شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    البرهان يقدم واجب العزاء في الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة 22 مشاة بابنوسة    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحمد رجب .. أوراق الغرفة ( 53 )
نشر في حريات يوم 14 - 09 - 2014


[email protected]
كتبت قبل أسبوع كلاماً عن الفنان " سعيد صالح " ، كنت أنوي أثناء كتابته أن أروي خبراً تراثياً يتعلق بالشاعرين " جرير " و " الفرزدق "، ابني العم اللذين ملأ العراك اللفظي بينهما الدنيا و شغل الناس في زمانهما، كنبوءة لا يليق التصريح بها باقتراب أجل الممثل " عادل إمام "، و لسبب ما نسيت ، و كان ذلك أفضل، و لحسن الحظ، لم يمرَّ شئ بعد، لذلك، سأروي هذا الخبر، أوالنبوءة التي الآن انطفأت بعد أن سافر فجر الجمعة في مساحات الغياب الكاتب الكبير " أحمد رجب " ليلحق، بعد أقل من شهر واحد، بشريكه في حرفة الصحافة و أوراق الغرفة " 53 " بمبني دار " أخبار اليوم " رسام الكاريكاتير" مصطفي حسين "!
قبل أن أقول ذلك الخبر، و قبل أن أنسي، يجب أن أقول : فوق أسطح أوراق الغرفة " 53 " ولد " فلاح كفر الهنادوه " و " مطرب الأخبار " و " عبده مشتاق " و " عبده الروتين " و " الكحيت " و " عزيز بيه الأليط " و " كمبوره " و غيرها الكثير من الشخصيات التي الآن حية، و سوف تظل، يقيناً، لقد أرسلها " أحمد رجب " عن عمدٍ للخلود!
و الآن، هذا هو الخبر ..
قال " أبو عبيدة " : حدثني " أيوب بن كسيب "، من " آل الخطفى " ، و أمه ابنة " جرير بن عطية "، قال : بينا " جرير " في مجلس بفناء داره بحجر إذا راكب قد أقبل فقال له " جرير " من أين وضح الراكب ؟ قال : من العراق، فسأله عن الخبر فأخبره بموت " الفرزدق " فقال " جرير " :
مات الفرزدقُ بعدما جدَّعته / ليت الفرزدقَ كان عاش قليلا
ثم أسكت ساعة فظننا أنه يقول شعراً، فدمعت عيناه، فقال القوم : يا سبحان الله أتبكي على " الفرزدق "؟!
فقال : و الله ما أبكي إلا على نفسي، أما و الله إن بقائي خلافه لقليل، إنه قلما كان مثلنا زوجان يجتمعان على خير أو شر و يتهاديانه إلا كان أمد ما بينهما قريباً، ثم أنشأ يقول :
فجمعنا بحمال الديات ابن غالب / و حامي تميم ٍكلِّها و المراجم
بكيناك حدثان الفراق و إنما / بكيناك شجواً للأمور العظائم
فلا حملت بعد ابن ليلى مهيرةٌ / و لا مدَّ أنساع المطي الرواسم
قال " أبو عبيدة " : فما بقي " جرير " بعد " الفرزدق " إلا قليلاً حتى مات!
قالوا، لحق به بعد أربعين يوماً فقط!
غريب هذا الأمر، و يكاد لفرط حدوثه أن يصبح عرفاً دارجاً، قلما كان زوجان يجتمعان علي خير أو شر و يتهاديانه إلا كان أمد ما بينهما قريباً!
و " أحمد رجب " باختصار أعظم كتاب السخرية السوداء في " مصر " علي الإطلاق ثم يتخثر بعد ذلك كل تعريف آخر له إلي مجرد تعليق أو إضافة، بدأ مساره في عالم الصحافة و هو في مرحلة الجامعة، و لقد فضحت لنا زميلته الأقل منه عمراً بعامين " حُسْن شاه " بعضاً من أبعاد شخصيته في ذلك الوقت في حزمة كلمات كاشفة، قالت :
( قابلت " أحمد رجب "، لأول مرة، عندما كان مسؤولاً عن الصحافة بالكلية، و كانت علامات النبوغ واضحة عليه، فكان يعرف من أول يوم فى كلية الحقوق أنه سيصبح صحفيا، فكان يردد : " إن ما يجرى فى عروقى ليس دماءً و إنما حبر المطابع "، و استمرت علاقتى به و كان السبب فى اتجاهى إلى العمل فى الصحافة رغم أننى كنت أتمنى أن أصبح محامية !
كان قد أحب الموسيقي في مرحلة سابقة و أراد أن يصبح عازف كمان، لذلك، التحق بمعهد " جيوفاني "، لكنه أخفق في ترويض الكمان، حتي أن أستاذه نصحه بالتوقف عن دراسة هذه الآلة لأنها لم تصنع من أجله، كانت أصابعه مطبوعة علي عزف من نوع آخر، و هو العزف بالحروف، غير أنه واظب فيما بعد، حسب روايته هو، علي تحديق النظر بعيون الحسد في كل عازف كمان، لقد باشرت هذه الحادثة تربية " عقدة " علي ما يبدو احتفظت بها أعماقه حتي النهاية، جنباً إلي جنب مع " عقدة " أخري، ولدت تعقيباً علي حادثة أخري طبعاً، و هي " عقدة " أطلق عليها هو " فوبيا الحلاقة "!
نعم، " فوبيا الحلاقة "!
و هو يروي تفاصيل تلك الحادثة فيقول :
( ذهبت أحلق شعرى و أنا فى المدرسة الابتدائية فدخل رجلٌ صالون الحلاقة وفى يده ابنه فى مثل عمرى، فقص الرجل شعره و حلق ذقنه، و جاء الدور على الولد الصغير فأجلسه الحلاق على منضدة ليقص شعره بينما ذهب الأب إلى الحانوت المجاور بعد أن نفدت سجائره، و جن جنون الأسطى " رشوان " عندما اكتشف أن الرجل ليس أبا الولد الصغير، و أنه اصطحبه من الطريق ليتركه رهينة عند الحلاق باعتباره ابنه ويفر دون أن يدفع الأجرة!
و لم يكتفِ الحلاق بضرب الولد المسكين الذى لا ذنب له، بل أمسك بى أنا أيضا و هو يصيح :
- و أنت كمان أبوك فين يا ولاد النصابين؟
و لم أدرِ فى مقاومتى أننى كسرت " قصرية " زرع فتحول الحلاق إلى " القصرية " المكسورة و تحولت أنا إلى الشارع أسابق الريح، و من يومها أُصبت بما يمكن أن يسمى ب " الحلاقة فوبيا "! )
يتضح من هاتين الحادثتين أن أعماق فقيدنا الكبير أعماق غير طاردة كأعماق ذوي الأعماق الهشة، فهي تمتص و تمضغ و تخبئ في جيوبها أدق التفاصيل و تعيشها ثم هي تستخدم، في الوقت المناسب، تلك الأصداء الناجمة عن تداعياتها للسخرية من الحياة ، و من كل شئ ..
بعد تخرجه من الجامعة، بدأ مساره الحقيقي في رحاب الكلمة محرراً بدار أخبار اليوم ب " الإسكندرية " مع صديقه " محسن محمد " رئيس تحرير الجمهورية فيما بعد، و هو أيضاً، في واحد من أوضح أمثلة " الجينات السياسية " في " مصر" التي في خاطر و فم " أم كلثوم " و المختطفين ذهنياً فقط، زوج الإعلامية " هند أبو السعود " و والد الإعلامية " ميرفت محسن "!
من الجدير بالذكر أن الشيخ " عبد الباسط عبد الصمد "، المقرئ الشهير، كان هو السبب المباشر في شهرة " أحمد رجب "، كما كان " أحمد رجب " السبب في شهرته بقدر مضاعف مئات المرات، و هنا، حدثٌ من الحوادث القليلة التي تجعل المرء يشعر عند الوقوف فوقه بأنه يفتقد الدهشة أحياناً!
بدأت الحكاية عندما سأل أحد العاملين بالإعلانات في ذلك الوقت " أحمد رجب " :
- عندى قصة حلوة، ينفع تنشرها ؟
و أخرج صورة أحد أقاربه، و استأنف كلامه :
- هذا الرجل يعمل مقرئاً، و هناك امرأةٌ سورية تحبه و تطارده!
و تركت الحكاية صدي طيباً في نفس الصحفي الشاب، و لاحظ، في نفس الوقت، ذلك الشبه الكبير بين ملامح الشيخ " عبد الباسط عبد الصمد " و بين ملامح الممثل العالمي " مارلون براندو "، و كتب أول مقالاته الرئيسية في " الجيل " بعنوان " عبد الباسط براندو "، فأثار بذاك المقال غباراً وصل إلي عقر دار " مارلون براندو " في غضون ساعات قلائل، إذ أعادت مجلة " نيوزويك الأمريكية " نشر المقال!
و علي السواحل المحلية، ارتفع، تعقيباً علي المقال أجر الشيخ " عبدالباسط عبد الصمد " من " 30 " إلي " 300 " جنيه، ليس هذا كل شئ، إنما، كعادة المصريين، بمجرد أن نمت الأحاديث حول المقال في المقاهي و المساجد و النوادي و الحارات، قام بعض الذين ينشطون أو يتظاهرون بالنشاط في مثل هذه الظروف بصنع تماثيل من الجبس الرخيص للشيخ " عبد الباسط عبد الصمد " أغرقت أسواق المدن الرئيسية في " مصر "، كان الباعة ينادون عليها :
" الشيخ " عبد الباسط براندو " بقرش، معبود الستات بقرش "!
تجاوزت شهرة الشيخ " عبد الباسط براندو " في أسابيع قليلة حدود " مصر "، و صار صوته طَبَقاً لا يليق إلا بموائد الملوك و الحكام، و دعي إلي " سوريا "، و هناك، في المطار، حوصر بالنساء و عدسات المصورين كما يليق بنجوم السينما العالمية، و قلد عدداً من الأوسمة!
أكثر من كل هذا، لقد صار وجه المقرئ الشاب، بين يوم وليلة، يلتحق بأحلام يقظة كل النساء الناطقات بالعربية من المحيط إلي الخليج في ذلك الوقت برهافة بالغة، نساء " سوريا " علي وجه الخصوص ..
باختصار، استفحل أمر " مارلون براندو الشرق " منذ ذلك اليوم حتي عكف بعض الحاذقين في تربية النقود، تماماً، مثلما حدث في مصر، علي صناعة تماثيل له كانت تباع بكل عملات عواصم الشرق!
ضجة كبري، لم تسكت، في " مصر" علي الأقل، إلا بأمر من " جمال عبد الناصر " شخصياً بعد أن طلب منه " عبد الباسط عبد الصمد "، الخجول، إسكاتها!
لاحظ أن كل هذا الضوء العارم ولد في اسم ذلك المقرئ المغمور بداية من سؤال أحد العاملين بالإعلانات ل " أحمد رجب "، ما أغرب الدنيا!
حكاية أخري أشد طرافة، رواها " أنيس منصور " في بعض من ذهب الكلام الخاص به، و كانا صديقين، و هذا معروف، و كان " أحمد رجب " يحرر باب " حظك هذا الأسبوع " في " الجيل "، و لأنهما كانا علي وعي تام ببساطة أذهان أغلب المتلقين من الجمهور، جعلا من هذا الباب ساحة مشروعة للمكائد بينهما!
ذات يوم، لاحظ " أنيس " أن صديقه يوجه من خلال أحد الأبراج رسائل شخصية لأنثي ما يريد الإيقاع بها، و لسبب ما سكت في انتظار فرصة مناسبة، و تغيب " أحمد رجب " يوماً، فطلب من " أنيس منصور " تحرير الباب، و طبعاً، وافق من كل قلبه، ربما، وافق فقط ليوجه رسالة إلي صاحبة ذاك البرج، التي لابد أنها شعرت بالصدمة و اهتزت بداخلها خيوط كثيرة عندما قرأت في برجها لذلك الأسبوع :
- احذري من شخص اسمه " أحمد "، يرتدي قميص أحمر!
سخرية أنيقة، و مثقفون حقيقيون ظرفاء، يكفي لإدراك لزوجة الحضيض الذي وصل إليه الإعلام الآن أن، لا أقول تقارن، استغفر العطر، بل أن يمس ذاكرتك ك " جعضيضة " عفنة اسم أحد الذين يتسلقون حنجرة المشهد الإعلامي الآن كالغربان الدميمة!
" أحمد رجب " مثقف كبير، و لعل من المحرض علي الدهشة أن نعرف أن السخرية كانت أقل أدواته، هو أيضاً كان شديد الوعي بهذه الحقيقة، و ربما كان وعيه بهذه الحقيقة هو وقود غروره، أو علي وجه الدقة، وقود نزوعه إلي العزلة، و عزوفه الصحِّيِّ عن أن يكون شخصية مفتوحة علي مصراعيها لتجوال كل من يريد التجوال في شوارعها كالكثيرين ..
و ثمة حكاية رائجة تؤكد أن السخرية كانت أقل أدوات " أحمد رجب "، لكنها خرزته التي اختارها من العقد و اشتهر بها، و لها، أحرج بهذه الحكاية كل النقاد المتحذلقين في ذلك الوقت..
و في ذلك الوقت، كان مسرح " اللا معقول " يهيمن علي المشهد الثقافي، وكان باقة من كبار النقاد، و باقة من أعلي أصوات الساحة الأدبية الموازية يرون في مسرح " اللا معقول " النموذج الأكثر صلاحية للمسرح ..
قرر " أحمد رجب " أن يثبت عملياً، و بطريقة اشتعلت عندما نضجت كفضيحة مدوية، بطلان هذه النظرية، وأن يثبت أن " اللا معقول " الوحيد هو أن يكون هؤلاء الأدعياء نقاداً أو كتاباً، من أجل أن يفعل ذلك نشر في مجلة الكواكب مسرحية بعنوان " الهواء الأسود "، ادعي أنها مسرحية لم تنشر من قبل للكاتب المسرحي السويسري " دورنيمات "، و دعا كبار النقاد المروجين لمسرح " اللا معقول " للتعقيب علي المسرحية باعتبارها واحدة من روائع هذا اللون من المسرح، و لقد حدث، و كانت الإشادة من جانب هؤلاء بالمسرحية و بامتداداتها الذهنية الكامنة و بإبداع " دورنيمات " عظيمة و ثرية فاقت كل توقعاته هو شخصياً!
عندما رأي أن دوائر مكيدته قد اكتملت، أخبرهم في لهجة لا تنم عن احترام كبير أنه هو مؤلف هذه المسرحية العبثية، هذا كل شئ، و منذ تلك اللحظة و حتي هذه اللحظة، سكتت أصوات هؤلاء، و انخفضت تصرفاتهم، أو اعتمدوا أساليب أخري لحشو فراغات نفوسهم علي وجه الدقة!
أنا، بصفة شخصية، لا أحب التعاطي مع الأمور، ولا مع الآخرين بهذه الطريقة الرديئة، لكنها تنجح، لا تلمسوا شيئاً ..
الطريف أن تعليقات الكتاب علي هذه الحادثة تشابهت مع شخصياتهم إلي حد مروع ، العقاد قال :
- هؤلاء النقاد المحترمون يجب أن يُساقوا إلى محكمة التزييف لحماية هذه الأمة من وبال دعواهم!
و قال " طه حسين " :
- إنها عقدة الخواجة فعلاً!
أما " توفيق الحكيم "، رائد المسرح الذهني، و أول من اتخذ الغرفة " 53 "، غرفة " أحمد رجب "، مكتباً له، فقال في لهجة كأنما تنم عن غيظ شديد :
- هذا مقلب ظريف و لطيف!
بينما قال " إحسان عبد القدوس " :
- كل ما نرجوه من السادة النقاد أن يصروا على رأيهم الخطأ، و أن يرفعوا " أحمد رجب " إلى مرتبة الكتاب العالميين!
المحير أن " صلاح عبد الصبور "، و هو الذي أسال في شعره الكثير من أساطير الإغريق، قال :
- إن هذا أعظم عمل نقدى للنقاد قامت به الصحافة طوال السنوات الأخيرة!
أياً يكن ..
لا يخفي علي أحد المصريين أن " أحمد رجب " كان معارضاً حقيقياً لنظام " مبارك "، و لم يكن كالكثيرين معارضاً من داخل النظام بالأمر المباشر لتجميل الصورة و إضفاء لون غير اللون الأسود من ألوان قوس قزح علي المشهد السياسي، لذلك، كان عدم ظهوره علي شاشة التليفزيون المصري بأمر سيادي، هكذا سمعت، و لعل طرده و محاولة الاعتداء عليه، و الاعتداء التام علي الرسام " مصطفي حسين " أثناء محاولة الزميلين حضور حفل تنصيب " صاحب مصر "، هو ذكري لهذه المرحلة!
مع ذلك، واظب " أحمد رجب " علي حراسة تأييده ل " نظام يونيو "، أو هكذا يبدو، فلعل وراء الظلال مشاعر أخري محتجزة، و كان هذا سبباً لاعتباره هدفاً مشروعاً للرمي بالنفاق من قبل بعض المحسوبين علي " الإخوان المسلمين "، و هذا لا يجوز، و هذا فقير جداً، و لا أري تعريفاً للديمقراطية أكثر عدالة من " مجتمع يحق لكل فرد فيه أن يختار خرزته من العقد بكل حرية، و دون رقابة الآخرين " ..
ثم، يجب، عند التعامل مع كلمات " أحمد رجب " أن ندرك قبلياً أننا في رحاب ساخر يخبئ في جيوب الكلمات كلمات أخري، مثلاً، حين يقول مخاطباً السيسي :
" عزيزي الرئيس ( السيسي ) نحن لا نهنئك بنا و لكننا نهنئ أنفسنا بك، نحن نعرف أننا سوف نتعبك، و نعذبك، و نسبب لك كثيرا من الحيرة، فنحن نبدو كأسئلة بلا أجوبة، و قد نكف بجوارك عن الأنين، عن أصوات الاستغاثة، و قد يكون عزاؤنا أن أخيرا أصبح لنا ابتسامة، فأنت ابتسامتنا "! ..
و مثلاً :
"ا لآن يا " مصر " أموت مطمئنا عليك، و على أهلي المصريين، إني لا أوصي حاكماً صالحاً بأهلي، و لكن أوصيكم بحاكم ندر وجوده على الزمان، و قال " ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين "!
إنه " أحمد رجب " و الله، صاحب الأصابع التي تقف وراء " فلاح كفر الهنادوه "، هو هو، أو، ربما كان الارتباك قد امتد لذهني فأصبحت لا أستطيع أن أري كالآخرين وراء هذه الكلمات وجهاً آخر لكاتب ساخر آخر، ربما!
و الشئ بالشئ يذكر ..
أتذكر أنني في رمضان العام " 2012 "، في " معرض فيصل للكتاب "، سمعت الإعلامي الأستاذ " حازم غراب "، رئيس قناة " مصر (25) " في ذلك الوقت، يوجه نفس التهمة، تهمة النفاق، للأستاذ " أنيس منصور "، و حكي حكاية سخيفة لا علاقة لها بالسياق أصلاً، لا أتذكرها الآن، و لا أريد هذا بطبيعة الحال، و بعض مما أندم عليه في هذه اللحظة هو التزامي الصمت في تلك الليلة..
أيها السادة ..
يجب، لنصمم معاً جسوراً صحيحة لعبور هذا المنحني الخطير أن ندرك حقيقة مهمة، و هي أن ل " قوس قزح " ألواناً كثيرة، و أن ندرك، قبل كل شئ، أن ليس كلُّ من اختار أن يقف ضدنا عدواً، و ليس كلُّ من يقف معنا، لكن بطريقته الخاصة، عدواً محتملاً!
يجب أن ندرك أيضاً حقيقة قد تكون باهتة حول أغلب المثقفين!
المثقفون بشر قبل كل شئ، و كما أن هناك بشر حولنا يفضلون الحياة علي هامش الصراع، أي صراع بين طرفين، و في ظلال الجدران، لحراسة حياتهم و حياة عائلاتهم، أو هكذا يظنون، تآمر الإعلام علي تسمية هؤلاء " حزب الكنبة "، هناك أيضاً من يمكن أن نتآمر علي تسميتهم ب " أدباء الكنبة "، الأستاذ " نجيب محفوظ " يأتي في مقدمة هؤلاء، مغ ذلك، هو، كان في كل ما كتب مزدحماً بالثورة، لكنه اختار فقط أن يكون كاتباً عظيماً، علي الجانب الآخر، الشاعر " أحمد فؤاد نجم " اختار جدران الزنازين موقداً يغذي الشاعر الذي يسكن جسده علي حافة الثائر الكبير " أحمد فؤاد نجم "، أعظم أعماله استحقاقاً لفخره علي الإطلاق، و كلا المبدعين، في النهاية، قدم مشروعه و اجترح استبصاراته بالطريقة التي رأي أنها تناسبه ..
تخيل، لو كان " أنيس منصور " اختار أسلوب " نجم " مثلاً، و اصطدم بالنظام، من أين كان لنا كتاب جميل مثل " حول العالم في 200 يوم "، تخيل!
ثم، ما هي سعة الموجة التي قد يثيرها قلم كاتب يبرر الديكتاتورية، و هو مرغم بالمناسبة، في وسط سياسي مؤاتٍ فقط لأقلية مشهورة بالميل إلي تبجيل الديكتاتورية و الإشادة بالفساد، لا شئ، ربما يثير القلم أمواجاً من الصخب تثور لها سواحل بعيدة في وسط آخر، كالوسط الفني أو الرياضي أو الثقافي مثلاً!
و مثلاً، قال " أحمد رجب " ذات يوم :
( إنني أعيش التاريخ وأصنعه، فإنني أحيا في عصر " عبدالناصر"، أنتمي إلي هذا الجيل الذي يشكل معالم التاريخ، و لسوف ينتصر " عبدالناصر "، و لسوف تقرأ الأجيال القادمة للأمة العربية ذات يوم كتاباً واحداً للتاريخ يحكي قصة الدولة العربية الموحدة العظمي، يحكي قصة هذا الرجل الذي قاد الطليعة إلي الأمل!)
من العاري جداً، بطبيعة الحال، أنها كلمات معلبة و مجانية داسها التاريخ بالحذاء، خطابية، أشبه بأشعار الحماسة في أكثر عصور الشعر انحطاطاً، و كرجز الأعراب قبل النزال في الغارات في سالف الأزمان، و هي، قبل كل شئ، كلمات مريضة بالبرودة المجردة، تفضح، بكل بساطة، المشاعر الحقيقية لقائلها، لا شك أننا كنا سوف نسقط من فرط الضحك بالتأكيد إذا أعاد كتابتها قبل أسبوع في " نص كلمة "، و كنا سنصدق أنه يريد السخرية من بشاعة الشرخ الذي تدحرجت فيه مصر من جراء نزوة " عبد الناصر " الشهيرة في يوليو " 52 "، حبيب الملاليم!
لكن، ما دمنا واثقين أن هذه العبارة، ربما، أقدم عمراً من " نص كلمة "، لا يليق بنا الحكم علي قائلها قبل أن نتذكر أنه، مثل كل الناس، كان يريد أن يعيش ..
علي كل حال ..
وداعاً " أحمد رجب "، عابرنا الممتاز، وداعاً ..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.