يجب ألا يبقى هذا الوزير ليوم واحد .. بقلم: الحاج وراق    بيت البكاء .. بقلم: ياسر فضل المولى    حمد الريح: منارة الوعد والترحال (مقال قديم جديد) .. بقلم: معز عمر بخيت    للمطالبة بحقوقهم.. مفصولو القوات المسلحة يمهلون الحكومة (15) يوماً    مجلس إدارة مشروع الجزيرة يرفض السعر التركيزي للقمح    برمة ناصر: الإسلاميون الذين ظلوا في السلطة الى أن (دقت المزيكا) لا مكان لهم    صديق تاور: عدم إكمال مؤسسات الفترة الانتقالية تقاعس غير برئ    لاعبة كرة قدم سودانية أفضل من ميسي !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    حمد الريح ... الي مسافرة كيف اتت ؟ .. بقلم: صلاح الباشا    فصل الأدب عن الدين معركة متجددة .. بقلم: د. أحمد الخميسي    تعليق الدراسة بمراكز التدريب المهني    عملية إسرائيلية تقلب العجوز صبي والعجوز صبية !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    رئيس مجلس السيادة يتلقى إتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي    الصحة تحذر من خطورة الموجة الثانية لجائحة كرونا    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان توضيحي حول الورشة المزمع اقامتها بعنوان السلام وحقوق الانسان    الكورونا فى السودان .. هل نحن متوكلون أم اغبياء؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    بروفسور ابراهيم زين ينعي ينعي عبد الله حسن زروق    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الصحة شأن سياسي (3) .. بقلم: البروفيسور/ حسن بلّه محمد الأمين
نشر في سودانيل يوم 03 - 07 - 2020

أكدنا في المقالتين السابقتين على أهمية النظرة الشمولية للصحة ومتطلباتها وعلى ما ينتظر حكومة ثورة ديسمبر من مهام جسام تجاه صحة المواطنين. ورغم أن هناك حاجة لبرنامج اسعافي قد يقصر وقد يطول إلا أن الحاجة الحقيقية هي لبرنامج متوسط المدى وآخر طويل المدى لتحسين مؤشرات صحة الناس في السودان.
الدول تصنف اليوم على أنها متقدمة ونامية وأقل نمواً بناءً على الوضع الصحي لشعوبها والمؤشرات التي تستخدم في هذا التصنيف جلها مؤشرات صحية مثل مؤشر معدل وفيات الرضع والأطفال ووفيات الأمهات بسبب الحمل والولادة. ورغم تحفظنا على تسمية الدول بمتقدمة ونامية ومتخلفة (Underdeveloped) إلا أننا لا يمكننا إلا الاعتراف بأهمية الوضع الصحي كمؤشر على التقدم.
المؤشرات الصحية
لا شك أنه ومنذ وقت غير قصير بدأت الأحوال الصحية للناس في السودان تتراجع عما كانت عليه، عندما كنا طلبة في كلية الطب إذ لم نكن نرى كثيراً مما يراه أطباء اليوم من أمراض أو لم نكن نراها بنفس الأعداد والحدة- أذكر أنني حين كنت أعمل طبيباً في مدينة ود مدني في السبعينات وكانت تشق المدينة أكثر من قناة من قنوات مشروع الجزيرة وتكون دائماً مليئة بالماء ولكننا لم نكن نرى معدلات انتشار الملاريا كما هي في الأعوام الأخيرة حتى بعد تجفيف وردم هذه القنوات. ولعل السبب في ذلك يعود للاهتمام بمعالجة هذه القنوات بصورة منتظمة لكيلا تكون بيئة وسيطة لمسببات الملاريا والبلهارسيا وغيرها من الأمراض المرتبطة بالماء. ولابد أن هناك أسباباً كثيرة للتراجع في الحالة الصحية للإنسان في السودان ولكن التعلل الدائم بالأسباب لا يقبل كعذر للتخلف ومحاولات التبرير لكل إخفاق ما هي إلا تقنين للفشل.
إن تكلفة العلاج صارت أمراً غير مقدور عليه بسبب الفقر مما دفع بالكثير من المرضى إلى المداواة الذاتية وما تجلبه من مخاطر ومضاعفات، وإذا وضعنا في الاعتبار تكدس الخدمات الصحية في العاصمة والمدن وتراجع مستويات الخدمة في الأقاليم وغياب الأطباء المؤهلين هناك فإن الأمر يزداد تعقيداً مما يحمل البعض على الخروج والمطالبة بالعدالة والمساواة في الصحة وغيرها من حق أساسي من حقوق الإنسان في كل مكان.
قبل أكثر من ألف عام اهتم وزراء المسلمين بصحة الناس في الأرياف والمناطق النائية فهذا الوزير علي بن عيسى يوجه خطاباً للطبيب سنان بن ثابت بن قرة (الذي توفي عام 331ه 942م) يقول له: "فكرت في من بالسواد من أهله وأنه لا يخلو من أن يكون فيه مرضى لا يشرف متطبب عليهم لخلو السواد من الأطباء فتقدم –مد الله في عمرك- بإنفاذ متطببين وخزانة من الأدوية والأشربة يطوفون في السواد ويقيمون في كل صقع منه مدة تدعو الحاجة إلى مقامهم ويعالجون من فيه ثم ينقلون إلى غيره." ففعل سنان ذلك. هذا شأن السلف في الاهتمام بصحة من في الأرياف والمناطق النائية فأين نحن منهم اليوم وقد توفر لدينا من الامكانات مالم يتوفر لهم. إن الذي ينقصنا اليوم ليس دائما شح الموارد ولكن غياب الاهتمام والتخطيط واختلال الأولويات. أن يكون في مقدورنا زرع كلية أوإجراء جراحة القلب المفتوح لشخص ما في حين أن أطفاله أو أطفال الآخرين في مكان ما بالسودان غير محصنين ضد الحصبة أو الكزاز فذلك لعمري اختلال في الأولويات وظلم كبير.
1. مشاكل صحة البيئة المختلفة وهي من أكبر مسببات المرض ما زالت تشكل خطراً كبيراً على الإنسان في السودان وكذلك مشاكل السلامة التي لا تلقى اهتماماً من المسؤولين لغياب الرقابة ورغم أن قضيتي البيئة والسلامة قضيتان ملحتان إلا أنهما يظلان من معيقات الصحة.
2. من مظاهر عدم الرضا عن القطاع الصحي عموماً والقطاع الصحي الخاص بالتحديد في كثير من البلاد تحول المهنة النبيلة إلى ما يشبه التجارة والماكينة التي تضخ المال وتستثمر في أمراض الناس وأوجاعهم، وقد وصف الدكتور جيليف هذه الممارسة بأنها تحويل الطب إلى تجارة (Commercialization of medicine) ووصفها القس الشهير بنقده للممارسات في مهنة الطب إيفان اليش بأنها تحويل الحياة إلى طب وتطبيب (Medicalization of life)، إن هدف الطب والأطباء يجب أن يكون الحفاظ على صحة الناس ومعالجتهم والتلطف بهم لا سلبهم أقواتهم وهذا هو المقصود بنبل المهنة التي قال عنها الإمام الشافعي: "لا أعلم بعد الحلال والحرام علماً أنبل من الطب". ومثل هذا الوضع ليس جديداَ إذ يحدثنا محقق كتاب الحاوي في الطب للرازي في ترجمته للرازي أن "سبب اتجاه الرازي إلى ميدان الطب أنه كان مهتماً بأحوال الفقراء وعلاجهم، وكان يمقت جشع الأطباء ومعاملتهم لمرضاهم –والكلام مازال من مقدمة الحاوي في الطب للرازي- فاتجه إلى الطب. وانتقد ابن الكتبي (من أطباء بدايات عصر تخلف الحضارة العربية) في كتابه (ما لا يسع الطبيب جهله) بعض أطباء زمانه "الجهلاء الذين دأبهم ارتداء الملابس الفاخرة وملازمة الأمراء والنبلاء وحضور الولائم وهم غافلون عن قوانين الصنعة ويجهلون أحكامها ولا يتابعون تطورها بالدرس والملاحظة والالتزام". ويقول الكاتب: "كان الرازي من أوائل الذين اندفعوا بشدة في احتقار الأطباء الذين يتخذون مهنتهم طريقاً لابتزاز أموال الناس بوسيلة غير شريفة، كما أنه حذر الناس من الدجالين والمشعوذين من الذين يتظاهرون بصنعة الطب بغية اكتساب المال وهم لا يعرفون من الطب شيئاً فيسيئون إلى المريض إساءة بالغة بدل شفائه." حاشا لله أن يكون أطباؤنا وهم يعيشون في ظروف أعلمها، حاشا لله أن يكون هؤلاء على الشاكلة التي ذكرتها ولكنني أوردت ذلك لأنه حدث في عهود سابقة ويحدث فعلاً اليوم في بعض البلاد ونخشى أن يحدث في بلادنا مع تزايد سلطان المادة إذا لم نأخذ حذرنا ونربي أجيال أطبائنا على حب أهليهم والتلطف بهم. إنني أعلم أن كثيراً من زملائنا ممن ولج العمل الخاص فعل ذلك مكرهاً وبعضهم يعتبره أبغض الحلال.
3. إن الحروب وعدم الاستقرار السياسي وما يتمخض عن الحروب من لاجئين من أسباب سوء الأحوال الصحية في المجتمع، وقد عانى السودان من هذه المشكلة ردحاً من الزمن وآن له أن يخرج منها ولعل الدروس المستفادة من الحروب تعيننا على التصدي للأسباب الجذرية للحروب وعدم الاستقرار السياسي.
صحة الإنسان في السودان: الماضي الزاهر
يحدث كل الذي ذكرت في بلد ذي تاريخ حافل وزاهر بالصحة والخدمات الصحية. فالسودان كان مميزاً في التعليم والخدمة المدنية وقوة دفاع السودان ولكنه كان –كما عبر عن ذلك أحد الكتاب البريطانيين- قطعة عرض أفريقيا في الصحة والخدمات الصحية في العقود الأولى من القرن العشرين.
(Show Piece of Africa and the Condominium) يقول الدكتور سكوير وهو أحد البريطانيين الذين عملوا فيما كان يعرف بالخدمات الطبية السودانية (Sudan Medical Service SMS) أن الخدمات الطبية بالسودان كانت تجربة ناجحة في الطب الاجتماعي (SMS was a successful experiment in social medicine). لقد كانت الخدمات الصحية الناجحة نتاج ثلاث مدارس عظيمة هي مدرسة المساعدين الطبيين التي افتتحت عام 1918م ومدرسة القابلات بأم درمان والتي افتتحت عام 1921م ومدرسة كتشنر الطبية وافتتحت في عام 1924م. كان خريجو هذه المدارس قدر المسئولية الجسيمة في المليون ميل مربع التي انتشروا فيها بعدل وبقوة وبطاقات لا تعرف الكلل ولا تتوقف عن التفاني في خدمة السكان. (ونخدم السكان) رحم الله عمنا الشاعر سيد عبد العزيز.
كتب البروفيسور جون بريانت وهو أمريكي متنور وأستاذ عظيم في الطب كتاباً أسماه 'الصحة والعالم النامي' (Health & the Developing World) وخص السودان بجزء كبير منه إعجاباً وتقديراً للبناء العظيم في الصحة فكان فيما قال "إن السودان بحجمه وتنوعه الإثني والجغرافي كابوس للمخططين الصحيين ولكن ما حدث في ذلك البلد كان شيئاً رائعاً في الخدمات الطبية(Nightmare for health planners)" أنتهى كلامه.
لقد تيسر لي أن أدرس نموذجاً واحداً من نماذج النجاح في الخدمات الطبية السودانية ألا وهو (قابلة القرية السودانية) إنه النموذج الذي يعتبر أول تجربة رائدة وناجحة في تقديم الرعاية الصحية الأولية من خلال 'عامل صحي غير متفرغ' وهو الداية، ولهذا تعتبر هذه الداية أول عامل صحي غير متفرغ أي أول "الأطباء الحفاة" كما عرفوا بعد ذلك في الصين (The Bare Foot Doctor of China) وهو البرنامج الذي قام في العام 1965م على فكرة "العامل الصحي غير المتفرغ" وأثار الإعجاب الدولي والدوائر العلمية، وكتبت عنه مئات المقالات العلمية في الغرب والشرق- ها هي قابلتنا، دايتنا- عامل صحي غير متفرغ ناجح منذ 1921 أي سبقت أطباء الصين الحفاة بخمس وأربعين عاماً، ولم يكن العالم يعلم عنها شيئاً لأننا لم نوثقها ولم ننشرها فنحن السودانيين أقل الناس توثيقاً واحتفاءً بإنجازاتهم ولعمري ليس ذلك من التواضع ولكن من الإهمال وعدم معرفة و تقدير الذات.
لقد احتضن برنامج تدريب قابلة القرية في السودان كل المفاهيم التي تروج في الصحة وتقديم الخدمات الصحية والرعاية الصحية الأولية وإعلان الماأتا وغيرها وجميعها بالنسبة لبرنامج تدريب القابلات وتدريب المساعدين الطبيين "توزيع جديد لموسيقى قديمة" (Old music new harmony)
لقد أمضيت وقتاً ليس بالقليل في 'أرشيف السودان' (Sudan Archives) بجامعة درم في أوائل الثمانينات أفض أوراق الخدمات الصحية لأول مرة وأوراق هذا البرنامج، وحرصت كذلك على لقاء البريطانية الأولى التي أقامت برنامج تدريب القابلات بأم درمان في العام 1921 وهي المس مابل ولف (Miss Mable Wolff) وكانت معها أختها جيرترود التي توفيت في الأربعينات، وقد قابلت هذه المرأة العظيمة في بيتها في مدينة سيفورد في العام 1979 على الساحل الجنوبي لبريطانيا قرب برايتون، وكانت في آخر التسعينات من عمرها إن لم تكن تعدت المائة ولكنها كانت في كامل وعيها، وعندما قدمتني لها المس كندال- عميدة مدرسة الدايات في الأربعينات- بادرتني المس وولف بالقول "الحمدلله الذي أحياني لليوم الذي رأيت فيه طبيباً سودانياً شاباً يبدي اهتماماً بما عملنا في السودان." كانت هذه المرأة قوية الشخصية مهابة حتى لدى سلطات الاستعمار البريطاني في السودان وحدثتني كثيراً عما لاقت من مضايقة الإدارة البريطانية لها ولأسلوب عملها. وقد قرأت فيما بعد في أوراقها التي أهدتني جزءاً منها "أن الإحباط والمضايقات التي تعرضنا لها لم يخفف من تأثيرها إلا حب السودانيين وتقديرهم لنا." وقابلت المرأة التي خلفتها في عمادة المدرسة حين تقاعدت في العام1936 ، كما أنفقت وقتاً ومالاً أطارد واصطاد الإنجليز الذين عملوا في السودان في الحقل الصحي وغيره، ومنهم د. ج بلوس ود. بريدي آخر مدير للخدمات الطبية السودانية، واجريت مع كل من التقيت تسجيلات نادرة لساعات طوال ثم نشرت بعض ما درست وحللت، ولم أكن أتوقع أنه سيحدث الإثارة التي أحدثتها حين ألقيت محاضرات في بريطانيا والولايات المتحدة والنرويج وغيرها عن قابلة القرية السودانية.
ولعلي أكتفي هنا بعرض نماذج مما قاله وكتبه بعض من شهدوا لهذا البرنامج العظيم. فها هو البروفيسور ديفي من مدرسة ليفربول لطب المناطق الحارة كتب يقول عند زيارته لمدرسة القابلات بأم درمان عام 1945 "لقد أدهشني المستوى الرفيع لأداء هؤلاء القابلات الأميات وبدا لي مستواهن وأسلوب أدائهن مقارباً للمستويات الإنجليزية."
أما البروفيسور ج س فيربيرن –رئيس الكلية الملكية لطب النساء والتوليد- فقد كتب بعد زيارته لمدرسة القابلات بأم درمان في العام 1936 يقول: "إن الذي رأيته داخل تلك المدرسة وما انتشر عنها من تأثير أعظم من أي شيء عرفته في الطب... إنه يجعلني أشعر بالتواضع كمعلم."
وعندما نذكر برنامج قابلة القرية كنموذج ناجح لتوفير خدمة ضرورية كالتوليد والعناية بالطفل فلابد أن نتذكر أن من أسباب نجاح ذلك البرنامج نساء سودانيات رائدات كالست جندية محمد صالح والتي كتبت عنها مس وولف تقول "إنها الأمية التي تحولت بالتدريب إلى معلمة عظيمة- إن شخصيتها الفذة وتفانيها في أداء واجباتها ترك انطباعاً جميلاً لدى كل من اختلط بها. لقد ساعدت بحق في نشر عمل القابلات والممرضات وإن طلبة الطب الأوائل مدينون لها في تدريبهم."
وعندما نذكر برنامج قابلة القرية ونجاح الخدمات الطبية السودانية، وعندما نذكر التفاني ونكران الذات وحب العمل والوطن، فلابد أن نذكر السيدة العظيمة بتول محمد عيسى طيب الله ثراها. تلكم المرأة التي وصفتها المس أي. م. كندال عام 1945 وهي عميدة سابقة لمدرسة الدايات بأنها "الرائدة التي تدربت وتشربت من البريطانيتين الجسورتين الأخوات وولف وصارت فيما بعد أقرب المقربين لهما ولمن أتى بعدهما من العميدات- إنها بحق امرأة ذات شخصية فريدة." وقالت عنها أيضاً في موقع آخر: "إنها أعظم امرأة سودانية عملت في الخدمة العامة وستظل واحدة من أبرز النساء في تاريخ السودان." وكتبت عنها المؤسسة البريطانية المس وولف: "إنها بحق إمرأة غير عادية في نظرتها للحياة وفي تربيتها لابنها (السيد إدريس الهادي رحمه الله) وفي شعورها القوي بالواجب."
"She is in fact an exceptional woman in her outlook on life, her upbringing of her son and her keen sense of duty. With her, work must come first no matter at what cost and she will never spare herself. The upholding of the ideals and honour of the MTS (Midwifery Training School) are very precious to her and anyone letting them down, she takes almost as a personal affront to us for whom she has a great love and devotion."
لقد تحقق من هذا البرنامج فوائد جمة، منها تغطية أغلب السكان بخدمات القابلة وانحسار معدلات وفيات الأمهات بسبب الحمل والولادة، وانحسار معدل حدوث كزاز الوليد (التتناس)، وارتفاع مستوى النظافة في القرى، كما حقق البرنامج مفهوم مشاركة المجتمع ومبدأ الاعتماد على النفس في مجال من أهم مجالات صحة المجتمع ألا وهو حفظ النفس. لقد أدى نجاح البرنامج إلى إنعتاق العقلية السودانية في مجال التخطيط الصحي من عقدة الاعتماد على النماذج المستوردة، وأتى بإبداعات وابتكارات لا حصر لها. إن هذا النموذج جمع بين الحسنيين العراقة والحداثة. وقد أمكن فيه الجمع بين الجيد من القديم والأفضل من الجديد وبمثل هذا النموذج يمكن تحقيق مفهوم الصحة للجميع.
يقول المرحوم الدكتور السماني عبدالله يعقوب: "وإن كانت لنا وقفة فهي وقفة لنصرخ في وجه مؤرخينا الوطنيين أن اكتبوا لنا عن ماضينا لتعيدوا لنا الثقة في الإنسان في بلادنا وأن تجعلونا نري مستقبلها على ضوء ماضيها" وكما قال تشرشل: "كلما نظرنا بعيداً إلى الوراء كلما استطعنا أن نرى أكثر إلى الأمام."
وعندما نذكر قابلة القرية كنموذج للنجاح ونذكر هؤلاء النساء العظيمات فلابد أن نذكر أيضاً رجالاً عظماء أوفياء.، عباقرة، أصحاب رؤية دعموا تدريب القابلات ومنهم الدكتور عبدالرحمن عتباني والدكتور سليمان مضوي رحمهما الله والدكتور عبدالسلام المغربي والدكتور الخير الشفيع الذي قضى سنوات عمره الأخيرة لا يغادر مدرسة القابلات بأم درمان وكان يمكن أن يقضي تلك السنوات في أي جامعة.
قس على نموذج قابلة القرية نموذج المساعدين الطبيين ونموذج الأطباء من الأجيال الأولى الذين أبلوا بلاء حسناً فكفوا ووفوا. إن على طلبة الطب والأطباء اليوم أن يفخروا بأطباء السودان الحفاة، أول الأطباء الحفاة على وجه الأرض، وعلينا جميعاً أن ندرس هذه التجارب والنماذج لنتعلم منها عوامل وأسباب النجاح، ونستفيد من ذلك في إنجاح الخدمات الصحية اليوم، هذا غيض من فيض في تاريخ الخدمات الطبية بالسودان. إننا نعرض هذه النماذج من التاريخ لا تباكياً على الماضي ولكن لإيقاظ حمية حب الوطن وحب الناس والإخلاص في العمل، ولنستنهض حمية الإبداع لأننا اليوم نملك من التقنيات والمعينات مالم يكن يمتلكه أسلافنا. إن الفرق بين جيلنا وذلك الجيل العظيم ليس في الإمكانات العقلية والاستعداد للإبداع والابتكار بل للأسف في الإخلاص في العمل فبينما كان عملهم خالصاً لوجه الله وخدمة للوطن والمواطنين صار عمل الكثيرين موجهاً لمنفعة الذات إلا من رحم ربي، صار هم الكثير منا الخلاص الفردي بينما كان همهم خلاص الجميع- كانت مشكلة الفرد هي مشكلة الجماعة ومشكلة الجماعة هي مشكلة الفرد. إننا نأمل أن يتحقق الحرص على الأكفاء وأصحاب البصيرة والانتماء المخلص وهم كثر في العمل الصحي وفي كل المجالات وإلا فسيعود شاعرنا وشاعر المؤتمر الذي لاحظ من وقت بعيد غياب الرجل المناسب في المكان المناسب يعود يقول لنا قولته المشهورة:
كل امرئ يحتل في السودان غير مكانه المال عند بخيله والسيف عند جبانه
إن الوفاء للأجداد كما يقول روجيه جارودي الفيلسوف الفرنسي المسلم "لا يتمثل في الحفاظ على رفاتهم ولكن في العمل على تبليغ رسالتهم وحمل شعلتها لتظل متقدة."
ب حسن بلّه محمد الأمين
مستشار مجلس التخصصات الطبية الخرطوم
عضو هيئة التدريس بجامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة سابقاً
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.