تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قيس جواد العزاوي : العقل والحرّية والتنوير
نشر في حريات يوم 05 - 07 - 2015


العقل والحرّية والتنوير
قيس جواد العزاوي
"لكل فضيلة رأس ولكل أدب ينبوع.. ورأس الفضائل وينبوع الأدب هو العقل"
علي بن أبي طالب
تسامى الإنسان على الحيوان بميزتين مهمتين هما: العقل الذي به يرمز ويكتب ويبدع ويتطور، والحرية التي تطلق العنان لإبداعاته الفكرية والثقافية والعلمية لاستنهاض فتوته الحضارية، إلى درجة أن اعتبر المعتزلة أن الحرية هي الفريضة الأولى للعقل.. وقد كان سقراط يعرّف الحرية بقوله "الحرية تعني أن امرءاً ما تحرر من الجهل، وإنه لا يفعل إلا ما يتطلبه العقل"، وكان هيجل يردد أن العقل جوهر الكون ومحرك التاريخ.
وقد ربط عمانوئيل كانت بين الحرية والتنوير، إذ كان يرى بأن شرط التنوير الوحيد هو توفر الحرية، لكونها تقبل على الاستخدام العلني للعقل في كل الميادين.. والعقل والحرية إذن هما المدخلان الأساسيان للتنوير.. وباجتماعهما معاً سارت عجلة التطور الإنساني الى الأمام، وقامت الأمم وسادت الدول الكبرى، وتركت لنا هذه المسيرة الإنسانية تراثاً فكرياً وعلمياً وفنياً هائللاً.. بالعقل والحرية قامت الحضارات وازدهرت، وبغيابهما حل الركود والجمود ومن ثم هيمن التخلف والتطرف والتعصب وساد الطغيان والتجهيل وانحدرت الامم نحو الانحطاط والأفول وتالياً نحو الانتهاء.
وقد لعب الاتجاه العقلي في الفلسفات الإنسانية على تنوعها في الزمان والمكان دوراً هائلاً في التطور الفكري والحياتي لشتى الامم الحضارية، فكان العقل لدى قدماء الاغريق، كما يرى عبد الرحمن بدوي في كتابه ربيع الفكر اليوناني، يوصف بالنوس هو الذي ينظم الوجود بأسره، وأعتبروا العقل يتصف بصفات ثلاث وهي: البساطة والعلم والقدرة، والبساطة تقتضيها القدرة، والقدرة تقتضي بدورها العلم، والقدرة يقتضيها التنظيم، لأن العمل الاول للعقل هو ان يكون منظماً للكل"(1).
ويرى ارسطو أن الديمقراطية هي مدينة الحرية ومن شأن المدينة أن تؤمن الحرية للجميع.. أما الفارابي في كتابه "السياسة المدنية" فقد وجد أن الحياة السياسية تهدف إلى تحقيق الإنسجام بين الفلسفة والدين من منظور إسلامي، أي منظور العلاقة بين نظام الحكم الأمثل وقانون الإسلام السيّاسي. ويعد هذا الموقف التوفيقي بين العقل والوحي سمة أساسية من سمات أغلب الفلاسفة العرب، إذ لم ينجح هؤلاء في إحداث الفصل بين المقدس العقائدي والعقل النقدي الدنيوي بحيث يقيمون حركة جدلية مضادة بينهما.. أي أنهم لم يتحرروا من قيود الوثوقية الايمانية بسبب تغييب الحرية التي هي شرط التنوير.
ومع ذلك فقد لعبت النزعات العقلية في تاريخ الفكر الاسلامي وبخاصة في القرنين الثالث والرابع الهجريين، كما لعبت في التاريخ الغربي بعد ذلك بقرنين دوراً كبيراً في تحدي النزعة الدينية الوثوقية وزعزعتها، وقالت بأسبقية العقل على الايمان، والشك قبل اليقين.
وقد وضع العقل في مقابل النقل، وربط الاتجاه العقلي المسؤولية بالتكليف وبحرية الارادة، بينما غيب الاتجاه النقلي العقل وغيب الارادة والحرية، وأوقف قدرة العقل على الابداع والتنظيم، واكتفي بالنقل عن الاجداد، وهذا اتجاه تراجعي سلفي طارد للتقدم، ومن اجل ذلك وقف جون جوريس (1859-1914م) وهو من بلد التنوير منبهاً ومحذراً من التراجع حين قال "إن الوفاء للاجداد لا يكون بتكرار مقولاتهم والاحتفاظ بالرماد ولكن بنقل الشعلة بهدف استكمال مشوارهم الابداعي"… وهذا طريق سبق ان سلكه علماء عرب حين رفضوا غلق باب الاجتهاد فقالوا إن علماء السلف رجال اجتهدوا ونحن رجال علينا الاجتهاد. إن الاجتهاد هو الذي قاد الى التنوير الذي عرفه عمانوئيل كانت بإنه خروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أو سن الرشد.
في نصه المعروف: ماهو التنوير؟ أجاب كانت: إن التنوير هو القدرة والشجاعة على استخدام العقل، والتنوير داخلي يفترض الجرأة على تحطيم الأغلال وامتلاك الحرية، وحرية التفكير التي يحول دونها الجميع: حيث يقول الضابط لا تفكروا بل تمرنوا، ويقول جامع الضرائب لا تفكروا بل ادفعوا، ويقول الكاهن لا تفكروا بل آمنوا، وعلى النسق نفسه قال لنا حكامنا أطيعوا ولا تترددوا أو بلغة بعض الاحزاب الدجماتية العربية: "نفذوا ثم ناقشوا".
ويصف لنا الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي (1875 – 1945م) محنة التفكير في عصر التخلف والتعسف والاستبداد في الاربعينات من القرن الماضي، وهو في كل الاحوال عصر لا يقارن بعصر القمع والذل الحالي، يصوره مكملاً لاءات عمانوئيل كانت فيناشد قومه قائلاً بنحو ساخر:
يا قوم لا تتكلَّموا إن الكلام محرَّمُ
ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلاَّ النُّوَّمُ
وتأخَّروا عن كلِّ ما يَقضي بأن تتقدَّموا
ودَعُوا التفهُّم جانباً فالخير ألاَّ تَفهموا
وتَثبتُّوا في جهلكم فالشرُّ أن تتعلَّموا
حرية الكلام واليقظة والتقدم والتفهم والتعلم هي مصطلحات الترقي والنهضة وركائز التنوير، وهي مصطلحات طاردة لآفة التخلف، فما انتشر داء التخلف إلا عندما غابت هذه المصطلحات التنويرية من فكرنا وواقعنا، لقد شكل غيابها صورة من صور تراجع الفتوة الحضارية لأمتنا.. بحيث أصبح العرب يعيشون في عصر يعبث فيه جهلة الديار وطغاتها بمقدراتهم من خلال مصادرتهم السلطة والثروة.. لقد كان العقل زينة الحياة الفكرية للمسلمين الاوائل وميزان حكمتهم، وكانوا به يتألقون بين الامم ومن خلاله يسودون أينما حلوا.
وقد ربط الفكر الاسلامي الايمان بالعقل، والعقل بالحرية وحرر الرق والعبيد وكفل الاختلافات بكل أنواعها: بالألسن والأعراق والجنس والطبقات الاجتماعية، وكان معيار التقدم والرقي هو عمل الخير.. وإلى جانب ذلك ضمن حرية الفكر والاعتقاد (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وشاعت مقولة "الانتقاد قبل الاعتقاد" والشك قبل اليقين لتنمية الفكر النقدي والبناء على أسس عقلية..
وكما ربط العقل بالايمان ربطت الحرية بالتنوير، وربط التنوير باكتساب العلم والمعرفة ونشرهما بين الناس، لقد عاش الناس مرحلة تنوير حقيقية مقارنة بما كانوا عليه في الجاهلية، وبما هم عليه الآن. لقد وصف فهمي جدعان القرون الهجرية الاربعة الاولى في تاريخ الاسلام بمرحلة التنوير الديني وبناء الحضارة التي احتلت فيها الآداب والفنون والعلوم الدينية والفقهية والكلامية والفلسفية والطبيعية مكانة مرموقة وصميمية"(2).
وقد أكد على هذا المعنى توبي هوف في كتابه " فجر العلم الحديث" وقال بالارتباط الوثيق بين الحرية والحضارة في التاريخ الاسلامي حين ذكر: " لولا الحرية الفكرية في الحضارة الاسلامية ما ظهر المفكرون الأحرار من امثال الكندي والفارابي والرازي وابن سينا وابن رشد، فهم الذين طوروا نظريات المعرفة" بل وأكثر من ذلك نقول بأنهم فتحوا بحكمتهم ودرايتهم آفاق الرقي والتقدم الحضاري.
لقد أعاد هؤلاء الفلسفة الى ميدانها الاساسي وهو العلم، وأكدوا أن العلم لا يسود بغير الحرية.. وأن الحرية والحضارة مرتبطتان عضوياً، وارتباطهما بديهي وضروري في آن، وهو ما أكده أيضاً ويلي هارتنر عندما قال: يوم كانت الحرية الفكرية مكفولة للفلاسفة والرياضيين المسلمين قامت الحضارة العربية الاسلامية". وها نحن نلاحظ أنه، وبسبب غياب الحرية اليوم من واقعنا الفكري والعملي غاب عن حياتنا العقلية فلاسفة بحجم ما عرفناه قبل قرون من الزمان، بل غابت الفلسفة نفسها.. لقد أقنعنا الجمود وقوة الفكر الشمولي الديني والانغلاقات التراثية والاستبداد، إننا لم نعد بحاجة الى الفلسفة أو الفكر النقدي طالما إننا متمسكون بالايمان عقيدة وبالنصوص الوثوقية كبرنامج حياة، مع أن أسلافنا انفسهم كانوا اشجع منا في التشكيك باليقينيات المطلقة. لم نعد قادرين، منذ مئات السنين، على تقديم فلاسفة يضيئون مشعل التنوير فينا بعد أن انطفأ. إن الحرية الفكرية هي بوابة الفلسفة ومنتجة العلوم وركيزة التنوير، بها تتحرر العقول من التقليد والشمولية والظلامية والماضوية، وبها تتقدم الامم بثبات وثقة الى المستقبل المنشود. ألم يقف العقل في تاريخنا مقابل الاساطير والخرافات؟ ألم يقف مقابل العواطف واليقينيات ويشكك فيها وكان العلم التجريبي هو الفيصل في الفكر والممارسة؟.. ألم يقف في مواجهة كل السلطات التي تعيق التطور من دينية الى فكرية وسياسية وحتى علمية؟ أين دور العقل في حاضرنا؟
في كتابه الموسوعي " للتنوير والدولة المدنية" يرى الدكتور جابر عصفور: إن التنوير يتجسد في المبادئ الآتية: العقلانية أي الاحتكام الى العقل، والحرية: حرية الاعتقاد والفكر والابداع والبحث العلمي، والوطنية بأولوية الانتماء الوطني والمواطنة بما يترتب عليها من واجبات وحقوق في الجوانب السياسية والاجتماعية والدينية والعرقية. ومدنية الدولة التي تتحقق بتطبيق المبادئ السابقة وتتحقق معها التعددية السياسية والتنوع العقائدي الذي يحميه الدستور الحديث ويصونه القانون، والديمقراطية وهي حكم الشعب من خلال التمثيل في المحليات او مجلسي الشعب والشورى، والانحياز الى قيم التقدم العلمي والصناعي والاحتكام الى المنهج العلمي "(3).
فلنتذكر مسيرة العقل والتنوير أين بدأت وإلى أين وصلت.. فبعد أن انطلق مسار التنوير من بريطانيا، وضع في فرنسا اسسه الفكرية والعملية الاولى.. لقد كان العقل الفرنسي مكبلاً بالاغلال والاوهام والاساطير، وكانت السلطتان الكنسية والملكية، فضلاً عن هيمنتهما على مقدرات العامة المادية والروحية لحماية مصالحهما، تحجبان عن الناس التزود بالمعرفة الحقة غير المدنسة بالخرافات والاساطير والافكار المتخلفة مثل عصمة البابوات، وصكوك الغفران، والثراء الهائل لرجال الكنيسة أو نظريات الحق الإلهي التي تصادر حقهم بالعقل والحرية، وتوهمهم بأن رجال الدين يكفلون لهم الجنة، وأن للطبقة الحاكمة حق إلهي بحكمهم بنحو أبدي.
لذلك استعان المفكرون الفرنسيون وهم يمهدون للثورة بكل الذخائر الفكرية والفلسفية والعلمية الانسانية لكي يتحرروا من سيطرة لاهوت القرون الوسطى واستبداد الملكية، معتمدين على إعمال العقل والفكر النقدي في معالجاتهم الفكرية والحياتية، ومتحدين بنحو صارم كل مقولات الفكر الدجماتي المتخلف، لقد خاضوا سلسلة من الحروب الفكرية والحربية ضد الملكية ورجال الدين امتدت لعقود بعد الثورة حتى حققوا النصر الحاسم الذي حول مفهوم التنوير ليشمل كل النشاطات الفكرية في كل فروع وأصناف المعرفة، لقد استفاد صانعو أسس الدولة الحديثة من النظريات العقلانية لنقد الواقع، وتشييد واقع سياسي واجتماعي جديد بما يجعل المستقبل واعداً من خلال مساهمة فعالة لكل العلوم.
لقد كانت حروب الثوار والمفكرين مع السلطتين الملكية والكنسية دامية ومرعبة إلى درجة جعلت أحد ابرز التنويريين الفرنسيين وهو دينيس ديدرو يقول: لن يتحرر البشر إلا عندما يتم خنق آخر مَلِكٍ بأحشاء آخر رجل دين.
والحق ان جموع المفكرين الفرنسيين قد عملوا بإصرار شديد لتثبيت الحق الطبيعي بحكم الشعوب لنفسها في مقابل الحق الالهي للملكية بمصادرة هذه الحقوق، فمن روسو ومونتسيكيو وديدرو وكوندورسيه وفولتير إلى عشرات غيرهم عملوا لإنهاء الحقبة الظلامية من تاريخهم بالاعتماد على فلسفة التنوير، وإرادة التغيير التي حملوا لواءها. لقد أراد فلاسفة التنوير إصلاح كل ما أفسده الجهل والتجهيل والاستبداد والتعسف في ميادين السياسة والدين والعلم، والأخلاق الاجتماعية، بكل الوسائط الممكنة وبخاصة تلك التي تعتمد على تطوير سبل التربية لنشر المعرفة التنويرية الجديدة.
وبالنتيجة فقد ساعد تحرر التعليم من سلطة الكنيسة، وفصل الدين عن سيطرة الدولة في فرنسا والانتشار الملفت للنظر للطباعة في اعادة صياغة المفاهيم التي كانت سائدة بأسرها، وانتشار الافكار التحررية عن الحكم والسلطات والسياسة والدين، حيث جرى التنظير والتدبير لبناء الدولة الحديثة وفصل السلطات، كما أعيد بناء فكرة الأمة على اسس نهضوية تنويرية انسانية، وانطلقت حملة اعادة بناء السياسة والحكم حيث جرت مأسستهما وانتظم مع الوقت نسقهما التطوري المتجدد. لقد تمكن التنوير من كسر كل أنواع القيود، وقام بعملية هدم منظم وتدريجي للسلطات المتخلفة سواءً أكانت دينية أو سياسية أو معرفية.. وكما كان فلاسفة التنوير يدركون ويرددون بضرورات التغيير، فإن التنوير قد قام بعملية أنسنة للعقل والقانون والمجتمع والدولة حتى تمكن في النهاية من أنسنة الدين نفسه، الدين الذي كان آخروياً في كل أبعاده بدأت رحلة اهتماماته تتغير من صب جل الاهتمام على الآخرة الى العناية بمستلزمات الدنيا، لقد تجلى ذلك في محاولات الإصلاح، وإضفاء الطابع الانساني على دور الدين في المجتمع، ولنا أن نرى اليوم الى اين وصلت الكنيسة في فهمها للتحولات الاجتماعية.
إن جهد فلاسفة التنوير لم يقتصر على تحقيق كل تلك المنجزات، سابقة الذكر، ولكن التنوير بات طاقة تحررية إضافية لا حدود لها فإلى جانب كونه قدرة وشجاعة، كما يقول عمانوئيل كانت، فهو الذي قام بالانجازات الآتية:
- حرر المرأة من اغلالها بمنحها حق العمل والتصويت والترشيح في الانتخابات حتى اكتسبت عن جدارة حق المواطنة.
- حرر العبيد وألغى الرق بعد أن عجزت الاديان السماوية من تحريرهم تماماً.
- حرر الناس من الأفكار المسبقة للمعارف الخاطئة، ودفعهم لممارسة الفكر النقدي وبلوغ سنّ العقل واتباع العقلانية
- حرر المبادئ العالمية لحقوق الانسان
- نشر التعليم الالزامي وعمم المعرفة،
- نشر مبادئ العدل والمساواة والإخاء
- أرسى مبدأ العقد الاجتماعي ما بين الحاكم والمحكوم
- وسع صلاحيات الشعوب باعلان الدساتير التي تقيد سلطات الحكام وتفتح المجال امام الشعب للمشاركة في صناعة القرار،
- أسس للدولة المدنية، وأرسى دعائم دولة القانون وقام بعملية الفصل ما بين سلطاتها الثلاث
- خلق التنوير كل مستلزمات أنسنة التقدم في الارجاء،
- ساهم في قيام منظمات دولية تعزز العلاقات بين الامم..
- والتنوير في نهاية المطاف هو الطريق إلى تحقيق السلام بين الأديان والشعوب.
(1) عبد الرحمن بدوي، ربيع الفكر اليوناني،(القاهرة: مركز عبد الرحمن بدوي للابداع، 2010) ص 214و215.
(2) فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الاسلام في العالم العربي الحديث،(بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979) ص 9.
(3) جابر عصفور، للتنوير والدولة المدنية، (القاهرة: ص 311- 315.
(منقول).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.