والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أصحاب الخوذات الزرقاء واشكاليات السيادة .. بقلم: د. ماهر البنا/ الجامعة الأمريكية في الامارات
نشر في سودانيل يوم 25 - 05 - 2020

تشهد الأوساط السودانية هذه الأيام حملة إعلامية كبيرة تهاجم طلب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تدخل الأمم المتحدة لمساعدة السودان، عن طريق قوات حفظ السلام بموجب الفصل السادس من الميثاق، أي تعديل ولايتها من الفصل السابع إلى السادس, وتتهمه بتقويض سيادة البلاد بوضعها تحت وصاية المنظمة الدولية. وقد كان رد حمدوك على تلك الاتهامات بأن: «الأمم المتحدة موجودة في البلاد منذ أكثر 10 سنوات، والسودان يُدار حالياً من الأمم المتحدة تحت الفصل السابع». وأوضح: «ما فعلناه أخرجنا السودان من الفصل السابع إلى الفصل السادس وهذا يتيح للدولة السودانية، أن تطلب من الأمم المتحدة ما يمكن أن ينفذ في السودان بإرادة سودانية وليس بإملاء من الأمم المتحدة».( 1)
ولفهم التحديات المتعلقة بقوات حفظ السلام والتي تعرف أيضا بالخوذات الزرقاء، سنوضح بعض مفاهيم القانون الدولي المتعلقة بها مثل السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول, لمحاولة الرد عن التساؤلات التي تدور حول مفهوم السيادة: هل يمكن تبرير الموافقة على التدخل العسكري دون التنكر لمبدأي السيادة وعدم التدخل المنصوص عليهما في الميثاق؟ ويعد الثاني نتيجة طبيعية للأول. هل السيادة نسبية أم مطلقة؟ وعندما تكون حياة المدنيين في خطر هل تشكّل سيادة الدول عائقًا أمام حمايتهم الأمنية والسياسية؟ اذن هل يمكن اعتبار دعوة قوات حفظ السلام للتدخل ممارسة للسيادة أم تنازلا عنها؟
1-الأساس القانوني لعمليات حفظ السلام
تتكون قوات حفظ السلام من أفراد مدنيين وغير مدنيين (جنود، شرطة، وضباط عسكريين) تميزوا بخوذاتهم أو قبعاتهم ذات اللون الأزرق نسبة لعلم الأمم المتحدة. وهذه القوات عالمية لا بلد لها اذ ينتمي أفرادها لعدة بلدان أعضاء في منظمة الأمم المتحدة.
لم يتضمن أي من الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة أي إشارة صريحة إلى عمليات حفظ السلام ، الأمر الذي جعل الأساس القانوني لعملها محلاً للخلاف بين المختصين في القانون الدولي، فذهب بعضهم إلى أن الفصل السادس من الميثاق الخاص بحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية يُعد هو الأساس القانوني لعمل قوات حفظ السلام الدولية في حين وجد آخرون الأساس القانوني لعمل تلك القوات في اختصاص مجلس الأمن في اتخاذ التدابير المؤقتة استناداً إلى المادة40 من الميثاق، التي يقصد بها الإجراءات التي ليس من شأنها أن تحسم الخلاف بين الأطراف المتنازعة، وليس من شأنها أن تخل بحقوق المتنازعين أو تؤثر في مطالبهم، كالأمر بوقف إطلاق النار أو وقف الأعمال العسكرية، أو الأمر بالفصل بين القوات المتحاربة، ويملك المجلس هذه الصلاحية تبعاً لتفاقم الموقف (2)
وذهب بعض الباحثين في القانون الدولي إلى أن الأساس القانوني لعمل القوات يكون في الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة، وأطلقوا على ذلك تسمية (الفصل السادس والنصف)، أي في حال عدم تسوية النزاع بعد استنفاذ الوسائل السلمية التي نص عليها الفصل السادس يتم تشكيل عمليات حفظ السلام الدولية لتجنب الأعمال العسكرية بموجب الفصل السابع. (3)
ويمكن القول بأن نقطة الانطلاق لأي مناقشة للإطار القانوني لعمليات السلام التابعة للأمم المتحدة هي أن سلطة القيام أو إنشاء مثل هذه العمليات تستند إلى السلطات الضمنية للمنظمةImplied Powers (4) اذ يتم إنشاء معظم عمليات حفظ السلام عن طريق قرار من مجلس الأمن - في بعض الأحيان بموجب الفصل السابع (أو جزئيا)، ولكن في كثير من الأحيان لا يتم تحديد أي فصل أو مادة. ويمكن للجمعية العامة للأمم المتحدة أيضا أن تنشئ عمليات سلام باستخدام قرار "الاتحاد من أجل السلام" رقم 377 لعام 1950، ولكنها نادرا ما فعلت.
2- الفصلان السادس والسابع من الميثاق
يتناول الفصل السادس "حل المنازعات سلميا" وكانت عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة مرتبطة بذلك تقليديا. ومع ذلك، لا يقع على مجلس الأمن أي التزام بالإشارة إلى فصل محدد من الميثاق عندما يعتمد قرارا يأذن بتطوير عملية لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة، ولم يستشهد قط بالفصل السادس.
ويتضمن الفصل السابع أحكاماً بشأن "الأعمال في حالة تهديد السلام، وانتهاك السلام، وقانون العدوان" وفي السنوات الأخيرة، استشهد المجلس بالفصل السابع من الميثاق عندما أذن بنشر عمليات حفظ السلام في حالات غير مستقرة إلى حد كبير بعد انتهاء الصراع، حيث لم تتمكن الدولة من الحفاظ على النظام والأمن العامين. وعندما يستشهد بالفصل السابع في مثل هذه الحالات، لا يشير المجلس إلى الأساس القانوني لعمله فحسب، بل يدل أيضا على إرادة سياسية راسخة ويذكر أطراف الصراع وجميع الدول الأعضاء في المنظمة بالتزامها بإعمال قراراتها.
وتمثل عمليات حفظ السلام أولا وقبل كل شيء، أداة العمل السياسي والدبلوماسي لإدارة الأزمات الدولية اذ أن منطق هذه العمليات سياسي في المقام الأول وليس عسكريا. والمبادئ الأساسية هي: موافقة الدولة المضيفة، الحياد، واللجوء إلى القوة فقط في حالة الدفاع الشرعي.
3-السيادة
يمثل مبدأ سيادة الدولة حجر الزاوية في القانون الدولي وتعني سيطرة الدولة على اقليمها واستقلالها في مواجهة الدول الأخرى. وهي غير قابلة للتصرف Inalienable ولا يمكن انكارهاUndeniable أي أن قوتها ليست على المحك ما دامت الدولة موجودة. وللسيادة مظهران:
مظهر ايجابي ويعني سلطة الدولة العليا في ممارسة اختصاصاتها الداخلية والخارجية بما تمليه عليها مصلحتها، ومظهر آخر سلبي وهو استبعاد اي تدخل في دائرة الاختصاص الداخلي للدولة، وهذا الالتزام يلقي على الدول واجب قانوني دولي وهو عدم التدخل في شؤون الغير. وقد مثّل مبدأ عدم التدخل المظهر السلبي للسيادة المطلقة عند بداية نشأته اذ أنه يتقاطع مع مبدأ السيادة، فمما لا شك فيه أن لكل دولة شؤون داخلية لا تسمح لغيرها من الدول أن تتدخل فيها باعتبار أنها تمس سلطان الدولة.
وتسعى الأمم المتحدة من خلال التزاماتها الى تعزيز السيادة لا الى تحديها أو تقويضها، فقد كرست هذه المبادئ أيضا في قرارات الجمعية العامة مثل قرارها رقم 2526 في 24 تشرين الأول / أكتوبر 1970 حول " اعلان مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، وفق ميثاق الأمم المتحدة". وتضمّن "الإعلان" سبعة مبادئ مهمة، أولها مبدأ امتناع الدول، في علاقاتها الدولية، عن اللجوء إلى التهديد بالقوة أو استعمالها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لكل دولة، أو بأي طريقة تتنافى مع مقاصد الأمم المتحدة. وثانيها المبدأ الخاص بواجب عدم التدخّل في الشؤون التي تكون من صميم اختصاص الدولة الوطني.
وتعتبر موافقة الدولة على التدخل العسكري- وان كانت مهمة صعبة - من مظاهر مساواة الدول في السيادة المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة الثانية في ميثاق الأمم المتحدة والنتيجة المنطقية التي تترتب عليه أن الدولة هي التي تتحكم في كل الأنشطة التي تتم داخل أراضيها.
يعتقد جانب من الفقه (5) ان تدخل قوات حفظ السلام بناء على دعوة من الحكومة الشرعية التي تمثل الدولة لا يتعارض مع سيادة الدول ولا يعتبر تنازلا عن السيادة، لأن مبدأ موافقة الدولة المضيفة يعد من أهم مبادئ عمل أصحاب الخوذات الزرقاء. وهذا ما نلاحظه من استقراء بعض قرارات مجلس الأمن الخاصة بتشكيل عمليات حفظ السلام، فقرار المجلس رقم 1320 لعام 2000 بشأن تشكيل العمليات في اريتريا واثيوبيا قد أكد على احترام سيادة هاتين الدولتين، فضلا عن اعلان موافقتهما على نشر قوات الأمم المتحدة لقواتها الخاصة بحفظ السلام على أراضيهما من أجل تسوية النزاع بينهما. وكذلك القرار 2043 لعام 2012 بشأن الوضع في سوريا والذي أوضح موافقتها على وجود قوات حفظ السلام على اقليمها، وقد أكد القرار على التزام الأمم المتحدة بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها. وقد استند مجلس الأمن في هذين القرارين بتشكيل تلك العمليات وعدة قرارات أخرى على الفصل السابع من الميثاق. وبالنسبة لأوبنهايم،(6) فإن وضع عملية حفظ السلام يختلف عن تدخل الدولة؛ فهو تدخل جماعي يصب في المصلحة العامة. وعلى هذا فمن الخطأ أن نتعامل مع أنشطة قوات الأمم المتحدة باعتبارها تدخلاً (وهو ما من شأنه أن يفرض موافقة الدولة المضيفة).
بالنظر في مضمون الفقرة السابعة من المادة الثانية (ليس في هذا الميثاق ما يسوغ" للأمم المتحدة "أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أن هذا المبدأ لا يخلّ بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع) , نجد أن هذا النص يمثل أحد أهم مبادئ الأمم المتحدة والتي تلتزم الهيئة باتباعها لغاية تحقيق مقاصدها. ووفقا لمحمد بنونه، فإن صياغة هذه المادة تقلص من اختصاص الأمم المتحدة، فنص الفقرة السابعة يعبر عن فلسفة المنظمة والتي تمثل اطارا للتعاون بين الأعضاء فهي ليست "دولة عظمى"، وانما كيان يربط جميع الدول ويعطي أساسا لمبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها المذكور في الفقرة الأولى من نفس المادة. وبناءا على ذلك، إذا تدخلت المنظمة في الجوانب الداخلية للصراع، فإنها تنتهك هذا المبدأ حتى لو حصلت، من أجل تنفيذ العملية، على موافقة الحكومة الشرعية. (7)
اذن فموافقة الدولة على نشر قوات حفظ السلام على أراضيها شرط أساسي لاستمرار هذه العمليات وفي غياب تلك الموافقة ينظر إليها باعتبارها عملاً عدوانيا، وهو ما من شأنه أن يعرض شرعية العملية للخطر جوهرياً.
الجانب السلبي لأصحاب الخوذات الزرقاء
بعد قبول دخول تلك القوات الدولة المضيفة يظل الرهان قائما على مدى فعاليتها. فمن مالي إلى السودان ومن لبنان الى قبرص ومن ليبريا الى الصحراء الغربية، مرورا بجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وهايتي، تعتبر بعض بعثات الأمم المتحدة غير فعّالة وملوثة بعدة انتهاكات. (8)
فإذا كتب النجاح لهذه الخوذات الزرقاء في بعض الحالات في إنفاذ اتفاقيات السلام وتركت وراءها دولا قادرة على إدارة الصراعات الداخلية دون اللجوء إلى القوة المسلحة، فإنها أثبتت في حالات أخرى عجزها وأتت بنتائج غير مرضية خاصة في الحالات التي لا يوجد فيها سلام يتعين المحافظة عليه دون أن تكون لمجلس الأمن ولاية مناسبة لإنقاذ تلك الصراعات.
وقد كثرت حدة الانتقادات المتعلقة بالفضائح الموجهة لهذه القوات خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا التحرش الجنسي والاغتصاب والفساد. (9) وسنقوم بذكر مثالين كانت تجربة أصحاب الخوذات الزرقاء فيهما سلبية، هما الكنغو وهايتي.
الكنغو
في عام 1960، أطلقت الأمم المتحدة أكبر بعثة لحفظ السلام في تاريخ المنظمة في ذلك الوقت، وقد كانت بمثابة بالون اختبار وتعتبر من أهم عمليات حفظ السلام، وبقوام يقترب من 20 ألف فردا عسكريا يساعدهم موظفون مدنيون دوليون ومحليون. ومن بين البلدان الثلاثين التي شاركت توجد 10 دول افريقية هي إثيوبيا، غانا، غينيا، ليبيريا، تونس، نيجيريا، سيراليون، السودان، مالي، المغرب. وقد خسر فيها 126 من قوات حفظ السلام والمئات من الكنغوليين حياتهم وكان رئيس الدولة لوممبا هو الذي خاطب الأمم المتحدة وطلب المساعدة.
ولقد استخدمت الأمم المتحدة سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية حين كانت مبرراً ومنعاً لها من اتخاذ إجراءات قسرية ضد بلجيكا (10),فبينما أكد الكونغوليون أن ما يحدث في إقليم كاتانغا قضية دولية بسبب تورط بلجيكا، أكدت الأمم المتحدة والدول الغربية أنها صراع داخلي لا يمكن أن تكون الأمم المتحدة طرفا فيه. وكان عجز مجلس الأمن عن الاعتراف بالنفوذ البلجيكي في كاتانغا سبباً في خلق توترات مع الحكومة المركزية الكونغولية، وخاصة لومومبا، الأمر الذي أعاق قدرة الأمم المتحدة الإجمالية على التوسط في الأزمة في الكونغو.
تسببت بعد ذلك قوات حفظ السلام في تدخل شبه دائم في الشؤون الداخلية للكونغو الشيء الذي أظهر تناقض فوري بين عدم التدخل والحفاظ على النظام العام، حيث إن هذا الأخير هو من صميم اعمال السيادة الداخلية للكونغو (11). وكشف عجز الأمم المتحدة عن اتخاذ موقف حازم ضد مصلحة القوة الاستعمارية السابقة (بلجيكا), هيمنة المصالح الغربية على عملية صنع القرار في الأمم المتحدة على حساب استقلال الكونغو.(10)
هايتي
تعتبر بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في هايتي (مينوستا) والتي استمرت لثلاث عشرة عام 2004-2017 من الأسوأ في تاريخ عمليات حفظ السلام, فبالنسبة للعديد من الهايتيين، ولا سيما الذين يعيشون في أفقر الأحياء في العاصمة بور أو برنس، كانت الخوذات الزرقاء أقرب إلى قوة احتلال أجنبية من كونها بعثة دولية لحفظ السلام.(12) وظهر للعيان فقدان السيادة الوطنية متمثلا في رفض البعثة الانسحاب بعد أكثر من عشر سنوات من الوجود المستمر في البلاد.(13) وكثيرا ما كان يواجه أي طلب لسحب القوات من قبل دولة هايتي أو السكان المدنيين بالتجاهل والرفض.
وقد أدى انتشار الكوليرا، الذي أدخلته قوات حفظ السلام النيبالية دون قصد والذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2010 بعد أن لوّثت القوات أكبر نهر في البلاد بالنفايات من قاعدتهم، إلى مقتل ما يقدر ب 9500 شخص وإلحاق أضرار لا رجعة فيها، بسمعة المنظمة الدولية في هايتي. وقد شعر كثير من النقاد بأن الأمم المتحدة لم ترد بشكل كاف على تفشي المرض، الشيء الذي سعت المنظمة إلى علاجه في وقت لاحق. وكان "خطأ كبيرا لم يشوه فقط صورة أصحاب الخوذات الزرقاء بل أساء لصورة المجتمع الدولي"(14) على حد قول مارك شنيدر, مستشار كبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.
وقد نظر العديد من الهايتيين إلى قوات حفظ السلام المتعددة الجنسيات على أنها إهانة للسيادة الوطنية، كما تم اتهامها بالتسبب في وقوع ضحايا مدنيّين بعد معارك ضارية مع العصابات في بورت أو برنس وبالاعتداء الجنسيّ على القاصرين.
د. ماهر البنا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
24/5/2020 دبي
المراجع
1)Gulf News, 30 April 2020
فرست سوفي:2013 الوسائل القانونية لمجلس الأمن في تدويل النزاعات المسلحة الداخلية وتسويتها ص 14بيروت – مكتبة زين الحقوقية2)
3) Alexandra Novosseloff, "Chapitre VII et Maintien de la Paix : Une Ambiguite a Deconstruire'', Bulletin de Maintien de la Paix, no. 100 Octobre 2010.
4)On implied powers of the UN, see Reparations for Injuries Suffered in the Service of the United Nations (Advisory Opinion) [1949] ICJ Rep 174
5) Jean Charpentier, "Les effets du consentement sur l'intervention'', in Mélanges Seéferiadès, Vol II, Athènes. P 4. 497.
6) Rosalyn Higgins, "Oppenheim's International Law- United Nations", Vol. 1 Oxford 2017.
7) Mohamed Bennouna, "Le Consentement a l'ingérence Militaire dans les Conflits Internes », 1974, Bibliothèque de Droit International, p. 120
8) Simon Metsenque, « QUEL BILAN POUR LES CASQUES BLEUS DE L'ONU EN AFRIQUE ?
https://www.cavie-acci.org/fr/quel-bilan-pour-les-casques-bleus-de-l-onu-en-afrique/
9)Sandra Szurek, "Pluie de critiques sur les casques bleues'', Le Monde Diplomatique, Janvier 2017, p. 21.
10)Nicole Hobbs, ‘'The UN and the Congo Crisis 1960", Yale University 2014, p.6
11) Paul-Henry Gendebien, "L'intervention des Nations Unies au Congo 1960-1964 ‘', 2011. Language Arts & Discipline pp. 203-204
10)Nicole Hobbs. Op. cit. p. 45
12) Alex Diceanu, " Haiti Deserves Better from the United Nations", Peace Magazine April 2006. https://www.globalpolicy.org/component/content/article/186/34470.html
13) Louis-Phillipe Dalembert, "La Perte de souveraineté nationale », Le Nouvelliste 12/1/2015https://lenouvelliste.co m/article/140250/la-perte-de-souverainete-nationale
14)UN Ending 13-year Military Peacekeeping Mission in Haiti. October 05/2017 https://www.voanews.com/americas/un-ending-13-year-military-peacekeeping-mission-haiti


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.