعية بحدها الادنى ، وهو وضع رغم تدنيه لم يتوفر لبقية اجزاء السودان، التى حسب التقدير الاستعمارى لا فائدة اقتصادية منها فتجاهلها تماما. اضافة لان معظم تلك الخدمات تم الصرف عليها من اموال المزارعين ، حيث كانت تخصم 2% من الحساب المشترك لمال الخدمات الاجتماعية.
ادى التوسع فى السوق العالمى للقطن والمنسوجات لاضافة مشاريع جديدة فى النيل الابيض والنيل الازرق لانتاج المزيد من القطن. وهكذا ازدهر وسط السودان اقتصاديا فى اطار تلبيته لاحتياجات السوق الراسمالى العالمى. ولكن هذه المشاريع المروية الكبيرة تحتاج لايدى عاملة، خاصة فى موسم جنى القطن. هنا تذكر الاستعمار غرب السودان وامكانية توفير الايدى العاملة الرخيصة منه، خاصة وان موسم لقيط القطن لا يتعارض مع حصاد المحاصيل الغذائية بغرب السودان. بذلت الدولة جهودا لجلب العمالة الرخيصة الموسمية من الغرب لمشاريع القطن بوسط السودان، وهكذا الحق الغرب، جزئيا، بالاقتصاد النقدى. ومنذ ذلك الحين اجتهدت الدولة لتوفير وترحيل الايدى العاملة الرخيصة من غرب السودان وحتى من نيجريا للعمل فى مشاريع القطن المروية. تم ذلك مع الاهمال الكامل لتلك المناطق بالغرب والتى تحولت لمستودعات بشرية للايدى العاملة الرخيصة. هذا هو بداية الاساس المادى للتهميش الاقتصادى والذى نتج عنه تفاوت جيواجتماعى كبير. حيث نجد وفى اطار السودان المتخلف ككل، مناطق اكثر تخلفا وهى ما اطلق عليها " القطاع التقليدى" مقارنة بالقطاع الحديث حيث المشاريع المروية ( هنالك مناقشات اكاديمية حول دقة التسمية لا مجال للخوض فيها هنا). و "القطاع التقليدى" هو قطاع يتميز بالانتاج ( بوسائل بسيطة) من اجل الاستهلاك اساسا وليس للتبادل التجارى، ولم يتم الحاقه تماما بالاقتصاد النقدى رغم تعامله جزئيا بالنقد. استمر هذا التطور الاقتصادى المتفاوت وغير المتكافئ، طيلة الفترة الاستعمارية، مما شكل الاساس المادى للتهميش الاقتصادى لمعظم انحاء السودان.
والملاحظ ان السمة الاساسية لكل خطط وبرامج واسترتيجيات التنمية الاقتصادية التى اعدت او نفذت خلال فترة ما بعد الاستقلال انها كرست التهميش الموروث من الدولة الاستعمارية. فالاستعمار كان يعمل من اجل مصالحه فقط ولكن القوى الاجتماعية التى تربعت على دست الحكم ( منذ الاستقلال وحتى الان) لم يكن يهمها غير مصالحها الذاتية ولم تعمل على ازالة الغبن التنموى الواقع على معظم انحاء السودان. ويمكننا تلخيص واقع الاقتصاد السودانى عند نيل الاستقلال فى النقاط المختصرة الاتية:
* اهمال تام للقطاع التقليدى حيث يعيش 87% من السكان والذى ينتج 56% من انتاج البلاد
* 59% من ايرادات الدولة تاتى من الضرائب المباشرة وغير المباشرة ( دولة الجبايات الموروثة والمستمرة حتى الان)
* تصرف الدولة 31% من دخلها على جهازها الادارى حيث ينال اصحاب المناصب الدستورية وقادة الخدمة المدنية والعسكرية كل الامتيازات التى كان ينالها الكادر الادارى الاستعمارى
* تمثل التجارة الخارجية 13% من اجمالى الانتاج الاهلى السودانى وهى نتاج طبيعى لبلد صاغه الاستعمار كسوق لمنتجاته وكحقل لانتاج المواد الخام التى تحتاجها مصانعه ولذلك احتلت التجارة الخارجية مكانا مقدما
* القطن يشكل 64% من قيمة صادراتنا والسلع الاستهلاكية تشكل 63 من وارداتنا ( اما الالات وادوات الانتاج والتنمية فلها قيمة هامشية فى وارداتنا)
* هنالك اهتمام طاغى بالقطن على حساب كل المنتوجات الزراعية والثروات الاخرى فمثلا الثروة الحيوانية كانت تشكل 3% من صادراتنا فى 1956
* لا يوجد اى اهتمام بالتصنيع حيث كان الانتاج الصناعى يشكل اقل من 1% من اجمالى الانتاج الاهلى فى 1956
* نصيب الفرد من الدخل القومى لا يتعدى 26 جنيها فى العام.
باختصار شديد هذا هو نتاج نصف قرن من الاستعمار الذى شكل اقتصادنا ليخدم مصالحه، فى ظل نظام التبادل غير المتكافئ على مستوى العالم حيث تنخفض قيمة المواد الخام المصدرة وباستمرار وتتصاعد اسعار السلع المصنعة المستوردة.
انطلقت تلك الفئات ، التى حكمت السودان منذ الاستقلال وحتى الان، من مصالحها الذاتية وضيق افقها الاقتصادى. وكان من مصلحتها، كما سنناقش لاحقا، الاستمرار فى المنهج الاقتصادى الاستعمارى بالتركيز على القطن وحصر الاستثمارات فى مناطق وسط السودان والتى توفرت فيها البنيات الاساسية مع اهمال اغلبية القطر. وهكذا اصبح السودان يعانى من التخلف الاقتصادى ويتميز اقتصاده بضيق قاعدته والتمركز مما ادى للتفاوت الشنيع على المستويين الجغرافى والاجتماعى.
تمحورت كل الخطط الاقتصادية فى فترة مابعد نيل الاستقلال ( العشرية، الخمسية، الستية، برنامج سلة غذاء العالم و البرنامج الثلاثى …الخ) على تركيز معظم المشاريع و الاستثمارات الاقتصادية فى القطاع المروى ( وسط السودان). وكمثال حتى المشاريع النادرة التى نفذت بغرب السودان كانت مشاريع للزراعة الالية التجارية ( كمشروع هبيلا) والتى كان لها اثارها الجانبية المدمرة للبيئة الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية. وحيث تم نزع الاراضى من ملاكها الاصليين واعطيت للتجار وكبار رجال الدولة والقوات النظامية، من تعارف على تسميتهم بالملاك الغائبين، باسعار اسمية. ونتج عن ذلك هجرة سكان الارض الاصليين للمدن للعمل كعمال. كما اغلقت تلك المشاريع المراحيل السنوية للرعاة فحدثت صدامات ادت لتدخل الجيش لحماية المشاريع مثلما حدث فى 1976. والدمار البيئي الذى حدث بمناطق المشاريع هو احد نتائج اهمال الدورة الزراعية والقطع العشوائى الشامل للغابات واهمال انشاء المصدات الشجرية. ومن اهم الاثار السالبة لتلك المشاريع هو ان الفائض الاقتصادى المحقق منها لا يعاد استثماره فى المنطقة بل لمناطق الوسط وحتى هنالك يستثمر فى قطاعات غير منتجة ( خدمات ، تجارة، عقارات، تجارة عملة) ، وما تعبير غابات الاسمنت (الذى ظهر فى ستينيات القرن الماضى) الا انعكاسا لذلك الواقع.
وقضية اخرى تشترك فيها كل الحكومات التى تعاقبت على دست الحكم وهى قضية المركزة المطلقة لايرادات الدولة ( حتى ولو كانت تجبى محليا) ومن ثم تتحكم السلطة المركزية فى توزيعها حسب تقديراتها وسياساتها وحسابات من يتولون الحكم ولا توجد نسبة محددة للاقاليم وان وعدت الاقاليم باى مبالغ يصبح الحصول عليها اندر من الحصول على لبن الطير. ولقد سمعنا عشرات شكاوى حكام ووزاء الاقاليم عن اموالهم وهل قصة استقالة والى القضارف فى 2012 بعيدة عن الاذهان!
أما دارفور فقد اهملت تماما ولفترات تاريخية طويلة امتدت لعقود من الزمن. وعندما اقيمت بها بعض المشاريع كانت نموذجا كلاسيكيا للفشل التنموى لقصور فى التخطيط والتمويل والتنفيذ. وهكذا شاركت كل الانظمة ( ولا استثنى احد) فى عملية تهميش غرب السودان. وللتهميش اثار كثيرة على مواطنى الغرب ومنها صغر سوق العمل ، خارج نطاق الزراعة والرعى التقليديان، وذلك انعكاس طبيعى لقلة الانشطة الاقتصادية مما ادى لتعطل اعداد كبيرة من الشباب الذين لا يحملون مؤهلات ومهارات. وزاد من حدة صغر سوق العمل، فى السنوات الاخيرة، العطالة الجماعية لالاف الشباب من خريجى الثانويات والجامعات. وهكذا خلق التهميش غبنا تنمويا وغبنا اجتماعا تفجرا فى شكل غضب سياسى ودعوة قوية لتغيير الاوضاع على المستوى الاقليمى والمركزى.
وبعيدا عن اطلاق الاحكام المعممة سنحاول تقديم عرض سريع لدور الحكومات المتعاقبة فى تكريس وتعميق التهميش وشرح ماتم خلال كل مرحلة من مراحل ما بعد الاستقلال حتى نتعرف على اولويات الفئات الاجتماعية الحاكمة وما قامت به ولكى نتدارس استراتيجية اقتصادية بديلة لصالح المنتجين الحقيقيين:
الحكومة الوطنية الاولى:
ناضل شعب السودان حتى حقق استقلاله السياسى فى 1956. تفجرت ، بعد تحقيق الاستقلال، معركة سياسية حول طريق التطور الذى ستسلكه البلاد. كان لتلك المعركة السياسية الفكرية، ومانتج عنها من سياسات، اثار بعيدة المدى لا نزال نعانى ، حتى اليوم، من تبعاتها. فقد رفعت القوى الاجتماعية، التى قادت معركة الاستقلال، شعار تحرير لا تعمير ، فى مواجهة دعوة القوى النقابية واليسارية المنادية بالتعمير والتحرير فى ان واحد وانه لا تعارض بينهما. وكان الافق الاجتماعى للقوى التى ورثت حكم السودان قاصرا على استكمال الاستقلال السياسى (السودنة ، رفع العلم، نشيد وطنى ، تمثيل دبلوماسى عالمى) مع الابقاء على كل الهياكل والبنيات الاقتصادية والاجتماعية التى خلقتها الدولة الاستعمارية. بينما دعت القوى النقابية واليسارية لانتهاج تنمية مستقلة وانهاء كافة اشكال التبعية للدولة الاستعمارية. ذلك الصراع لم يكن تهويما اكاديميا مجردا وانما كان صراعا حول خطين للتطور الاقتصادى الاجتماعى: اولهما يحصر الاستقلال فى الاطار الشكلى والاخر ينادى بتنمية حقيقية لصالح الاغلبية الساحقة من شعبنا ( فى المركز والاقاليم).
نجح انصار التيار الاول ،الذى لم ير اكثر من تحقيق الاستقلال السياسى الشكلى ، فى السيطرة على جهاز الدولة الموروث واستمر فى حكم البلاد ( مدنيا وعسكريا) طيلة فترة ما بعد الاستقلال والى الان. استمرار ممثلو هذا التيار فى السيطرة على جهاز الدولة ادى لتعميق الهوة الاقتصادية بين اقاليم السودان الجغرافية وفئاتها الاجتماعية المختلفة. فقادة تلك القوى كانوا اصحاب مشاريع القطن الخصوصية بالنيلين الابيض والازرق وملاك مشاريع الزراعة الالية فى القضارف ، كما كانوا وكلاء للشركات العالمية التى تعمل فى الصادر والوارد ، وتربعوا فوق المناصب العليا للخدمة المدنية والقوات النظامية. اهتمام هذه القوى بالعائد الاقتصادى السريع جعلها تحافظ على غرب السودان كما تركه الاستعمار مصدرا للعمالة الرخيصة والمواد الخام للتصدير( الحبوب الزيتية والصمغ والماشية).
عملت الدولة الوطنية على دعم النشاط الاقتصادى لتلك الفئات. وقد نالت تلك الفئات الرخص التجارية وتصديقات المشاريع الزراعية والصناعية والتسهيلات المصرفية المريحة والوظائف القيادية فى الخدمة المدنية والقوات المسلحة. بينما لم تنل الاغلبية الساحقة ، فى الهامش وحتى داخل العاصمة، غير الكدح والمعاناة وتدهور احوالها المعيشية.
وكمثال صارخ لسياسة دولتنا الفتية ، تجاه الكادحين من الوسط ، ماحدث فى فبراير 1956 ( بعد اسابيع قليلة من استقلال السودان ) وكشف عن طبيعة تفكير القوى التى ورثت جهاز الدولة الاستعمارى وعقليته الادارية وكما ارسلت رسالة واضحة بانها ستواجه بعنف كل من يهدد مصالحها. ويتلخص الحدث فى الاتى: طالب مزارعو مشروع جودة الزراعى ( مشروع خاص على النيل الابيض لزراعة القطن) بمعرفة حساباتهم وتجمعوا سلميا امام مكاتب ادارة المشروع. استدعت الادارة البوليس التى استخدم الرصاص لتفريغهم وقتل على الفور 25 منهم واعتقل 189 مزارعا تم وضعهم فى زنزانة صغيرة سيئة التهوية. ولم تهتم السلطات بصيحات المزارعين واستغاثاتهم فمات بعضهم اختناقا. اثارت تلك الجريمة غضب الشعب ونظم اتحاد العمال وطلاب الجامعة ونقابة المحامين مواكب ردت عليها السلطة بالعنف واعتقال ومحاكمة قادة المظاهرات وبلغت جملة الاحكام 141 شهرا. وكان هذا احد التجليات الصارخة لبرنامج تحرير لا تعمير. كما انه يهزم الحجة التى تحمل كل سكان مناطق وسط السودان النيلية المسئولة ، مباشرة او بطريقة غير مباشرة، عن تهميش بقية السودان. وهنا يحضرنى موضوع الالاف من شباب منطقة الجزيرة الذين يمشطون اسواق واحياء العاصمة القومية يبيعون الاوانى المنزلية وبعض الخردوات مقابل ارباح زهيدة لا تسمن ولا تغنى عن جوع ، هل هؤلاء مسئولون عن التهميش الجغرافى ام هم انفسهم يعانون التهميش فى اسوا صوره ويكدحون لتوفير لقمة العيش! وينطبق نفس المثال على عمال عطبرة الذين عاملهم كادر ويكفيلد ( خلال العهد الاستعمارى) بمستوى اقل من الحد الادنى اللازم لبقاء الانسان حيا ولذلك ناضلوا بلا هوادة من اجل تحسين اوضاعهم المعيشية!
وفى اطار دعوة اليسار والنقابات لتغيير سياستنا الاقتصادية، طالب اتحاد العمال الحكومة، فى 1958، بتنفيذ اجراءات اقتصادية اهمها: تنويع التجارة الخارجية ، تاميم القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، اجراء تخفيض فعال فى منصرفات جهاز الدولة الادارى وتحسين اجور العاملين. لم تهتم الحكومة بتلك المطالب مما ادى لان يعلن اتحاد العمال اضراب عام شاركت فيه 42 نقابة عمالية. وكان رد الحكومة هو حملة من الاعتقالات.
وخلاصة القول: سلطة تفصل تعسفيا بين التحرير والتعمير لا نتوقع منها الاهتمام بغرب السودان او اى اقليم اخر.
الحكومة العسكرية الاولى ( 1958-1964):
نتيجة لتصاعد الحركة الجماهيرية المناهضة للمعونة الامريكية والرافضة للارتباط بحلف بغداد الاستعمارى والداعية لسحب الثقة من حكومة ( السيدين) فى جلسة البرلمان المقرر انعقادها فى يوم 17 نوفمبر. قام حزب الامة بتسليم السلطة للجيش.
واهم ما قامت به الحكومة العسكرية فى الجانب الاقتصادى هو وضع الخطة العشرية للتنمية ( 1960-1970). اهم اهداف تلك الخطة هى:
* تحويل 800 الف عامل من القطاع التقليدى الى القطاع الحديث كعمال زراعيين
* 70% من استثمارات الخطة فى المجال الزراعى وجهت لانشاء 3 مشاريع فى المناطق النيلية ( امتداد المناقل – خزان الروصيرص- خزان خشم القربة) وذلك للاستمرار فى زراعة القطن للتصدير. والمعروف ان المستفيد الحقيقى ، من ذلك التوسع فى زراعة القطن، هى الفئات من اصحاب الرخص الزراعية وشركات التصدير.
* التوسع الافقى الكبير فى الزراعة الالية وتقديم التسهيلات المالية والاعفاءات الضرائبية لمن توزع لهم المشاريع ( كبار رجال الخدمة المدنية والعسكرية والتجار ورجالات الادارة الاهلية).
وهكذا تم التركيز على الزراعة المروية و اهمل القطاع التقليدى والذى لم ينل غير امتداد خط السكة الحديد لنيالا لتسهيل نقل الماشية للتصدير وتوفير العمال الزراعيين لمشاريع القطن بوسط السودان.
وشهدت فترة الحكم العسكرى الاول بداية التعاون مع المعسكر الاشتراكى السابق ، فى مجال التصنيع الزراعى، والذى قدم مصانع وزعت على انحاء السودان المختلفة ولكنها فشلت لسوء التخطيط والمصانع هى مصنع بابنوسة لتجفيف الالبان ومصنع واو لتعليب الفاكهة ومصنع كسلا لتجفيف البصل ومصنع كريمة لتعليب الفاكهة.
فترة مابعد ثورة اكتوبر ( 1964-1969):
تميزت فترة ما بعد ثورة اكتوبر بالتوسع الافقى الكبير فى الزراعة الالية وتوزيع مساحات شاسعة فى القضارف والدمازين. وشاب توزيع المشاريع الزراعية تدخلات حزبية سافرة لمنح الرخص والاعفاءات والتسهيلات للاعوان من اعضاء الاحزاب الحاكمة. وشهدت هذه الفترة دخول البنك الدولى لمجال الزراعة الالية وتقديم قروض انشات بها المؤسسة العامة للزراعة الالية. فرض البنك الدولى شروطه بتوجيه تمويله للقطاع الخاص ( سلفيات للالات وللنظافة وللتخزين الخ). وصاحب التوسع الكبير فى الزراعة الالية توسع كبير اخر خارج المناطق المخططة اصلا للزراعة الالية.
وشهدت الفترة دخول الزراعة الالية لمنطقة هبيلا ( وهى اول منطقة فى غرب السودان تدخلها الزراعة الالية). وكان لها اثارها الجانبية حيث انتزعت الاراضى من اصحابها الاصليين ووزعت لاخرين واغلقت المسارات الطبيعية للرعاة ولم يتم الالتزام بالدورة الزراعية او الاحزمة الشجرية لحماية التربة. وتم تحويل ما حقق من فوائض اقتصادية لمناطق اخرى لاستثمارها فى العمل التجارى والعقارى ولم تنل منها المنطقة الاصلية وسكانها اى فوائد.
فترة نظام مايو ( 1969-1985):
بدات سلطة مايو باعلان الخطة الخمسية للتنمية الاقتصادية ( 1970-1975) ثم استبدلتها بالخطة الخمسية المعدلة ثم الغتها واستبدلها بالخطة الستية لتلغى هى الاخرى وتستبدل باستراتيجية جديدة سميت " استراتيجية سلة خبر العالم " والتى ابلغ ما وصفت به ما قاله عالم اقتصاد المانى بانها " سلة خبز العالم الفارغة ". هذه التعديلات والتبدلات فى الخطط الاقتصادية تكشف درجة التخبط والتغير الفجائى فى الوجهة والاتجاه حسب مزاج القيادة السياسية ( وهو داء شاب سوداننا طوال تاريخه).
وبدون الاستفادة من تجربة هبيلا والدمار الذى نتج عنها قررت الدولة فى الخطة الخمسية المعدلة توزيع 10 الف فدان للزراعة الالية فى جنوب دارفور كبداية للتوسع فى الزراعة الالية فى دارفور.
واصلت مايو سياسات الانظمة التى سبقتها فى التركيز على المشاريع المروية فى وسط السودان واساسا على محصول القطن. وقد حدث بعض التنويع لاحقا بادخال محصول السكر فى نفس المناطق النيلية.
شهدت نفس الفترة توسعا افقيا كبيرا فى قطاع الزراعة الالية حيث منحت ملايين الافدنة للتجار ورجال الادارة الاهلية وكبار موظفى الخدمة المدنية والقوات المسلحة والشركات الزراعية الخاصة. وكمثال منحت سلطة مايو حوالى 2 مليون فدان فى القطاع التقليدى لعشرين شركة خلال اربعة اعوام. ومنح قانون الاستثمار الزراعى لسنة 1980العديد من الامتيازات والاعفاءات لتلك الفئات التى منحت رخص مشاريع. ومن الغريب انه تم ، تحت بصر وسمع الدولة، استغلال تلك الاعفاءات فى النشاط الطفيلى فقد تم استيراد بضائع من الخارج ( معفية من الجمارك حسب اعفاءات القانون) لبيعها فى السوق.
كما واصل البنك الدولى دعمه للقطاع الخاص فى مجال الزراعة الالية مما ادى لظهور طبقة راسمالية زراعية كبيرة حققت فوائض مالية ضخمة على حساب مواطنى ورعاة القطاع التقليدى. ومن التغييرات الهامة التى تمت ، خلال عهد مايو، هى تصفية مزارع الدولة فى الزراعة الالية تحت اصرار البنك الدولى. وخططت تلك المزارع لتعمل على تامين احتياطى للغذاء ( ذرة) وتشكل مراكز لمساعدة المزارعين بالخبرة ومكافحة الافات وتاجير الاليات باسعار مخفضة. وهكذا فتح الباب واسعا امام القطاع الخاص.
انه لمؤلم حقا ويحز عميقا فى القلب تجاهل توصيات بنيت على دراسات علمية متخصصة من قبل منظمة العمل الدولية التابعة للامم المتحدة حول استراتيجيات التنمية فى السودان ونشرتها فى تقرير شهير صدر فى 1976. ومن ضمن تلك التوصيات الهامة الدعوة لتطوير القطاع التقليدى ( زراعة ورعى حيوان) وان تطويره لن يكلف نفس حجم تكلفة المشاريع الاخرى ( مشاريع مروية و زراعة الية مطرية). واضافت ان تطوير القطاع التقليدى سيغير حياة اغلبية السكان ويجذبهم للاقتصاد النقدى وسيدفع بعجلة الاقتصاد خطوات للامام. ومن المثير للاهتمام حقا ان التوصيات قد حذرت من تفجر مشكلة الارض مستقبلا فى غرب السودان نتيجة للتوسع فى الزراعة التجارية وازدياد اعداد الثروة الحيوانية والزيادة الطبيعية فى عدد السكان بالاضافة للعوامل البئية والطبيعية الاخرى. كما ركزت التوصيات حول ضرورة الابحاث والدراسات الخاصة بالقطاع التقليدى وقضايا استقرار الرحل والبنيات الاساسية والتمويل. واقترحت التوصيات توفير استثمارات كبيرة للقطاع التقليدى فى الفترة مابين 1985-1995 وان تلك الاستثمارات ستنمى الصادرات السودانية بشكل كبير ( صمغ/ ماشية/ حبوب زيتية الخ) مما سيفيد الاقتصاد السودانى ككل.
وحتى المشاريع البسيطة التى نفذتها مايو فى غرب السودان كانت نموذجا كلاسيكيا لسوء التخطيط والتنفيذ. وكمثال على سوء التخطيط والتنفيذ مشروع تنمية غرب السافنا الذى انشات بموجبه " هيئة تنمية غرب السافنا" فى مارس 1978 وبتمويل من البنك الدولى لتنفيذ مشروعات التنمية المتكاملة. وعند تحليل مكونات الصرف خلال الفترة 1977-1984 تم اعتماد 27 مليون جنيه صرف منها 11 مليون فى مبانى الرئاسة والمكاتب والورشة والمخازن وبعض الاليات والعربات.
ومثال اخر يحمل نفس الادعاءات الكاذبة للتنمية الريفية المتكاملة يعطيه مشروع جبل مرة للتنمية الذى بدء العمل فيه فى عام 1979 بمنحة من صندوق التنمية الاوربى. قدرت التكلفة الكلية للمشروع بحوالى 25 مليون جنيه وجهت كلها لبناء المحطات الارشادية وجلب المدخلات والمحاريث والعربات ومعدات الارشاد والورش. ونلاحظ استخدام المشاريع " كواجهات" لتصريف بضائع دول السوق الاوربية المشتركة والشركات التابعة لها. ويشهد واقع الحال ان تلك المعدات والاليات لم تستغل استغلالا سليما لمصلحة المنتج الصغير الدارفورى ولم تحقق الاهداف المعلنة حول التنمية الريفية المتكاملة وينطبق عليها المثل (Too little too late ). وهنا يجب ان نلاحظ ان تنمية الغرب لا تتم بمجرد انشاء المزيد من المشاريع وانما بمشاريع تنموية بتخطيط جيد وبمعرفة الجهات المستهدفة بتلك المشاريع واشراكها فى التخطيط والتنفيذ والمتابعة وكيفية تحقيق الفائدة المرجوة. وهذه قضية كبيرة لا يتسع المجال للخوض فى تفاصيلها فى هذا الحيز.
وبوضوح تام لم يجد القطاع التقليدى، طوال عهد مايو، اهتماما يذكر فيما يتعلق بتطوير تكويناته الانتاجية والخدمية ويتضح ذلك من ضالة اعتمادات ومنصرفات التنمية على مشاريع هذا القطاع، حيث بلغت الاعتمادات للمشروعات ذات الصلة بالقطاع التقليدى، والمتمثلة فى مشروعات الثروة الحيوانية وتنمية الموارد الطبيعية والخدمات الزراعية ومشروعات الرئاسة فى جملتها حوالى 220 مليون جنيه سودانى خلال الفترة من 1977_ 1984 وهذه تمثل حوالى 22% من جملة الصرف الفعلى لمخصصات القطاع الزراعى فى برنامج الاستثمار للفترة المذكورة. ويحدث هذا رغم ان القطاع التقليدى يعول حوالى 60% الى 70% من سكان البلاد وينتج حوالى 50% الى 60% من جملة انتاج البلاد من المحاصيل الزراعية ويساهم بحوالى 30% من صادرات البلاد الزراعية بالاضافة لثرواته الكامنة ( ثروات حيوانية وغابية وزراعية بالاضافة للتعدد المناخى).
واذا نظرنا للصرف على مشروعات الثروة الحيوانية خلال الفترة 1977- 1984 فان الصرف على قلته ( 6% من جملة الصرف الفعلى للقطاع الزراعى فى برنامج الاستثمار) فنجد انه تميز بالاهمال المتعمد لتطوير امكانات الانتاج الحيوانى بالقطاع التقليدى، وهو القطاع الذى يتمتع بوفرة فى هذا النوع من الانتاج الزراعى. وماتم من صرف فى هذا المجال وجه اساس نحو توفير الحد الادنى من الخدمات الضرورية المتصلة بتامين تدفق الماشية بالاعداد التى تكفل تحقيق الارباح المجزية للقابضين على اسواق التصدير والاستهلاك المحلى للحوم فى المناطق الحضرية. وما انفق ، على قلته، صرف اغلبه على مشاريع حول العاصمة ( مشروع انتاج الكتاكيت – مصنع اعلاف الخرطوم – البان الجزيرة- مشروع استغلال الثروة السمكية) ولم تحظى ادارة ابحاث وخدمات الانتاج الحيوانى باكثر من 2 مليون جنيه ( 5% من مجموع المخصصات لمشروعات الثروة الحيوانية) وحتى هذا المبلغ ( رغم ضالته) وجه اكثر من نصفه على محطات ابحاث الانتاج الحيوانى القائمة فى المناطق التى تفتقر نسبيا الى الثروة الحيوانية مثل محطتى عطبرة والهدى مع الاهمال الكامل للمحطات القائمة بمناطق الانتاج الرعوى مثل محطة الغزالة جاوزت.
اما داخل الادارات الخاصة بالخدمات البيطرية فلقد وجه حوالى 68 % الى دعم خدمات التسويق لضمان استمرارية تدفق صادرات الحيوان مثل انشاء المؤسسة العامة لتسويق الماشية واللحوم وبناء المنازل وتشييد مخازن التبريد ومكاتب بالكدرو وابودليق وفتاشة وجبل اولياء. وحتى مشروع طريق الماشية فقد واجهته مشاكل عدة. وهنا يجب ملاحظة ان اغلب هذه المشاريع هى منح من مؤسسات دولية كمنظمة الاغذية والزراعة الدولية.
ومايهمنا هنا هو اختلال اولويات الصرف وعدم عدالة توزيع الاستثمارات مع ما يتفق مع الحاجات الفعلية والملحة للمواطنين وحقهم المشروع فى التنمية المتوازنة. وهكذا لم يجنى سكان القطاع التقليدى من القبائل الرعوية وغيرهم من تلك السياسات الخاطئة سوى الكوارث الاقتصادية والاجتماعية المدمرة التى ادت الى هلاك اعداد هائلة من الثروة الحيوانية.
اما الموارد الطبيعية ، والتى تهم مواطنى الغرب بصفة خاصة، فلم ينفق عليها الا اقل من 3% من جملة مخصصات القطاع الزراعى ( 1977-1984 ) و صرف اغلب ذلك المبلغ على بنود غير انشائية رغم تعدد الاطراف الاجنبية التى مولت ذلك مثل منظمة الساحل التابعة للامم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمى. والادهى وامر ان الحكومة عجزت حتى عن توفير الحد الادنى من الاحتياجات الاساسية لتسيير العمل بتلك المشاريع وحولت بنود الصرف التنموى الى صرف جارى لمقابلة المرتبات وكانت النتيجة ما نشهده من تدهور بيئى متزايد يوما بعد يوم.
فترة الديمقراطية الثالثة ( 1986-1989):
تميزت الفترة بالصراع السياسى الحاد فى المركز للانفراد بالسلطة واهملت الاقاليم كلها تماما وفى مقدمتها دارفور. ورغم ضغوط نواب دارفور على قيادة حزب الامة وعلى الحكومة للاهتمام بقضايا الاقليم الا ان نتائج ذلك كانت مخيبة لامالهم ولامال ابناء دارفور. وابرزت حكومة المركز قدرة عالية ، لا تحسد عليها ، على عدم الجدية وقلة الاهتمام. كما تميزت تلك الفترة بان الهم التنموى ، بالنسبة للمواطنين، تراجع للمرتبة الثانية بعد انفجار النهب المسلح والصدامات القبلية بشكل عنيف ، غير مسبوق، بين بعض العرب والفور. وقد ساهمت تلك الاعتدءات فى تدمير اجزاء هامة من البنيات الاساسية، الضعيفة اصلا، وعطلت الحياة الاقتصادية العادية. بالاضافة للاثر السالب على مجمل النشاط البشرى جراء اقتتال الفصائل التشادية داخل الاراضى الدارفورية تحت سمع وبصر السلطات المركزية ان لم يكن نتيجة لتواطؤها مع بعض الاطراف الليبية/التشادية. ليس ذلك وحسب بل هنالك الاثر الافتصادى لالاف اللاجئين التشاديين الذين تقاسموا لقمة العيش مع مواطنى دارفور.
ورغم استقالة اثنين من نواب الجبهة الاسلامية احتجاجا على مواقف حزبهم من قضايا الاقليم وتحالفه مع حزب الامة وبعض القبائل العربية ضد الفور الا ان الجبهة الاسلامية لم تغير موقفها السياسى وكان ذلك احد الاسباب الاساسية لتململ داؤود يحى بولاد ، منذ الديمقراطية الثالثة، ونقده المتكرر لقيادة حزبه ( الجبهة الاسلامية).
انعدمت خلال تلك الفترة المجهودات المركزية الهادفة لتطوير دارفور او توفير احتياجات المواطنين الاساسية. و من الجانب الاخر ،اصبحت الهموم الاساسية للمواطنين منحصرة فى توفير الحد الادنى من متطلبات المعيشة وصارت سلع اساسية مثل السكر والجاز الابيض والجازولين غالية بشكل لا يطاق.
والاسوا ان المنطقة شهدت تراجعا حتى عن ماتم تحقيقه، رغم انه كان يشكل اقل من الحد الادنى. وكمثال قامت الحكومة ووزير تجارتها الدكتور على الحاج بالغاء امتياز شركة الحبوب الزيتية ( رغم كل النقد الموجه للشركة لقصورها عن اداء واجبها). وهكذا تم ازاحة الشركة، مما فتح الباب واسعا امام كبار تجار الحبوب الزيتية ليراكموا الارباح والثروات على حساب المنتج الصغير فى غرب السودان حيث يتم الشراء منه بابخس الاسعار عند موسم الحصاد وذلك لاحتياجه الملح وعدم توفر صوامع التخزين.
فترة حكومة الانقاذ ( 1989 حتى الان):
واصلت حكومة الانقاذ الاهمال التاريخى للغرب عامة ودارفور خاصة ولكنها اضافت اسلوبها الخاص الذى تميزت به عما عداها الا وهو الانجاز من خلال اجهزة الاعلام وليس فى الواقع. فالمشروع الوحيد الذى بدا به فى الغرب صاحبه ضجيج اعلامى ضخم الا وهو طريق الانقاذ الغربى. والغريب ان هذا الطريق ( ما نفذ منه) تم تنفيذه باموال المواطنين حيث تم بيع سكر الغرب لسنوات مما حقق اموالا طائلة لانجاز الطريق الذى لم ينجز. ثم تطايرت الاتهامات حول اموال الطريق وصرح احد دهاقنة الانقاذ علنا " خلوها مستورة" وهكذا "فقه السترة" يحقق الثراء الحرام والنهب المصلح ويحرم المواطنين من ابسط حقوقهم المشروعة.
وقد اصدرت حكومة الانقاذ قانون الاستثمار لسنة 1990 والذى اعطى امتيازات واعفاءات وتسهيلات لراس المال المحلى والاجنبى. كما قنن توزيع ملايين الافدنة دون اعتبار لحقوق واحتياجات السكان المحليين من زراع ورعاة. وكمثال منحت الحكومة 3.5 مليون فدان فى جنوب دارفور للتجار وكبار موظفى الخدمة المدنية وضباط القوات النظامية ورجالات الدارة الاهلية ( تحوى قائمة المشاريع المصدقة حوالى 434 اسما معظمهم من الفئات المذكورة). وقد تم ذلك دون اجراء اى دراسة للاثار السالبة لتجربة مشاريع الزراعة الالية بمنطقة هبيلا بجبال النوبة.
وتميزت فترة الانقاذ بالتراجع التنموى ( ان صح التعبير) عن طريق البيع والخصخصة. حيث شهد عهد الانقاذ انهيار مشروع جبل مرة بعد ان عصفت به الخصخصة وبيعت المكاتب والمنازل فى زالنجى وبيعت العربات فى دلالات عربات الخرطوم. كما توقفت مدبغة نيالا ومصنع النسيج. وكذلك تراجع الاهتمام السنوى بضبط مياه الخيران ( وهى تجربة ناجحة طورتها مساعدات جمهورية سكسونيا الالمانية). وزيادة فى التراجع فقد توقفت العيادات البيطرية المتحركة ومشروع تحسين الماشية وتسويق الالبان.
ولم تنشئ الانقاذ اى مشروع تنموى حقيقى بدارفور وهو من اكثر اقاليم السودان التى اهملت فى الماضى ولكن الانقاذ على استعداد لصرف 3 مليار دولار لانشاء سد مروى لانتاج الكهرباء. وهنا يجدر بنا ان نتعرض لحجة عدم توفر الامكانيات فى ظل رفع الدولة ليدها عن كل الخدمات الضرورية، رغم انها اكثر حكومة فرضت ضرائب بمسميات مختلفة على المواطنين. وهنا يقفز للذهن سئوال عن مصير مليارات الدولارات التى نتجت عن استخراج البترول وتصديره لمدة عشرة اعوام كاملة؟
أما اكبر اسهامات الانقاذ فى تعميق التهميش بدارفور هو ما قامت به لتغيير الخارطة السكانية بالاقليم. ابتدأ هذا فى عام 1990/1991 باقامة ادارات لقبائل عربية قادمة من تشاد داخل اراضى المساليت وتعيين امراء لتلك القبائل ومنحهم حق توزيع الاراضى على مواطنيهم وعندما احتج المساليت تم قمعهم بعنف مفرط. ثم امتد المخطط لقبيلة الفور عن طريق دعم بعض القبائل العربية لمواجهة الفور تحت شعار مواجهة التمرد المسلح. وخلال تلك الحملة تم حرق مزارع الفور واقتلاع اشجارهم المثمرة ونهب ممتلكاتهم وقتل حيواناتهم وحرق قراهم وقتل ابناء القبيلة. وهكذا انفتحت ابواب الجحيم على دارفور.
من مظاهر التهميش الاخرى:
والتهميش ، كما ذكرنا، لم ينحصر فى الجانب الاقتصادى فقط وان كان الجانب الاقتصادى هو اس البلاء. فقد شمل الجوانب الخدمية ( تعليم ، صحة، اتصالات، ارشاد الخ) والثقافية والاجتماعية والبيئية والسياسية , والقانونية وحتى مجال البحوث الزراعية او الاجتماعية.
وفى مجال الخدمات العامة فلم ينل الغرب وخاصة اقليم دارفور ما يستحقه، رغم اسهامه فى الدخل القومى بسلع للتصدير( حبوب زيتية/ صمغ عربى/ حيوانات حية). وكمثال اوردت الوثائق الرسمية انه فى عام 2000 يجد ثلث الاطفال فقط فى اقليم دارفور( فى سن الدراسة) الفرصة لدخول مدرسة لتلقى تعليم نظامى. والمسالة لا تنحصر فى قلة فرص القبول بالمدارس وانما تتعدى ذلك لندرة الكتب الدراسية وتهالك الادوات المدرسية الضرورية للعملية التربوية وقلة المعلمين وتدنى روحهم المعنوية مما يؤثر سلبا على مستقبل تعليم اولئك الاطفال ، خاصة اذا علمنا ان مرتبات المعلمين لا تلبى احتياجات الحد الادنى وقد تمر شهور لا يصرفون خلالها مرتباتهم مما يجعل مهنة التعليم مهنة طاردة خاصة فى الاقاليم البعيدة والمناطق الهامشية.
نسبة الاستيعاب بالتعليم الاساس للعام 1999/2000
الاقليم السكان ( 6 الى13 سنة) المستوعبون النسبة المئوية للاستيعاب
الخرطوم 785,827 678850 86,40
الاوسط 2,433,331 900456 54,72
الشمالى 301,076 259500 87,80
الشرقى 771,550 311402 40,68
كردفان 885,421 356503 39,66
دارفور 1,350,292 398972 30,63
الجنوبى 1,128,350 231809 21,23
نسبة الاستيعاب فى كل السودان 47,10
المصدر: التقرير الاستراتيجى السودانى لعام 2000
وينطبق نفس الواقع السئ على مجال الصحة وبقية الخدمات العامة الضرورية للحياة. ومن المعروف ان لتردى الخدمات العامة اثارها ، بعيدة المدى، المتمثلة فى معاناة المواطنين وتدنى انتاجه و تزايد التفاوت الجغرافى والاجتماعى على نطاق الوطن. كما يبدد طاقات كامنة كان من الممكن استخدامها لتطوير الاقليم والوطن.
جدول يوضح الوضع الصحى فى السودان
الاقليم المشتشفيات المراكز الصحية
(حضرية + ريفية) غرف التضميد والغيار ووحدات الرعاية الاولية
العدد عدد السكان لكل مشتشفى العدد عدد السكان لكل مركز صحى العدد عدد السكان لكل منشاة
الخرطوم 11 * 90 61,869 1 -
الشمالى 49 32,599 236 6,768 142 1,124
الشرقى 18 224,538 79 51,160 321 12,591
الاوسط 70 106,527 236 31,597 621 12,008
كردفان 34 116,329 111 35,632 468 8,451
دارفور 19 342,190 35 187,391 467 14,044
(* لم يتم حساب هذا المؤشر للخرطوم لعدم تضمين المشتشفيات الحضرية بالخرطوم)
المصدر: استقصاء المرافق والمنشات الصحية فى 2003/ 2004 , وزارة الصحة الاتحادية ومنظمة الصحة العالمية )
عدد الاطباء والممرضون والممرضات والقابلات مقابل كل 100 الف من السكان فى 2003
الاقليم/الكوادر الاطباء الممرضون/الممرضات القابلات
الخرطوم 48,9 82,7 36,8
الشمالى 15,5 235,7 124,5
الشرقى 7,2 53,8 39,6
الاوسط 10 64,5 39,0
كردفان 6 41,5 53,5
دارفور 2,5 27,6 28,2
كل شمال السودان 18,4 51 23,8
( المصدر: سبل كسب العيش فى دارفور نقلا عن دارفور التحديات التى تواجه التنمية )
ومجال اخر ضاعف من اثار التهميش هو انعدام الطرق المعبدة القابلة للاستعمال طوال العام. ودار فور هى الاقليم الوحيد فى السودان غير المرتبط باواسط السودان بطريق معبد. وقد دفع الاقليم الثمن غاليا لانعدام الطرق ولعقود من الزمن. فالتوسع فى شبكة الطرق المسفلتة كان سيلعب دورا مقدرا فى خفض تكاليف النقل داخل الاقليم ومع الاقاليم الاخرى مما سيخفض من تكاليف الانتاج بسبب انخفاض تكاليف الوقود واستهلاك قطع الغيار واختصار الزمن ودورة وسائل النقل. انجاز ذلك كان سيدفع بعجلة النشاط الافتصادى ويقلل من معاناة المواطنين. للسكة الحديد اهمية استراتجية فى السودان خاصة للاقاليم البعيدة جغرافيا. وقد تم تدمير السكة الحديد لاسباب سياسية لا علاقة لها بمصلحة السودان واقتصاده وسكانه. ورغم ظروف تشغيل خط نيالا الا انه كان يلعب دورا هاما فى تجارة وحياة ابناء دارفور.وتدهور خط نيالا ساهم سلبا فى زيادة اثار التهميش. ونعتقد ان اى جهد لازالة التهميش يرتبط بضرورة تاهيل السكة الحديد لانها ارخص وسيلة فى مثل هذا القطر/القارى. ويرتبط النقل بقضية التخزين التى تنعدم تماما فى دارفور مما يلحق ابلغ الضرر بالمنتجين الصغار ويرغمهم على بيع منتوجاتهم باسعار ضعيفة بتاثير عوامل العرض والطلب حيث تحصد المحاصيل فى نفس الوقت ولا توجد اوعية للتخزين مما يدفع المنتج المحتاج للبيع بالسعر المعروض من التجار. كما ان انعدام مواعين التخزين يجعل حفظ احتياطى غذائى لاقليم تعرض لموجات جفاف حادة يجعل حياة الملايين فى خطر.
والكهرباء ليس ترفا حضريا بل هى احدى اهم الوسائل التى تخفض تكاليف الانتاج وتحقيق ارباح اعلى فى كل الانشطة الاقتصادية، بمستوياتها المختلفة. واقليم دارفور فى مقدمة الاقاليم التى لا تحظى بالاستفادة من الطاقة الكهربائية التى توفرها الشبكة القومية من المصادر المائية الرخيصة. وتتعلل الحكومات بارتفاع تكاليف مد الشبكة القومية لدارفور الا ان مثل هذا الافتراض يحتاج لدراسة جدوى علمية تنظر لجميع الفوائد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التى سيجنيها الاقليم والاقتصاد الوطنى من توصيل كهرباء رخيصة لدارفور. وقد نال هذا الجانب الخدمى من التهميش اهتماما من الباحثين والنشطاء وصدرت حوله العديد من الدراسات والمقالات والبيانات التوثيقية التى اصبحت حقائق معلومة لا تقبل الجدل او المغالطة. فعدد المدارس والمشتشفيات وخدمات الكهرباء وماء الشرب والنقل والتخزين والاتصالات والارشاد تشكل صفحة سوداء فى تاريخ كل الحكومات المتعاقبة وادانة صافعة لكل سياسى المركز واحزابهم التى تبوأت مقاعد الحكم فى سودان مابعد الاستقلال.
ورغم الحجة التى يتعلل بها اولئك والمبنية على عدم توفر الامكانيات المادية، وهى حجة مردودة فعدم توفر الامكانيات او قلتها لا ينفى ان ما توفر منها لم يوزع بطريقة عادلة بين اجزاء السودان المختلفة، بل استخدمت لاغراض لا تخدم المواطنين وهكذا ساهمت فى زيادة معاناتهم. والجدول التالى يوضح اعداد الدستوريين على المستوى الولائى فقط يوضح لنا اين تصرف الامكانيات المحدودة ( كلنا يتذكر الضجة الى ثارت ، فى المجلس الوطنى ، حول مخصصات الدستوريين ورفض الحكومة الافصاح عن تكلفتهم ورفضها ايضا تخفيض مخصصاتهم وحتى الان لا نملك ارقاما حقيقة عن تكلفتهم للخزينة العامة).
اعداد الدستوريين فى ولايات دارفور
الولاية الوزراء المستشارون المفوضون ملاحظات
شمال دارفور
جنوب دارفور
غرب دارفور 11
10
9 8
8
3 4
3
5 الاحصائية لا تشمل شاغلىالدستورية
الدستورية بالاجهزة التشريعية كما لا
تشمل شاغلى المناصب الدستورية بالمحليات
المجموع 30 19 12
المصدر: الادارة العامة للمعلومات والاتصالات مايو 2008 ( فى كتاب سبل كسب العيش فى دارفور)
و اضافة لذلك التبديد المذكور اعلاه، هنالك مثال هام ، لمن يلوكون حجة قلة الامكانات ، هو مصير المليارات من الدولارات، التى توفرت من استخراج وتصدير البترول، ووفرت فرصة لا تعوض لتحقيق تنمية متوازنة فى كل انحاء السودان ولازالة معظم ازمات الاقتصاد السودانى.
والادهى وامر، ان ذلك التهميش الافتصادى صاحبه تهميش سياسى اجتماعى ذو نكهة عنصرية كريهة. فالخطاب الرسمى والاعلامى لم يخلو ، طوال سنوات مابعد الاستقلال، من العداء ( المعلن والمبطن) لابناء الغرب، مما خلق صورة سلبية لهم رسخت فى اذهان العديد من البسطاء من ابناء شعبنا . وهاهى بلادنا تجنى حصاد ما غرسه البعض من عنصرية ورجوع للاحتماء بالقبيلة ورفع رايتها علنا وبلا مواربة فى الالفية الثالثة.
وهنالك العديد من الامثلة والمحاولات لاستغلال ابناء الغرب او خلق صورة سلبية لهم. كما شهد تاريخ السودان الحديث كيف ان نوابا فازوا فى دوائر غرب السودان بدون زيارتها او تقديم برنامج انتخابى لاهلها. والقصة التى تروى عن السيد محمد احمد محجوب ( رئيس وزراء السودان الاسبق) مع وفد ام كدادة القادم لتقديم مطالب الدائرة (الذين فاز فيها ) حيث قال لهم انه لم يزرهم او يوعدهم باى شئ. وليست هى الدائرة الوحيدة التى فاز فيها " نواب بالمراسلة " كانما ليس هنالك من هو جدير بتمثيل منطقته فى البرلمان القومى والغريب حقا ان السيد عبد الله خليل كان نائبا لنفس الدائرة. ولقد تمرد ابناء الغرب ، من عضوية حزب الامة، على ذلك فى انتخابات 1986 ( بعد الانتفاضة) واصروا على اختيار مرشحين من ابناء مناطقهم. وقد نجحوا فى الفوز ولكن ما تحقق من فوزهم لم يلبى تطلعات اهلهم و" عشمهم" فيهم. وهذه التجربة تطرح سئوالا جوهريا حول قضية التهميش: هل مجرد وصول بعض ابناء المناطق المهمشة الى المواقع الاقليمية او المركزية يزيل اويقلل من التهميش؟ وهل خلت الحكومات السودانية المتعاقبة من وزراء دارفوريين؟ وهل تجربة تنفيذ الحكم الاقليمى ، خلال مايو، وانتخاب السيد دريج لمنصب الحاكم ادت الى اى تغييرات فى واقع التهميش؟
كما شهدت فترة حكم نميرى التكرار الممل لما يسمى بالمؤامرات العنصرية كلما تحرك ابناء الغرب لمعارضة الدكتاتورية ، ورغم حق ابناء الغرب المشروع ( داخل القوات المسلحة وخارجها) كحق اى سودانى فى معارضة ومقاومة الدكتاتورية. ولكن صفة العنصرية تطلق فقط عندما يشارك ابناء الغرب فى المقاومة. ومثال اخر هو اطلاق سلطة مايو واعلامها صفة المرتزقة على مقاتلى حركة 2 يوليو 1976 رغم سحناتهم الدارفورية السودانية، ولكن تلك السحنات الدارفورية استغلت اعلاميا ، وبخبث منقطع النظير، لوصفهم بالمرتزقة الاجانب لخداع الشعب السودانى حول طبيعة حركة 2 يوليو.ولم تقف الحملة العنصرية عند غسيل الادمغة عن طريق الاعلام فحسب ، بل امتدت لاستخدام عنف القانون ضد المواطنين. فقد شهدنا حملات "الكشة" "لتنظيف العاصمة القومية !" وكيف ان نائبا برلمانيا فى الجمعية التاسيسية ، يمثل مواطنى جبال النوبة، قد اعتقل فى احدى تلك "الكشات" سيئة الذكر وكل الجريمة ان اولئك البشر لا يحملون نفس سحنات او لون بشرة من يتقلدون مقاعد الحكم.
والغريب ، بل والمحزن حقا، ان بعض مواطنى دارفور ممن عانوا تاريخيا من هذه النظرة الدونية التى تنظر لهم بعنصرية، يقسمون اقليمهم بطريقة عنصرية الى "عرب" و" زرقة ". رغم انهم ( من يسمون بعرب وزرقة) قد اختلطا وتمازجت انسابهم ولا تختلف سحناتهم كثيرا عن بعضهم البعض. ولكنها الثقافة العنصرية التى عشعشت فى بلادنا لقرون منذ ايام حملات الرقيق وهكذا يتغير العالم يوميا ولا يزال البعض من ابناء هذه الارض يعيشون بافكار عصور سحيقة.
ولم يقف العداء لابناء الغرب عند الحملات الاعلامية المضللة والكريهة والكشات بل تعداها الى ابسط مقومات الحياة وهو حق البقاء. ففى 1983 ذكر التقييم السنوى لانتاج الغذاء الصادر عن وزارة الزراعة ان المتوقع من الغذاء المنتج فى دارفور يقدر بحوالى 25% من الغذاء السنوى مما يؤكد اقتراب حدوث مجاعة ( فى البلد الذى اسمته السلطة بسلة خبز العالم). ولم تهتم السلطة بذلك التقرير الخطير واصرت السلطة وعلى راسها نميرى شخصيا على تجاهل نذر اقتراب المجاعة ولم تبادر بفعل اى شئ. استقال دريج ( حاكم الاقليم) احتجاجا على تجاهل السلطة المركزية لقضية المجاعة واصرار نميرى شخصيا على ذلك الموقف المخزئ. وفى 1984 ارسلت منظمة ال FAO فريقا لتقدير احتياجات مواطنى دارفور وتم تقدير الاحتياجات ب 39 الف طن ولكن الحكومة المركزية وبتدخل شخصى من نميرى تم تقليصها الى 7 الف طن. ولم يصدر اى نداء للعالم طلبا للاغاثة. وهكذا ارسل العالم 5400 طن فقط ولم يرسل اى شئ لكردفان. ولا اجد اى كلمة فى مخزونى اللغوى المحدود لاصف مثل هذا الموقف.
وللتهميش ( كما ذكرنا) جوانب متعددة ومنها التهميش المالى والتمويلى والبحثى والثقافى. و كمثال فى مجال التهميش المالى ، من المعروف ان المؤسسات التمويلية كالبنوك ( تجارية او متخصصة ) تلعب دورا هاما فى تفعيل النشاط الاقتصادى. ولكن دارفور عانت من التهميش فى هذا الجانب وكمثال حتى 1959 لم يكن هنالك اى فرع لبنك فى دارفور وبعد مضى عقد اخر من الزمان ( 1969) تم افتتاح اربعة فروع. وحتى هذه الفروع البسيطة فانها تمول فئات اجتماعية محددة لاصرار البنوك على الضمان العقارى وهو ما لا يتوفر للاغلبية الساحقة من المنتجين الحقيقين فى القطاع التقليدى مما يجعلهم تحت رحمة نظام الشيل البشع. ومن الطبيعى ان يؤثر ذلك على واقع المنطقة الاقتصادى السئ اصلا. بينما يتوفر التمويل للتجار خاصة فى موسم الحصاد مما يجعلهم فى وضع مريح لشراء محاصيل المزارعين بارخص الاثمان نتيجة للظروف المعيشية الصعبة للاغلبية الساحقة من صغار المزارعين. وايضا فى جانب التهميش المالى هنالك قضية القبضة الحديدية من المركز على الايرادات العامة وصرف حوالى 10% على الاقاليم واى زيادات تتم بالقطارة والحسابات السياسية المتعلقة بجذب مناطق معينة او قبائل معينة لدائرة التحالف مع السلطة او خوفا من غضبها وخروجها على الدولة. و90% من الايرادات يتم التحكم فيها مركزيا وهنالك تجارب رائدة فى بعض البلدان الافريقية بتقسيم مقبول بين المركز والاقاليم والتمسك بذلك التقسيم وعدم جعله تحت رحمة واهواء الحكام.
ومجال اخر يضيف للتهميش ، هو مجال البحوث التطبيقية فمثلا اغلب البحوث الزراعية تركزت على قضايا وهموم ومشاكل المشاريع المروية وخاصة ما يتعلق بالقطن واهملت قضايا القطاع التقليدى تماما وكمثال محصول كالدخن ( الغذاء الاساسى لملايين السودانيين) لم يجد العناية الكافية لتحسين انتاجه باستنباط بذور محسنة ذات انتاجية عالية ومقاومة للجفاف والافات. بالاضافة لقلة الاهتمام عامة بابحاث المناطق الرملية وقضايا الزحف الصحراوى واعادة استصلاح الاراضى التى تعرضت للجفاف وكيفية مواجهة الدمار البيئى المتواصل. وحتى اذا اقيمت محطات ابحاث بالغرب فانها تفقد مقومات البحث العلمى والتمويل اللازم لاجرائه. ومن الملاحظ انه حتى عندما تدرس المنظمات الدولية قضايا وتوصى باجراء بعض الاصلاحات تصم الجهات الحاكمة اذنيها. وخير مثال هو تقرير منظمة العمل الدولية التابعة للامم المتحدة حول استراتيجية التنمية فى السودان والذى صدر فى 1976 واوصى بالاهتمام بالقطاع التقليدى لاهميته للاقتصاد السودانى ولكنه اهمل ولم يعمل به. ولم يقتصر ذلك على البحوث التطبيقية البحتة بل شمل تهميش الغرب حتى البحوث الاقتصادية والاجتماعية. وكمثال مؤتمر الاقتصاديين السودانيين العام الذى انعقد فى 1970 اعطت توصياته ( عدة صفحات) ثلاثة اسطر للقطاع التقليدى. كما ان كتابات العديد من الاقتصاديين السودانيين تخطط للاقتصاد السودانى من منظور نسبة النمو والعائد السريع من الاستثمار بدون اى تقدير للقوى المستفيدة من ذلك واثر تلك البرامج فى حياة الملايين.
وهنالك قضية السلطة السياسية فى المركز وانفرادها بكل القرارات الهامة والمصيرية التى تتعلق بكامل الوطن. ومن الغريب ان تلك القرارات تصدر عن مجموعة بسيطة ممسكة بزمام كل شئ فى المركز وفى الحزب الحاكم ، اما فى ظل الانظمة غير الديمقراطية فمجموعة اصغر تتحلق حول القائد وهو الشخص الامر الناهى فى مصير البلاد والعباد. وفى اطار هذا النقاش المركز على التهميش، نقول ان كل المشاريع التنموية والخدمية تتقرر مركزيا بدون مشاورة اصحاب الشان وبدون مشاورة المختصين او اجراء الدراسات العلمية وتصدر القرارات بشانها بشكل عشوائى وقد تحدثنا عن خطط التنمية و كيفية تغييرها ثم عدم تنفيذها كلها ( الاصلية والمعدلة والبديلة).
وهنالك التهميش عن طريق حصر التعيين للوظائف العامة فى ابناء القبيلة او الاسرة او المعارف للمسئولين الكبار فى مصلحة او ادارة. وكما هو معروف ، جاء معظم اولئك الكبار من مناطق محددة نالت فرصا تعليمية قبل معظم مناطق السودان الاخرى وهكذا ورث ابناؤها جهاز الدولة وامكانياته التى سخرت للتعيين فى وظائف الميرى او فى منح الرخص التجارية وارساء عطاءات الدولة على هؤلاء الاقارب والحلفاء.
كما تعرضت الثقافات الاقليمية ،طوال فترة مابعد الاستقلال، للتهميش الرسمى من قبل الاعلام الرسمى والمناهج الدراسية والمعارض الثقافية والصحف العاصمية. ومن الغريب انه فى بلد يمتيز بالتعددية الاثنية والثقافية والدينية كالسودان تُهمش كل ثقافاته وتحاول السلطة فرض ثقافة واحدة باعتبارها الثقافة الرسمية و القومية.
لتلخيص هذا العامل نقول بان التهميش ( باشكاله الافتصادية والاجتماعية والثقافية ) هو احد العوامل الرئيسية التى ادت لتذمر ابناء دارفور الذى اتخذ شكلا سريا ( اللهيب الاحمر وسونى ) فى البداية ، ثم اتخذ منهجا علنيا و سلميا مابعد ثورة اكتوبر ( جبهة نهضة دارفور) ، ثم اتخذ شكلا جماهيريا قويا ضد حكم نميرى ( انتفاضة دار فور الشهيرة والتى لوت يد نميرى وبعنف) ، و بعد انتفاضة ابريل 1985 اتخذ شكل رفض الوصاية من المركز فى اختيار مرشحى حزب الامة فى انتخابات 1986 ثم ظهور المجلس القومى لابناء دارفور بالعاصمة وتسييره لموكب شهير. وادت التطورات السياسية اللاحقة للانفجار المسلح العنيف بعد فشل كل المطالبات السلمية فى تحقيق مطالب الاقليم وبعد تفاعل التهميش مع عوامل اخرى سنناقشها لاحقا. والحركات المسلحة هى نتاج طبيعى لواقع التهميش وليست عصابات نهب مسلح يسهل القضاء عليها بالحل العسكرى. ولا سبيل الا بالحل السياسى السلمى الذى يستهدف معالجة جوهر الازمة التى ادت لظهور تلك المجموعات ولازالة الاحساس العميق بالغبن وسط ابناء دارفور.
لقد تشابكت ازمة دارفور مع الازمة الوطنية العامة واثرت كل منهما على الاخرى وصار لا انفصام بينهما وحلهما معا هو السبيل الوحيد لسلام مستدام. فلقد الغت الازمة السياسية الافتصادية العامة فى كل السودان بظلالها الكالحة على دارفور، فازدادت الحياة، القاسية اصلا، مزيدا من القسوة. تفاعلت هذه القسوة مع انعدام الديمقراطية، فى كل المستويات، والفساد والعطالة الجماعية. وحادث سوق المواسير بالفاشر هو اصدق تعبير عن الدرجة التى وصل اليها الاقليم والوطن. ولا مخرج غير نظام ديمقراطى تعددى مبنى على الموسسات وحكم القانون والحقوق الاساسية للانسان.
الخاتمة:
بعد هذه القراءة السريعة لقضية التهميش نواجه السئوال المنطقى: هل يمكن تجاوز التهميش وبناء وطن تتساوى فيه كل الاقاليم والمناطق والفئات الاجتماعية وتنال حظوظها العادلة من الثروات القومية وحقوقها الطبيعية فى المشاركة فى السلطة السياسية واتخاذ القرار؟ نقول وبثقة تامة : نعم يمكن ذلك. ونرى ان الحل يتم على مستويين اولهما العاجل وثانيهما الجذرى طويل الامد. العاجل يتمثل فى ايقاف الحرب وارجاع المشردين لمناطقهم الاصلية وتعويضهم واعادة بناء ما دمرته الحرب واقامة نظام ديمقراطى مع اعطاء اقليم دارفور اولوية فى مشاريع التنمية. اما الحل الجذرى طويل الامد فهو اقامة ديمقراطية لا تقتصر على الحقوق الشكلية فقط وانما تشمل كل الحقوق الاساسية وتقوم على نظام اقتصادى يكافئ المنتجين والنشاط الانتاجى وليس الطفليين والنشاط غير المنتج ولكنه يستنزف ثروات المنتجين، نظام ينظر لقضية التنمية باعتبارها تستهدف الانسان فى المقام الاول وليس النمو الاقتصادى الذى يكرس الفوارق الاجتماعية ويقنن استغلال الانسان لاخيه الانسان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.