مسئولة الوكالة الامريكية الزائرة للبلاد:الثورة السودانية ملهمة لشعوب العالم    الجنيه السوداني يُواصل رحلة التحسُّن أمام سلة العملات الأجنبية في ختام تداولات السبت    تظاهرت بالموت والدم يملأ فمها لتنجو.. زوجة رئيس هايتي تكشف تفاصيل ليلة اغتياله    مصرع ثلاثة اشخاص غرقا بقرية كردقيلي بولاية الجزيرة    السودان ينتج 30 طن ذهب خلال 6 أشهر    وزيرة الخارجية تأمل ان تعود اثيوبيا لرشدها في قضة سد النهضة    المجدفة إسراء خوجلي تحتل المرتبة 32    إيراد النيل الأزرق يواصل الارتفاع    لا لكلفتة الجمعية    زين العابدين صالح يكتب: حزب الأمة القومي و بروز تياران متعارضان    أردوغان يعلن 6 ولايات منكوبة جراء حرائق الغابات بتركيا    الولايات المتحدة تبدأ ترحيل عدد من العائلات المهاجرة سراً    الكوادر الصحية بمستشفى كوستي تضرب عن العمل لأغرب سبب    غرب كردفان.. مسؤول يؤكد استقرار الحالة الأمنية وعودة الحياة لطبيعتها بالنهود    حصل على عقد كبير غارزيتو في الخرطوم اليوم    وزير التجارة : استقرارٌ وشيكٌ لأسعار السلع    تفكيك شبكة إجرامية متخصصة في توزيع وتجارة العملة الأجنبية المزيفة بالنيل الابيض    لجنة أمن شمال دارفور تكشف ملابسات الاعتداء المسلح على قسم شرطة الفاشر    «راديو البنات»… إذاعة نسوية متخصصة وصوت متفرد للسودانيات    بيان حول لحنة تأبين الشاعر القدال    الأسماء الحقيقية لبعض الفنانين.. بعيداً عن الألقاب    احباط تهريب ذهب زنة 7.544 كيلو بمحلية ابو حمد بولاية نهر النيل    الحكومة ترفض مقترح منبر الشرق وتتمسك بالمسار مسار الشرق.. استمرار الجدل!    شاكيرا مهددة بالسجن… بسبب 16مليون دولار    "ترامب" في مأزق مزدوج.. ما أخفاه لسنوات على وشك الظهور    مذكرة أميركية تؤكد تغير الحرب على كوفيد وتحذر من دلتا    باب التقديم مفتوح.. "تويتر" يطلق مسابقة جائزتها 3500 دولار    الإفراط في تناول المسكنات يؤدي إلى الإصابة بالسرطان    مصر تبدأ إصدار شهادات تطعيم ضد كورونا.. إليك السعر والتفاصيل    النائب العام: اكتشاف مقابر يُرجّح أنّها لضحايا المخلوع    السعودية.. السماح بدخول حاملي التأشيرات السياحية من الدول المسموح القدوم منها بشرط التحصين الكامل    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (17) سبيكة ذهب تزن (935، 83) كيلو جرام بحوزة متهمان    محاولات لعناصر موالية للنظام السابق لاجهاض العدالة وطمس الحقائق    الكورونا … تحديات العصر    الاقتصاد السودانى: كيفية الخروج من المأزق الماثل…    دبابيس ود الشريف    زهير السراج يكتب سِيد البلد !    السعودية تفتح ابوابها لحاملى التأشيرات السياحية    في أول إطلالة له على الزرقاء عادل حسن يتحول من عازف إلى مغنٍّ    الهلال يواصل إعداده لهلال الساحل    الهند تبحث فرص الاستثمار بشمال كردفان    اتفاقية لتأهيل محطة توليد الكهرباء بسنار    وزير الزراعة يترأس وفد السودان بالقمة التمهيدية للغذاء العالمي    وزير الطاقة لمصادر: انتهاء برمجة القطوعات    مبارك عبد الوهاب.. الشاعر المنسي في ذاكرة (قصب السكر)!!    أثبت حضوراً فاعلاً في الآونة الأخيرة محمود الجيلي.. شاعر جيل!!    النسيمات تواصل عروضها الجميلة وتتخطي الرهيب في الوسيط    طبيب يكشف المواد الغذائية المسببة لتكون حصى الكلى    بالفيديو: ردود أفعال ساخرة في مواجهة كمال آفرو بعد تصريحه (أنا بصرف في اليوم 10 مليون فمايجيني واحد مفلس يقول لي عايز بتك)    تحرير ( 6 ) أشخاص من ضحايا الاتجار بالبشر بالقضارف    نكات ونوادر    صحتنا الرقمية.. هذه الأدوات تساعدك على "الصيام الرقمي"    مصرع طالب وطالبة غرقاً بالخرطوم    أنت بالروح.. لا بالجسد إنسان!    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    جيب تطلق أول سيارة كهربائية صغيرة    دافع عنه معجبوه هجوم شرس على الفنان سامي المغربي بسبب هواتف التعاقدات    هل يجوز الدعاء لمن انتحر وهل يغفر الله له ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المسرحيَّة بين أدب المسرح وفنِّ المسرح د. عز الدين هلالي
نشر في سودانيزاونلاين يوم 22 - 08 - 2011


(ورقة مقدَّمة إلى ملتقى الشَّارقة لكتَّاب المسرح)
الشَّارقة 18 – 19 مايو 2011
في سبيل التَّقديم
عندما يجد شخص ما أوراقاً على قارعة الطريق تحتوي على سطور مكتوبة،أو يجد كتاباً منزوع الغلاف،فإنه يحتار فيهما إن كان جاهلاً،ويستطيع فك طلاسمهما إن كانت لديه بعض المعرفة بمثل هذه الكتابات.
فهو قد يعرف أن ما بالورقة الأولى هو شعر مثلاً، وما بالأوراق الأخرى هو دراسة نقدية للشعر،وبالنسبة للكتاب المنزوع الغلاف فقد يعرف للوهلة الأولى أنه رواية أو قصص قصيرة أو خواطر. فعلى ماذا ارتكز في تصنيف الأوراق والكتاب ؟
لاشك في أن هناك معايير استند عليها هذا الشخص في وصوله إلى تلك النتيجة. هذه المعايير التي احتكم إليها قد تكون نتيجة لتجارب سابقة مع مثل هذه الكتابات،وقد تكون نتيجة دراسة علمية تلقاها في إحدى صروح العلم. وفي كل الأحوال فهناك كائن كتابي،إن جازت التسمية، تخلق عبر مروره بآلاف التجارب والحذف والإضافات إلى أن صار الشعر شعراً والرواية رواية والقصة قصة احتكاماً إلى تلك الخصائص والمميزات التي تميز كل جنس أدبي عن الآخر. فعلى ماذا نرتكز نحن عندما نقرر أن المسرحية مسرحية ؟ وقد نذهب إلى أبعد من ذلك فنقرر أن هذه المسرحية للقراءة فقط ولا تصلح أن تتخلق فناً على خشبة المسرح. وهل هناك مسرحية تستعصي على العرض ؟ وإن كانت المسرحية هي فن حي ومكانها الطبيعي أن تتخلق على خشبة المسرح فناً بصرياً، فما الذي يدفع بعض المؤلفين لكتابة مسرحيات لا تحمل مقومات العرض ؟ وماذا يفعل المخرج الذي تقع في يده مسرحية لا تحمل في داخلها المقومات التي تجعلها تتخلَّق على خشبة المسرح ؟ وما هي العلاقة الجدلية بين المؤلف والمخرج ؟ وماذا يفعل المخرج في حالة غياب النص الذي يحمل مقومات العرض ؟
هذه الورقة تبحث في العلاقة الجدلية بين أدب المسرح وفن المسرح،أي بين النص والعرض عبر تتبع الحتميات التاريخية والحتميات الفنية التي جعلت المسرحية مسرحية،والمؤلف مؤلفاً،والمخرج مخرجاً،في محاولة لتبيان هذه العلاقة التكاملية بين النص والعرض والمخرج والمؤلف .
في الإرث المسرحي عموماً
إنَّ درجة كمال فنِّ من الفنون تتناسب ودرجة فلاحه في الاستقلال بذاته،في نمط تعبيره،عن هذا الشكل أو ذاك من الأشكال الخاصة،وفي الارتفاع بنفسه فوق الخصوصيات (1). وفن المسرح بهذا المعني فن بدأ مستقلاً منذ أيامه الأولى عند الإغريق إبان عصرهم الذهبي،فالمأساة تمثل آخر قوالب الأدب الشفاهي للمسرح (2)، تلك التي كانت قد اكتملت على يدي أبي التراجيديا ايسخيلوس الذي جمع أجزاءها المتفرقة بعد أن جاءته من الإرث الإغريقي عبر العوامل التي ساعدت على وجود الفكر الدرامي عند الإغريق (3)،لتتشكل في الزمان والمكان فناً بصرياً لا يغني فيه السمع عن البصر إلاّ بمقدار إجادة فن الرؤية بالأذن. فالتمثيل تمرين لا يتخلص منه أي كائن حي (4)،والشرط الأساسي لكل فن درامي هو هذا الدافع الجموح لتقمص المرء أجساماً وأرواحاً أخرى يحيا بها ويعمل، والكاتب المسرحي الحق هو كل من شعر بهذا الدافع وأخذ بفتنة ذلك التقمص (5). ولهذا،وفي أعلى عصور ازدهار فن المسرح نراه يمتص الأدب،أو بالأحرى يصل به إلى غايته في اتحاد عجيب،وفي عصور اضمحلاله يهدده الأدب بامتصاصه محاولاً التخلص منه (6).
هذه هي الرحلة التي كتب على المسرح دوماً أن يكابدها منذ أرسطو والى اليوم. الرحلة ما بين أدب المسرح وفن المسرح،أي ما بين النص والعرض. فالمسرحية باعتبارها شكلاً من أشكال التجربة الجمالية يشارك في إحداث أكبر أثر لها عدد غير قليل من العناصر غير الأدبية،فهي ليست نمطاً أدبياً يمكن الاستمتاع به فقط من مكان منعزل كما يمكن الاستمتاع بالقصيدة أو الرواية (7)،كما وأنها ليست فناً محضاً كما الموسيقى المجردة مثلاً،ولكنها جماع فنون وآداب كثيرة . فالظاهرة المسرحية بنت لحظتها ومجتمعها بآدابه وفنونه. والفنان المسرحي إبن عصره ووعيه العام ولا يتخطاه إلاّ بوعيه الخاص. ولهذا تقسم الفنانون ما بين من ينتظر من المسرحية أن تكون بسيطة وسهلة ولا ينظر إلاّ إلى سماتها الأدبية متجاهلاً فن العرض،وما بين من استلبته السينوغرافيا فانحاز لها شكلاً في انقياد شكلي،وبين هذا وذاك هناك من الفنانين من حدد موقفه تماماً وعرف كيف يستفيد من السينوغرافيا في تحويل النص من أدب المسرح إلى فن المسرح من خلال الدلالات السمعية والبصرية.
هذا التأرجح ما بين أدب المسرح وفن المسرح ظل ملازماً للحركة المسرحية منذ نشأتها الأولى ويبدو أن للأمر علاقة مباشرة بالحتميات التاريخية والحتميات الفنية لكل حركة مسرحية وفق كل عصر وفلسفاته،وما نراه اليوم لا ينفصل عن حركة التاريخ المسرحي، فهو له ما يبرره وفق سياقه التاريخي في الإرث المسرحي عموماً حسب انتماء كل فنان مسرحي وموقفه من هذا الإرث سلباً أو إيجاباً، انقطاعاً أو تواصلاً،مؤلفاً كان أم مخرجاً.
وفي كل ما تقدم تعتمد الفنون على أن المحاكاة غريزية في الإنسان. فهي إحدى وسائل التعلم والمعرفة. وفوق هذا وذاك هي مصدر من مصادر المتعة للإنسان. فالأشياء ليست كلها جميلة في الحياة ، ولكنها جميلة حينما تحاكى بجمال في عمل فني جميل،فالجيفة أيضاً تجد من يقتنيها حين تصورها ريشة فنان بارع. وما كان افتراق أرسطو عن أفلاطون إلاّ في نظرة كل منهما للمحاكاة،تلك النظرة التي أوصلت أفلاطون إلى طرد الشعراء من مدينته الفاضلة،وهي ذات النظرة التي توصل بها أرسطو إلى نظريته في الدراما.
لقد كانت نظرة أرسطو نظرة مسرحية بحق،وكانت لهذه النظرة الريادة في فتح الباب على مصراعيه للجانب المسرحي في الشعر(8)،ولكن اقتصاره ناقداً على أدب المسرح واستهدافه النص فقط في نظريته لأسباب تاريخية ظل عائقاً كبَّل التنظير المسرحي فلم يتجاوز أدب المسرح إلى فن المسرح،وحتى الآن،إلاّ في ما ندر ندرة ًلا يستقيم معها الاستثناء. والتنظير هو الإطار الذي يتحرك فيه التطبيق شئنا أم أبينا. وكل الحركات المسرحية التي أضافت للهرم العالمي للمسرح هي الحركات التي تدامج فيها التنظير مع التطبيق أو تلك التي جمع فيها قادتها بين التنظير والتطبيق.
التنظير الروماني والدخول في النَّفق.
إن مراحل النمو في عضوية واحدة من المهر إلى الحصان تتشبَّه في تاريخ المسرح الإغريقي بالتطور من القصائد البطولية في الطقوس الديونيسيوسية وصولاً إلى مآسي سفكل بعد أن توقف تقدمها (9)،فاستكانت مع يوربيدز وتقهقرت على يد الرومان. فالمأساة الرومانية كانت صورة مشوهة للمأساة اليونانية ولا يحتفظ لنا التاريخ من بين كتابها الثلاثين سوى بسنيكا ومآسيه (10)،وكانت الملهاة الرومانية ظلاً لليونانية (11). وهكذا نجد أن المسرح الإغريقي في حال كونه إبداعاً وفي حال كونه تنظيراً لم يصل إلى الرومان إلا عنعنة فحدث له ما حدث من تشويه وتغيير وتبديل. والإشكال الأساسي في هذه الملاحظة الدقيقة هو أن تطبيق الرومان وتنظير الرومان هو الذي تم استدعاؤه في بدايات عصر النهضة باعتباره الكلاسيكية الحقة نسبة إلى الإغريق ولم يكن كذلك وإنما شُبِّه لهم،وحتى الآراء التي تم استدعاؤها و الشروح على النظريات الدرامية التي تمت نسبتها إلى أرسطو إنّما كانت آراء هوراس وآخرين،وكثيراً ما يقال إن أثر أرسطو غير المباشر وتأثيره في الفكر الدرامي في أوربا ابتداءً من عصر النهضة ووصولاً إلى منتصف القرن الثامن عشر لم يكن ليوازيه سوى أثر هوراس القوي المباشر وهذه حقيقة. فقد كان هوراس هو المرجع الوحيد في العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة. وظل كتابه فن الشعر قائماً بجانب فن الشعر لأرسطو طوال عصر النهضة وصولاً إلى الكلاسيكية الجديدة. وربما يوضع أرسطو كركيزة،ولكن هوراس هو الذي يقتبس عنه وتدور حوله الشروحات غالباً (12)،إلى الدرجة التي أثرت حتى على فهم مسرحيٍّي عصر النهضة لكتاب فن الشعر لأرسطو. فكثير منهم اختلط عليه الأمر فنسب ما صاغه هوراس من تعاليم إلى أرسطو،ولم تكن تلك تعاليم الرجل. فقد كانت نظرة أرسطو نظرة مسرحية بحق،استهدفت المأساة مع التماعات للملهاة،وكان لتلك النظرة ميزة فتح الباب على مصراعيه للجانب المسرحي في الشعر كما أسلفنا، وأما نظرة هوراس المحدث المسترسل التقليدي الهجاء الساخر فقد كانت لها ميزة فتح الباب على مصاريعه للجانب اللغوي البياني الاستعاري (13) ممّا أدخل معظم الكتابات والكتاب إلى نفق مظلم كان في نهايته (ال closet Drama)،وهذه إحدى البدع،فالدراما تكتب لتتخلق على خشبة المسرح ، لا لتقرأ في الصالونات المغلقة.
كان هوراس بالفعل أكثر النقاد تأثيراً خلال عصر النهضة والكلاسيكية الجديدة،وقد وجه بكتاباته انتقادات إلى جماهير المسرح في زمانه وذلك لأنهم كانوا يفضلون الاستعراضات المنظرية الخلابة على المسرحية الشعرية الأدبية (14)،وما كان محض ملاحظات عند أرسطو صار تعاليم وقواعد صارمة لا ينبغي الحياد عنها عند هوراس (15)، فالمسرحية عنده يجب أن تتكون من خمسة فصول (16)،والتقسيم إلى خمسة فصول كان قد استقر قبل تقنين هوراس ولحتميات تاريخية،فهو إحدى ابتكارات الكاتب الإغريقي يوريبيدز تحايلاً على ابتعاده من زمان الأساطير،وما كان لهوراس أن يصر عليها لو كان متمحِّصاً مثل أرسطو.
لقد كان هوراس بداية الخلط بين الواقع الحياتي والواقع الفنيِّ في العمل المسرحي. فتوصياته بما هو لائق وغير لائق للعرض المسرحي من وجهة النظر الحياتية الآنية هي التي عطلت الحدث الدرامي بمفهموه الأرسطي وحولته إلى حادثة حياتية فتسللت الخطابة إلى الدراما سرداً تفادياً للصراع المباشر (17)،ممَّا خلق ميلاً لكتابة مسرحيات للقراءة فقط،مسرحيات بطيئة الفعل،مليئة بالمواعظ وزخرف القول كما عند سنكا (18)
لم يكن نفق الرومان مظلماً كله،فقد كان هناك بصيص من ضوء تمثل في لونجينوس،هذا العبقري المتفرد. فقد وضع لونجينوس التاريخ المسرحي كله في حيرة. فحضوره أثراً في القرن العشرين ويمتد إلى الحادي والعشرين،بينما حاضره حقيقة في القرون الأولى للميلاد. وكتابه (On The Sublime) عن الفن الرفيع من الكلاسيكيات التي لا غنى عنها. لقد وقف لونجينوس عند الأجزاء البارعة الممتعة في آداب وآثار سابقيه وقفة تأمل مبيناً لماذا هي بارعة وشارحاً لماذا هي ممتعة. وعلى خلاف أرسطو نجده لا يهتم بالتاريخ الطبيعي للأدب أو في المأساة أو الملحمة،لكنه يهتم بالعبارة أو الجزء الذي يشعل النار في عقله (19) وبإشارته تلك كان لونجينوس من أوائل الذين أدركوا أن أثر الفن الرفيع لا يقاوم،وأن اللغة الراقية تفرض على المستمع نوعاً من الأثر الذي يتيح للمعاني أن تتسلل من خلاله، فالرفعة تفرض إشراقها في اللحظة المناسبة مبعثرة أمامها كل شيء دونها. وبهذا يكون لونجينوس من أوائل الذين أدركوا أن هناك عبقريات تتخطى الحدود والقواعد فتتملك المتلقي بإبداعها بحيث يصير متحداً بالنشوة وكأنه أبدع ما سمعه.
إن متن مقالة لونجينوس قد تم اكتشافه في القرن السادس عشر،وتمت طبعته الأولى في بازل عام 1554 على يدي روبرتلو،ولم تصلنا أية إشارة إلى المقالة في العصور الكلاسيكية أو القرون الوسطى (20). والتحدي في مقالة لونجينوس يكمن في مصادر السمو الخمسة التي حددها بدقة متناهية في محاولته لإيصال ما يعنيه بالرفعة وما يقصده من المهارة في التعبير. فهو يقرر أولاً أنه لا بد للأديب من قبضة محكمة على الأفكار تتيح له صياغة قوية للمفاهيم والأفكار،ولا بد من المشاعر الوهاجة الملهمة والعاطفة المتقدة،ولا بد من المبنى المناسب الذي يستوعب الصور والمجازات،ولا بد من الأسلوب النبيل الذي يستخدم لغة واضحة تعطي تأثيراً واسعاً يتسم بالعظمة والسمو،ثم ينصهر كل ذلك في التأليف الرفيع الجليل (21). فالمهارة الحقة تسمو بنا ولا تنبع من أي مصدر سوى من هذا الذي يستمده المؤلفون العظام من سموهم . ولهذا يؤكد لونجينوس على أن الكاتب لا بد من أن يتمتع بالعظمة حتى تكون لديه أفكار عظيمة،فمن غير الممكن أن ينتج رجال لهم أفكار وضيعة ومستعبدة شيئاً مدهشاً يستحق الخلود (22). ويقرر لونجينوس أن الرفعة هي صدى الروح العظيمة،وأن تأثير اللغة الرفيعة على الجمهور لا يكون في الإقناع بل في النشوة والطرب،فالنشوة كانت من بين الأفكار الأساسية التي نسبتها الأجيال اللاحقة إلى لونجينوس (23)،ومقالته كلها احتفاء بالنشوة والإلهام. وكان لهذا صداه على جوته ونظرته للعبقرية رغم اختلافهما مكاناً وزماناً وتاريخاً،ولا يخفى على أحد أثر جوته على هذا العصر.
العصر الكنسي والنفق الأخلاقي
منذ الرومان وحتى القرن العاشر دخل المسرح في جمود وظلام (24)،إلاّ من بعض أضواء الممثلين الجوالة الذين ظلوا مستمسكين بتقاليد المسرح الروماني حرفيةً (25)،وبعض ما كشفته الرومانسية لاحقاً من تفهم جديد للأدب في تلك العصور. لقد كانت الكنسية،أهم مؤسسة في القرون الوسطى في ذلك الجانب من العالم،مهيمنة على كل شيء بما في ذلك الفن والأدب والموسيقى والتسلية أيضاً (26)،وهكذا ظلت أوربا خالية ممّا يمكن أن نسميه مسرحية عدة قرون إلى أن بدأت من الصفر مرة أخرى مع الشعائر الدينية ثم انفصلت بعد ذلك عن الكنسية في انجلترا بعد نيف وخمسمائة عام (27).
هذا ما كان من أمر المسرح في حال كونه إبداعاً فاعلاً،أما في حال كونه تنظيراً فالمسحة الأخلاقية تحت مظلة الطابع المسيحي ما تركت مجالاً للانفلات. وها هو ذا ترتوليان (TARTULIAN) مؤلف كتاب "رسالة حفلات الفرجة العامة " في العام 198 من الميلاد يقول للقساوسة والآباء محذراً :
" فواجبكم أيها المسيحيون أن تمقتوا تلك الأشياء،فجور المسرح،مخترعي الفساد الذين لا تملكون إلاّ أن تمقتوهم. إننا مأمورون ألاّ نحب أي لون من ألوان الفسق والفحش. وبهذه الوسيلة نحن ممنوعون من أجل ذلك من شهود المسارح أيضاً، المسارح التي هي المنتدى الخاص للفحش والفسق،مباءة البغايا البائسات.... وأخيراً إنه ليس ثمة بين من يغشون المسارح من يفكر في شيء أكثر من أن يرى ويرى. فماذا تكون حالنا حين نرتضي لأنفسنا الذهاب من هيكل الرحمن إلى هيكل الشيطان ؟ من جنة السماء إلى حظيرة الخنازير ودار البغاء !! (28).
وقد كان المسرح الروماني قد وصل بالفعل إلى ذلك الدرك من الفحش حينها. وترتوليان لم يوضح الأمر فحسب،بل لقد وضح كذلك الوسائل التي كان على الكنيسة المسيحية أن تخنق بها الفن المسرحي وتحول دون ولادته ثانية ولثمانية قرون تالية . وحينما نعلم أنه كان متحمساً ضد الفرجة والتزيين والجمال المسرحي (29)،ندرك إلى أي مدى خنق المسرح/ العرض،فوأد بذلك فن المسرح وحجمه وأبقاه أسير النص كما أراد له أرسطو لأسباب تاريخيه.
عصر النهضة والخروج من النفق
اضطلعت النهضة الإيطالية بدور فاعل في الانتقال من مسرح العصور الوسطى إلى المسرح الحديث وذلك باستبعادها المسرحية الدينية وعودتها بالمسرحية الدنيوية إلى حالها في زمان الكلاسيكية الأول (30). وأما في انجلترا فقد بدأ الاهتمام بالتراث الكلاسيكي يأخذ الحيز المناسب في القرن السادس عشر،وكان الفضل في ذلك يرجع إلى المدارس والجامعات التي قامت بدراسة المسرحية القديمة وعرضها (31)،وبدأ التحول التدريجي من أدب المسرح إلى فن المسرح بعدما تبين أن المسرحيات ليست قصائد للتلاوة ولكنها منظومات قصد بها أن تؤَدَّى أمام جمهور من النظارة ويقوم بأدائها ممثلون من لحم ودم،وسرعان ما خطوا خطوات واسعة تجاه فن العرض حين بدأ إخراج المسرحيات في مسارح يختلط فيها طراز العهد القديم بطراز العصر الوسيط،وهكذا ولدت المسرحية الحديثة،المسرحية المعطونة بعبق العصور الوسطى،تلك التي كانت الطريق إلى شكسبير (32).
نهضة المسرح الحاضر إذن هي ثمرة متأخرة لعصر النهضة،غير أن شخصية الشعوب لم تستجب بدرجة واحدة لهذه التيارات النهضوية (33). فقد ازدهرت الدراما الأغريقية واستكان من بعدهم الرومان وراوحت دراما العصور الوسطى في مكانها فراحت ، ثم كانت بدايات العصر الذهبي الجديد مع بزوغ مجد عصر النهضة،غير أن الظروف تفاوتت وتنوعت إلى الحد الذي لم تستفد معه كل البلدان الأوربية بصورة متساوية من هذه الحركة التقدمية الحية (34)،واهتم الناس بطبيعة الحال بهوراس كما أسلفنا،وعندما تكشفت قيمة أرسطو مرة أخرى عاد الوعي المسرحي من جديد. فقد بدأ أثر أرسطو يتضح من جديد بعد ترجمة كتاب فنَّ الشِّعر إلى اللاتينية في البندقية في العام 1498م (35). وكان من الطبيعي ألاّ يقوم التنظير على الآراء الكلاسيكية وحدها في بيئة لا تزال من ضمن حتمياتها التاريخية آثار العصور الوسطى وصدى آثار الكنيسة والطهريين، بل لقد امتدت النزعات الأخلاقية إلى أبعد مّما قدر لها،وكتاب الطهري الإنجليزي وليام برين (1600 1669) الذي سماه " الناقد التاريخي " يشهد (36)،فقد كان ينعي في مؤلفاته رذائل عصره وكتابه هو ضد الرواية التمثيلية،وكانت لكتاباته الأثر الكبير في صياغة أفكار معاصرية في كل ما يتصل بالأدب المسرحي (37)،وكأنما كتب على الدراما ما بين ازدهار الأغريق والعصر الحديث أن تظل راكزة بين مطرقة ترتوليان وسندان ويليام برين. ومثلما ابتدرت إيطاليا المسرح في عهد النهضة في حال كونه إبداعاً بالرغم من عدم إهدائها العالم مبدعاً يضاهي شكسبير،كذا كان حالها مع التنظير. وقد تميزت أربعة أنواع من المساهمات: الأول الدراسات النقدية حول فن الشعر لهوراس ومن آثارها ما انتشر على يدي بوالو في أواخر القرن السابع عشر،وعلى يديى الانجليزي الكسندر بوب أوائل القرن الثامن عشر في كتابه " مقالة في النقد " عام 1711 (38)،والنوع الثاني تمثل في الأطروحات العلمية وأشهرها كتاب يوليوس قيصر سكالجر والذي تم نشره بعد موته عام 1561،وثالثة الأنواع المقالة الاعتذارية كما عند السير فيليب سيدني، ورابعة الأنواع الأطروحات أو المقدمات في الرد على الاعتراضات (39).
الكلاسيكية الجديدة والمسرح / النص
أقام النقاد الإيطاليون لأنفسهم في فرنسا ذكراً طيباً ومقاماً رفيعاً ساعدهم أن اللغة الإيطالية كادت أن تكون لغة التأدب ورقة الحاشية،وأصبح بذلك كاستلفرو وسكاليجر أستاذين في التنظير ينظر إليهما المؤلفون الفرنسيون بإكبار،وهكذا تحكمت أفكار هوراس من جديد متسربلة بلباس أرسطو هذه المرة . ولم تكن مسرحيات كورنيه وراسين سوى مسرحة لأحكام ومعايير مطلقة عامة سرت وكانت قد تحكمت في البنية كلها حينها (40)،فتمظهرت في كتاباتهما تلك التعاليم كأوضح ما تكون ، فكانت الكلاسيكية الجديدة. والكلاسيكية الجديدة هي الحركة النقدية التي تزامنت مع الحركة المسرحية التي سادت القرنين السادس عشر والسابع عشر (41). ففي القرن السابع عشر التحمت الفلسفة بالآداب من جديد ونحى النقد الأدبي منحىً تطبيقياً (42). وقد كانت لهذه الحركة النقدية قواعد ومبادئ أشهرها مبدأ فصل الأنواع الذي وقف حجر عثرة أمام تفهم شكسبير وذيوع التراجيكوميدي . ولم يكن غريباً أن يوظف البلاط في كل من انجلترا وفرنسا في ذلك العصر المذهب الكلاسيكي لقولية المسرح وتحجيمه وتصفية طاقته وفاعليته كما تقول نهاد صليحة (43).
الرومانسية والمرواحة بين النص والعرض
يميل كل عصر إلى أن يجد في نوع واحد من الأنواع الأدبية معياراً لفن الأدب كله (44)،والعصر الرومانسي كان عصر الشعر. ذلك أن اهتمام الناس تحول مع ازدهار الحركة الرومانسية من العالم الخارجي المعروف إلى الذات العارفة والمعبرة (45). وفي حال الاتجاه نحو الذات يكون الشعر الغنائي،وفي حال الاتجاه نحو الموضوع يكون المسرح . وقد شهد القرن السابع عشر نهاية الثقافة البلاغية المنتمية إلى شيشرون والقرون الوسطى وبدايات عصر النهضة،في ذات الوقت الذي ارتفعت فيه مكانة الرؤى والرسوم البيانية والتخطيطية لمصلحة الروح العلمية،وفي أثناء ذلك ارتفع صوت جديد يتكلم عن المتع السمعية والبصرية ومتع اللمس ومتع المناظر الفسيحة والمتع الجمالية في قران الفنون المفترض في الأغنية والأوبرا (46).
القرن الثامن عشر كان عصر مسرحيات الدراما العاطفية وهو يعني إثارة العاطفة بالنسبة لمآسي الآخرين (47) . فقد ظهر في أوائله نوع وسط بين المأساة القديمة والملهاة،نوع أطلق عليه إسم المأساة البرجوازية حين كان ينحو نحوالمأساة،والملهاة الباكية حين كان ينحو نحو المسلاة ( 48)،وقد كان خروجاً على الكلاسيكية الجديدة بمزجه الكوميديا بالتراجيديا والتراجيديا بالكوميديا (49). والقرن الثامن عشر شهد أيضاً ألواناً أخرى من الدراما تعتبر خروجاً على الكلاسيكية الجديدة من بينها البالاد أوبرا والبريلسك،على أن أكثر الألوان الدرامية الجديدة رواجاً كان فن البانتومايم الذي ظهر في العام 1715 ووصل درجة الكمال على يدي جون ريتش (1682 176) (50)،ولا تخفى العلاقة الجدلية بين ازدهاره والعودة إلى المتعة بالإبصار. وما كاد القرن التاسع عشر يطالع الناس حتى كانت الميلودراما قد ظهرت إلى الوجود،وعادت المسارح الاستعراضية والمشاهد المثيرة،وما كاد الشعراء يفطنون إلى المستوى المنحط الذي هبطت إليه أذواق الجماهير حتى مالوا هم أيضاً إلى تجاهل مسارح زمانهم تجاهلاً تاماً،و راحوا ينشئون ال (Closet Drama) أو المسرحية التي تقرأ أو التي لا تمثل (51). وهكذا عاد النص إلى حظيرة الأدب من جديد مجافياً المسرح العرض. على أن العودة الى دراسة شكسبير ومعاصريه،بالإضافة إلى عودة الناس إلى تذوق الأمجاد الحقيقية للأدب اليوناني،كان له أثره في العودة للاهتمام بروائع الماضي (52).
تبدأ المرحلة التالية في ديالكتيك الكلاسيكية والرومانسية بالتنقيح المنهجي المكثف للنظرية الرومانسية الذي جاء في محاضرات في علم الجمال لهيجل،والذي سمي في الترجمة الانجليزية في العام 1920 فلسفة الفنون الجميلة،وفي العربية فن الشعر. يقسم هيجل الفن في محاضراته تلك إلى ثلاث مراحل : الرمزية واستدل فيها بأهرامات مصر،والكلاسيكية مستدلاً بالنحت اليوناني،والثالثة الرومانسية كما في الموسيقى الحديثة والرسم وفوق كل شيء الشعر الحديث،ويرى هيجل أن الطاقة الخلقية في هذه المرحلة أكثر من الجمال الموجود في المرحلة الكلاسيكية (53). ولقد أدت فكرة هيجل بأن التناقض هو الذي يحرك الأشياء إلى تصوره للصراع الدرامي على أنه القوة المحركة للحدث،فالحدث في رأيه يتطور نتيجة لمحاولات إيجاد التوازن التي لا تستقر على حال بين إرادة الإنسان والبيئة،أي إرادة غيره من الناس والمجتمع والطبيعة (54). ولقد أضاف هيجل إلى نظريات الفن إضافة جديدة عندما اعتبر الموضوع والشكل شيئاً واحداً لا يمكن تجزئته. ففي رده على الفكرة القائلة بأن الشكل الكلاسيكي يمكن أن يفرض على مادة غير كلاسيكية كتب يقول : في العمل الفنِّي،الشكل والموضوع يصبحان شيئاً واحداً بحيث يصبح الشكل كلاسيكياً بالقدر الذي يكون فيه الموضوع كذلك،أما إذا كان الموضوع غير محدد المعالم فإن الشكل كذلك يصبح لا شكل له (55).
التنظير الرومانسي أضاف إلى المسرح العرض من حيث لا يدري. ففي حديث الاختلاف بين الشعر والرسم الذي كان مثار نقاش حينها،يرى ليسنغ مثلاً ان الاختلاف بينهما أكثر اهمية في نظر النقد من التشابه بينهما،ويقرر لافونتين أن الكلمات والألوان ليست مماثلة،فليست العيون آذاناً (56). ويؤكد ليسنغ أن الفرق بين الرسم والشعر فرق أساسي،وهو الفرق بين وسيلة الزمان ووسيلة المكان.
إن مفهوم ليسنغ في الفرق بين الرسم والشعر إذا وضع تحت ضغط التطبيق العملي يبدو أنه يبلغ إلى التمييز بين الصور الساكنة والصور المتحركة (57)، والمسرح العرض في أرقى صوره الحديثة هو تشكيل في الزمان والمكان،ممّا يعيد الاعتبار لسينوغرافيا العرض.
في الوصول إلى التجارب الحديثة
اختراعان وضعا حداً للمذهب الطبيعي الذي كان متسيداً ما قبل القرن العشرين لحتميات تاريخية،السينما والمصباح الكهربائي. فكما ألغى التصوير الفوتوغرافي إبهار الرسم الطبيعي،حجمت السينما المسرح الطبيعي،وخرج أدولف آبيا منادياً بأن للضوء وظيفة نفسية أخرى ومحللاً إجراءات المسرح إلى أربعة عناصر تشكيلية منظورة : هي المشهد العمودي والأرضية الأفقية والممثل المتحرك والمساحة المضاءة (58).
هكذا اقترب الأمر مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من المسرح في خاصته . فمنذ أن صمم الإيطالي سريليو في العام 1545م مناظر رسمها على قطعة من القماش مستفيداً من نظرية المنظور شاداً إياها على برواز من الخشب مستطيل الشكل (59)،ومنذ استعماله الإضاءة الملونة على المسرح لأول مرة (60)،ثم أضاف إلى مناظره مواطنه سباتيني مناظر لأمواج البحر والسماء على إطارات مستطيلة وضعها متدرجة متتالية الارتفاع مطالباً بأن يعبر المنظر والإضاءة عن المسرحية (61)،فمنذ ذلك التاريخ البعيد بدأ المسرح يأخذ في الاتجاه نحو أن يكون تشكيلاً في الزمان والمكان من جديد كعهده الأول،وعادت العناية بالمتعة البصرية تلازم السمعية من جديد أيضاً. فإرجاع المسرح إلى عنصر لفظي كما عند أرسطو ومن تبعه لأسباب تاريخية كثيراً ما جنى على الجانب البصري الذي يشكل فن العرض في المسرح. بيد أن المسرحية،وعلى نقيض الموسيقى،يتم تصورها وتدون بالكلمات،والمسرحية التي لا تصلح للقراءة إطلاقاً لا تصلح للتمثيل أصلاً (62). وهنا تكمن المعادلة الصعبة. معادلة المخرج الذي يحيل النص إلى دلالات سمعية وبصرية قابضاً على الأزمنة القوية باتراً الأزمنة الضعيفة ليأتي الناقد من بعده ويبدأ من حيث انتهى هو. فالعلاقة جدلية بين النقد الذي يستهدف العرض في زمان ما وبين نوع الإخراج في ذلك الزمان. وحين يكون الجهد المبذول في المسرحية سردياً يغفل أن للمشاهد عيناً يرتد النقد أدبياً،وحين يرتقي الجهد المبذول في المسرحية إلى مراقي التشكيل في الزمان والمكان يرتقي النقد إلى مراقي المتعة البصرية دون أن يغفل أن للمشاهد أذناً يجب أن يسمع بها الجميل الشاعري.
في إرث التأليف والإخراج
لا شيء ينشأ عن فراغ . ولا شك أن مسرح اليوم هو امتداد للبذرة الدرامية الأولى التي استنبتها الإنسان الأول عبر ظواهر تشبهت بالدراما،أو هذا ما ينبغي أن يكون إن كان التواصل حقيقياً تراثاً وإرثاً ما بين المنبت الأول للدراما عند الإغريق ومسرح اليوم. والمسرحية لم تنشأ عند الإغريق من فراغ في القرن الخامس من قبل الميلاد وإنما تناسلت وتسلسلت عبر ظواهر درامية كثيرة منذ الإنسان الأول. فتراث الإغريق الأدبي المتمثل في الملاحم ورائدها هوميروس،والشعر الغنائي الذاتي،ثم الشعر الغنائي الجماعي المتمثل في الديثورامبوس،ثم علاقة الإنسان الإغريقي بالأسطورة والدين وإيمانه بناسوتية الآلهة وألوهية البشر جعلته مهيئاً لاستيلاد بواكير المسيرة الدرامية في العالم.
إن أشعار هوميروس المسماة بالملاحم هي أولى نتاجات الفكر الإغريقي التي وصلت إلينا. والملحمة نوع أدبي قوامه السرد والروي وبه شخصيات عظيمة ووحدة موضوع والنذر اليسير من الديالوج أحياناً،ثم كان التسلسل المنطقي الذي انتقل بالشعر الملحمي إلى التعليمي،ثم إلى الغنائي الذاتي كما أسلفنا،ثم الغنائي الجماعي في احتفالات الإله ديونيزيوس،تلك المسماة بالديثورامبوس وهي آخر مرحلة من مراحل تطور الشعر الغنائي الجماعي والتي قادت إلى الشعر الدرامي عند أيسخيلوس فكان مولد الدراما على يديه بعد أن جمَّعها ولم يخلقها من عدم.
والدراما في حقيقتها هي التعبير الفنيٍّ حواراً عن فعل،والملحمة هي التعبير الفنِّي سرداً عن أحداث تجمعها وحدة موضوع ، وتعد الدراما بهذا المعنى تطويراً للتقنية الملحمية الإنشادية.
إذن فقد تسرب السرد المحض إلى الدراما من الملحمة،وكذلك أخذت الدراما من الملحمة وحدة الموضوع وعظمته وعظمة الشخصيات،فصارت هناك حتميتان لوجود السرد في الدراما الإغريقية : الحتمية التاريخية والحتمية الفنية. الحتمية التاريخية لوجود السر د في الملحمة،والدراما تناسلت من الملحمة،أما الحتمية الفنية فنتجت عن سببين : لرواية ما حدث قبل العرض،ولرواية ما يصعب حدوثه على خشبة المسرح لأسباب عملية أو عاطفية أو رقابية. ثم كان اعتماد الدراما الإغريقية على الجوقة لأنها أصل الدراما الإغريقية والسياج الذي يحميها من الواقع الحياتي.
تطور المسرح الإغريقي إذن في اتجاهين كانا هما الممهد الحقيقي لمسرح اليوم. الاتجاه الأول هو الذي ابتعد بالمسرحية موضوعاً عن المادة الأسطورية بالتدرج لأسباب موضوعية تتعلق بابتعاد كتاب الفترة الأخيرة من المسرح الإغريقي عن زمان الأساطير إبتداءً بيوريبيدز الذي نحي منحىً واقعياً واتجه بمسرحياته نحو عامة الناس وقضاياهم ومشاكلهم،ومروراً بميناندرز الذي اقتفى آثار مسرحيات يوريبيدز فكان طبيعياً أن يصل الأمر إلى تبنِّي ثيمات علمانية كاملة لا تمت إلى الأسطورة أو الدين في شيء كما هو مسرح اليوم.
الاتجاه الثاني هو الذي ابتعد بالمسرحية شكلاً،و بالتدرج،من الاعتماد شبه الكلي على الجوقة والكورس إلى أن وصل الأمر إلى ظهور مسرح يعتمد على الشخوص فقط كما هو مشاهد في مسرح اليوم. والاتجاهان السابقان ما كان لهما أن يوصلانا إلى مسرح اليوم لولا المسرح الروماني . ثم أخذت العصور الوسطى ما أخذت وأضافت ما أضافت،وكذا المسرحية الأخلاقية،وكذا عصر النهضة الذي قدم للعالم شكسبير أوحد عصر النهضة،ثم الكلاسيكية الجديدة،ثم مسرحية اليوم.
مسرحية اليوم إذن هي نتيجة لحتميات تاريخية وحتميات فنية لازمت مسيرة المسرح عبر القرون فأضاف إليها كل عصر ما أضاف وأخذ منها ما أخذ. وكل إضافة كان لها سببها الجوهري وغير الجوهري،كما وأن كل حذف كان له سببه الجوهري وغير الجوهري. وعلى المؤلف الحق أن يفرق تماماً بين الإضافات الجوهرية والإضافات الثانوية والإضافات التي لا غنى عنها وتلك التي تشكل عبئاً على المسرحية.
هذا ما كان من أمر المسرحية النص وإرث التأليف،فماذا عن إرث الإخراج والمسرحية العرض ! ؟ .
إن وجود أرسطو بعد قرن من تشكيل المسرح الإغريقي الفاعل في الزمان والمكان،كان له أثره الفاعل في اتجاه أرسطو صوب المسرح النص،فلم يكن ثمة شيء أمامه حينها سوى النص . ورغماً عن ذلك كانت نظرة أرسطو نظرة مسرحية استهدفت الوجود المشخص في ذات النص،بينما استهدفت نظرة هوراس الوجود البلاغي الاستعاري في كلمات ذات النص فشق بذلك طريقاً مفارقاً للمسرح العرض. ثم جاء لونجينوس بنشوته وسموه ورفعته ولم يجد سوى النص فاستهدفه فكان الممهد الحقيقي لإسهامات بوالو في النوع البطولي الجديد في الربع الثالث من القرن السابع عشر (63)،ولا ننسى أثره على جوته.
ثم كان أن جاءت تلك التحذيرات التي قطع بها ترتوليان الأمل في المسرح العرض،ثم كانت النهضة بإسهاماتها الفاعلة،ثم الكلاسيكية الجديدة،ثم المسرحية العاطفية التي حركت النص ببعض الإرشادات الإخراجية،ثم عادت الرومانسية بالمسألة من جديد الى استهداف النص،ولم يعرف المخرج المتفرغ إلاّ أواخر القرن التاسع عشر (64). ولكن هل لم يعرف المخرج على إطلاقه قبل ذلك؟
يقيني أن المخرج بدأ مع الإرهاصات الأولى للدراما. فحيث يوجد من يريد توصيل وجهة نظر من خلال عمل مُنجز سلفاً، يوجد مخرج . وحيث يوجد من له القدرة على حذف الأزمنة الضعيفة والإبقاء على الأزمنة القوية لتوصيل وجهة نظر من خلال عمل معد سلفاً،يوجد مخرج. وحيث يوجد من يستطيع الانتقال بالمسرحية المكتوبة من أدب المسرح إلى فن المسرح يوجد مخرج مسرحي.
أَوَلمْ يكن إنسان ما بعد اكتشاف النار،وعند تجميعه لأفراد القبيلة لإعادة تقديم مشهد الصيد إلى الحضور في احتفالية عامة أُعدَّت لذات الغرض،مخرجاً ؟
أوَلَمْ يكن ثيسبيس،وعند تفكيره في تقمص دور الإله وتشخيصه عن قصد درامي بدلاً من روايته سرداً،مخرجاً لنفسه ؟
أوَلَمْ يكن سوفكليس أو آيسخيلوس أو ارستوفانيز أو أي كاتب درامي،وحين متابعته لمسرحيته وهي تتخلق أمامه مبدياً ملاحظاته،يقوم بدور إخراجي ما ؟
أَوَ لم يكن شكسبير،وعند توجيهه لمن يقوم بدور هاملت،يقوم بمهمة من مهام الإخراج ؟
ثم أَوَ لَمْ يكن المؤلف الذي يبدي بعض الملاحظات والإرشادات لبعض شخصياته بين قوسين يبديها من وجهة نظره كمخرج لنصِّه ؟
كل ما تقدم هو مهام إخراجية متفرقة تجمعت في شخص واحد ليكون المخرج الحديث،بينما الإخراج كان جماعياً في السابق ولم تكن له هوية،وغالباً ما كان يقوم المؤلف أو الممثل الأول بالإخراج،وهذا ما دفع زكي طليمات إلى القول بأن ثيسبس هو أول مخرج مسرحي احتفظت به واعية التاريخ (65).
القرن التاسع عشر إذن هو القرن الذي شهد ظهور المخرج المسرحي المتفرع تفرغاً كاملاً. ففي أواخره ظهرت في أوربا حركة المسارح الحرة التي تبنت مفاهيم جديدة في الأداء المسرحي ووظيفته،كما قدم أديسون في الربع الأخير من القرن مصباحه الذي أحدث ثورة في عالم المسرح،وتحولت مجرد إنارة المسرح إلى إضاءة تؤثر درامياً (66)،وظهرت نظريات في الإخراج هزَّت الأرض تحت أقدام المذهب الطبيعي الذي كان متسيداً . ولعل أول مخرج تحلق حوله الآخرون تأثيراً كان المخرج الألماني ديوك أوف ساكس مايننجن (1826 1914)،والذي أثرت فرقته التي كونها على الكثير من الفرق المسرحية الأوربية حينها. فقد كان مصراً على إيجاد علاقة بين حركات الممثل والمنظر المسرحي فأثرت رؤيته المسرحية على نظريات مخرجين هامين قدر لهم أن يقودوا حركة الإخراج في العالم من أمثال ستانسلافيسكي ورينهاردت وأندريا انطوان (67). ثم وصولاً إلى مدارس الإخراج الحديثة واستديوهات الممثل والورش المسرحية التي انتشرت في كل أنحاء العالم فكان نتاجها التجارب الحديثة في الإخراج،ومن ثم بدأنا نسمع عن التأليف الجماعي والإخراج الجماعي ونص ما بعد الإخراج،والنص في مسرح ما بعد الدراما.
الخلاصة :
1) المسرح فن بدأ مستقلاً منذ أيامه الأولى عند الإغريق نصاً وعرضاً. وبمثلما للشعر والقصة والرواية والأفلام عناصر ومقومات وقواعد تمّيز كل جنس أدبي أو فنِّي عن الآخر،فإن للمسرح،نصاً وعرضاً،عناصر ومقومات وقواعد تميزه وتعرف به ويعرف بها منذ أيامه الأولى وإلى الآن.
2) التأليف المسرحي له تاريخ وتراث وقد تناسل عبر الظواهر الدرامية منذ الإنسان الأول إلى أن اكتملت المسرحية على يدي الكاتب الإغريقي آيسخيلوس الذي جمَّعها من إرهاصات السلف فكانت المسرحية الأولى وكان هو أبا التراجيديا وليس مكتشفها أو مخترعها ، فلا شيء ينشأ عن فراغ.
3) المسرح العرض بدأ منذ أيامه الأولى عند الإغريق بصرياً،وكانت الجوقة بحركاتها وجمالياتها هي السياج الذي يحمي الواقع الفنِّي للمسرحية من الواقع الحياتي،والسبب في استهداف أرسطو في نظريته للدراما النصَّ فقط له أسبابه التاريخية حيث أنه كتبها بعد ما يقارب المائة عام من تموقعها عرضاً على خشبات المسارح الإغريقية.
4) الدراما في حقيقتها هي التعبير الفنِّي حوارا عن فعل،والملحمة هي التعبر الفنِّي سرداً عن أحداث تجمعها وحدة الموضوع،وتعد الدراما بهذا المعني تطويراً للتقنية الملحمية الإنشادية،وقد أخذت الدراما السرد ووحدة الموضوع وعظمته وعظمة الشخصيات من الملحمة منذ هوميروس والإلياذة والأوديسية.
5) خصائص المسرحية الإغريقية والتي لا تزال عالقة بالمسرحية إلى اليوم ثلاث:
• الاعتماد على السرد
وهناك حتميتان لوجود السرد في الدراما الإغريقية.
1) الحتمية التاريخية لتناسلها من الملحمة.
2) الحتمية الفنية،ولها سببان :
الأول،لرواية ما حدث قبل العرض.
الثاني،لرواية ما يصعب حدوثه على خشبة المسرح لموانع مادية أو عاطفية أو رقابية.
• الجوقة ، ومهمتها الأساسية مهمة جمالية إذ أنها السياج الفنيِّ الذي يحمي المسرحية من الواقع الحياتي،ولها مهام أخرى تقوم بها التقنيات والاختراعات الحديثة الآن.
• الوحدات الثلاث .
وقد تبقت منها فقط وحدة الفعل أو وحدة الموضوع وهي الوحدة التي نص عليها أرسطو صراحة إذ أن الوحدتين الأخيرتين كانتا لحتميات تاريخية وفنية تتعلق بالمسرح الإغريقي فقط.
6) المسرحية هي قصة صراع تكتب ليعرضها ممثلون أما مشاهدين وهي فن حي يؤثر فيه المشاهد ويكون ضلعاً رابعاً مع المؤلف والمخرج والممثل،وأي ضعف يصيب صلة التعاون بين أضلاع هذا المربع كفيل بأن يؤدي إلى إخفاق أحسن المسرحيات نصاً،بينما يرفع التعاون بين هؤلاء الأربعة حتى تلك المسرحيات ذات المستوى المتوسط والعادي.
7) العناصر المميزة للمسرحية هي البناء الدرامي والحوار والصراع.
8) الإخراج في عمومه هو توصيل وجهة نظر من خلال عمل معدٍّ سلفاً،والإخراج في خاصته هو حذف الأزمنة الضعيفة والإبقاء على الأزمنة القوية في ترتيب وتناسقٍ يحفظ للكل وحدته ويحفظ للأجزاء تطورها ونماءها المنطقي،أما الإخراج المسرحي تحديداً فهو تحويل المسرحية من أدب المسرح إلى فن المسرح من خلال الدلالات السمعية والبصرية عبر أداء الممثلين بالتكامل مع السينوغرافيا.
9) هناك تأثير متبادل ما بين التنظير والإبداع في عصرٍ ما،والفلسفة والآراء المطروحة،وأنظمة الحكم.
10) الشرط الأساسي لكل فن درامي هو هذا الدافع الجموح لتقمص المرء أجساماً وأرواحاً أخرى يحيا بها ويعمل،والكاتب المسرحي الحق هو كل من شعر بهذا الدافع وأخذ بفتنة ذلك التقمص.
11) في أعلى عصور ازدهار فن المسرح نراه يمتص الأدب،أو بالأحرى يصل به إلى غايته في اتحاد عجيب،وفي عصور اضمحلاله يهدده الأدب بامتصاصه محاولاً التخلص منه،وهذه هي الرحلة التي كتب على المسرح أن يكابدها، الرحلة ما بين أدب المسرح وفن المسرح،أي المسرح النص والمسرح العرض.
12) التأرجح ما بين أدب المسرح وفن المسرح ظل ملازماً للحركة المسرحية منذ نشأتها الأولى وللأمر علاقة مباشرة بالحتميات التاريخية والحتميات الفنية لكل حركة مسرحية وفق كل عصر وفلسفاته.
13) ما نراه اليوم لا ينفصل عن حركة التاريخ المسرحي في عمومها،فهو له ما يبرره وفق سياقه التاريخي في الإرث المسرحي عموماً حسب انتماء كل فنان مسرحي وموقفه من هذا الإرث سلباً أو إيجاباً،انقطاعاً أو تواصلاً، مؤلفاً كان أم مخرجاً.
14) التنظير في عصر ما هو الإطار الذي يتحرك فيه التطبيق شئنا أم أبينا.
15) كانت نظرة أرسطو نظرة مسرحية بحق،ولكن استهدافه النص فقط في نظريته لأسباب تاريخية كبل التنظير المسرحي فلم يتجاوز أدب المسرح إلى فن المسرح.
16) العنعنة أضعفت المسرح في حال كونه إبداعاً عند الرومان وتنظير هوراس قضى على ما تبقى.
17) التنظير الروماني والتطبيق الروماني هما اللذان تم استدعاؤهما في بواكير عصر النهضة باعتبارهما الكلاسيكية الإغريقية فكان ما كان.
18) توصيات هوراس بما هو لائق وما هو غير لائق من وجهة النظر الحياتية الآنية عطلت الحدث الدرامي فتسلل السرد ممَّا خلق مسرحيات بطيئة الفعل مليئة بالمواعظ وزخرف القول.
19) لم يكن نفق الرومان مظلماً كله فقد كان هناك لونجينوس العبقري المتفرد صاحب التأثير على بوالو وجوته والقرن العشرين بحضوره البهي ومصادر السمو الخمسة عن الفن الرفيع (On The Sublime)
20) في العصر الكنسي دخل المسرح في جمود وظلام إلاّ من بعض الممثلين الجوالة،فقد كانت الكنيسة مهيمنة على كل شيء ،وها هو ذا ترتوليان يحجم المسرح العرض بكتابه " رسالة حفلات الفرجة العامة " في العام 198 من الميلاد.
21) اضطلعت النهضة الإيطالية بدور فاعل في الانتقال من مسرح العصور الوسطى إلى المسرح الحديث بالمسرحية الدنيوية،وبدأ الاهتمام بالتراث الكلاسيكي في انجلترا،وبدأ التحول التدريجي من أدب المسرح إلى فن المسرح،وهكذا ولدت المسرحية الحديثة التي كانت الطريق إلى شكسبير.
22) نهضة المسرح الحاضر إذن هي ثمرة متأخرة لعصر النهضة،غير أن شخصيات الشعوب لم تستجب لهذه التيارات النهضوية بدرجة واحدة.
23) كتب على الدراما ما بين ازدهار الإغريق والعصر الحديث أن تظل راكزة ما بين مطرقة ترتوليان (198م) وسندان وليام برين (1600 1669) الطهري الانجليزي وكتاباته ضد الرواية التمثيلية وكان مؤثراً على أفكار معاصريه.
24) إيطاليا والتنظير (كما التطبيق) وأنواع المساهمات الأربعة :
• الدراسات حول فن الشعر لهوراس وأثرها على فرنسا وانجلترا.
• الأطروحات العلمية وأشهرها أطروحة يوليوس قيصر سكالجر.
• المقالة الاعتذارية للسير فيليب سيدني.
• الأطروحات أو المقدمات في الرد على الاعتراضات.
25) الكلاسيكية الجديدة وظهور أفكار هوراس من جديد متسربلة بلباس أرسطو عبر كاستلفترو وي. ق . سكالجر،ومبدأ فصل الأنواع (الترياق ضد شكسبير).
26) الرومانسية والمراوحة بين النص والعرض :
• شهد القرن السابع عشر نهاية الثقافة البلاغية المنتمية إلى شيشرون والقرون الوسطى وبدايات عصر النهضة.
• ارتفعت مكانة الرؤى والرسوم البيانية والكلام عن المتع السمعية والبصرية والمناظر وقران الفنون المفترض في الأغنية والأوبرا.
• القرن الثامن عشر كان عصر مسرحيات الدراما العاطفية (المأساة البرجوازية الملهاة الباكية)،أيضاً ظهرت البالاد أوبرا والبريلسك،أيضاً البانتومايم والعودة إلى المتعة بالإبصار.
• القرن التاسع عشر شهد الميلودراما،وعادت المسارح الاستعراضية والمشاهد المثيرة ، والتجأ المؤلفون إلى ال (Closet Drama) وهكذا عاد النص إلى حظيرة الأدب من جديد مجافياً المسرح العرض.
• العودة إلى شكسبير دعت الناس إلى تذكر الماضي.
27) المرحلة التالية في ديالكتيك الكلاسيكية والرومانسية بدأ بالتنقيح المنهجي المكثف للنظرية الرومانسية والذي جاء في محاضرات في علم الجمال لهيجل" فن الشعر"،وديالكتيك هيجل أعاد هيبة الصراع للدراما،واعتباره الموضوع والشكل شيئاً واحداً كان فتحاً جديداً .
28) التنظير الرومانسي أضاف إلى المسرح العرض من حيث لا يدري في مسار نقاش الاختلافات بين الشعر والرسم وحديث لافونتين عن أن العيون ليست آذانا وحديث ليسنغ عن أن الفرق بين الرسم والشعر هو الفرق بين وسيلة الزمان ووسيلة المكان فأعادا الاعتبار إلى سينوغرافيا العرض بالتمييز بين الصور الساكنة والصور المتحركة والمسرح العرض في أرقى صوره الحديثة ما هو إلاّ تشكيل في الزمان والمكان.
29) اقترب الأمر إلى المسرح في خاصته بنهاية القرن التاسع عشر والدخول في العشرين كثمرة للاختراعات الجديدة التي انحازت للمتع البصرية (المصباح الكهربائي ،السينما،إلخ إلخ ).
30) ثم كانت التجارب الحديثة والمعادلة الصعبة. معادلة الانتقال بالمسرحية من أدب المسرح إلى فن المسرح. والمسرحية التي لا تمثل أدب المسرح خير تمثيل لا تصلح للانتقال إلى فن المسرح لتمثله خير تمثيل أيضاً، أو هكذا يقول إرث التأليف المسرحي وإرث الإخراج المسرحي عبر التاريخ العالمي للمسرح.
التساؤلات :
لفك الاشتباك ما بين الاستلاب النَّصِّي في المسرح والاستلاب العرضي،إن جازت التسمية،أو ما بين الانحياز الأدبي والانحياز الفنِّي في المسرح،أو ما بين أدب المسرح وفن المسرح في طرح آخر،لا بد من الإجابة عن التساؤلات التالية وصولاً إلى رصد العلاقة وتحولاتها ما بين المؤلف والمخرج في استهدافهما للنص المسرحي.
1) إن كانت الفلسفة المطروحة في عصر ما تتحكم في الحتميات التاريخية لذلك العصر والتي تؤثر بدورها على الفنون،فهل هناك فلسفة محددة مطروحة في هذا العصر ؟ وما هو أثرها على الموضوع المطروح للنقاش ؟
2) إن سلمنا جدلاً بأن هنالك تأثيراً متبادلاً ما بين التنظير والإبداع في عصر ما والفلسفة والآراء المطروحة وأنظمة الحكم،فما دور كل هذا في بروز الظاهرة التي نتناولها بالنقاش ؟
3) إن كان التنظير في عصر ما،هو الإطار الذي يتحرك فيه التطبيق شئنا أم أبينا،فهل يوجد تنظير مسرحي كان له دخل في موضوع نقاشنا سلباً أو إيجاباً ؟
4) التأليف المسرحي له تاريخ وتراث منذ نشأته الأولى وله قوانين وأسس وقواعد ومعايير يحتكم إليها،فأين مسرحية اليوم من هذه القواعد والقوانين والأسس والمعايير ، وما دور كل هذا في نشوء ما نريد نقاشه اليوم ؟
5) الإخراج المسرحي له تراث وتاريخ وتقاليد تناسلت منذ نشأة الدراما،فهل هناك تواصل حقيقي ما بين الإخراج المسرحي عبر الزمان ؟ وما دور كل هذا في نشوء الظاهرة موضوع نقاشنا اليوم ؟
6) في أعلى عصور ازدهار فن المسرح نراه يمتص الأدب،أو بالأحرى يصل به إلى غايته في اتحاد عجيب،وفي عصور اضمحلاله يهدده الأدب بامتصاصه محاولاً التخلص منه،فماذا نسميِّ ما يحدث اليوم ؟
7) إن كان قد كتب على الدراما أن تظل،ما بين ازدهارها عند الإغريق والعصر الحديث،راكزة ما بين مطرقة ترتوليان وسندان وليام برين،فمن هما ترتوليان ووليام برين هذا العصر ؟ وهل لهما علاقة بما وصل إليه حالنا اليوم ؟
8) كيف تحقيق المعادلة الصعبة،معادلة الانتقال بالمسرحية من أدب المسرح إلى فن المسرح في ظل الغياب شبه التام للمسرحيات الناضجة،والمسرحية التي لا تمثل أدب المسرح خير تمثيل،لا تصلح للانتقال إلى فن المسرح لتمثله خير تمثيل أيضاً. فالشرط الأساسي لكل فن درامي هو هذا الدافع الجموح لتقمص المرء أجساماً وأرواحاً أخرى يحيا بها ويعمل،والكاتب المسرحي الحق هو كل من شعر بهذا الدافع وأخذ بفتنة ذلك التقمص.
9) أخيراً،وفي ظل الغياب شبه التام للمسرحيات الناضجة،ألا يحق للمخرجين الحقيقيين أن يبحثوا عن بدائل لتوصيل وجهات نظرهم ،فكان ما كان !! وما هو الحل إن لم يكن الحل في ما فعلوه هم،إن كان الإخراج هو تقديم وجه نظر من خلال عمل معد سلفاً ولم يكن هناك عمل معد سلفاً يستلفت الانتباهة ! ؟
التوصيات
1) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه يجب الانتباه إلى مواطن الخلل والخلل في يقيني يكمن في الخلل المعرفي والجهل النشط الذي استشرى،ولإصلاح الخلل يجب البحث عن منابعه وتجفيفها باتباع الآتي :
1- إعادة النظر في مناهج المؤسسات الأكاديمية التي تعنى بتدريس المسرح في الوطن العربي،إذ أن معظمها لا يزال يركن إلى طرق قديمة عفا عليها الزمن،ولا يزال يعتمد على العنعنة في زمان التفكر والتدبر والتفكير خارج الصندوق،فصار معظم خريجي هذه المؤسسات عبئاً على الحركة المسرحية،فالكارثة دائماً تأتي من أنصاف المتعلمين.
2- تفعيل دور الورش المسرحية في تمليك المسرحيين مؤلفين ومخرجين مفاتيح المسرح الحق تنظيراً وتطبيقاً.
ج- تفعيل دور التنظير المسرحي بشقيه من خلال الصحف والمجلات والإصدارات والبرامج التلفزيونية وإقامة مثل هذه الملتقيات وتبنّي توصياتها.
2) إقامة مسابقات للتأليف المسرحي تبدأ من داخل المؤسسات التعليمية ودور العلم وفقاً للترتيب التالي :
1- مسابقة للتأليف المسرحي لطلاب الثانويات تستهدف الوجود الطلابي في المجتمع المدرسي.
ب مسابقة للتأليف المسرحي لطلاب الجامعات تستهدف الوجود الطلابي في الحرم الجامعي.
ج- مسابقة للتأليف المسرحي للمعلمين والمعلمات تستهدف الوجود الطلابي في الميدان التربوي.
3) إقامة مسابقات للتأليف المسرحي لفئات الشباب.
4) الاستمرار في مسابقات التأليف المسرحي الموجودة حالياً ورفع سقف جوائزها.
5) إعادة الاعتبار للتأليف المسرحي بإعادة جدولته من ضمن جوائز المهرجانات التي توقفت عن منح جوائز للتأليف .
6) الاهتمام بالتجارب الحديثة في التأليف المسرحي والإخراج .
7) وأخيرا،دعوا الزهور تتفتح،فربما تقودنا تجارب التأليف الجماعي والإخراج الجماعي والارتجال المرشَّد ونص ما بعد الإخراج إلى مناطق جديدة وآفاق رحبة تفتح الباب أمام نظريات مسرحية جديدة بالرغم من علاقة كل ما تقدم بعلم النفس الإبداعي ورأيه الواضح في أن الإبداع يكون بجزء من الوعي وجزء من اللاوعي المكون بوعي وبهذا يؤثر الوعي العام على الوعي الخاص للأفراد على اختلاف مستوياتهم.
المراجع والهوامش
(1) هيجل ، فن الشعر،ترجمة جورج طرابيشي(بيروت : دار الطليعة للطباعة والنشر، طبعة أولى 1981) ص 16.
(2) ر. بينار ، تاريخ المسرح،ترجمة أحمد كمال يونس (القاهرة : دار النهضة العربية،سلسلة الألف كتاب (394)،وزارة التعليم العالي بمعاونة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، 1963)، ص 7.
(3) أنظر : محمد حمدي إبراهيم،دراسة في نظرية الدراما الإغريقية (القاهرة : دار الثقافة للطباعة والنشر ، 1977).
(4) ر. بينار ، تاريخ المسرح،مرجع سابق ،ص 6.
(5) ليون شا نصوريل ، تاريخ المسرح ،ترجمة خليل شرف الدين ونعمان أباظة (بيروت : منشورات عويدات،طبعة أولى،ديسمبر 1960)،ص 6.
(6) ر. بينار ، مرجع سابق ، ص 7.
(7) فيرد ب. ميليت وجيرالديس بنتلي،فن المسرحية،ترجمة صدقي خطاب (بيروت: دار الثقافة بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر نيويورك، 1966)،ص 18.
(8) ويليام ك . ويمست،كلنث بروكس،النقد الأدبي (4)،ترجمة د.حسام الخطيب،محي الدين صبحي (دمشق : المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية،مطبعة جامعة دمشق، 1977)،ص 266.
(9) وليام ك. ويمست، كلنث بروكس، النقد الأدبي (1) ترجمة حسام الخطيب،محي الدين صبحي (دمشق : المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ، مطبعة جامعة دمشق 1973). ص 43.
(10) شلدون تشيني،تاريخ المسرح في ثلاثة آلاف سنة،ترجمة دريني خشبة (القاهرة : المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة ج (1) بدون)، ص 97.
(11) المرجع السابق، ص 114.
(12) فيرنون هول ، موجز تاريخ النقد الأدبي ترجمة د. محمود شكري مصطفى وعبدالرحيم جبر (بيروت : دار النجاح ، 1971)،ص 22.
(13) وليام ك . ويمست،كلنث بروكس،النقد الأدبي (1)،مرجع سابق ص 266/ 267.
(14) شلدون تشيني،المسرح في ثلاثة آلاف سنة،سابق،ص 145.
(15) فيرنون هول،مرجع سابق ،ص 24.
(16) د. محمد غلاب،مصابيح المسرح الإغريقي (مصر : الدار القومية للطباعة والنشر،بدون)،ص 26
(17) د. رشاد رشدي،نظرية الدراما من أرسطو إلى الآن (القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية،بدون )، ص 75.
(18) شلدون تشيني، مرجع سابق ،ص 99.
(19) فيرنون هول،مرجع سابق،ص 28.
(20) وليام ك. ويمست ، كلنث بروكس،النقد الأدبي (1)،سابق،ص 143.
(21) المرجع السابق ،ص 143/144.
(22) ويليام ك . ويمست ،كلنث بروكس،النقد الأدبي (1)،سابق،ص 145.
(23) المرجع السابق ، ص 143.
(24) لويس فارجاس ،المرشد إلى فن المسرح ،ترجمة أحمد سلامة محمد: مراجعة د. مرسي سعد الدين (القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب،الألف كتاب الثاني (9)، 1986)،ص 75.
(25) ألاردايس نيكول،علم المسرحية،سابق،ص 10،أيضاً شلدون تشيني،مرجع سابق ،ص 328.
(26) فيرد ب . ميليت،جيرالديس بنتلي،فن المسرحية،سابق،ص 83/84 أيضاً: ر. بينار،تاريخ المسرح،سابق،ص 47.
(27) فيرد ب. ميليت ،جيرالديس بنتلي ، مرجع سابق ،ص 79/80.
(28) عن: ترتوليان،رسالة حفلات الفرحة العامة،ترجمة الأب المحترم ك. دوجسن،تاريخ تأليف الكتاب 198 ميلادية.
شلدون تشيني،المسرح في ثلاثة آلاف سنة، سابق،ص 196/197
(29) شلدون تشيني،مرجع سابق، ص 199.
(30) المرجع السابق ،ص 263.
(31) د. رشاد رشدي،مرجع سابق،ص 82/83
(32) ألاردايس نيكول،علم المسرحية ،سابق ، ص 13.
(33) ر. بينار،مرجع سابق ، ص 60.
(34) لويس فارجاس ، مرجع سابق،ص 80.
(35) د. رشاد رشدي،سابق،ص 70.
(36) ألاردايس نيكول ، علم المسرحية ،سابق،ص 11.
(37) المرجع السابق ، ذات الصفحة.
(38) وليام ك. ويمست،كلنث بروكس،النقد الأدبي (2) ترجمة دكتور حسام الخطيب،محي الدين صبحي (دمشق : المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية،مطبعة جامعة دمشق – 1974)، ص 233.
(39) السابق،ص 234.
(40) د. رشاد رشدي،مرجع سابق، ص 96.
(41) السابق ،ص 88.
(42) د. فائق متى إسحق،مذاهب النقد الأدبي في انجلترا قديماً وحديثاً (ج2) . (القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية،بدون) ، ص 9
(43) د. نهاد صليحة،الحرية والمسرح (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،المكتبة الثقافية (474)، 1991)،ص 40.
(44) وليام ك . ويمست ، كلنث بروكس،النقد الأدبي (4)،سابق، ص 11.
(45) المرجع السابق ، ص .11
(46) السابق،ص 232.
(47) د. رشاد رشدي ،مرجع سابق ،ص 98.
(48) إريك بنتلي،المسرح الحديث،ترجمة محمد عزيز رفعت (القاهرة : الدار المصرية للتأليف والترجمة،المؤسسة المصرية العامة للتاليف والأنباء والنشر،ج 1 – 2 ،بدون )،ص 64/65.
(49) د. رشاد رشدي ،مرجع سابق ،ص 101.
(50) المرجع السابق ،ص 103.
(51) ألاردايس نيكول،علم المسرحية ، سابق ،ص 21.
(52) المرجع السابق ، 21/22.
(53) ويليام ك . ويمست،كلنث بروكس،النقد الأدبي (3)،ترجمة د. حسام الخطيب،محي الدين صبحي (دمشق : المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية،مطبعة جامعة دمشق، 1975)، ص 536.
(54) د. رشاد رشدي ،مرجع سابق ن ص 131.
(55) المرجع السابق ،ص 132.
(56) وليام ك. ويمست : كلنث بروكس،النقد الأدبي (2)،سابق،ص 390.
(57) المرجع السابق،ص 392.
(58) إريك بنتلي،المسرح الحديث،مرجع سابق، ص 54.
(59) إلهامي حسن،تاريخ المسرح (القاهرة: دار المعارف،سلسلة كتابك (151)،بدون )،ص 30/31.
(60) المرجع السابق ، ص 30.
(61) السابق ، 31/32.
(62) إريك بنتلي،المسرح الحديث ، سابق ، ص 9.
(63) وليام ك . ويمست، كلنث بروكس،النقد الأدبي (4)،سابق ،ص 267.
(64) هيننج نيلمز،الإخراج المسرحي،ترجمة أمين سلامة،مراجعة كامل يوسف (القاهرة : نيويورك : مكتبة الأنجلو المصرية،مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر،ديسمبر 1961)،المقدمة بقلم زكي طليمات،ص 18.
(65) المرجع السابق،ص 18
(66) المرجع السابق،ص 29
د. عزالدين هلالي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.