قرارات لجنة الانضباط برئاسة شوكت    قرارات لجنة المسابقات بجبل اولياء    الجزيرة تعبر الهلال وتلاحق الشمالية في الصدارة    تأجيل إطلاق ماك بوك برو الجديد بسبب أزمة نقص الشرائح    تعيين رئيس تنفيذي جديد ل"أبل".. جون تيرنوس يخلف تيم كوك    بسبب تجاوزات الجنازة.. أسرة منة شلبي ترفض تصوير عزاء والدها    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تثير ضجة واسعة بعد ظهورها في حفل خاص ب"البجامة"    تاور: الخماسية أمام اختبار صعب في مشاورات مايو المقبلة حول حرب السودان    الأهلي يكتفي بودية زد قبل خوض مباراة بيراميدز في الدوري    مصطفى فتحي يبدأ التأهيل الأسبوع المقبل أملا في اللحاق بكأس العالم    وزير الرياضة يوقع مذكرتى تفاهم مع دول بريكس بلس بحضور سفيرى البرازيل والهند    محمد إمام يعود لتصوير فيلمه شمس الزناتى مطلع مايو المقبل وطرح البرومو قريبا    ما لا تعرفه عن سيدة الشاشة الخليجية الراحلة حياة الفهد    تشارليز ثيرون تهاجم تيموثى شالامى: تصريحاته عن الباليه والأوبرا متهورة    تكرار العدوى أو المرض.. أسباب شائعة لا تتجاهلها    هل تحتاج لعملية زراعة قلب؟.. خبراء يكشفون العلامات التحذيرية الخطيرة    ابتكار بخاخ أنف يعيد شباب المخ ويقضى على ضعف الذاكرة    البرهان ل"سلطان عٌمان" : موقف السودان ثابت    الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تثير ضجة واسعة بعد ظهورها في حفل خاص ب"البجامة"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يتزوج "عروستين" في ليلة زفاف واحدة على أنغام المطربة هدى عربي.. تعرف على التفاصيل كاملة!!    محافظ مشروع الجزيره :المليشيا نهبت ودمرت أصول المشروع بطريقة ممنهجة والخسائر بلغت 6 مليار دولار    بالصورة.. نيابة أمن الدولة بالسودان تصدر أمراََ بالقبض على المحامية رحاب مبارك والعقوبة قد تصل إلى الإعدام    تغطي 70٪ من إحتياجات المستشفى .. والي الخرطوم يدشن منظومة الطاقة الشمسية الجديدة لمستشفى أمبدة النموذجي    شاهد بالصورة والفيديو.. طفل سوداني يحصل على "نقطة" بالعملة الصعبة "اليورو" في حفل "ختان" أسطوري    الشعب السوداني وحده صاحب القرار النهائي في تحديد وجهة حاضره ومستقبله    المريخ يعود للتدريبات بعد راحة سلبية    إحباط محاولة تهريب في السودان    مسؤول سوداني يطلق التحذير الكبير    ترامب: استخراج اليورانيوم المخصّب من المنشآت النووية الإيرانية ستكون عملية صعبة    إدخال البصات السفرية لحظيرة الميناء البري بالخرطوم وسحب 950 سيارة مدمرة حول السوق المركزي    شاهد بالفيديو.. رداً على تصريحات أحمد موسى.. المستشار مرتضى منصور: (السودانيين فوق دماغنا)    رسميا: تحديد موعد كلاسيكو الليجا    ارتفاع في وارد محصول الذرة وانخفاض في الأسعار بالقضارف    الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد    مصر.. قرار بشأن المنتقبات بعد تدخل شيخ الأزهر في عملية اختطاف هزت البلاد    عثمان ميرغني يكتب: الصورة مقلوبة    عاجل..إيران: فتح كامل لمضيق هرمز    السودان.. انخفاض معدل التضخم    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    إيران تهدد: موانئ الخليج لن تكون في مأمن إذا حوصرت موانئنا    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    ضبط شبكة تزوير مُستندات مركبات في الخرطوم    إيران تؤكد.. سنسيطر على مضيق هرمز بذكاء وسندعم "محور المقاومة"    السودان.. القبض على 4 ضباط    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رد على برنامج "قصارى القول" المصري .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة
نشر في سودانيل يوم 23 - 06 - 2020

استمعت إلى تسجيل من ذلك البرنامج أرسله لي إبن خالتي بالواتساب، وهو حول معضلة ملء سد النهضة الإثيوبي ومآلاته.
استضاف البرنامج الدكتور أحمد الشناوي الخبير الدولي، والذي لا غبار على بياناته وشهاداته في البرنامج، بل أنني سررت أن أسمع منه تفاصيل دقيقة تخص تلك المشكلة سردها باتقان وأمانة تامة، وأشيد بذلك وبحسن الطالع الذي جعله القائم إنابة عن مصر في كل تأريخ هذه المشكلة، وحصوله على ثقة الرؤساء المصريين لإفادته بدقائق الأمور في وقتها، والذي أحمده له كثيراً، فمن خلالها تتضح الرؤيا أكثر عن العبث الذي في خطورته سيُفقِد كثيراً من الناس الثقة في النظام العالمي الإنساني الذي استطاع البشر، بعد عدة مآسي، الوصول إلى فلسفته وتنفيذه والذي تتهدده مؤامرات اليمين المتطرف الذي افتقد قهر الإمبراطوريات والعبودية والإستعمار، لإعادتهم من جديد، للإنتقام والكيد فقط، والوعي في ذلك هو بر الأمان لقفل الباب أمام ذلك الضلال الأعمى.
سأبدأ بالحديث عن مصر وبعدها بدول المنابع الأخرى وأخيراً السودان.
إن الشعب المصري يعاني مثل الشعب السوداني من معدومية التمثيل الصادق لأمته، فقد كان تحت سحل المماليك من الحكم التركي الإمبراطوري والذي كان فيه السودان تحت سطوة المنافسات الطائفية والرجعية الدينية. ثم أصبح مأسوراً ومسيّراً بما يسمونه الثورة الناصرية، والتي كانت عبارة عن دكتاتورية عسكرية نرجسية بدون تخطيط واقعي، فقط بزهو القوة، مما أدخل مصر في حرب الأيام الستة التي لم يكن هنالك أي مبرر لها غير نرجسية العسكر التي استغلتها موسكو لترتب أوراقها مع واشنطون، ودفعت مصر الثمن. تدمر جيشها واحتلت أراضيها، وأخطر من ذلك أملت إسرائيل عليها أثماناً ثقيلة عقاباً للمهزوم المعتدي طبعاً، من ضمنها تشريد الفلسطينيين، واتفاقية مياه النيل الخفية التي عقدها أنور السادات مع إسرائيل، وهو يعلم أنه ليس له سلطة في ذلك لأن معاهدات مياه النيل معاهدات تخص كل دول الحوض، ويجب ضمان حقوق كل الأفراد. ولكن أنور السادات، مثل كل الدكتاتوريين العسكر يعتقد أنه يمكن أن يخدع إسرائيل بحذاقة، على أنها لو نجحت لكان حسناً، وإن فشلت فالتوكل على الله لإيجاد حل جديد. وإسرائيل دقيقة في حساباتها ولا يسيل لعابها لمثل تلك اللعبات. نعم أنور السادات لن يمكن إجباره بالسطو على سلطة دول الحوض لفرض ماء لإسرائيل، ولكن إسرائيل ستستغل ذلك التعهد لاستقطاب تعاطف الدول الكبرى التي تقوم بتأمين النظام العالمي، فبدلاً من حرب ضد مياه النيل، أن تتم المخادعة مع أي دولة تقبل بذلك، ولا غبار عليها لو فعلت فإنها تحارب الخداع، إذ أن الغرض شريف وما على مصر للخروج منه إلا تنفيذ ما اتفقت عليه.
إلا أن مصر لن تستطيع ذلك، لأنه يعني أن تمنح إسرائيل حصة من مياهها، ولو تم ذلك ما كنا في هذا الوضع الخطير، لكن مصر، عن طريق حكامها العسكر، الذين لا يمكن أن يدينوا العسكري الحاكم سابقاً لأنه معناها يدفعون ثمن خطئه، فيقومون بمحاولات يائسة ليدفعوا دول الحوض في تلك المشكلة ليخوضوا لهم معركتهم معهم. مثل نهر الكونغو الذي بنوا فيه خزاناً لتأمين حصة مهولة من الماء لمصر، والتفكير ببناء خزانات في تنزانيا لمزيدٍ من المال. وفي برنامج "قصارى القول" هذا، وفي لحظة زهوٍ، تم شرح كيف أن مصر تخطط لتكون موزّع كهرباء للسودان ودول الجوار وحتى أوروبا وآسيا!!
لا يحكي البرنامج عن المعالجة السياسية لحقوق تلك الدول صاحبة المنابع، وحقوق من كان يفاد من تلك المنابع، فإنها إن كانت لم تستغل تماماً بعد، فلا يعني أن تلك الميزات لن تفيد مستقبلاً. إنها نفس نظرية الإستعمار الذي يتعذر بأن ما تم استعماره هو موارد مهملة بسبب تخلف أهاليها، ولا يفكرون في الشراكة وهي المطلوبة بعد إزالة الإستعمار في النظام العالمي الحديث.
ودول المنابع التي تهتم مصر باستقطابها كلها تستحق التفكير في الاستفادة من تلك الميزات التي لديها والتي لم تستطع بعد أن تستغلها أو تستغلها كلها. وبدلاً من تقدم مصر للإتفاق معها بتنمية استثمار تلك المميزات، علماً بأن مصر لن تستطيع القيام بذلك كله لأنها لا هي دولة تمويل غنية، ولا هي دولة ذات سلطة عالمية لاستقطاب أساليب التعمير الإستعمارية تحت نظر وأنف الدول الكبرى كما تفعل الصين وروسيا. فتقوم مصر بتقديم القليل الذي تقبله تلك الدول لأنها لا تستطيع عمل أكثر من ذلك، ولأن النظام العسكري السياسي المصري مشهودٌ له ببناء دولة داخل دولة لقسر سير السياسة بما يحبون، بنفس ثقافة الدول الشيوعية أيام نضالها لتكون.
دولة أثيوبيا تمتاز بحياد موقفها من الصراعات العالمية التي كانت مصر أساس مصدرها، وهي ما سمي بحركات التحرر في الدول العربية والإسلامية، والذي كان فلسفةً لا تقوى على الوقوف على رجليها بالطريقة التي بنيت بها، وكل ما تم كان استبدال عملاء بعملاء، فقط كانوا عملاء تابعون وفاسدون، إلى عملاء دكتاتوريين وفاسدين. أثيوبيا تتمتع بمباركة كل الأديان التي تعج بالمتطرفين ومصادر الصراعات العالمية الكبرى، فالمسلمون يحترمون تأريخها في مساندة المسلمين في بداية دعوتهم، والمسيحية هي عقيدة الغالبية الإثيوبية، واليهودية دين أصيل في أثيوبيا، وإضافة لذلك فهي دولة متحررة اجتماعياً بحيث تمثل مرتجعاً لكل من يعاني من خلافات أخلاقية أو عرفية بين المجتمعات من الأديان المختلفة
كان من الطبيعي أن تسعى إسرائيل لدى أثيوبيا، بضمان القوى التي ساندت إسرائيل ضد طغيان العرب وتسييس الدين للصراع العربي الإسرائيلي، وهي أغلب الدول العظمى، لعمل ذلك السد لتمكنها من أخذ حصتها من الماء الذي تعهدت به مصر لها، ليس إلا.
ضف إلى ذلك أن أثيوبيا ليست بالغباء لإقامة خزان بتلك الضخامة وفي عهد التكنولوجيا الحالي من دون أن تتأكد من أن الأخاديد تحت السد لأي مدى هي خامدة، وأساليب مراقبتها من الأقمار الصناعية وأجهزة الإنذار المبكر لبدء تفريغ الخزان والقيام بما يلزم لخفض الضغط. وهي أول متضرر من ذلك إذ أن مجهوداتها ستتبدد، والمكافأة التي حصلت عليها لبناء السد بادت... كما وأن مثل ذلك الإنهيار في أخاديد حية لا شك سيسبب براكين خطيرة على دولة كلها تقوم على أخاديد.
مصر والسودان: وإذا صح ما يصيّح به الإعلام المصري أن السودان سيغرق تماماً في مياه السد الشاردة، فما الحاجة للصراخ في أذنه بذلك الخطر؟ أوليس هو أدرى بمصيره من التهويل؟
وما مصلحة إسرائيل في دمار مصر والسودان؟ يقول مذيع البرنامج (حتى تستطيع إسرائيل الدخول لمصر بدون سلاح!!!). في أي عهدٍ يتحدث؟ وهل الدخول لأي دولة عربية يحتاج لسلاح؟ أوليست كل تلك الدول تستعين بدفاع الدول الكبرى، والفضل للنظام العالمي الذي يمنع الاحتلال العسكري أو خرق قوانين حدود الدول التي رسمت حسب النظام العالمي؟ وهل مصر عندما احتلت شلاتين وحلايب، وأثيوبيا احتلت الفشقة، وكينيا احتل مثلث اليمي منذ قبل انفصال الجنوب، هل سعى أحد للجلبة في ذلك؟ إن الأمر لدى النظام العالمي يعتمد على مصداقية المشتكي بالإيمان بالنظام العالمي واحترامه له، مثل ما كان في حال مصر والسودان قبل ثورة 23 يوليو في مصر، وثورة 17 نوفمبر في السودان. أما الآن وبمخالفة الإثنين لأغلب قرارات الأمم المتحدة في الديمقراطية والمدنية واحترام الحدود الدولية الرسومة، وحماية حقوق الإنسان والتعاون مع العدالة الأممية، فليس هنالك حب مفتقد من الأمم المتحدة تجاههم في قضية خاسرة مثل خيانة اتفاقية لمياه النيل مع إسرائيل، وبإقامة اثيوبيا سداً في أراضيها بدون استرضاء دول المصب لأكثر من حصصهم فيها.
أما حصص مياه النيل فقد قام بها المستعمر، وهو بريطانيا ومصر، وكتبت مصر لنفسها حصةً من المياه من حق دول الحوض مراجعتها بعد ذهاب الاستعمار، وما بني على باطل لا يمكن أن يكون ملزماً، على الأقل على الأمم المتحدة أو الدول العظمى.
فتكون مطالبة مصر بحصتها كاملة من مياه النيل ليست أصل ملزم، فإنها قرار في وقت لم تكن القرارات تحمل رأي كل الأطراف المتأثرة بها.
ولما مصر أقامت السد العالي لم تضع سوابق تساعد في الاقتداء بها في حقوق الغير من دول الحوض، فمصر دوماً تأخذ حصة السودان من المياه ولا تعوضه فيها وتعبرها "عارية"، أي قرض لا ضمان له، واستغلت مصر ضعف السودان فور استقلاله وتحت حكم عسكري بإغراق حلفا للسد العالي من دون ضمان لحماية آثار السودان تحته، ولا خسائر المستنقع الذي خلقوه فيها، حتى قام جمال عبدالناصر عندما أكرمه السودان بمؤتمر اللاءات الثلاث، بدفع عشرة مليون جنية لتكملة ال 5 مليون المخجلة التي دفعتها مصر تعويضاً لخسائر السودان في السد.
فبعد استعمار مصر للسودان وعدم رأب صدعه في الجنوب بسبب تجارة محمد على باشا في المال والرجال التي دفعت بغردون للحضور للسودان لإنقاذ المصريين من الثورة المهدية ضد ذلك الاستعباد، وما حدث من قتل غردون باشا وإرسال كتشنر الذي حصد الأرواح في أفظع جريمة حرب، فلم تساهم مصر في رأب ذلك الصدع وعلاج ذلك الجرح بل قامت بالاستقطاب وسط السودانيين مما تسبب في حادث مارس المؤسف، واستمرت مصر، دولة داخل دولة كعادتها حين تجد موطئ لرجلها، وأنا هنا أشدد إن ذلك ليس من أخلاق المصريين، ولكن المصريين لم يحكموامصر أبداً فمصر حكمها المماليك والإرتزاقيين من دول الجوار بالفساد، تحت حماية التاج المصري أو التاج العسكري.
استمرت مصر دولة داخل دولة لا تراعي إلا تنفيذ قراراتها بسلب الحقوق من السودان بالسياسة الرخيصة، فوضعت الشعب السوداني في قوائم تسمح لها بإدارة حرياتهم السياسة، واقدمت على ضرب الجزيرة أبا بطائراتها لنصر العسكري نميري على أهل البلد الحقيقيين من الإنصار في قعر دارهم. وظلت تساند الحكومات العسكرية، بل تدبر الإنقلابات العسكرية كما اتضح في انقلاب الإنقاذ الأخونجي الذي طار الرئيس مبارك فور نجاحه لمباركته بعد انخداعه بمسماه الإنقاذ، وهو الإسم للحركة التي دبرها الإتحادي الديمقراطية مع جون قرنق في اتفاقية كوكادام ضد الأخوان، وأنه يوم تنفيذ إنقلاب الناصريين، وكل ذلك سرقه منهم الإخوان المسلمون لإفشال انقلاب الناصريين مما قاد إلى كارثة الحكم الإسلاموي في السودان، وكان مبارك قد انخدع ليصبح أول مؤيد له.
ثم أقدمت على احتلال حلايب وشلاتين في السودان استغلالاً لعيوب الحكم العسكري الإسلاموي في السودان، ليس لإزالته، بل لاستقطابه أوالإستفادة منه لمحاصرة الإرهاب الأخونجي فيها. ولما استلم الإخوان الحكم في مصر في تلك المرحلة القصيرة، فضح المذياع حواراً سرياً لحكومة محمد مرسي يخططون فيه ضرب سد النهضة عبر السودان وبتعليقات مسيئة للسودان على أنه لا أهمية له ولا خوف منه ولا خطرمنه!
ونعود الآن للسودان: بعد أن باع البشير ونظام الإنقاذ بلاده في سوق النخاسة بمباركة السعودية والأمارات، أولا باسترقاق الصغار من الرقيق الذي استقطبوه بالحيلة التي اشرت لها في احد مقالاتي عن البديل الذي لعبه الإسلام السياسي في استبقاء الرق بعد وقفه عالمياً:-
وهو بتحوير الآية 4 من سورة محمد 47 " فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما منا بعد واما فداء حتى تضع الحرب اوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم"
حيث استباحوا كلمة "فدىً" بحجز الأسير بالطبع حتى يتم تبادل أسرى أو عقد صلح، وأثناء الحجز لا يأمر الدين بالصرف على الأسير، فيتطلب أن يستقطب لسداد فواتيره، ولكن استخدامه للعمل بدون مرتب يعتبر رق، والإسلام لا يوافق على الرق، فإما تخديمه واستقطاع مصاريف الصرف عليه من راتبه، او إذا كان شيخاً أو امرأة أو مريضاَ أو معاقاً فيكون في معية أسرة تصرف لإعاشته نظير مساهمته في خدمة المنزل، كخدم منازل.
في وقف الرق، وعند الحرب العالمية الأولى، كانت هناك حاجة ماسة للرجال، فاستغل المسلمون تلك الآية باستقطاب الرقيق الرجال بتدريبهم عسكرياً وهي مرامهم الكبير، على أن يدخلوا معهم معاركهم في السطو بحجة الجهاد وأسموها جهدية، وأغروهم باغتصاب النساء وسرقة الأموال ليستجلبوا الرقيق، مقابل منحهم العتق لأنفسهم، ولاحقاً يتم بينهم استثمار في الإرتزاق... قام المسلمون المتأسلمون بابتداع الإرتزاق الذي دخل سماً جديداً في البشرية.
ونعلم أن السعودية والأمارات، حسب تقرير الخبير الفرنسي الاجتماعي في شئون السودان وتونس ومورتانيا في الثورات المدنية والعسكرية، جين بابتست جالوبين، نعلم أنهما يفضلان العسكرة في حكم السودان على المدنية، ويعملان على الإستقطاب في المنطقة الإفريقية لتأمين أمنهم الغذائي، تماماً مثل مصر، بطريقة استعمارية ليس فيها مصلحة لدول الأصل، وعليه يؤيدان سيطرة عسكرية، ليس بالجيش الذي يتأذى منها، وإنما بالمليشيات والإستقطابات شبيه ما يدور في مصر.
إن الثورة السودانية قامت لتأمين المدنية والحرية اللبرالية ووقف التسييس الديني، وبما أن القوة الاقتصادية بيد هؤلاء العسكر، وعدم تمكن الشريحة المدنية من السيطرة على قوابض الأخطبوط الإسلاموي والفسادي فإن مصر والسعودية والخليج تعمل على مد السودان بالمعونات المالية، ليس لخزينة الدولة أو لوزير ماليتها، إنما للجنرالات من قوي غير الجيش.
وتغرر قناة "قصارى القول" بأن الجنرال عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء حمدوك لبيا دعوة من نتنياهو كما تقول "لعقد اتفاق" سري، تلويحاً بمؤامرة السودان مع إسرائيل. مهما كان البرهان في موقفه للتريث في محاسبة المجرمين العسكريين، فهو لا يمكن أن يكون خائناً للتآمر مع نتنياهو في مسألة السد، مستحيلاً طبعاً أن يكون للسكوت على الخطر للسودان لو أن هناك خطر، ناهيك عن التآمر على مصر، ولماذا؟ ما مصلحة السودان في ذلك؟ وما ذا سيخسر السودان أو يكسب من قيام أو عدم قيام السد؟ لما تبين للسودان أنه سينتفع بامداد الكهرباء من اثيوبيا بأسعار تفضيلية، وهو شيء طبيعي، قامت مصر بمد السودان بكهرباء من السد العالي. إذن لماذا لم تقم مصر بذلك منذ قيام السد، اليس السودان مساهماً فيه؟ أين حسن الجوار هنا؟ وأين العيب في أثيوبيا لإيقاظ حسن الجوار؟
يصرخ السودانيون الموالون لمصر والذين تهمهم مصلحة سلطة مصر قبل السودان بخطورة السد وانهياره: ألم تكن أمريكا تعلم ذلك عندما أيدت الإتفاقية الأولى التي تراجعت عنها اثيوبيا؟ ولماذا تقوم إسرائيل بالاتفاق مع السودان واثيوبيا وتكون أمريكا غير موافقة؟
إن السيناريو هو من مصر لحسم موقف السودان إما معها أو ليس معها، ولا يهم إن كان محايداً أو ضدها، فهي تعلم أنها إما أن ترضخ للدَيْن الذي دخل فيه رئيسُها أنور السادات بسوء السياسة مع إسرائيل، وتنتقص من حصتها مياهاً لإسرائيل لتعوض أخطاء حربها، أو تدخل في حرب مع اثيوبيا، وهي لا تمانع ذلك كما ظهر من اجتماع حكومة محمد مرسي التي تحدثنا عنها، ولكنها تخاف أن ذلك لا يتم إلا بالإعتداء السافر الذي سيرميها في مقام العراق عند اعتدائها على الكويت، وهي تعلم ذلك جيداً. لذا تهتم بالسودان ليأخذ منها ذلك الدور.
إن السودان قد دفع كثيراً في مصر رغم أنها كانت مستعمِرةً له واستعمارُها تسبب في صراعها العرقي حتى اليوم وقسم السودان شمالاً وجنوباً، ولا تزال تطمع فيه كضيعة تتبع لها ولا يمكن أن ينعدل ذلك إلا بتحرر السودانيين من ذلك الوهم بأن مصر والسودان إخوان، فهذا ما لم يحدث إلا لجيوب المستنفعين من تلك العلاقة، ولو كانت مصر تنظر لذلك فإنه سيكون التخطيط المشترك، أجمل وأعقل لإقامة دولتين عظيمتين بامكانيات السودان الطبيعية وبامكانات مصر الجيواستراتيجية والسياسية والحضارية.
علينا نحن كسودانيين على الأقل أن نتعاون مع أثيوبيا لتستمع إلينا وتتقبل نصحنا أو تستعين بآرائنا كدولة عريقة مستقلة وبعيدة عن استقطاب الدول أو المحاور أو المفاسد، وهذا هو أول دورٍ كبير ترسّخه الثورة في درب الاستقلال والاحترام العالمي، وهو ما سيخرج السودان من قائمة الدول الإرهابية، وليس باستقطاب نتنياهو كما روّجت قناة "قصارى القول". إن السودان بحياده يمثل أن يكون أكثر الدول إفادة في حل لغز أمان ذلك السد وفوائده من دماره وعدم مشروعيته، لا أمريكا ولا الدول الكبرى تستطيع حل ذلك، ولكنها من أوائل المهام التي تبني بها الدول الجادة قوة النظام العالمي وثباته.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.