جرائم الاحتلال الاثيوبي في الفشقة .. بقلم: عادل عبد العاطي    لو كنت رئيساً - ماذا سأفعل ؟ .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة    8 بنوك و3 شركات طيران تجار عملة .. بقلم: د. كمال الشريف    حتى لا يرتد الوهج سميكا .. بقلم: عبدالماجد عيسى    في ذكري الكروان مصطفي سيد احمد .. بقلم: صلاح الباشا    في ذكرى الاستقلال ذكرى عبد الواحد .. بقلم: جعفر خضر    "شوية سيكولوجي8" أب راسين .. بقلم: د. طيفور البيلي    المحكمة ترفض طلبا للدفاع باستبعاد الشاكي في قضية علي عثمان    مقتل مواطن سوداني في انفجار جسم غريب    ارتفاع حصيلة أعمال العنف القبلي بالجنينة إلى 243 شخصاً    الثروة الحيوانية قد لا تظل طويلا ثروة متجددة! .. بقلم: اسماعيل آدم محمد زين    ويسألونك عن العيش .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    أهلي شندي يسقط أمام الشرطة القضارف .. فوز هلال كادوقلي على مريخ الفاشر    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الإمبراطورية البريطانية والقصة المجهولة للاحتلال الإنجليزي – المصري للسودان .. ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
نشر في سودانيل يوم 11 - 11 - 2020


مقدمة تاريخية: استعمار بلا حافز أو دافع
The British river empire and the unknown story of the Anglo-Egyptian occupation of the Sudan
A historiographical introduction: An imperialism without impetus
Terje Tverdt تيري تفدت
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة وتلخيص لبعض ما جاء في مقال بقلم الأستاذ الدكتور تيري تفدت (1951م - )، الذي يعمل الآن أستاذا للجغرافيا بجامعة بيرقن النرويجية، وسبق له العمل أستاذا لتاريخ العالم بجامعة أوسلو، وأستاذا للعلوم السياسية بذات الجامعة النرويجية. وسبق له العمل أبضا أستاذا زائرا بجامعة كمبردج البريطانية. قام تيري تفدت بكتابة عدد من الأفلام الوثائقية (منها واحد عن نهر النيل)، وألف العديد من الكتب والمقالات عن تاريخ النرويج، وتاريخ السودان وجنوب السودان (خاصة في مسألة المياه والتنمية فيهما). https://tvedt.w.uib.no/
نُشر هذا المقال في العدد السادس والثلاثين من مجلة الدراسات السودانيةSudan Studies ، الصادرة عام 2007م.
المترجم
************* ************ **********
لماذا أعاد البريطانيون والمصريون احتلال السودان؟ إن للإجابة هذا السؤال صلة مباشرة بالمرويات والنظريات عن الاستعمار بشكل عام، وبتقسيم أفريقيا في القرن التاسع عشر بوجه خاص. وللإجابة تأثير أيضا على فهمنا لبعض المسائل الرئيسية في تاريخ السودان الحديث، والعلاقات بين السودان ومصر. إن ما سيرد في هذا المقال من إعادة لتفسير المداوَلة والحوار البريطاني – المصري حول النيل في تسعينيات القرن التاسع عشر، والدوافع التي تقف خلف التخطيط لإقامة محطات للمياه على النيل في السودان، والرؤى المضمنة في تلك الخطط، سيحاول تقديم تفسيرات تناقض ما سبق تقديمه من تفسيرات سائدة لتقسيم أفريقيا وللسياسات البريطانية في وادي النيل. ويستند هذا المقال على تقارير لم يسبق استخدامها حتى الآن، وعلى إعادة تفسير للمصادر الأكثر تقليدية. ويختلف ما سيرد في هذا المقال عن التاريخ الدبلوماسي السائد في هذا الحقل البحثي، خاصة في الطريقة التي يركز فيها ويؤكد ويتكامل تحليليا في شأن العوامل الجغرافية والخواص الهيدرولوجية للنيل، وكيف أن تلك العوامل قد أثرت على مجال عمل وحيز تفكير أهم صناع القرار في بريطانيا.
************ ********
لقد نُشرت العديد من المقالات والكتب حول تقسيم أفريقيا ومسألة السودان، نذكر منها هنا دراسة لرونالد روبنسون وجون قاليقر بعنوان "أفريقيا والفيكتوريّون Africa and the Victorians"، وهي دراسة قدمت مقترحا نافذا وقويا لتفسير توسع بريطانيا بأفريقيا في أخريات عهدها الفيكتوري، يعده الكثيرون مساهمةً وثيقة الصلة بالنظرية العامة للاستعمار.
إن إعادة تفسير الدوافع والسياسيات البريطانية التي نقدمها في هذا المقال تعارض على نحو صريح ومنهجي ذلك التحليل الذي ورد في كتاب " أفريقيا والفيكتوريّون". ونلخص فيما يلي تفسير رونالد روبنسون وجون قاليقر للسياسة البريطانية واستراتيجيتها حيال النيل:
" لقد كان الدافع الرئيس لتلك السياسة هو "أمن الإمبراطورية"، وحماية شريان الحياة الأهم (قناة السويس) والسيطرة عليها، لأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية للهند بحسبانها محورا أساسيا للإمبراطورية. لذا أضطر البريطانيون لاحتلال المناطق الواقعة جنوب مصر بسبب خشيتهم من أن تقوم القوى الأوربية الأخرى بالاستيلاء على أعالي النيل، وأن تستخدم ذلك كرَافِعَة لإبعاد أو طرد البريطانيين عن السويس. لذا كان يُنظر لاحتلال بريطانيا للسودان على أنه كان، على وجه العموم، خطوة استباقية اضطرت القيادة البريطانية بلندن والقاهرة للقيام بها وهي مجبرة من أجل مصالح الإمبراطورية، ولدرء السياسات التوسعية للقوى الأوربية الأخرى في وادي النيل. وبحسب هذا التفسير فقد تشكلت أهمية السودان في الاستراتيجية البريطانية الاستعمارية على أساس أنه سيؤدي دور "الدولة الحاجزة buffer state" ضد القوى الأوروبية الأخرى، للدفاع عن المواقع البريطانية في مصر".
وبذا يربط رونالد روبنسون وجون قاليقر السودان بالنموذج المبدئي للدولة الحاجزة، ويسميانه "أفغانستان أخرى".
لم يسبب وجود دولة المهدي الإسلامية والمعادية للبريطانيين في السودان (بين عامي 1884 – 1898م) أي مشاكل كبيرة للبريطانيين في مصر. بل بالعكس، كانت بريطانيا مطمئنة وراضية بأن يكون السودان محكوما بالمهدويين، بل بدت العلاقة بين بريطانيا والمهدويين أشبه ما تكون بنوع من "التعاون الضمني". ولعل السبب في ذلك هو أنه "لم يكن بمقدور الدراويش الذين حكموا السودان أن يقطعوا سريان مياه النيل عن مصر ... إذ لم يكن بالسودان مهندسين للقيام بذلك" (صفحة 284 في كتاب " "أفريقيا والفيكتوريّون"). ورأى البريطانيون (فيما بعد) ضرورة السيطرة على السودان بسبب ضعف النظام المهدوي، وخشيتهم من أن يغري ذلك الضعف القوى الاستعمارية الأخرى باحتلال السودان".
وبهذا الفهم الذي ورد في كتاب "أفريقيا والفيكتوريّون" فإنه لولا ضعف تلك الدولة الحاجزة (أي الدولة المهدية)، والاخطار الاستراتيجية التي سببها تعدي القوى الأوروبية على السودان، لكان بمقدور السودان أن يحافظ على سيادته. ويمكن إعادة صياغة نظرية رونالد روبنسون وجون قاليقر في جملة واحدة هي: " لو لم تكن هنالك منافسة أوروبية للسيطرة على أعالي النيل، لما ثارت مخاوف البريطانيين، ولما أقدموا على احتلال السودان".
وتنبعث من ذلك التفسير المذكور فرضية مهمة حول قيمة مناطق أعالي النيل الاقتصادية، خاصة بجنوب السودان. وبحسب تلك النظرية فإنه ما من فائدة اقتصادية يمكن استغلالها في تلك المناطق لمصلحة الإمبراطورية البريطانية. ولم يكن صناع السياسة البريطانية يرون في السودان (قبل غزو بريطانيا له) أي قيمة اقتصادية، ولم يروا في الصراع مع فرنسا "للسيطرة على تلك الصحاري" إلا اختيارا لأسفل الدّرك، أو لأفضل ما هو موجود بين كل الخيارات الرديئة (bottom of the barrel). وبذا مد البريطانيون نفوذهم في تلك المناطق دون دوافع توسعية، وحاربوا في جنوب السودان ولكن ليس لاستغلال موارده. وبذا يمكن أن نصف ما أتى به رونالد روبنسون وجون قاليقر بأنه مثال نموذجي لما يمكن تسميته ب "استعمار بلا حافز أو دافع". وتبنى لاحقا مؤرخون آخرون (منهم بيتر هولت وروبرت كولينز) نظرية رونالد روبنسون وجون قاليقر، مع بعض التعديل.
********** ********* ********
استعمار بدافع قوي: إمبراطورية النيل واستعمار المياه
فسر الكثير من الكتاب والمحللين التنافس الأوروبي على افريقيا عند تناولهم لمسألتي النيل وتقسيم تلك القارة بأنه كان أمرا ضروريا وكافيا كشرط مسبق للتوسع البريطاني في وادي النيل. ورغم أننا في هذا المقال لا نستبعد ذلك العامل بالكلية، إلا أننا نرى أنه لا يفسر بمفرده التحولات التي حدثت في السياسة البريطانية حيال السودان في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، ولا يجلي عن كل المصادر التي كشفت بوضوح عن الخطط البريطانيين المتعلقة ب "الاستعمار المائي" في وادي النيل.
إن الفكرة الأساسية في هذه المقالة هي أن اقتصاديات الري المصري وآثار وتداعيات الأزمة في مصر في نهايات القرن التاسع عشر هي ما شكلت مصير السودان وباقي أعالي النيل (توسع الكاتب في شرح فكرته في كتاب له صدر عام 2006م بعنوان: "نهر النيل في عصر البريطانيين: البيئة السياسية والبحث عن القوة الاقتصادية The River Nile in the Age of the British: Political Ecology and the Quest for Economic Power ". المترجم). وهذه فكرة تختلف عن رأي رونالد روبنسون وجون قاليقر الذي يفيد بأن الخوف هو ما حفز البريطانيين ليتقدما بجيشهم عبر النيل جنوب مصر، بينما تفسيرنا هو أن الدافع لغزو بريطانيا وسيطرتها على المناطق جنوب مصر كان هو محدودية مياه الري في مصر، من جهة، ووفرة مياه النيل التي يُنتظر أن تحصل عليها بريطانيا بعد سيطرتها على المناطق جنوب مصر، من جهة أخرى.
وكان أغلب البُحَّاث قد كتبوا عن التصور البريطاني لجنوب السودان الذي كان يُعد منطقة عديمة القيمة، ويُوصف مجازا بأنه في "قاع البرميل" أو في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ من حيث الأهمية. ولكن يؤكد هذا المقال أن خبراء الاستراتيجية البريطانية كانوا، على العكس من ذلك، يرون أن جنوب السودان هو "برميل ممتلئ بالماء". فهذه المنطقة غنية بالكثير من المياه غير المستخدمة، التي كانت تُعد بالنسبة لاقتصاد الري المصري – الذي تسيطر عليه بريطانيا- أغلى من الذهب. لذا فإن اعتبار السودان مجرد "دولة حاجزة" بين الدول الأوروبية المنافسة هو من باب التضليل. فالسودان هو المفتاح الحقيقي لخطة التنمية في مصر وصناعة القطن فيها بسبب موقعه المادي في حوض النيل.
وهذا التحليل يتحدى الوصف العام والشائع لصناع القرار البريطانيين في ذلك الوقت، الذي كان متأثرا بتلك السيكولوجية الدفاعية التي ظلت تحرس شمال الهند، ونقلت لإفريقيا (صفحة 288 من كتاب "أفريقيا والفيكتوريون"). غير أن هذا المقال يوضح أن خطط البريطانيين للسيطرة على مياه أطول وأشهر الأنهار في العالم عن طريق أحدث التقنيات المتوفرة في ذلك الوقت كانت متجذرة في شعور بالقوة الاستعمارية وبالثقة في التحديث. وعوضا عن النظرية التي تقترح نوعا من "الامبريالية الدفاعية" التي تمتد إلى ما وراء مناطق الاقتصاد المتوسع، ولكنها تعمل من أجل مصلحتهم الاستراتيجية" (صفحة 474 - 475 من كتاب "أفريقيا والفيكتوريون")، يقترح كاتب هذا المقال في تحليله بأن سياسة بريطانيا في شأن مياه النيل كانت نوعا من السياسة المائية الاستعمارية البرومثية (أي المنسوبة إلى سمات نصف إله يسمى بروميثيوس Prometheus ، خاصة في كونه مبدعًا ومبتكرًا بشكل متمرد)، وهو استعمار يمتد إلى ما وراء مناطق الاقتصاد المتوسع، ولكنه يعمل من أجل صالح التنمية المصرية في مجالي الزراعة والاقتصاد.
وكانت طبيعة وخواص نهر النيل المادية قد جعلت من التوسع جنوبا عبر ذلك النهر سياسةً منطقية. وتثبت الخطط التي وضعها البريطانيون للتنمية في مجال مياه النيل، والتقارير السنوية التي حررها اللورد كرومر (المفوض البريطاني في مصر) ومحاضر اجتماعاته مع المسؤولين بلندن، وما جاء في مذكرات العديد من الشخصيات البريطانية المهمة عن وادي النيل، أن غزو السودان والسيطرة عليه لم يكن عملا اعتباطيا أو خطوة في الظلام. وعلى العكس من ذلك، كانت هيدرولوجيا النيل وجيولوجيا وادي النيل من الدوافع الاقتصادية والسياسية التي حفزت بريطانيا لتسيير حملة لاحتلال مناطق أعالي النيل وفق سياسة استعمارية معقدة وبعيدة النظر، أتت نتيجة لمعرفة وتقدير لإِمكانات وخواص النيل الجغرافية والفيزيائية والهيدرولوجية.
****************** ************
قناة السويس والسيطرة على مياه النيل
كانت هنالك عدة أسباب دفعت بريطانيا للسيطرة على مصر في عام 1882م. وتلخص مذكرة كتبت وصدرت عن رئاسة الجيش المصري في عام 1892م أهمية مصر الإستراتيجية. جاء في تلك المذكرة أنه "لا جدال في أنه مهما تكن قوة الجيش الذي أحتل مصر، فإن بمقدوره إغلاق قناة السويس أمام من لا يرغب (في عبورهم للقناة)، متى أراد ذلك". وكانت الحكومة البريطانية في لندن ولورد كرومر وإدارته في القاهرة تدركان منذ سنوات نتائج كون بريطانيا تحكم مجتمعا مائيا hydraulic society كانت تنميته – ولا تزال - تقوم على مياه النيل. وكان كل حكام مصر قد خبروا أن توفير مياه كافية لمحاصيلهم هو أمر ضروري وأساسي من أجل ضمان الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي. وكان الحكام البريطانيون يدركون أن موقفهم في السويس يعتمد على تنمية وتطوير النيل. وغدت مصر أيضا دولة مهمة كمنتجة للقطن الذي تستخدمه مصانع الغزل والنسيج بلانكشير، نتيجة لما حدث بعد الحرب الأهلية الأمريكية، وأيضا نسبة لجودة الأقطان المصرية التي تنتج من أراضٍ يرويها النيل. ومن مقولات رئيس الوزراء المصري نوبار باشا (1825 – 1899م) المأثورة أن "المسألة المصرية هي مسألة ري". وتتفق كلمات البريطانيين وأفعالهم مع تلك المقولة المشهورة.
وسرعان ما أدركت بريطانيا أنها إن أرادت أن تصبح الحاكمة المسيطرة على الدول الواقعة جنوب مصر التي يشقها أطول نهر في العالم، فإن عليها أن تَرَكَّز على مياه النيل وعلى كيفية استغلاله.
******* ********* ********* *****
مسألة النيل في العقود الأولى للحكم البريطاني
عندما دانت السيطرة على مصر للإدارة البريطانية (برئاسة لورد كرومر، 1883 – 1907م) غدا التركيز الأساس في تنمية وتطوير الاقتصاد على مجال مياه النيل. ولم يكن ذلك مجرد رغبة من البريطانيين، بل كان أولوية اضطروا لها اضطرارا، إذ أن الطلب على المياه – خاصة في فصل الصيف – كان عاليا عند كل أطياف المجتمع المصري، ومن جماعات ضغط عديدة في بريطانيا. ولا عجب، إذ كان القطن يشكل معظم التجارة الخارجية لمصر، وكان كبار ملاك الأراضي بمصر يحوزون على ثلثي انتاج مصر من القطن. وتزايد عدد السكان بمصر حتى بلغ 10,000,000 نسمة في عام 1897م، وتزايدت كذلك مطالب الفلاحين الفقراء للحكومة لتوفير مزيد من المياه. وكانت صناعة الغزل والنسيج في لانكشير ترغب – لأسباب كثيرة - في تقليل اعتمادها على القطن الأمريكي. وصارت تلك الصناعة تعتمد أكثر فأكثر على القطن المصري لجودته ورخص سعره. وبالإضافة لذلك بدأت المصارف البريطانية تولي اهتماما خاصا بالاقتصاد المصري الذي كان قد شرع في الازدهار. وكانت الديون المصرية قد ازدادت، وتضاعفت في عام 1882م لتبلغ 100,000,000 جنيها مصريا، مع خدمة سنوية لتلك الديون بلغت 5,000,000 جنيها مصريا، كان يذهب معظمها لبريطانيا. وكانت قدرة مصر على سداد تلك الديون تعتمد أساسا على ما تصدره من قطن، وعلى قيمة أراضيها الزراعية. ومن دلائل اهتمام بريطانيا بأحوال الطقس والمياه في مصر أن كانت صحيفة "التايمز" تنشر بصورة منتظمة ارتفاع مناسيب مياه النيل! لذا زاد التطور السياسي والاقتصادي العام، والتغييرات في أنظمة التجارة العالمية في القطن من الضغوطات على حكام بريطانيا في القاهرة من أجل توفير المزيد من المياه للأراضي الخصبة على طول شَاطِئَي النيل.
ولم يكد البريطانيون يغرسون أعلامهم فوق شُطآن النيل حتى قوبلوا بمطالب مستمرة لإقامة مُنشآت مائية بالبلاد. ومع تزايد الطلب على المياه من جانب، ونهر ما زال لم تتم السيطرة عليه من جانب آخر، كان على أي إدارة مصرية في نهاية القرن التاسع عشر أن تجعل من السيطرة على المياه على رأس أولوياتها. فبدأ البريطانيون في التفكير في زيادة مناسيب مياه النيل في الصيف (حين يكون نبات القطن في مرحلة النمو، ومنسوب المياه في أقل مستوى له). وكانوا يفكرون أيضا في كيفية حماية الأراضي الزراعية من أخطار الفيضانات، وتخزين مياه النيل الفائضة في سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر واستخدامها في موسم ندرتها. وبدأوا في التخطيط لإنشاء سدود تقلل من الفروقات في مناسيب المياه السنوية المتذبذبة.
وكانت الفجوة بين سهولة الحصول على المياه وبين الطلب عليها مصدر قلق مستمر للبريطانيين. وكان تعقيد تلك المهمة قد ازداد مع التوسع في الري الدائم، والكشف عن إمكانياته الاقتصادية. وواجه البريطانيون مطالب وتوقعات متزايدة، وكانت شرعيتهم كحكام على مجتمع يعتمد على الزراعة المروية تتطلب أن ينجحوا في تضييق الفجوة المتزايدة بين الطلب على المياه وبين ما هو متاح منها بالفعل.
ولجأ ساسة بريطانيا بالطبع لمهندسي الري لإيجاد حلول للمشكلة وبدأوا بتحسين وسائل الري المستخدمة في ذلك الوقت، وتشييد بعض وسائل التحكم بالمياه في داخل الحدود المصرية.
مستقبل السودان كدولة نيلية
طور البريطانيون في تسعينيات القرن التاسع عشر استراتيجية وخططا لإقامة امبراطورية نيلية على طول نهر النيل. وكان ما سُمي ب "الاحتلال البريطاني – المصري" الذي مولته الخزانة المصرية قد نال، على وجه العموم، تأييد النخب المصرية. وكان ذلك يعكس النظرة الغالبة في مصر بأن النيل هو "نيل مصري". غير أن استراتيجية بريطانيا كانت تقضي بتنمية وتطوير النيل حتى يزيد من انتاج القطن في مصر ويقوي من اقتصادها، وفي ذات الوقت، العمل على تنمية وتطوير السودان كدولة مستقلة عن مصر باستخدام مياه النيل في السودان أيضا. وكان البريطانيون قد خططوا منذ وقت باكر لزيادة كبيرة في الأراضي المروية في شمال السودان باستخدام مياه فيضان النيل الأزرق (خاصة في سهول الجزيرة). وكان هذا موافقا لمصالح جماعة ضغط (لوبي) صناعة القطن في إنجلترا. غير أن تلك السياسة المائية كانت، في ذات الوقت، قد أفضت لتكوين نخبة جديدة من السودانيين، ازدهرت أحوالها نتيجة لمشاريع الري الجديدة بالبلاد التي اعتمدت على مياه النيل. وهذا ما خلق تضاربا في المصالح بينهم وبين مطالب مصر المائية. وعندما أيد البريطانيون لاحقا بدايات نضال السودانيين للانفصال عن مصر (والبقاء تحت الحكم البريطاني)، ثم تأييدهم لاحقا لاستقلال السودان (والبقاء تحت النفوذ البريطاني) ضد مصر (شريكتهم الأسمية في حكم السودان)، قام البريطانيون بتطبيق استراتيجيتهم الأساسية التي ظلوا مستمسكين بها طوال سنوات حكمهم لحوض النيل، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي: "القوة التي تمسك بالسودان تمسك بمصر تحت رحمتها، ويمكن لتلك القوة أن تهيمن على قناة السويس عن طريق مصر".
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.