قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



(التفاصيل الكاملة) القوانين الجديدة... نذر مواجهة بين الإسلاميين والثوار
نشر في كوش نيوز يوم 19 - 07 - 2020

انشغلت الأوساط السياسية السودانية منذ الأحد الماضي، بالإعلان عن تعديل للقوانين السودانية وصياغة قوانين جديدة، الغالبية مؤيدة لتعديل هذه القوانين باعتبارها مقيدة للحريات، وقمعية صاغها نظام ديكتاتوري أسقطه الشعب بثورة شعبية، وأن إكمال إسقاطه يستوجب تغيير قوانينه.
وبينما يرى المطالبون بالحكم المدني، أن التعديلات أبقت على بعض القوانين ذات الطابع الديني، يرفضها الإسلاميون والمتطرفون، ويعتبرونها نهاية لمشروعهم السياسي القائم على «استغلال الدين».
يرجع أصل القوانين الدينية في السودان إلى سبتمبر 1983 عندما أصدر الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، حزمة قوانين أطلق عليها اسم قوانين «الشريعة الإسلامية»، ونصّب نفسه بموجبها «أميراً للمؤمنين». ومن ثم، نكّل عن طريقها بمعارضيه، بعدما ساعده على صياغتها وتنفيذها عدد من الإسلاميين، على رأسهم زعيم الإخوان السودانيين الدكتور حسن الترابي.

معارضو النظام وقتها أطلقوا على تلك القوانين مسمى «قوانين سبتمبر»، وطالبوا بإلغائها عقب الانتفاضة الشعبية التي أطاحت النميري في أبريل 1985، إلا أن حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي المنتخبة، والتي خلفت النميري لم تسارع إلى إلغائها، رغم تصريحه الشهير «قوانين سبتمبر لا تساوي الحبر الذي كتبت به».
وعندما انقلب الإسلاميون بقيادة حركة الإخوان «الحركة الإسلامية»، على النظام الديمقراطي في 30 يونيو 1989، سارعوا إلى إدخال تلك القوانين تحت ما أطلقوا عليه اسم «القانون الجنائي لسنة 1991»، وأضافوا إليها سلسلة قوانين قيدت الحريات، وحطت من شأن المرأة، وكفّرت الخصوم السياسيين.

إلغاء فعلي لبعض «قوانين سبتمبر»
وتعد التعديلات على القوانين والقوانين التي أصدرها وزير العدل السوداني نصر الدين عبد الباري وصادق عليها رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، إلغاءً فعلياً لبعض «قوانين سبتمبر»، وهو الأمر الذي لقي ارتياحاً شعبياً واسعاً. لكن الإسلاميين والمتطرفين وأتباع النظام المعزول، أثاروا ضجة كبيرة، وحاولوا استغلال الحس الديني عند المواطنين لتحويل موقفهم من القوانين إلى «معركة دينية»، وإلغاء ل«شريعة الله»، وفتح المجال أمام الفجور والخلاعة.
من جهة ثانية، اعتبرت التعديلات على القوانين والقوانين التي أجازها المجلس التشريعي المؤقت – المكوّن من مجلسي السيادة والوزراء مجتمعين – ونشرت في الجريدة الرسمية «الغازيتة» الأحد الماضي، خطوة صحيحة باتجاه إلغاء «قوانين الديكتاتورية» وإتاحة الحريات، وإنصافاً للكثيرين الذين تعرضوا للظلم باسم تلك القوانين السيئة الصيت، والسيئة التطبيق.
في الجريدة الرسمية 13 يوليو الحالي نشرت «قانون التعديلات المتعددة»، ومعها «قانون مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية لسنة 2020»، وتعديل «قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2020»، وتعديلات جوهرية على القانون الجنائي لسنة 1991».

واشتمل «قانون التعديلات المتعددة» أيضاً على عدد من التعديلات في قوانين أخرى، مثل قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، والقانون الجنائي لسنة 1991، وقانون الأحزاب السياسية لسنة 2007، وقانون الأمن الوطني لسنة 2010، وقانون المرور لسنة 2010، وقانون جوازات السفر والهجرة لسنة 2015، وقانون النيابة العامة لسنة 2017.
وتضمنت التعديلات المادة (27)، وتتعلق بتنفيذ حكم الإعدام، ولقد حُذفت منها عبارة «أو بمثل ما قتل به الجاني»، ومنعت إعدام من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، والذي بلغ السبعين من العمر، ما عدا جرائم الحدود والقصاص والجرائم الموجهة ضد الدولة والجرائم الواقعة على المال العام.
أيضاً، أزيلت من القانون الجنائي المادتان (78 و79) على التوالي وتتعلقان بشرب الخمر والإزعاج، عبارة «أو يحوزها أو يصنعها»، وقصرت التعامل في الخمر على غير المسلمين، وأبقت على تجريم التعامل بالخمور على المسلمين.
وجرمت المادة المعدلة (125) إهانة العقائد الدينية، وأضيف لها «كريم المعتقدات» وألغت عقوبة الجلد غير الحدّي، بينما ألغت المادة 126 تماماً، وهي تتحدث عن «عقوبة الردة»، وأدخلت بديلاً لها مادة تجرّم تكفير الأشخاص والطوائف ورميهم ب«الردة».

ويعد التعديل على المادة (141) من القانون الجنائي وتتعلق ب«تشويه أعضاء الأنثى»، المعروف ب«ختان الإناث»، في حين ألغت المادة (148) وتتعلق بالشذوذ، عقوبة الجلد والإعدام، وأقرت عقوبة السجن بما لا يتجاوز سبع سنوات، وألغت عقوبة الجلد عن المادة (151)، وتتعلق بالأفعال الفاحشة، في حين ألغت المادة (152) وتتعلق بالأفعال الفاضحة والمخلة بالآداب، تجريم الزي، وحصرت العقوبة على الأفعال الجنسية التي تضايق الشعور والحياء العام، مثلما استثنت المادة (153) المواد ذات القيمة الأدبية والفنية والعلمية والثقافية والتراثية، من عقوبة الأفعال الجنسية التي تضايق الشعور العام، وألغت الفقرة التي تعاقب على احتمال ممارسة الدعارة والتكسب وتقديم الخدمات الواردة في المادة (154) من القانون الجنائي.
وألغى التعديل المواد (50، و51، و52، و53) من قانون الأمن الوطني لسنة 2010، وهي مواد كانت تعطي الجهاز صلاحيات واسعة، في القبض والاحتجاز للأشخاص، وتعطي حصانة لأعضاء الجهاز والمتعاونين معه، وتمنع مصادرة ممتلكاته، في حين قصرت المادة (25) المعدلة سلطات الجهاز على طلب المعلومات أو البيانات أو الوثائق أو الأشياء من أي شخص، والاطلاع عليها أو الاحتفاظ بها.
وحذفت التعديلات المادتين (12 و13) في قانون الجوازات والهجرة والجنسية، وتمنعان الزوجات أو النساء المطلقات من اصطحاب أطفالهن لخارج البلاد، إلا بموافقة الزوج أو الوصي الشرعي، وسمحت لهن باستصحاب أطفالهن دون حاجة إلى إذن. كذلك ألغت «تأشيرة الخروج» من البلاد، أو شهادة الاستيفاء، في حين تم تشديد العقوبات على جرائم المعلوماتية في تعديلات قانون جرائم المعلوماتية، إضافة إلى قانون مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية، والذي يمكن من إعادة إصلاح النظام الحقوقي والعدلي، وإزالة تمكين الإسلاميين في الأجهزة القضائية والعدلية.

جدل صاخب
وأثارت هذه القوانين والتعديلات بعيد صدورها جدلاً صاخباً، ورغم أنها لقيت قبولاً شعبياً واسعاً، فإن «الإخوان» والمتطرفين، شنّوا هجوماً كاسحاً عليها واعتبروها «إلغاءً لشرع الله»، وهددوا تبعاً لذلك بإسقاط الحكومة الانتقالية واعتبارها حكومة «كافرة»، ووعدوا بتنظيم اعتصامات واحتجاجات ضدها، في حين حاج البعض بأن إصدار مثل هذه القوانين يتطلب «برلماناً» منتخباً.
ورداً على اتهامات ودعاوى هذه المجموعات، قال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الخميس، عقب لقاء جمعه ب«جماعة أنصار السنة المحمدية» الدينية، إن حكومته لن تمس الحدود، وإنها حريصة على «المحافظة على إرث وقيم الإسلام، واحترام المبادئ والشعائر الإسلامية، دون المساس بأي من حدود وكليات وأهداف الدين».
وأكد حمدوك، خلال اللقاء، حرص حكومته على معالجة قضايا السلام والاهتمام بمعاش الناس، وأشاد بمساهمة الجماعة ورؤيتها في الإصلاح الوطني الشامل. وأكد وفد الجماعة وقوفه مع الحكومة الانتقالية، و«اتباع منهج المناصحة للإصلاح، متى ما لزم الأمر، والعمل على رتق النسيج الاجتماعي وإحلال السلام وتعظيم حرمة الدماء».

وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة فيصل محمد صالح قال ل«الشرق الأوسط» أمس، إن القوانين التي صدرت لم تحقق مطالب الكثيرين؛ لأن التغييرات الكبيرة منوط بها المجلس التشريعي، و«نحن حكومة مؤقتة لذلك لم نجر تعديلات كبيرة».
وأوضح أن تعديلات وزير العدل تهدف لمواءمة القوانين مع الوثيقة الدستورية، وأضاف «لا يمكن أن تكون لديك وثيقة دستورية تقرّ بعض الحقوق وهناك قوانين تتناقض معها». وتابع «ما فعله ليس فيه إصلاح قانوني حقيقي بهذا المعنى، ولا يحتوي على ما يقوله الإسلاميون، بل دعاة المدنية يرون أن القوانين لم تتضمن مراجعات كبيرة مطلوبة، هو كما أعلن والتزم بذلك. أن المطلوب هو تعديل هذه القوانين بحيث لا تتعارض مع الوثيقة الدستورية».
وأقر صالح بأن القضايا الأكبر، مكانها المؤتمر القومي الدستوري والبرلمان المنتخب؛ لذلك التزم الوزير بجعل الوثيقة الدستورية هي الوثيقة الأساسية. ونفى تعارض التعديلات مع قيم المجتمع، وقال «فيما يتعلق بموضوع (الدعارة) على سبيل المثال، هناك مادة لغتها غير قانونية – يرجح ويحتمل – لكن قانون تحريم الدعارة موجود وقائم. أما موضوع الخمر، فقد نص الدستور السوداني على احترام المعتقدات والتعدد والتنوع وكل الأديان، وفي الوقت ذاته تحرم الخمر بقانون على غير المسلمين، هذا تناقض أزالته التعديل القانونية».

موقف طائفة الأنصار
طائفة «الأنصار الدينية»، التي يتزعمها رئيس حزب الأمة الصادق المهدي، قالت في بيان أمس، إنها تؤيد بعض التعديلات على القوانين أجملتها في القتل قصاصاً بمثل ما قتل به، باعتبارها محل اختلاف فقهي، وكذلك اعتبرت إهانة العقائد قضية ممنوعة شرعاً، وحد الردة رغم أنها جريمة منكرة، لكن لا يوجد نص يؤكد اعتبارها عقوبة دنيوية. واعتبرت تجريم «التكفير» ووصف المخالف بالردة ضرورة شرعية ومصلحة وظنية، ودرءاً للفتن بين الجماعات، وتسميماً للأجواء وإثارة الفتنة التي تؤثر على التسامح الاجتماعي.
وشدد بيان الطائفة على أن «ختان الإناث» عادة وليس حكماً شرعياً، وهو ما جعل بلداناً إسلامية كثيرة لا تمارسه، إضافة إلى أضراره الصحية على النساء، واستندت في ذلك إلى فتوى دار الإفتاء المصرية التي اعتبرته «حراماً شرعاً».

وانتقد بيان الأنصار تساهل القانون فيما أطلق عليه «الممارسات المصادمة لقيم المجتمع والمفسدة للأخلاق»، ودعا للتشدد في تجريمها، ورغم أنه لم يحددها، لكن الواضح أنه يقصد المواد التي تتعلق بالأزياء والأفعال الفاضحة. كما انتقد البيان تحديد عمر التكليف 18 سنة، فتحاً لباب لإفلات المكلف من المساءلة، استنادا إلى أن الشرع يعتمد البلوغ للتكليف، ودعا لتحريم الخمر صناعة وحيازة وتعاطي، بشكل مغلظ، وقصر العقوبة بشأنها على المسلمين دون غيرهم فيه أضرار اجتماعية وصحية واقتصادية ونفسية.
ودعت الطائفة إلى إرجاء ما أسمته «القضايا الخلافية المرتبطة بالمقدّسات» للمؤتمر القومي الدستوري، ل«أنها تحتاج إلى حوار هادئ، يقرب الشقة ويعمل للوصول إلى رؤية مشتركة حولها». بيد أن الطائفة اعتبرت فلسفة المشرّع في التعديلات وحصر عقوبة الجلد على الجرائم الحدية، نوعاً من أنواع الاتساق مع المواثيق الدولية التي تمنع العقوبات القاسية.
وأيدت الطائفة إلغاء القوانين المقيدة للحريات، وقالت «تجد منا التأييد لأن هذا ما ظللنا نطالب به، والحريات المطلوب عدم تقييدها هي الحريات المنصوص عليها في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان المتعلقة بصيانة الكرامة الإنسانية».

رأيان في التعديلات
من جهته، يقول الكاتب النور حمد، بحسب مقال منشور في وسائط إعلام محلية، إن إبطال «مادة الردة» وإبطال حق الرجل منع الزوجة المسافرة أو المطلقة، اصطحاب أطفالها، «إنجازان باهران لا مراء فيهما» بوجه من يعترضون على عدم التشريع من دون مجلس تشريعي، وأن تعديل القوانين يحتاج إلى «مشاركة واسعة وتفويض شعبي، ولا ينبغي أن تقوم به النخب».
وجوّز حمد حق النخب في تعديل القوانين لأنها أتت بثورة شعبية، شعاراتها «حرية سلام وعدالة». ووصف الاعتراضات بأنها «شكلية»، بقوله «ينطوي هذا النوع الشكلي الإجرائي من الاعتراضات، على رفضٍ دفينٍ مبطَّنٍ للثورة ولشرعيتها، بل على عدم اعترافٍ بها، لا يفصح عن نفسه بوضوح».
واستطرد حمد قائلاً، إن الوثيقة الدستورية توافقت عليها كل قوى الثورة، ممثلة في جماهير الثورة، وفي قوى الحرية والتغيير، وفي الحكومة الانتقالية بقسميها، هي دستور الفترة الانتقالية الذي شهدت عليه القوى الإقليمية والدولية. وتابع «كأني بالمعترضين يقولون: ليس من حق الثوار تغيير أي شيء تركته الإنقاذ، حتى يأتي المجلس التشريعي المنتخب... ينطوي هذا المنحى، في تقديري، على رغبة دفينة في إلغاء الثورة، إلغاءً تاماً».
حمد يعتبر الثورة الأصل، لأنها قلبت الطاولة على النظام القديم برمته، و«أول ما تجري إزالته من تركة الإنقاذ المثقلة، إنما هو القوانين غير الدستورية، التي حرس بها النظام المدحور شموليته، واتكأ عليها لينكل بالمعارضين السياسيين، وليبسط بها هيمنة الذكور المطلقة على الإناث».

ويقول محمد حسن عربي، المحامي وعضو سكرتارية تجمع المهنيين، إن السودان ورث عن النظام البائد «ترسانة من القوانين المقيدة للحريات والمهدرة للكرامة الإنسانية»، وإن تقييم القوانين التي تصنف بإهدار الحقوق والكرامة والتي في حاجة إلى إلغاء يبلغ عددها 160 قانوناً.
وأوضح عربي، أن التعديلات جاءت بمبادرة من وزير العدل نصر الدين عبد الباري، الذي أدارت وزارته حولها نقاشاً مهنياً حقوقياً حول سبل الوفاء بتوفيق القوانين مع الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية.
وأوضح عربي، أن النقاشات توصلت لضرورة إجراء تعديلات عاجلة بموجب قانون التعديلات المتنوعة، تقوم على الموائمة بين حقوق الإنسان والتشريعات السودانية السارية. وتابع «شاركنا في اللجنة القانونية في الورشة التي نظمتها الوزارة لاقتراح، وإجازة مسوّدة التعديلات المتنوعة، على هدى الرؤية المقدمة بشأن إلغاء التقييد لحقوق وحريات الإنسان، وصيانة كرامته». وأوضح أن قانون التعديلات المتنوعة، تتبع عقوبة «الجلد» في القانون الجنائي في غير جرائم الحدود، وقال بإلغائها أينما وجدت، مضيفاً «العقوبة الحدية المقررة بالجلد لا تتجاوز شرب الخمر والزنا والقذف، وبالتعديلات لم يعد متاحاً إيقاع عقوبة الجلد في القانون الجنائي».

ورأى عربي، أن إلغاء جريمة الردة والجرائم التي تحاكم الضمير والمعتقدات في الحياة، واعتماد نص بديل يجرّم التكفير، تقدما مهما في طريق رعاية الحقوق الإنسانية، وإقرار بحق الإنسان في الاعتقاد دون وصاية ودون خوف من محاكم التفتيش.
واعتبر عربي التعديلات والقوانين الجديد خلاصة للتطور البشري في «فلسفة التجريم والعقاب»، وخدمة لأهداف ثورة ديسمبر (كانون الأول) بإزالة عدم الوضوح «الدغمسة» عن سن المسؤولية الجنائية وتحديد البلوغ بسن 18 سنة. ورأى عربي أن المشرع اعتمد ما أسماه فلسفة «العدالة الترميمية والمحاكم البديلة في قضاء الأحداث»، وقال «لأول مرة في تاريخ السودان يتم اعتماد (الخدمة الاجتماعية)، كواحدة من العقوبات، خاصة بالنسبة للنساء الحمل والرضع والأمهات».
وكان وزير العدل نصر الدين عبد الباري قد ذكر للتلفزيون الرسمي أن الغرض من التعديلات المواءمة بين القوانين والوثيقة الدستورية، واستجابة لحاجة ملحة بإقرار الحريات وسيادة حكم القانون دون تمييز، وإزالة اللبس والغموض والتعميم في بعض مواد القوانين، وإن الحكومة الانتقالية على رغم الصعوبات ستمضي في إنفاذ هذه القوانين.

الحكومة تواجه ضغوطاً من جهات عدة
* تواجه الحكومة الانتقالية السودانية ضغوطاً داخلية وإقليمية ودولية، لإشاعة الحريات وإلغاء التمييز الديني الموروث من حكومة الإسلاميين المعزولة، وتنظيف سيرة البلد الذي ظل متهماً بدعم الإرهاب ورعايته، ولا يزال اسمه مدوناً في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإقامة حكم مدني وإتاحة الحريات تسعى حكومته للخروج منها.
داخلياً، يطالب الثوار بتصفية تركة نظام الإسلاميين برمتها، ومحاسبة الفساد وإلغاء القوانين المقيدة للحريات والمنتهكة لحقوق الإنسان، وترسيخ الحكم المدني، وخارجياً يسعى السودان للخروج من التصنيف الذي وجدت الحكومة الانتقالية نفسها محكومة به «دولة راعية للإرهاب».

انتقادات ورفض من أنصار النظام المعزول
تقوم الانتقادات والرفض الذي يشنه أنصار النظام المعزول والإخوان للقوانين والتشريعات الجديدة على ركيزتين، الأولى أنها «حرب على الإسلام»، وإلغاء لشريعة الله، والأخرى أن الحكومة الانتقالية ما ينبغي عليها تعديل القوانين، بل تأجيل ذلك لحكومة وبرلمان منتخب، وترى أنها تعديلات غير شرعية.
وفي بيان للحركة الإسلامية – الاسم المحلي ل«الإخوان» المسلمين – اعتبرت التعديلات في القوانين «تجاوزاً خطيراً، وتغولاً على إرادة الشعب وحقوقه في التشريع، بلا تفويض من مؤسسة دستورية منتخبة»، ومخالفة واضحة لما أطلق عليه البيان «الأعراف التشريعية»، وإسقاطاً لحكم «الشريعة الإسلامية». واعتبرت ما أسمته المساس ب«أحكام الشريعة خطاً أحمر»، وأعلنت أن المساس به يستدعي إسقاط حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير، وأن صبرها قد وصل نهايته، ودعت من أسمتهم القوى الإسلامية والحادبين على الدين لإسقاط الحكومة، وحذّرت الحكومة بشقيها المدني والعسكري من المضي قدماً في إنفاذ التعديلات، وقالت بلهجة تهديد واضحة «هذا بلاغٌ للناس وليُنْذروا به... وقد أعذر من أنذر».

لكن المنشور على صفحة «حزب المؤتمر الوطني» المحلول على موقع «فيسبوك»، وجد استهجاناً من معظم المتداخلين. ففي الوقت الذي خرجت من بين مؤيديهم أصوات تدعو لإسقاط الحكومة الإسلامية بسفك الدماء والعنف، سخر معظم المتداخلين من فحوى البيان، واعتبروه عودة ل«ضلال» الإسلاميين القديم، ومتاجرة بالدين، وقالوا إن الأمر لا علاقة له بالدين، بل استغلال له لتحقيق أهداف سياسية، وأنهم لم يستطيعوا الحكم بما أنزل الله كما يدعون طوال فترة حكمهم البالغة 30 سنة، وقال معلق «لن يغش أحد من قبلكم، الناس صاروا يفهمون الدين، وقضيتم 30 سنة لإخراج الناس من دين الله بأفعالكم التي لا علاقة لها بالإسلام».

الخرطوم: أحمد يونس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.