رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



زلازل سد النهضة وزلازل السد العالي .. بقلم: د. احمد عبد الله الشيخ
نشر في سودانيل يوم 11 - 06 - 2020

من خلال ما نقرأه أو نسمعه من أنباء حول مساعي وفد السودان واستعداده لاستئناف مفاوضات سد النهضة من جديد، نلاحظ تواصل الارتباك والتناقض على مواقف وتصريحات المسؤولين أو أعضاء وفد السودان، وتواصل التداخل بين لعب دور الوسيط النزيه، أو دور العضو المستقل ذو المصالح والدفوعات الخاصة، ذلك رغم النفي المتكرر من قبل البعض أن السودان ليس بوسيط.
في اعتقادي أن واحدة من أهم أسباب الارتباك والتناقض هو تشكيل الوفد السوداني، حيث لم يراعى فيه تنوع التخصصات والخبرات، فهو مكون بشكل أساس من خبراء الري على أهمية دورهم. ولعل هذا هو أحد الاسباب وراء تركز النقاش وحصره حول المسائل الفنية الهندسية، في حين أن نقاشات المياه دائما ما تتسم بتعدد الأوجه، وذلك لأهميتها وحيويتها.
من المؤكد أن لقضايا مياه النيل عدة أوجه وأبعاد:
فهناك الوجه القانوني (يتعلق باتفاقيات ومعاهدات تتضمن حقوقاً والتزامات)، وهناك الوجه الاقتصادي، (تتفرع منه الزراعة كهدف أساسي من توفير المياه، وإلى الطاقة الكهربائية كهدف أساسي من تدفق المياه)، ثم هناك الوجه الأمني (بمعناه الضيق ومعناه الشامل بهدف وعنصر من عناصر الحياة)، وأخيراً وليس آخراً الوجه الدبلوماسي (لتأثيراته على العلاقات بين الدول).
والحاضنة لكل هذه الأوجه والأبعاد هو الوجه والبعد السياسي، لأن ما يحيط بجملة الأوجه المذكورة هو ما يصدر من قرار سياسي نهائي. والواقع أن جميع الأوجه والأبعاد تعتبر على درجة من الأهمية، وبالتالي يجب أن لا يطغي وجه على وجه، وأن يجري العمل عليها في تناغم تام، وبنظر شامل، للوصول إلى حلول مثالية مبنية على مصالح الدولة (والمعني هنا بلدنا السودان).
من إحدى تجليات مشكلة حصر المناقشات على المسائل الفنية الهندسية علي أهميتها وعدم أشارك جميع الأطراف المختلفة المذكورة أعلاه في اول المقال قبل اصدار الاحكام، كانت مذكرة بعنوان السودان وسد النهضة تساؤلات متواترة" بقلم كل من البروفيسور سيف الدين حمد وزير الري الأسبق والرئيس الأسبق لجهاز الفني للموارد المائية في مفاوضات سد النهضة الاثيوبي، والمهندس مصطفي عبد الجليل المهندس الاستشاري بشركة ستانتك الاستشارية تورونتو كندا. في هذه المذكرة حاولا فيها بروف سيف والمهندس مصطفي الإجابة على العديد من الأسئلة المتداولة عن سد النهضة، وتناولا القضايا من وجهة النظر المؤيدة للسد، ولكن عدم اشراكهم لأطراف اخري او حتى الاستماع إليهم أوقع المذكرة في كثير من المغالطات الواضحة الجلية (unforced error) التي اضعفت حجج المذكرة في الرد على تساؤلات سد النهضة.
وكأحد المناوئين لقيام سد النهضة بالكم والكيف اللذين ينفذ بهما، سأوضح هنا بعض من تلك المغالطات التي وردت في المذكرة بالرد، وذلك بحكم المعرفة القائمة على التخصص، ولأن النقاش حول هذه الموضوعات يجب أن يكون علمياً قائما على بسط الأدلة ومناقشتها، هذه الموضوعات هي الزلازل - المياه الجوفية - الري الفيضي.
أولاً: الزلازل
تناولت مذكرة بروف سيف والمهندس مصطفي في صفحتي 13 و14 تحت عنوان هل السودان فعلا مهدد بالدمار الشامل بسبب ضعف معامل أمان السد وامكانية انهياره "كذلك أكدت الدراسات والرصد الزلزالي أن المنطقة لم تشهد زلزالا من قبل، وأنها تبعد أكثر من 500 كم من الفالق الأرضي) الأخدود الافريقي العظيم (والذي يمر بمدينة اداما الإثيوبية جنوب شرق أديس أبابا. إضافة لذلك فقد تم تصميم السد كمنشأة مقاومة للزلازل، وتمت زراعة أكثر من 2500 جهاز رصد داخل جسم السد، يمكنها أن ترصد أي ضغط أو حركة بالسد مهما تناهت في الصغر، مقارنة مع 24 جهاز بسد الروصيرص قبل التعلية، كما أن العقود الأخيرة قد شهدت تطورا كبيرا في التقنيات الخاصة بسلامة السدود، لقد أعربت اللجان الفنية السودانية والمصرية عن رضاها التام عن مستوى أمان السد، وتم تأكيد ذلك صراحة في اتفاق المبادئ الموقع عام 2015، اذ ينص البند الثامن الخاص بمبدأ أمان السد على أن الدول الثلاث تُقدّر الجهود التي بذلتها أثيوبيا حتى الآن لتنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية المتعلقة بأمان السد"
رداً على القول بعدم حدوث زلازل في منطقة سد النهضة، أورد هنا نص تقرير مكتب الاستصلاح الأمريكي الذي قام بأول دراسة لإمكانية بناء سدود في منطقة حوض النيل الأزرق في اثيوبيا ومن تلك السدود السد الحدودي أو ما يعرف الآن بسد النهضة.
ذكر تقرير المكتب الأمريكي في الملحق الثاني الصادر عام 1964 بعنوان الأرض ومصادر مياه النيل الازرق في إثيوبيا صحفة 51:
"The Blue Nile River Basin is an earthquake area and this fact must be considered in the design of engineering works"
وترجمتها "أن منطقة حوض النيل الازرق منطقة زلازل، وهذه الحقيقة يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تصميم الاعمال الهندسية". أي ان منطقة حوض النيل الأزرق والتي تضم منطقة سد النهضة منطقة زلازل والقول بانها ليست منطقة زلازل قول غير صحيح.
يمكن أن يفهم من مقولة مكتب الاستصلاح الأمريكي أعلاه أن البناء في منطقة حوض النيل الأزرق ممكن إذا روعيت جميع الاعتبارات الهندسية، وهذا ما ظل يردده كثيرا من المختصين السودانيين المؤيدين للسد ومنهم البروف سيف الدين. إذ طالما ذكروا أن الوفد الفني السوداني قام باقتراح تعديلات أساسية لزيادة درجة الأمان في جسم سد النهضة والسد السروجي. وقد قامت اثيوبيا مشكورة بتنفيذ اقتراحات الوفد السوداني وقد كلفت هذه التعديلات الجانب الاثيوبي مبلغ 1.5 مليار دولار. بالإضافة أن السد يبني باستخدام أحدث التقنيات، وأن السد زرعت فيه ما يقارب 2500 جهاز رصد التي يمكنها رصد أي حركة مهما صغرت. كما أن أثيوبيا لا يمكنها أن تخاطر بمشروع ضخم ذو تكلفة عالية دون التيقن من أمان وسلامة السد، وهذا القول ينطبق أيضا على الشركة المنفذة للسد التي لا يمكن ان تخاطر بسمعتها وتشييد سد قابل للانهيار. إذن السد آمن جدا لأنه روعي في تصميمه وتنفيذه أقصى درجات السلامة الممكنة.
تعقيباً على ذلك، انه قد أصبح من المسلمات في علم الزلازل الحديث أن البحيرات التي تكون خلف السدود تسبب زلازل، وهذه الظاهرة تسمي الزلازل بفعل الانسان (Induced Seismicity). وتنشأ هذه الأنواع من الزلازل بسبب تسرب كمية من المياه من بحيرة السد الي داخل القشرة الأرضية عن طريق الفوالق والصدوع الموجودة في داخل القشرة الأرضية. ترسب هذه المياه يساعد الفوالق والصدوع على الحركة، لأن الماء يفعل هنا فعل (التزييت) المؤدي الي انزلاق الفوالق والصدوع مما يسبب الزلزال، كما أن وزن الماء الموجود في البحيرة يمثل ثقلاً على القشرة الأرضية. ونسبة لتذبذب حجم المياه في بحيرة أي سد بسبب استخدام المياه في انتاج الكهرباء، يظل الجزء الأعلى من القشرة الأرضية في حالة صعود وهبوط (كما يحدث لحبل الغسيل المشرشر) مما يوثر تأثيرا شديدا على مرونة القشرة الأرضية. تكرار عمليات الصعود والهبوط مع نقصان المرونة وتسرب المياه الي الفوالق والصدوع ينتج عن كل هذا وقوع زلازل لا محالة.
وإذا كانت القشرة الأرضية في منطقة ما ذات طبيعة نشطة جيولوجيا وأنها تحتوي على زلازل، ثم اقيم عليها بحيرة وحتى ولو كانت تلك البحيرة صغيرة الحجم، فإن ضغط وزن البحيرة على القشرة الأرضية بالإضافة الي الماء الذي يتسرب من تلك البحيرة الي القشرة الأرضية يمثلان عامل تحفيز واثارة للقشرة الأرضية التي هي أصلا نشطة، كما يقال في المثل العامي دراويش لاقوا مداح. أما القول بان اثيوبيا قامت باعتماد اقتراحات الوفد السوداني وان احتياطات الأمان مستوفاة في سد النهضة، هذا النوع من التبرير قد يكون مقبولا لو كان الحديث عن منطقة توجد بها قشرة أرضية مستقرة وغير نشطة جيولوجيا، أما في حالة القشرة الأرضية النشطة والغير مستقرة فإن تلك التدابير الهندسية لا تجدي نفعاً، وهذا النوع من الزلازل لم يجد الانسان لها حلولا ناجعة الي يوم الناس هذا.
خريطة توزيع الزلازل في منطقة حوض النيل، توضح بجلاء حدوث زلازل متوسطة الي كبيرة (بقوة تساوي أو أكبر من 4.0) درجات على مقياس ريختر في منطقة حوض النيل الأزرق والتي عادة يتم رصدها من قبل المحطات الاقليمية والدولية لرصد الزلازل، وذلك لخو منطقة حوض النيل الأزرق من محطات رصد وتسجيل الزلازل.
الزلازل الصغيرة التي هي أقل من 4.0 درجات على مقياس ريختر عادة لا يتم رصدها بواسطة المحطات الإقليمية والدولية، وإذا كانت منطقة الزلازل منطقة غير مأهولة بالسكان وكانت الزلازل في المنطقة غير محسوسة من قبل الانسان، فإنه لا يتم التبليغ عن تلك الزلازل ولا يوجد لها آثارا في سجلات الزلازل. ولعل هذا القول يفسر قلة الزلازل المسجلة في منطقة النيل الازرق واختفاءها تماما في منطقة السد، لأنها قد تكون زلازل غير مرصودة أو غير مبلغ عنها.
عادة ما يتم تقييم الزلازل بعدد الضحايا من البشر وما تخلفه من تدمير للمنشآت، لذلك لا يلقي الانسان بالاً لزلازل كبيرة تحدث في أعماق المحيطات بصورة مستمرة، مالم تنذر بتسونامي. نذكر هنا بأن أكبر زلزال حدث بقارة إفريقيا في القرن الماضي كان في جنوب السودان بتاريخ 20/05/1990، بقوة (7.2) درجة على مقياس ريختر ولكنه لم يحدث أي دوي في الاعلام لقلة الأضرار ولخلو مركز الزلزال من السكان ولك عزيري القاري أن تتخيل لو حدث هذا الزلزال في مدينة الخرطوم-سلمها الله.
وبالنظر إلى ضخامة سد النهضة الذي يعتبر من أكبر السدود في أفريقيا، وبالنظر إلى منطقة حوض النيل الأزرق التي تعتبر من مناطق النشاط الزلزالي في إثيوبيا، فإن ذلك كله يجعل من إمكانية حدوث زلازل كبيرة في منطقة النيل الأزرق والسد أمراً راجحاً، إن لم يكن مؤكداً. وأجدني لا أدرى ماهي الدراسات او أجهزة الرصد الزلزالي التي اعتمد عليها بروف سيف ومهندس مصطفي لتصدير فكرة خلو منطقة السد من الزلازل إذا كانت منطقة السد خالية تماما من محطات رصد الزلازل وبها عدد قليل من السكان.
زلازل السد العالي؟
بعد اكتمال بناء السد العالي ضرب زلزال بقوه (5.3) بقياس ريختر في عام 1981م جنوب منطقة السد العالي، وبعد هذا الزلزال قامت الحكومة المصرية بتركيب عدد من محطات رصد الزلازل في محيط السد العالي وحوالي مدينة اسوان. تم رصد وقياس أكثر من 15 ألف زلزال في الفترة ما بين 1982 الي 2019.
وقد لاحظت جميع الدراسات العلمية المنشورة في موضوع زلازل السد العالي ان حوالي 70% من زلازل بحيرة السد العالي تحدث في أعماق سطحية (أي اقل من 10 كيلومتر). وعزت معظم الدراسات ارتباط الزلازل ببحيرة السد العالي إلى زيادة وزن البحيرة الضخم على الجزء العلوي من القشرة الأرضية، وتسرب المياه من بحيرة السد العالي الي الشقوق والفوالق الأرضية مما يسبب حركتها ومن ثم حدوث الزلازل. وقد تكررت هذه الظاهرة في الهند والصين والولايات المتحدة، وفي عدد من الدول الأوروبية لتؤكد العلاقة بين حدوث الزلازل والهزات الأرضية وبين إقامة السدود والبحيرات الاصطناعية بحيث أصبحت هذه بديهة من البديهيات، وعدم الإلمام لا ينفي وجودها.
لماذا لم ينهار السد العالي؟
لماذا ينهار سد النهضة ولم ينهار السد العالي بالرغم من إحداثه الزلازل العديدة؟
هذا سؤال منطقي جدا! وللإجابة على هذا السؤال يجب النظر الي القشرة الأرضية في منطقة السد العالي والتي تتصف بأنها قديمة وسميكة وصلبة لأنها جزء من ما يسمي جيولوجياً بصحاري ميتا كريتون .(Saharan Meta Craton)
وبمقارنة القشرة الأرضية في منطقة السد العالي، مع القشرة الأرضية في منطقة سد النهضة فإن هذه الأخيرة تتسم بأنها أقل سمكا وصلابة، وأنها غير مستقرة، لذلك تحدث فيها الزلازل.
وعدم حدوث زلزال كبير إلى يومنا هذا في منطقة السد العالي يؤدي الي انهياره، لا ينفي البتة احتمالية حدوثه في المستقبل (على الرغم من صلابة القشرة الأرضية). أما حدوث زلازل مدمر في منطقة سد النهضة، فيظل مؤكداً لأن القشرة الأرضية هنا ضعيفة وغير مستقرة وشهدت زلازل في الماضي، أما متي؟، فلا أحد يستطيع الإجابة، كما لا أحد يعلم في سان فرانسيسكو او لوس أنجلوس او اليابان متي يحدث زلزالهم المدمر، لكن الجميع يعلم أنه حادث لا محالة.
أما القول بأن جسم السد يحتوي على أجهزة رصد عالية الدقة لأي حركة، فهو قول فطير لأنه لا يمكن التنبؤ بوقت ومكان حدوث الزلزال، كما أن تلك الأجهزة ترصد الحركة ولا تمنعها، كما هو الحال في جهاز قياس نسبة السكري في الدم، يقيس ولا يمنع صدمة السكري، مع الفارق في هذا القياس حيث يمكن تدارك حالة مريض السكري، ولكن يتعذر تدارك تداعيات انهيار او تصدع سد النهضة.
ثانياً: المياه الجوفية
ذكرت دراسة البروف سيف الدين والمهندس مصطفي في صحفة 9، "أما بخصوص المياه الجوفية فقد قامت وزارة الري بمساعدة اللجنة الفرعية للمياه الجوفية، المنبثقة من اللجنة القومية لسد النهضة، بعمل دراسة لتأثير سد النهضة على المياه الجوفية بالسودان، استعانت فيها الوزارة بمجموعة من الخبراء المختصين في هذ ا المجال من جامعة الخرطوم وجامعة السودان. خلصت الدراسة الى أن منسوب المياه الجوفية سوف يزيد زيادة طفيفة بعد تشغيل السد، وذلك بخالف ما كان يُعتقد قبل هذه الدراسة".
وقد أوضح لي المهندس مصطفي عبد الجليل مشكورا (بالإضافة الي استماعي الي حديث مسجل منسوب الي الدكتور جمال مرتضي) بأن المقصود من أن منسوب المياه الجوفية سوف يزيد زيادة طفيفة بعد تشغيل السد هو ان سد النهضة سيؤثر تأثيرا إيجابيا وان كان طفيفا على عملية تغذية المياه الجوفية في منطقتي حوض النيل الأزرق وحوض الحجر الرملي النوبي، حيث أن منسوب المياه في تلك الأحواض لن يتناقص بعد قيام السد.
هذه ليست بمعضلة ابتداءً خصوصا في منطقة حوض النيل الأزرق والتي تشمل المشاريع الزراعية في جنوب النيل الأزرق، سنار، والجزيرة والتي تعتمد بالأساس على الري الانسيابي من السدود السودانية بالإضافة الي الأمطار وليس على المياه الجوفية.
تكمن المشكلة بعد قيام سد النهضة في اختلال الدورة الطبيعية لعملية تغذية المياه الجوفية في حوض النيل الأزرق وتأثير هذا الاختلال على العمليات الزراعية في جنوب النيل الأزرق، سنار، والجزيرة. ظلت الدورة الطبيعية لتغذية المياه الجوفية تتم عن طريق ارتفاع منسوب المياه الجوفية في موسم الفيضان وانخفاضه بانحسار الفيضان. ولكن بعد اكتمال سد النهضة سيرتفع منسوب المياه الجوفية في حوض النيل الأزرق إلى مستوي عالٍ طوال العام نتيجة من التغذية المستمرة. هذه التغذية المستمرة تحدث كمحصلة من الارتفاع الدائم لمنسوب مياه نهر النيل الأزرق. هذا الارتفاع المتوقع لمنسوب المياه الجوفية يقود الي زيادة في ملوحة التربة مما يودي الي مضاعفة عدد مرات الري لأي محصول، كما يمكن ان تعاني جذور النباتات كثيراً من المشاكل بسبب ارتفاع منسوب المياه المستمر وقد لوحظت هذه الظاهرة بوضوح تام في مصر بعد قيام السد العالي.
أما التغذية الإيجابية للمياه الجوفية فغير ذات فائدة، لأن نهر النيل يغذي المياه الجوفية في المناطق المجاورة له (في حدود تقل عن 25 كم)، بينما لا يغذي النهر المياه الجوفية أبعد عن هذه الحدود. أما تغذية مياه النيل لحوض الحجر الرملي النوبي فيتم في منطقة صغيرة جدا في أقصى شمال السودان ولا ذا أهمية تذكر. وهنا تبرز أهمية اشراك وزارة الزراعة ودورها في تكوين وبلورة نظرة شاملة لموضوع المياه. ويظل السؤال قائما لماذا التغذية المستمرة للمياه الجوفية التي تجعل منسوب المياه الجوفية عاليا خلال العام أفضل من الدورة الطبيعية التي يتم فيها ارتفاع منسوب المياه الجوفية في موسم الفيضان وهبوطه بعد انقضاء موسم الفيضان؟
ثالثاً: الري الفيضي (زراعة الجروف)
ذكرت مذكرة بروف سيف الدين والمهندس مصطفي في صفحة 8 الاتي "سوف يؤدي انتظام سريان النهر، بعد تشغيل سد النهضة، إلى تقليص المساحات المزروعة في الأحواض الفيضية والجروف، وهو تأثير محدود لمساحة تم تقديرها ب 50 ألف فدان". ولكن هذا الرقم يقل بمقدار 100 ألف فدان عن الرقم (150 ألف فدان) الذي ذكره الدكتور ياسر عباس وزير الري في ندوه له في العاصمة الامريكية واشنطن أواخر العام المنصرم. كما أن تقديرات بعض الخبراء تشير إلى أن الرقم الحقيقي أكبر من 150 ألف فدان بكثير. ولكن هذا التباين الكبير بين رقمي بروف سيف الدين حمد ووزير الري الدكتور ياسر عباس يوضح إما أن وفد السودان يستند الي دراسات علمية غير متسقة أو أن الحكاية محض تخمين، وفي الحالتين يتأكد الارباك والغموض، وأن الحقائق لا تبسط لعامة السودانيين. دعك من أن المسألة الأساسية هنا ليست حول عدد الأفدنة أهي قليلة أم كثيرة، إنما المسألة تتعلق بالقدرة الإنتاجية والاثر الاقتصادي والاجتماعي وعدد الأفواه التي تعتمد في أقواتها على زراعة الجروف.
تظل قضية سد النهضة أحد أعظم التحديات التي تواجه وجود السودان ومع ذلك تستند دفوعات الوفد السوداني الي حجج ضعيفة او تخمينات ويجب على الحكومة السودانية عرض القضية على البرلمان المرتقب لمناقشتها قبل توقيع حكومة على اتفاقيات ملزمة تضر بمصالح السودان.
د. احمد عبد الله الشيخ
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.