قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أيدلوجيا الدين(3- 15): مظاهر و تجليات أسلمة ألمعرفة في مناهج التربية والتعليم في السودان
نشر في حريات يوم 09 - 03 - 2018

يُشَكَّل هذا المقال السانحة المناسبة لتسبيب وتوطين معضلة المعرفة في ذات 'رمال هويتنا السودانية‘, وذلك في بداية المقام, ومن ثم طرح تلك التجربة في إطار واقع التجربة المماثلة في أندونيسيا, والمُشابِه – المُعاكِسة, المتمثلة في "علمنة الإمبراطورية العثمانية", وأخيراً تناولها في إطار تجربة الأخر المختلف, المتمثلة في تجربة "العلمنة في الثقافة الغربية". ومن بعد سنقوم بعرض منفصل لعملية ألأدلجة والتلقين, تحت عنوان "اللغة وأدوات ألأدلجة" من قبل أن نقول برأينا، فيما عرفنا من حقيقة, في الختام, تحت عنوان "أين تكمن ألحقيقة".
للتدليل علي واقع محاولات أسلمة المعرفة في مناهج التربية والتعليم السودانية، سنقوم بإستطراد بعض النماذج من مظاهر و تجليات أسلمة مناهج التعليم في السودان التي وردت في مقال التجاني الحاج عبدالرحمن: "مداخل لفهم العنصرية في المناهج التعليمية بالسودان"، الواردة في موقع راديو دبنقا، بتاريخ 7/05/2015[1]،ومقال طارق نورالدين: "لا طريق أقصر إلى التشدد من التعليم السوداني"، المنشور في جريدة العرب الإلكترونية، وبتاريخ 11/10/2016[2].
إخترنا من مقال التجاني الحاج عبدالرحمن النموذجين التاليين:
نموذج (1): كتاب "المنهل في اللغة العربية"؛ الدرس الثالث؛ ص78 ؛ 'المسجد المدرسة الأولي‘.
نموذج (2): مادة الرياضيات؛ صفحة؛ 90‘ تمرين رقم 3: السؤال: سجادة صلاة طولها متر ونصف، فكم طول هذه السجادة بالسنتمتر؟[1].
أورد طارق نورالدين، في مقاله المذكور أعلاه، وعلي لسان وزير الدولة بوزارة التعليم العالي, خميس كجو كندة،خطة توجيه "تعزيز الأسلمة في المناهج السودانية"، والتي سنورد منها فقرات متتالية كأمثلة مقتبسة لمظاهر و تجليات أسلمة المعرفة في مناهج التربية والتعليم:
نموذج (3): في "اللغة العربية" و التوجه العام، ورد في خطاب خميس كجو كندة، "التأصيل عملية ملحة لأنه يحول دون الغزو الفكري وآثار العولمة. وأقترح الإقتباس من كتب 'الرحيق المختوم‘, تأليف صفي الرحمن المبارك ، و'ثقافة الداعية‘ من تأليف الداعية يوسف القرضاوي, و'قبسات من السنة‘ للكاتب الإسلامي الراحل محمد قطب، و'المعلم الداعية‘, من تأليف عبدالمنعم صبير."
نموذج (4): في منهج الأحياء: "…تطرح الخطة إعادة صياغة أهداف المقررات بطريقة تتفق وتتسق مع التوجه الإسلامي للأمة, من خلال الإستشهاد بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في متن المادة العلمية، في منهج الأحياء المقرر على المرحلة الثانية من الثانوية العامة."
نموذج (5): في علم التاريخ: "…ولتطوير منهج التاريخ, إعتماد القرآن والسنة كمصدرين للتاريخ، وأسلمة المصطلح التاريخي واعتماد التقويم الهجري وترسيخه مقابل التقويم الميلادي، والتركيز على التاريخ الإسلامي…"
نموذج (6): الجغرافيا والدراسات البيئية: "…طالبت الخطة بتزويد مناهجها بدروس تتناول التوحيد والرضاء بالقضاء والقدر والصبر على الابتلاء عند وقوع كارثة طبيعية.[2].
كما سبق أن ذكرنا، في مقال"أيدلوجيا الدين(1-15): المعرفة والإسلام السياسي في السودان"، أن قررت وزارة التربية والتعليم السودانية حذف بعض الدروس من مادة التربية الإسلامية لمرحلتي الأساس والثانوي, أهمها مادتي "تنقية العقيدة من الخرافات"، و"الإسلام دين التوحيد". وقد مثل جوهر هاتين المادتين المحذوفتين المنهج السلفي الذي يعتبر بعص الشعائر والممارسات التي يقرها المنهج الصوفي، من مثل التَمسُّح بالأضرِحة والتبرك بالأولياء ضرب من الشعوذة و الخُرافاتْ، وبدع دخيلة على الإسلام.
هذا فيما تَبَّدي علي مستوي توجه الدولة في محاولتها التوفيق بين توجهها الأيديولوجي، الإسلامي المعلن، وحاجات الواقع المادي والروحي، المتشابك والمعقد. أما في ما يتعلق بالتطبيق العملي لمفهوم أسلمة المعرفة فقد ظَللًّت حبيسة الأدراج، ولاتزال قيد الدراسة والبحث، علي الرغم من أهميتها في توجيه السياسات الرسمية للدولة لتحقيق "مشروعها الحضاري". في محاولة لفهم وتفسير عجز الإرادة السياسة في تطبيق إجتهادها في مشروع أسلمة المعرفة، في المؤسسات الرسمية للدولة السودانية، أورد قرشي عوض، في مقاله "بذور الإرهاب والتطرف في مناهج التربية الإسلامية في السودان"، المنشور في صحيفة التغيير الإلكترونية[3]، شكوك د. عمر يوسف الطيب، المحاضر بكلية الآداب جامعة النيلين، التي مفادها أن ظاهرة أسلمة مواد التربية والتعليم قد تسربيها وتطبيقها بواسطة كادر الخدمة المدنية من الإسلاميين والسلفيين المتغلغلين في شعبة المناهج بوزارة التربية والتعليم .
هذا علي مستوي واقع التعليم في مؤسسات الدولة الرسمية، أما علي مستوي أحكام فهم التربية والتعليم في الثقافة العامة، السائدة, في وجهة نظرنا, أن عملية الأسلمة 'التلقائية‘، الغير رسمية المشار إليها، تسربت من خلال عدم إكْتِراث الطبقة المتعلمة بطبيعة ونوع المعرفة الموجهة لجيلها الناشئ، والكيفيةالتي يتم بها نقلها وإيصالها لمتلقيها في مؤسسات الدولة والمجتمع، بمختلف أشكالها. فلا زالت وسائل العنف والقسر التربوي، وقضايا الفصل الجندري، وموقع الدين و العقيدة من هيكل مناهج التعليم، تاخذ الحيز الضيق والمهمش في العقل الجمعي للمجتمعات السودانية. وأيضاً، قد يكون تسرب 'الأسلمة التلقائية‘ بسبب غياب مشاركة المجتمع في صناعة سياسات التعليم الرسمية، أو لإحتمال تَيَقُّنه وركونه لحتمية نفاذ قيم ومثل سلطة الثقافة السائدة في تحديد شكلها ومضمونها. كذلك، قد يكون تسرب الأسلمة بسبب الإختلاف حول فلسفة عملية الأسلمة، أو صعوبات التطبيق العملي التي تتمثل في وجود كثير من معينات المعرفة المادية خارج الإرادة السياسية والمقدرات المادية للجهات المعنية بإنزال سياساتها علي أرض الواقع.
كل ما ورد في المقدمتين أو في النماذج الستة المقتبسةأعلاها، يمثل مشروع أسلمة مناهج التربية والتعليم الواردة في الخطاب الرسمي للدولة، والذي لم يبارح طور الرؤى والمقترحاتالتي لم تدخل حيز التنفيذ بعد. أما الذي تمَّ تسريبه وتطبيقه في مناهج التربية والتعليم، ليسأكثر من محاولات مرتجلة وعشوائية وجدت طريقها إلي مشروع دولة الإسلام الحضاريبمجهود بعض الإسلاميين المتشددين، أو المتحمسين،الراغبين في ذلك.
وبعد هذا نجد أنفسنا نكرهُأن نفكر في أنيكون ما آل إليه حال التربية والتعليمفي السودان، أحد إنعكاساتتمركز المتعلمين/ات حول ذواتهم/هن، وحالة 'اللامبالاة الفكرية‘بنوع وطبيعة المعرفة التي تُعْلي من قيمة الإنسان ورجاحة عقله، و تفيد أسباب تحرر الإنسان وتوظيف علمه ومعرفته لصالح الحداثةوالإستنارة.
إذا غضينا النظر عن مادة التربية الإسلامية، وتمعنا في جوهر بقية المناهجالمتوفرة لديمؤسسات التربية والتعليم الرسمية، فسوف نجدها لا تختلف في جوهرها عن المواد المتوفرة لنظم التعليمفي بعض البلدان الأخري، ولاكن في الكثير من مقدماتها وبعض حواشيهاالتي أقحمت فيها النصوص القرانية والأحاديث النبوية قسراً وإعتباطاً، من دون أن تمس الغرض الأكاديمي لمحتواها. علي سبيل المثال، تصدير مادة الرياضيات بآية قرآنية أو حديث نبوي، لن يغير من نتيجة حاصل عملية الجمع أو الطرح الحسابية، ولاكن قصد منه التذكير والتأكيد علي سلطة الدين وشمول نصه لكل أنواع المعرفة وفروعها التي من ضمنها علم الرياضيات. بالإضافة إلي أن عملية الأسلمة العشوائية هذه، قصد منها تقييد عمليةالبحث والتفكير حتي لا يتجرأ منهجها بالتعدي علي حدود النص المقدس،وفهم وتفسير القائمين بالوصاية علي أمر الدينوحمايته.
"ثم شرعت الإنقاذ في تغيير المناهج الدراسية بلا أساس علمي ووفق منظور أيديولوجي مغلق وجامد وأحادي ينبني على الحفظ والتلقين والإجترار ولا يشجع على النقد والإبداع والإبتكار." هكذا فهم ولخص ألأستاذ بابكر فيصل بابكر عملية ألأسلمة التي تصورها عقل الإسلام السياسي في السودان، في مقاله "مأساة ألتعليم"، الوارد في صحيفة سودانايل ألإلكترونية، بتاريخ 08/06/2017[4].
في النموذج رقم (1)، واضحمن عنوان الدرس، "المسجد المدرسة الأولي"،الإرتباط الوثيق بين مفهوم المعرفة وطقوس وشعائر العبادة.فالأسلمة هناتشير إلي أن المعرفة،الدين،المسجد واللغة العربيةتوجد في علاقة ترابط عضوي وثيق، بدونه يغيب العلم وتضعف العقيدة والإيمان.
فيما يخص التمرين الحسابي الوارد في النموذج رقم (2)، والمربوط بطقس 'الصلاة‘والمتمثل في رمزها 'السجادة‘،هدف منه تغييب أو تغبيش معلومة مبدأ التجريد في علم الرياضيات ودوره المحوري في بناء الإستنتاج المنطقي والعقل النقدي المستقل. عملية تغييب التفكير المجرد، و من أي نوعأو أسلوب كانت،تمهد لمنهج الحفظ والتلقين التي تفرضها طبيعة المعرفة الدينية. فعلي الرغم من صعوبة تجريد الرمز الديني من تبعات العقيدة والإيمان، نجد أنفسنا نقول أنه لاغضاضة في أن تكون السجادة موضوعاً لإيجاد أبعاد المساحات والأحجام الحسابية, ولاكن من خلال التأطير الواضح والصريح لبديهيات التجريد في علم الحساب والرياضيات، بشكل خاص، وعملية إيصال المعرفة، بشكل عام.
في النموذج رقم (3)، الوارد في إقتباس مقال طارق نورالدين، وردت خطة الأسلمةفي إطار مادة اللغة العربية من أجل التأكيد علي علاقة 'الترابط المعرفي‘ بين الإسلام واللغة العربية. فالمعرفة الصحيحة، في قصدمفهوم الأسلمة الوارد في الأمثلة أعلاها، تُسْتَمدمن الكتاب المقدسالذي تَنزَّلباللغة العربية. وهكذا، بتفاعل وتداخل النص واللغة تتوحد الذات والهوية،وتتهيأ الروح وتستعد لتلقي الإيحاء بالعلم والحكمة. من الواضح أيضاً،هنا، أن مقاربة التأصيلالديني المقترحة في هذا النموذج ترفض كل مصادر المعارف الأخري،وذلك من قبل أن تعي، تفهم، أو تحدد الفارق النوعي أوبين المعرفة الإسلامية وغيرها من المعارف. وفي ذلك تذهبأبعد من ذلك لتقرر أن المعرفة المستمدة من الدين تُحَصِّن عقل المتلقي – الناشئ ضد العلمنة والغزو الفكري الأتي من باب الثقافة الغربية، الغير مسلمة، بطبيعة الحال.
في هذا الصدد، نجد انفسنا مأخوذين ببعض الفضول والإهتمام بأهمية دور اللغة في إكتساب معرفة العقيدة والإيمان، ولذلك قمنا بإيراد مقاربةولاية 'بافاريا‘، في دولة ألمانيا العلمانيةالصرفة، لتدريس مادة التربية الإسلاميةبغرض تسهيل إندماج المهاجرين المسلمين في المجتمع الألماني العريض والمتعدد الديانات. ولاكن،تدريس مادة التربية الإسلامية، يجب أن يتم بعد تحقيق شرط معرفة وإتقان اللغة الألمانية،والتي في عقل القائم بأمر التعليم، في تلك الولاية الألمانية، مثلت القاسم المشترك، والأداة الأهم والأشمل في عملية الإندماج الحضاري والثقافي. وهنا، قد نحتاج لوقفة طويلة لتذكير أنفسنا بحقيقة بداية التاريخ في صباح ميلاد الكتابة ، ونوء كاهل اللغة بحمل عبء وقصور الثقافة العَتِيدُ.
أما خطة أسلمة منهج علوم ألأحياء, الواردة في النموذج رقم (4) فهي لتأكيدتتطابق وملائمة ظواهر طبيعية مع قصة الخلق والتكوين, وتهيئة العقل للتسليم بقبول مظاهر تحورها وتجلياتها علي أنها تقع خارج حدود تفكير الإنسان، والتي قد تشكل محاولة فهمها،أوالتدخل من أجل تغيير مسارها المحتوم، تشكيك في قدرية الخلق ومبدأ الفناء ويوم الحساب.
النموذج رقم (5) يتعامل مع المعرفة في إطار عامل الزمن الذي بدأ مع بداية قصة الخلق عندما اُنْزِلَ أدم إلي كوكب الأرضعقاباً لما قطفتيداه من ثمرة الشجرة المحرمة– فالزمن قبل ذلك سرمدي بلا بداية. وحتي يتم التأكيد علي ملائمة التاريخ مع مغزي ومحتوي عملية تسلسل الخلق والتكوين، وتفادي تناقضها مععقيدة الإيمان باليوم الأخر، تم تحديد بداية التاريخ ومعالم نهايته،ولاكن من دون أية معالجة عقلانيةتماثل، في شكلها أو مضمونها، مقاربة المعتزلة في تبنيهم لمبدأ خلق القرآن لمصالةالتأريخ مع تأويل النص المقدس. وبمقاربة مختلفة، ولاكن بنفس ترتيب المقدمات،والأخذ في الإعتبارالتفاوت المعرفي في ألأديان السماوية الثلاثة: اليهودية, المسيحية, والإسلام، وذلك علي الرغم من تَوَحُدها حول قصة الخلق الآدمي، فلابد من القول بأن قراءة التاريخ التي تتجاهل وحدة الأصل في ألإنسان وتاريخ صيرورته، تتناقض مع مبدأ وحدة وشمول عملية الخلق الإلهي، بمنطق نفس عقيدتها،وأيضا تتناقض مع طبيعة تنوع المعرفة وتجددها، بمنطق صيرورتها في الزمان والمكان. فإن المعرفة التي تقول ب"…إعتماد القرآن والسنة كمصدرين للتاريخ…واعتماد التقويم الهجري وترسيخه مقابل التقويم الميلادي…" تحاول أن تري الإسلام في أوقاتيتيمة، منبتة الأصل، تختار، وبمحض إرادتها، البقاء خارج عملية التاريخالتي لاتنفك عن محاولة إحتكارها لنفسها – وحدها.
في النموذج رقم (6) سندع خطة أسلمة الجغرافيا والدراسات البيئية وحالها لتحدثنا عن نفسها: "طالبت الخطة بتزويد مناهجها بدروس تتناول التوحيد والرضاء بالقضاء والقدر والصبر على الابتلاء عند وقوع كارثة طبيعية".
وبعد كل هذا، وعلي الرغم من التجربة الراسخة في إفادة حيادية المعلومة للمعرفة ، فلا مناص من الإشارة إلي أن مبدأ 'ديمقراطية المعرفة والثقافة‘ يتطلب الإعتراف بالدورالمهم الذي تقوم به العقيدة في توجيه الحياة الروحية للمجتمع. وإذا إفترضنا، جدلاً، حتمية ضرورة تدريس مادتي "تنقية العقيدة من الخرافات"، و"الإسلام دين التوحيد"، فلنا توقع أن يتم ذلك بأسلوب تدريسيتماشى مع روح التوحيد العقائدي في بعده المتسامح، وقصد الإبتعاد عن أسلوب الإستقطاب والتدجين للعقول الناشئة والطرية.
تجربة تدريس مادة التربية الإسلامية من ضمن "علم الأديان المقارن"، نقول، ويقول البعض، تقفت بها علي مسافة متساوية من الديان الأخري وتعيدصياغتها في صورة منهج علمي يبعدها عن أحادية التفكيرودوغما اللاهوت، ويقربها، كذلك، من إطار التجريد المعرفي الذي يعفيها من حرج التناقض المنطقي، وأيضاً، يجعلها في تناسق وتكامل مع بقية العلوم والمناهج.الجدير بالذكر، أن عملية "التَناصْ" في مفهوم شرح وتأويلالنصوص الدينية التي ترث بعض أو كل صفات الأصول،قصد منهاتحريرالنص من قيود سياق زمنه القديم والباليحتي يتمكن من تبادل المعاني والدلالات مع معاصريه من مجموعات النصوصالدينية والثقافية ألأخري.بالإضافة إلي أن "التناص" عند المفكر الجزائري- الفرنسي محمد أركون، يمثل فلسفة قراءة النص التي تبرر أنسنة العقيدة، وضرورةوأهمية قراءتها وفهمها بالمقارنة مع الأديان الأخري[5].وبذلك، يمكن القول بأن مفهوم "أنسنة العقيدة" يتمحور إهتمامه حول 'الإنسان الكوني‘ الذي يساهم في خلق ذاكرة جمعية تكرس للتسامح وإحترام الرأي الأخر؛ وتحتفي بوحدة أصل نوعها وتعدد وإختلاف عرقها وفكرها[6].
أما إذا إخذنا برأي ماكس وَيبَرالذي مفاده أن إنتقال مسؤولية التربية والتعليم، من نطاق الأسرة والمجتمع المحدود، إلي مؤسسات الدولة الحديثة، تقود إلي "تقليص الضمير الجمعي" الذي يخرج الفرد من دائرة التنميط الثقافي، ويحرره من قيود 'الإتساق والتجانس الإجتماعي اللصيق‘[7]، وبالتالي يقود إلي إنتاج عقل حر ومنفتح علي ألرأي الأخر، ومُتَفهِّم ومُتَقبِّل لعقيدة الأخرين، بتماثل معاكس، يمكننا إفتراض أن حصر توصيل المعرفة في طريقة أومذهب ديني بعينه، ناهيك عن الإقصاء المتبادل للطرق والمذاهب التي تتوحد في تقديس نفس الإله، تقود إلي النتيجة المعاكسةلعملية تقليص الضمير الجمعي،وتضع المزيد من القيود والمحاذير حول عملية التساؤل والبحث، وتؤسس، في النهاية،لعملية لرفد المجتمع بعقول متكلسة ومتعصبةلآرائها ومواقفها. وفي هذا، إذا أحذنا بضرورة مبدأ 'الحياد التربوي والتعليمي‘ فسنجده يتداخل ويتكامل مع مفهوم 'شعوبية وديمقراطية التعليم‘ويؤسس لمبدأ ضرورة إفادة المعرفة 'لمتلازمة التحرر الإستنارة‘. وأيضا كذلك، أذا أخذنا في الإعتبار ضرورة سلامة الإرث الثقافي لعملية التغيير الثقافي، فسنجد أن التعايش الديني، بمفهومه العريض، يضمن تأقلم وبقاء المعرفة لحين توريث جيناتها الهجين، المُحَسَّنة،لأجيال المستقبل.
يتبع: أيدلوجيا ألدين(4-15): أصل ومفهوم أسلمة المعرفة
مصادر
[1] ا. ا. عبدالرحمن، "ألأخبار،" 7 مايو 2015. [متصل]. . Available: https://www.dabangasudan.org/ar/all-news/article/. [تاريخ الوصول 3 أكتوبر 2017].
[2] ط. نورالدين، "لا طريق أقصر إلى التشدد من التعليم السوداني،" 11 10 2016. [متصل]. Available: http://thearabdaily.co.uk/article/91941/manifest.html. [تاريخ الوصول 15 اكتوبر 2017].
[3] ق. عوض، "بذور الإرهاب والتطرف في مناهج التربية الإسلامية في السودان،" 19 سبتمبر 2017. [متصل]. Available: https://www.altaghyeer.info/2017/09/19/AF/. [تاريخ الوصول 3 سبتمبر 2017].
[4] ب. ف. بابكر، "مأساة ألتعليم،" 8 يونيو 2017. [متصل]. Available: http://www.sudanile.com/99683. [تاريخ الوصول 3 سبتمبر 2017].
[5] م. أركون، "نزعة الأنسنة في الفكر العربي،" 1997. [متصل]. Available: https://docs.google.com/file/d/0B4tdKbWs3AxXY21kN0RZU2s4Q3M/edit. [تاريخ الوصول 24 فبراير 2018].
[6] د. ك. مصطفى، "الأنسنة و التأويل في فكر محمد أركون،" 2007-2008. [متصل]. Available: https://bu.umc.edu.dz/theses/philosophie/AKIH2524.pdf. [تاريخ الوصول 24 فبراير 2018].
[7] M. D. Max Weber، "The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism،" Routledge، 1992.
[8] alrakoba.net، "إعمال ألإجتهاد الفكري وفقاً للقيم الدينية والثقافية،" 17 December 2017. [متصل]. Available: https://www.alrakoba.net/news-action-show-id-293949.htm. [تاريخ الوصول 17 December 2017].
[9] "السودان الان: مقرر الاسلام دين التوحيد – جدل السلفية والصوفية،" 21 أغسطس 2017. [متصل]. Available: https://www.sudanakhbar.com/104786.
د. عثمان عابدين عثمان
[email protected]
www.facebook.com/oosman51/notes?lst


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.