مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الهوية السودانية جدلية الانشباك والتنافر: رؤية طباقية
نشر في حريات يوم 27 - 05 - 2017


*مدخل*:
مفهوم الطباق في اللغة العربية يختلف تماما عن التأصيل المعرفي لهذا المفهوم والذي اشتغل عليه كثيرا المفكر الفلسطيني الأمريكي ادوارد سعيد والذي يساعد او من خلاله يمكن قراءة الاختلاف والآخر دون السقوط في فخ الاختزال والتطرف الأيدولوجي والديني والثقافي (تيسير أبو عودة). الجانب الأهم، وكما يري تيسير عودة، أن الطباق لديه علاقة بالموسيقي اذ يعني فن التشابك والتفاعل بين النوتات الموسيقية. ما يرتبط بهذه الدراسة من الطباق هو المتعلق بفن التعايش بين الثقافات التي يراها البعض متمايزة ومختلفة (اذ يكون التنوع في اللغة والدين والثقافة عاملا تكوينيا يساعد على التماهي بين الثقافات والقدرة على التفاهم والتشابك من خلال التحرر من الايدولوجيات الدوغمائية والأفكار المسبقة المنتجة والبعيدة عن قيم الحرية والمساواة والكرامة (المصدر السابق). وأستعير هنا هذه الابيات الشعرية العميقة الدلالة التي سطرها الراحل المقيم محمود درويش كتعبير عن هذه الرؤية الطباقية:
هل المستحيل بعيد؟
يحب الرحيل الي أي شيء
ففي السفر الحر بين الثقافات
قد يجد الباحثون عن الجوهر البشري
مقاعد كافية للجميع
هنا هامش يتقدم أو مركز يتراجع
لا الشرق شرق تماما
ولا الغرب غرب تماما
فان الهوية مفتوحة للتعدد لا قلعة او خنادق
واستنادا الي هذا الوعي الطباقي، تحاول هذه الدراسة تفكيك واقع الهوية السودانية المحتدم من أجل التأصيل لوعي جديد يساعد على التعايش والاحترام المتبادل، وللوصول الي هذه الغاية فأن هذه الدراسة وكمدخل نظري تفترض الفرضيات التالية:
1- يتصاعد سؤال الهوية كلما تراجعت الظروف الحياتية والمعيشية للمجتمع.
2- لا توجد حروب ثقافية في السودان بل صراعات سياسية تتخذ الثقافة شكلا.
3- الثقافة العربية هي قاعدة الطباق ولكنها لا تلغي التنوع الثقافي.
*الثابت والمتحول في الهوية*
الحديث حول الثابت والمتحول في الهوية يرتبط بعلاقة المكان بالزمان، فالمكان (بوصفه رقعة جغرافية انما يعني الامتداد والأتساع للمحل والفضاء الذي يحيط به بما يحمله من علامات جغرافية مرتبطة بتشكيل هوية المكان وهوية الانسان الذي يعيش عليه- علي حسن العيدروس). وفي نفس السياق فالمكان يعتبر دلالة انتماء لا بوصفه رقعة جغرافية وكذلك المكان بكونه منتجا لمكونات الهوية الثقافية الوطنية (المصدر السابق). اما فيما يتعلق بالزمان فالمقصود به زمان الهويات التي مرت بهذا المكان. ولهذا يمكن القول وبشكل موضوعي حين التأسيس للثابت والمتحول في الهوية، فأن المكان هو الثابت وزمن الهويات متحول. فالهوية فعل متطور وليس ثابتا، فيمكن أن تمر بهذا المكان هويات متعددة ثم تتطور او تندثر وتحل محلها هويات أخرى. ولهذا عندما ننظر لتاريخ السودان منذ الحضارات القديمة فإننا يمكن ان نتحدث عن هوية نوبية مكتملة التكوين في السودان سابقا، وعندما نتعامل مع مصر مثلا، فإننا يمكن أن نتعامل مع هويه فرعونية او حضارة فرعونية في التاريخ القديم. لكن هذه الهويات قد اندثرت وبالتالي فأن الانتماء لهذه الهويات يعتبر نوعا من التمسك بالماضي وليس لديه علاقة بواقع هذه الهويات الفعلي، لأن الوجود الثقافي الحي والشامل لهذه الهويات غير موجود، فالنوبيون وعبر الوقت الراهن (يتحدثون اللغة النوبية وتنقسم الي قسمين، اساسين، الكنزية والفاديجية وتختلف الي خمس لهجات او أكثر في مناطق مختلفة ما بين مصر والسودان. ويتم الحفاظ على هذه اللغة النوبية القديمة فيما لا يقل عن 100 صفحة من الوثائق ومعظمها ذات طابع مسيحي والذي الفه بالاشتراك مع مجموعة متنوعة نسيال من الابجدية اليونانية مع تمديد ثلاث رسائل قبطية وثلاثة فريدة من نوعها للنوبية القديمة على ما يبدو مشتقة من اللغة المروية- وكييبيديا). هذا الامتداد اللغوي يعني ان النوبية القديمة قد تداخلت وتفاعلت مع الثقافات اللاحقة، وفي وقتنا الحاضر قد تفاعلت او تداخلت مع العربية. فهل يعني هذا أن الكاتب يتبني مفهوم حدث اللحظة في موضوع الهويات؟ الإجابة بالطبع لا، فحدث اللحظة كمفهوم فلسفي يعاين الي اللحظة الزمنية منقطعة عن الماضي والحاضر، وبالعكس من ذلك فان الكاتب يتبني مفهوم الديمومة اي ترابط حلقات الماضي بالحاضر والمستقبل، كيف؟
الماضي مخزون تاريخي وحضاري لا يمكن تجاوزه من حيث هذه المضامين الحضارية، لكن بتحويله الي هوية يمكن تحققها في الراهن يبدو ضربا من المستحيل ويعد منهجا هروبيا في مواجهة التعامل مع الحاضر. اذن يقودنا الوعي الحقيقي لفهم الهوية السودانية في الوقت الراهن بكونها تمتد الي الماضي حضاريا ولكنها متحققة علي ارض الواقع حاليا من خلال عناصرها الحية، اما فيما يتعلق بالمستقبل فأن الهوية قابلة للتطور ولا يستطيع أحد التنبؤ باتجاه تطوراتها. أذن ما هي الهوية الراهنة للسودان التي نتحدث عنها؟
*الهوية السودانية الحالية*
السودان المكان يمتد الي مئات الاف السنين وما نعرفه عن هذا المكان قديما لا يتعدى الحفريات التي تمت في شمال السودان والتي تحدثت عن ممالك مهمة نشأت في هذا الجزء الشمالي من كرمة ومروي ومرورا بالممالك المسيحية. الراجح ان افريقيا وكما تقول الدراسات الحديثة كانت مهد الانسان الاول والذي أنطلق منها شمالا عبر حقب طويلة ولهذا لا تُعرف طبيعة التكوينات البشرية التي مرت بهذا المكان، ولكن يمكن التأريخ لهذا السودان منذ تلك الممالك والتي تعاقبت عبر حقب طويلة عبر السودان الشمالي حتى دخول العرب السودان، اذ بدأت تتشكل هوية ثقافية متداخلة مع النسق العام لهذا التاريخ وآخذة منه وهذا ما قصدته بمفهوم الديمومة.
هذا التطور في الهوية يبدو طبيعيا اذ تتأسس علاقة المكان والزمان بهذه الكيفيات، وليس هنالك نفيا قسريا للهويات السابقة، ولكن منطق التاريخ يقول ان الهوية ليست شيئا ثابتا ولقد تمت الحركة تاريخيا باتجاه الثقافة العربية والتي تمخضت عن حوار سلمي بين الثقافات وعبر ازمنة مختلفة لتحقق وجودا بارزا ولكنه لا يلغي الثقافات الأخرى. والثقافات يجب ان تفهم بكونها متساوية من حيث اهميتها عند حامليها ولكن هذا المفهوم يجب ألا يحجب حقيقة أن الهوية الوطنية تبني علي حيثيات أهمها اللغة الجامعة (سواء من حيث مستوياتها المختلفة الصوتية والتركيبية والدلالية او من حيث وظائفها المختلفة في تحقيق التواصل او التبليغ المتبادل بين الأطراف المتواصلة او في التعبير عن مكنونات الذوات، أو من حيث الميادين والعلاقات التي تطلقها اللغة كمجال اللاوعي الفردي والجماعي ..الخ- محمد سبيلا، وعبد السلام بنعبد العالي). يضاف الي ذلك المصالح المشتركة التي يرتبها هذا المكان وتكوين العقل الجمعي القادر على الفاعلية الاجتماعية، فالمكان يشتغل عميقا على التقارب بين ساكنيه ويؤسس علاقات مصالح متبادلة ويطور من الفاعلية الاجتماعية ويرتب الهوية بأشكال متعددة اهمها البحث عن مشتركات عكسا على المكان البدائي القائم على الاحتراب، ولهذا فالهوية صيغة حضارية متطورة أنتجها المكان عبر تجارب مختلفة، وهذا الأمر ينتج في نهاية المطاف العقل الجمعي.
من هنا، فإننا عندما نتعامل مع هوية أي شعب من الشعوب، فأن هذا الأمر ليس ترفيا بل هو اساس الفاعلية الاجتماعية والتي تشتغل علي العقل الجمعي. اذن الهوية الوطنية للسودان انبثقت عبر تاريخ هذا القطر وتشكلت عبر حقب طويلة لتستقر على وجود متحقق للثقافة العربية والتي تتطور في جدل يومي مع ثقافات أخرى نحو الاحتمالات المفتوحة. ما يعنينا هنا هو الإطار الجامع للسودانيين والذي يعبر عن تطلعاتهم نحو النهضة. فالاتجاهات التي تعلي من وترجح الأبعاد التعددية بشكل يؤدي للانفصال لا تدرك خطورة العزف على هذا المنحى بالرغم من تفهم الظروف السياسية الراهنة والتي تدفع بهذا الاتجاه. تجربة جنوب السودان يجب ان تفتح افاق السودانيين نحو فكرة التحالف السناري والذي اهملناه طويلا في مسار الهوية من اجل تعميق هذا التشابك بديلا عن التنافر المطروح في مخيلة البعض من اجل هوية ذات سمات قادرة على الوقوف ضد الهويات الكونية والتي تسعي الي ابتلاع الاوطان. ونحن نناقش هذا المسار فان الهوية السودانية وبالرغم من الدور الذي لعبته السياسة في تفريغ مضامينها الا أنها تستند الي ارضية حضارية من التعايش بين المكونات المختلفة، ولهذا ومن اجل تعميق هذه الهوية يجب التركيز على ثلاثة محاور مهمة في تاريخ السودان تساعدنا على اعادة الطباق بمدلول التشابك في الهوية السودانية.
*أولا التحالف السناري*
في عام 1504 شهد المكان التقاء العرب القادمين من خلف البحار والسكان المحليين ممثلا ذلك في التقاء الفونج عمارة دنقس وقبائل العبدلاب بقيادة عبد الله جماع. ولقد كان هذا التحالف مدركا لضرورة تشابك الهوية وليس تنافرها ويعتبر هذا التحالف وعيا متقدما بضرورة التعايش في المكان، علاوة على الوعي بأهمية الحوار الثقافي علي اسس عادلة، ولقد شكل هذا التحالف اساسا لدولة وكان من أبرز ملوكها السلطان عمارة دنقس والذي كان يدين بالإسلام في وقت كان الكثير من اتباعه ورعاية على الوثنية (ويكييبيديا). وهذا الامر يجعلنا ان نفكر بالدين كعامل لا يدخل في إطار الهوية القومية اسوة بالعرق، مما يجعل السلطنة الزرقاء وبمفاهيم عصرنا متقدمة على صعيدي التأسيس والممارسة.
اذن فان محور السلطنة الزرقاء يعتبر مدخلا حيويا في فهم علاقة البشر بهذا المكان من خلال الوعي بضرورة التعايش ومن ثم الادراك الواعي للمساهمة في تطويره بالرغم من عجز هذه السلطنة لاحقا في التأسيس لدولة قوية تواجه الغزو الخارجي والذي انتهي بها المطاف باحتلال محمد علي للسودان. لكن القيمة الأساسية والمستمدة من هذا التحالف هي احلال ارضية الحوار الثقافي مكان الاقتتال، اذ كان وعيا متقدما بأسس تأسيس الدولة واعلاء معني الوجود الانساني مقابل الانتماءات الأدنى.
*الثورة المهدية*
الثورة المهدية وبرغم طابعها الديني الا انها أدركت اهمية التشابك وتوحدت كافة المكونات من اجل مواجهة الاستعمار اولا ومن ثم الاتجاه الي بناء الدولة والذي فشل نتيجة عدم الوعي بطبيعة التحديات وعدم القدرة على ابقاء حالة الثورة مستمرة من خلال تجاوز وعي القبيلة. ولهذا فالدارس لتاريخ هذه الثورة سيلحظ الدور المهم في توحيد القبائل والقدرة على الصمود في مواجهة الاستعمار. ولو لا هذه الوحدة التي شهدتها هذه الثورة لما استطاعت هزيمة القوي الخارجية وهذا قمين بان يجعلنا نعيد التفكير في قيمة هذه الوحدة الوطنية اثناء مسار هذه الثورة واعادة التفكير في تجاوز الحالة المتراجعة تحت ضغط السياسات التخريبية ولننظر الي الامام باتجاه تحقيق معاني هذه الوحدة كقيمة نضالية اولا وعند تأسيس الدولة كذلك.
*ثورة 24*
ثورة 24 يجب ان تتم قراءتها على مستويين: المستوي الاول يتم على خلفية النقاشات التي تمت عبر جمعية اللواء الأبيض والتي أنشأها علي عبد اللطيف مع عبيد عبد الرحمن واخرين عام 1923. لقد اختطف البعض هذه النقاشات ليقول ان علي عبد اللطيف كان اول من دعي الي السودانيوية. والواقع وفي إطار حضور القبيلة وضمن رؤية سليمان كشة السطحية كان علي عبد اللطيف يري ان المستفيد الاول من الواقع القبلي هو الاستعمار ولهذا عندما سئل اثناء محاكمته عن قبيلته رفض الاجابة متمسكا بسودانيته، والواقع وضمن قراء متعمقة فعلي عبد اللطيف لم يكن وطنيا فحسب بل كان لديه منطلق قومي أشمل وبالذات حول العلاقة مع مصر، اذ عرفت جمعية اللواء الابيض بعلمها الذي يتوسطه حوض النيل مع رسم العلم المصري بهلال والنجوم في الركن العالي وكتبت فيه عبارة (الي الأمام باللغة العربية-ويكييبيديا). هذا المدلول يرتبط بدلالة اخري وهي المتعلقة بدرجة الصدام بين الانجليز واعضاء هذه الثورة اذ ارتبطت بقرار ترحيل إحدى الفرق العسكرية المصرية من السودان مما ادي الى تحرك هؤلاء الضباط والاصطدام مع الانجليز. أما المستوي الثاني، فان علي عبد اللطيف والذي تمتد جذوره الي جنوب السودان كان مهموما بوحدة المصير السوداني مرتكزا على بعد المكان ومتجاوزا للمفاهيم العرقية التي باتت تطفو على السطح في وقتنا الراهن، وكذلك كان واعيا بامتداد المكان باتجاه العمق العربي وهذا ما يجعلنا ان نتناول الابعاد المكانية للمكان وظاهرة اللون.
*الابعاد المكانية للمكان وظاهرة اللون*
السؤال الاساسي هنا هل مكان الهوية السودانية يرتبط بالحدود المرسومة منذ زمن الاستعمار ام تتمدد الهوية خارج هذه الحدود استنادا الي الابعاد الثقافية واللغوية؟
في تقدير هذه الدراسة فان الهوية تتمدد خارج هذا المكان الحدودي، اذ الهوية بالأصل عابرة للحدود المصنوعة وملتحمة مع فضاءات اخرى. ما يعنينا في هذا الإطار السوداني هو تمدد الهوية في العمق العربي من جهة والعمق الافريقي وكيف نفهم هذه الامتدادات؟ وتري هذه الدراسة بأن الامتداد نحو العمق العربي يتأسس من خلال اللغة والتاريخ المشترك والثقافة بشكل عام ونحو العمق الافريقي عبر كثير من العادات والتقاليد لكن تغيب اللغة الجامعة في الإطار الأفريقي، واللغة جوهرية في العلاقة بين الشعوب اي هي بيت الكائن كما يقول هاديغر. فاللغة وكما يقول باحثان مرموقان (هي سلطة على النفوس والعقول وأنها ذاتها تتضمن رؤية للعالم وأن تحليل لغة السلطة يتعين ان يمر اولا عبر سلطة اللغة ذاتها- محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي). ووضع السودان بين القطبين الافريقي والعربي يعتبر تمايزا ايجابيا اذ يجعله مستفيدا من البعدين من خلال الاستفادة من البعد البشري والموارد الأخرى مع التأكيد بان لون البشرة لا يلعب اي دور فيما يتعلق بالهوية، وعليه يجب ان نقول أن الانتماء لأفريقيا يرتبه وضع المكان وليس لون البشرة كما يتصور البعض كما ان لون البشرة يجب ان لا يعتبر حاجزا عندما يتم التعامل في مسألة الانتماء للاطار العربي بالرغم من ظواهر التخلف في هذا الاطار، الا ان مصائر الشعوب تتجاوز هذه الافكار العنصرية نحو الاطار المفتوح تجاه الانسانية. وتنتقد هذه الدراسة الآراء التي تهاجم المرأة السودانية في استخدامها لأدوات التجميل بكونها تهرب من افريقيتها باتجاه العرب وهذه النظرة السطحية لا تنظر الي معايير الجمال التي رسختها الرأسمالية العالمية في مقاييس الجمال عبر الصورة والدعاية وليست صور الانتماء تتم عبر التمظهر الخارجي وإلَّا تفرقت حتى الأسرة الواحدة إذا تم الحكم للهوية وفق المظهر الخارجي او لون البشرة. يجب ان نضع الهوية في إطار حضاري اعلي من اجل صياغة الحياة والمصير.
اذن فدراسة الهوية ليست (دراسة نموذجا صافيا يشبه تقريبا النموذج الصافي الذي يعمل عليه عالم الفيزياء حين يجرد التجربة من الشروط العرضية المتداخلة ولا يبقي الا على العوامل المؤثرة التي يريد دراسة تأثيرها معزولا ليتمكن من فهمها- محمد الشاويش). واستنادا الي هذا الوعي فان الهوية السودانية هوية متداخلة وليست نموذجا صافيا كعالم الفيزياء ولكن هذا التداخل لا يلغي حقيقة الشروط المميزة لهذه الهوية اذ يعتبر هذا التداخل اغناء لهذه الهوية، وهذا يجعلنا نتحدث عن كيماء الهوية السودانية بديلا عن فيزياء الهويات، اذ أن التداخل بالمعني الكيمائي يساعد على تفاعل كل العناصر، مهما كانت طبيعة تركيبتها، ولكن ضمن معمل تتوافر فيه شروط هذا التفاعل من أجل تكسير الروابط العشائرية والقبلية والطائفية ومن اجل انتاج روابط جديدة تعكس مجالات الهوية الوطنية العميقة.
*خاتمة*
لقد افترضت هذه الدراسة مجمل افتراضات ومن اهمها كون الهوية السودانية تتأزم كلما تراجع الفعل التنموي والمعيشي للناس لتتخذ شكلا سياسيا يتم فيه الهجوم على السلطة المهيمنة والمتبنية لإطار الثقافة العربية الإسلامية. هذا الاحتقان يعتبر حقيقيا فمعالم الهوية تضيع عندما لا يستطيع النظام السياسي تلبية حاجات المواطنين وبالذات في واقع هوية غير مكتملة البناء تماما، لكن هذا الواقع يجب ان لا ينظر اليه الا في أطاره السياسي. وهذه الفرضية ترتبط بالفرضية المتعلقة بكون الصراع في السودان يعتبر صراعا سياسيا يتخذ الثقافة كإطار للمواجهة، ومن هنا ظهرت جدلية المركز والهامش كرؤية تؤسس لفكرة هذا الصراع الثقافي وهي رؤية غير متعمقة في طبيعة الصراع ومتماهية مع خطاب ارتدادي لا يقدم بديلا للأزمة الراهنة سوي المخيلة المرتبطة بهيمنة ثقافة ما على بقية الثقافات دون إدراك ان التهميش يصل الي كل السودانيين عدا المرتبطين بالسلطة. وهنا يجب ان نعيد تعريف الصراع من جديد، اذ أن الصراع ليس صراعا ثقافيا لكنه صراعا سياسيا أتخذ البعد الثقافي لدي البعض ضمن حالة ضبابية الرؤية والتي طورتها خطابات الاسلام السياسي من جهة، ومن جهة أخري قوي ما يعرف بالهامش لإنتاج ما يعرف بالشرخ في الهوية.
ان الصراع السياسي الحقيقي يجب أن يكون ضد السلطة ومهما كانت طبيعتها خارج إطار التجزئة الاجتماعية من اجل تكوين مفهوم الاندماج بديلا عن الشرخ في الهوية، فالسلطة وفي كل الأحوال عابرة والذي يبقي هو المجتمع والذي يتطلع الي خطابات صحيحة تبتعد عن لغة الانقسامات وتستطيع التمييز بين لغة السلطة ولغة المجتمع. الفرضية الاخيرة والمتعلقة بكون الثقافة العربية هي قاعدة الطباق السوداني هذا لا يعني تميزها بل ضرورتها كقاعدة للوحدة الوطنية مع احترام جميع الثقافات. فاذا كان الطباق من خلال المفهوم الموسيقي هو فن التشابك والتفاعل بين النوتات الموسيقية او النوتات المتضادة لعزف لحن موحد فليكن هذا مدخلا للهوية من اجل الخروج من حالة النشاز المستمر في مسارها وليكن ذلك على الأسس التالية:
1- وحدة السودان هي الاساس الذي نشتغل عليه خارج كل اطر تقرير المصير والانفصال.
2- العمل علي مشروع انساني حضاري لا يميز بين المواطنين لأي سبب من الأسباب.
3- العمل علي فكرة تحقيق البعد الديمقراطي من أجل حوار ثقافي جدي نتجاوز فيه حالة الاصطفاف السياسي متصلا ذلك بتحقيق مشاريع التنمية والتطور الاجتماعي ولن يحدث ذلك الا من خلال الخروج من دوائر شرخ الهوية والتي مثلتها خطابات تيار الإسلام السياسي من جهة وبعض ما يعرف بقوي الهامش من جهة أخري دون المساواة بين الأثنين. فقوي الهامش هي نتاج فشل سياسات القوي الرجعية عموما والتي أدخلت السودان في هذه الدائرة الشريرة.
4- واخيرا، يجب احلال مفهوم الهوية الرأسية بمفهوم الهوية الأفقية وهي الهوية القابلة علي الأخذ والتعاطي بين كل المكونات من اجل الانصهار والاندماج دونما فرض أو هيمنة.
*المصادر*
محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي -اللغة- صحيفة حريات الالكترونية.
محمد الشاويش- نهضة مجهضة- جدل الهوية والفاعلية -دار الفكر-دمشق 2008.
www.ar.m.wikipedia.org ويكييبيديا -اللغة النوبية-.
www.ar.m.wikipedia.org ويكييبيديا -السلطنة الزرقاء
تيسير عودة -الطباق-الجزيرة نت.
-www.almadina.com-المكان وهوية علي حسن العيدروس- المكان الهوية.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.