قائد بقوات النور قبة يحسم جدل فيديو    جراحة بالمنظار في تشكيلة الهلال    نجاة ترامب من محاولة اغتيال    قضايا استراتيجية على طاولة الاجتماع الأول لمجلس الرومان الجديد    اكتمال الترتيبات لانطلاق البطولة العربية للشباب.. الاجتماع الفني يحسم التفاصيل في تونس    تطوّرات بشأن الميناء البري في الخرطوم    ترامب يمدد إعفاء نقل البضائع بين الموانئ الأميركية 90 يومًا    وداعًا للمجتمعات.. "إكس" تعيد رسم خريطة التواصل    ميتا تفتح نافذة جديدة للآباء: مراقبة محادثات أبنائهم مع الذكاء الاصطناعى    تحرك أميركي مفاجئ نحو إريتريا يعيد رسم موازين النفوذ وسط اشتعال حرب السودان    هدنة لمدة 90 يومًا على طاولة المفاوضات.. القاهرة تقود مسار التهدئة في السودان    المقرن الاخطر .. عودة إلى الخرطوم لكن آلاف الألغام ما زالت في الانتظار    إصابة صلاح مع ليفربول تثير قلق مصر قبل كأس العالم    محمد الشناوى يطالب نجوم الأهلى بالتمسك بالفرصة الأخيرة فى التتويج بدوري نايل    شاهد بالصورة والفيديو.. قُدرت بملايين الجنيهات.. "جلابي" يرمي أموال طائلة على الفنانة فهيمة عبد الله في إحدى الحفلات والأخيرة تتفاعل معه بالضحكات    شاهد بالفيديو.. عائشة الماجدي ترد على إتهامها بتكوين صداقات مع المسؤولين.. الصحفي الناجح هو الذي يملك مصادر داخل الدولة تمده بالأخبار    شريف منير يكشف عن أهم شخصية درامية قدمها فى مسيرته الفنية    لا يوم نصفتينى ولا يوم عرفتينى.. شيرين عبد الوهاب تتصدر التريند بالحضن شوك    ياسر جلال ينفى شائعة مرض ميرفت أمين: نزلة برد خفيفة ومتواجدة بمنزلها    تفوق واضح للجراحة على المناظير في استبدال الصمامات الصناعية    هكذا يؤثر مرض السكر على عينيك.. 5 نصائح لحماية بصرك    معماري سوداني يفوز بالجائزة الكبرى لجمعية المعماريين اليابانيين والسفارة بطوكيو تحتفي بإنجازه    شاهد بالفيديو.. "أكل القروش".. الفنانة إنصاف مدني تتهم مدير أعمال المطربة إيمان الشريف باستلام "عربون" عدد كبير حفلاتها والتصرف فيها    زيادة أسعار غاز الطهي بالخرطوم    كيف سيتم التعامل مع القادمين من جحيم آل دقلو؟    السودان يعلن رؤيته الاستراتيجية لمكافحة الملاريا بمناسبة اليوم العالمي للملاريا    الهلال في اختبار لا يقبل التعثر    ترامب: إيران ستقدم عرضا    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: السيد رئيس الأركان هناك راجمة (ضاربة) على السودان    تُرى من يقف وراء هذا الخلاف العجيب؟!    الزمالك يتفوق على بيراميدز في المواجهات وفارق الأهداف قبل صدام الليلة    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    ليست حموضة عادية.. دراسة تكشف علامات مبكرة لسرطان المرىء    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    شاهد بالفيديو.. الجاكومي: (قابلت حمدوك في برلين وبادر بالسلام وقال لي نحنا مختلفين سياسياً لكن حب المريخ يجمعنا)    أطباء بلا حدود : علي ظهور الجمال والحمير … اللقاحات تصل جبل مرة    ترامب: سنمدد وقف إطلاق النار مع إيران حتى تقدم طهران مقترحاتها وتكتمل المفاوضات    محافظ مشروع الجزيره :المليشيا نهبت ودمرت أصول المشروع بطريقة ممنهجة والخسائر بلغت 6 مليار دولار    الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»    إحباط محاولة تهريب في السودان    ترامب: استخراج اليورانيوم المخصّب من المنشآت النووية الإيرانية ستكون عملية صعبة    ارتفاع في وارد محصول الذرة وانخفاض في الأسعار بالقضارف    الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد    مصر.. قرار بشأن المنتقبات بعد تدخل شيخ الأزهر في عملية اختطاف هزت البلاد    عثمان ميرغني يكتب: الصورة مقلوبة    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    السودان.. القبض على 4 ضباط    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأستاذ خضر سيد أحمد مكاوي (1938-2021): "مات قبل أن يكتب الفصل الأخير من ذكريات الفتى المعهدي" .. بقلم: أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك
نشر في سودانيل يوم 16 - 01 - 2021

مهلاً يا "هادم اللذات"، فإنَّ ذكريات الفتى المعهدي لم تكتمل بعد؛ لأنها بدأت بلحظة الميلاد في "غرفةٍ عارية الستائر، عامرة بالحب والبشائر"، كما وصفها صاحب السيرة نفسه، بقرية الكشواب التحت بجزيرة قنتي عام 1938، وذلك في خريف العام الذي زار فيه السيد علي الميرغني المنطقة. وبعد ذلك الميلاد الفريد تسلسلت فصول السيرة الذاتية، التي طالعها القارئين بإمتاعٍ ومؤانسةٍ على صفحات "قنتي الأم" على الفيسبوك، وطالبوا بالمزيد، بل أن بعضهم ظل يحدوه الأمل أن تُطبع ذكريات الفتي المعهدي في ثوب قشيب، بعنوانها ومقدمتها وفصولها وخاتمتها، ويعلو اسم المؤلف صفحة غلافها الأمامي: الأستاذ خضر سيدأحمد مكاوي. ومن هؤلاء الفضلاء الصديق الأستاذ صلاح أحمد الكجم، الذي يرى أن "فكرة التوثيق المتكامل لتاريخ قنتي أمر استراتيجي؛ لاستمرار ثقافتنا، وتراثنا، وفلكلورنا، ونشاطنا الاقتصادي، والأهم في ذلك، المعرفة بين الاجيال الحالية والمستقبلية." ثم تساءل الكجم قائلاً: "كم فقدنا من ذاكرة عشيرتنا خلال السنوات القليلة السابقة؟ وسيستمر فقدنا، وذهاب كبارنا بوتيرة أسرع." نعم أنَّ الوتيرة أسرع ورحيل الكبار-أوتاد الأرض مؤلم، فها نحن اليوم الأربعاء الموافق 13 يناير 2021م نودع علماً من أعلامهم البارزين، وشيخاً من مشايخ التاريخ الشفوي في المنطقة، والذين تذخر صدورهم وعقولهم بتاريخ قنتي غير المكتوب والمسكوت عنه أحياناً. وإلى جانب ذلك كان المرحوم أستاذ الأجيال خضر سيدأحمد شعلة من النشاط الممتد في كل فضاءات الحياة العامة، ونذكر منها ثلاثة فضاءات جديرة بالعناية والتوثيق.
أولها فضاء التعليم والتعلم، الذي نبغ فيه طالباً نجيباً ومعلماً كفوءً. إذ بدأ مسيرته التعليمية بخلوة الشيخ مصطفى سيدأحمد بابوش بقنتي بحري عام 1945م، ثم انتقل إلى خلوة العونية 1946م، بعد أن دمَّر فيضان عام 1946م خلوة الشيخ مصطفي، ثم انتقل للخلوة النظامية عام 1947م بعد أن أُعيد تأسيسها في مكان الخلوة القديمة، ثم مدرسة قنتي الصغرى عام 1948م. وفي العام 1950 التحق الطالب خضر بمعهد كورتي الديني، الذي عقد مقارنة طريفة بين تلاميذ المعهد من أبناء جيله وتلاميذ المدارس النظامية في كورتي آنذاك، قائلاً: "كنا نراهم يجلسون على الكنبات ويأكلون على السفرة، ونحن نجلس على الحصير، ولكنا كنا نباهي بالعلوم التي ندرسها، وباندماجنا في مجتمع كورتي... كنا نحفظ الأجرومية، ونقرأ شرح الشيخ خالد في النحو، ونحفظ العشماوية، ونقرأ شرح الصفتي في الفقه، وكنا نحفظ متن الخريدة للشيخ الدرديري في التوحيد، وكان شيخ المعهد آنذاك الشيخ عبد الفتاح أحمد عبد العاطي، نجل العالم النحرير الشهير أحمد وديابو." وبعد أن أكمل السنة الثانية بمعهد كورتي واصل الطالب خضر دراسته معهد ود مدني الأوسط، وهناك عاصر محمد أحمد البشير، ومحمد الأمين مصطفى، والرشيد إبراهيم مكاوي، ومحمد أحمد أزرق، وعلي ود هاشم (الزعيم)، وعبد اللطيف ضرار. وإلى جانب مواد المعهد الدراسية كان مولعاً بقراءة الصحف المصرية، مثل الأهرام، والمصور، وآخر ساعة. وبعد أن أكمل تعليمه الأوسط بالسودان، شد رحاله إلى قاهرة المعز، وعمره لم يتجاوز الخمسة عشر ربيعاً، حيث درس بمعهد القاهرة الثانوي (1952-1954م)، وكلية الدراسات العربية بجامعة الأزهر (1954-1960م)، ثم معهد الإعداد والتوجيه بجامعة الأزهر (1960-1964م). وفي القاهرة شهد الطالب خضر بدايات ثورة يوليو 1952م، ونهل من أدبيات التيارات السياسية المختلفة، وكان أكثر ميلاً وإلماماً بأطروحات اليسار الجاذبة آنذاك. وبعد أن استقام ميسم دراسته الجامعية بجامعة الأزهر عاد إلى السودان، وعمل بالمؤسسات الارشادية والتعليمية الآتية. والتي بدأها بقسم الوعظ والإرشاد بقرية قلي بمنطقة كوستي، والتابع لمصلحة الشؤون الدينية (1965م)؛ ثم انتقل إلى رئاسة قسم الوعظ والإرشاد بالخرطوم (1965م)؛ ومنه إلى معهد طوكر العلمي بالبحر الأحمر (1965-1968م)؛ ثم معهد تنقسي الأوسط بالولاية الشمالية (1968-1969م)؛ ثم معهد عطبرة الأوسط (1969-1970م). وبعد ذلك انتقل إلى للتعليم الأوسط، حيث عمل بمدرسة العمال الثانوية العامة بعطبرة (1970-1971م)؛ ومدرسة الكرو الثانوية العامة بنات (1971-1973م)، ومن الكرو انتقل مترقياً إلى مدرسة كورتي الثانوية العليا للبنين (1973-1975م). وبعد هذه الخبرة التدريسية الطويلة المتراكمة هاجر الأستاذ خضر للعمل في حقل التدريس بالجماهيرية العربية الليبية (1975م). وبعد عودته من ليبيا عمل بمعهد تدريب معلمات الدامر (1976م)؛ ومدرسة عطبرة الثانوية للبنات (1976م-1981م)، ومدرسة أمدرمان الأهلية (1981م)، ثم أخيراً ختم حياته التعليمية والتدريسية بمدرسة المقرن الثانوية (1981-1982م). وبعد المعاش الاختياري آثر العمل التجاري الحر بسوق الخضار بالخرطوم (1982-1992م)، حيث "ضاع التاريخ الدقيق"، وأضحت قيمة الزمن قيمة اجتماعية أكثر من أنها رياضية. وفي اثناء فترة الزمني الاجتماعي غير المحسوب رياضياً، راوده الحنين إلى حقل التدريس، حيث عمل بداومٍ جزئي في مدارس ابن بيضاب، ومدارس الهندسيين، ومدارس قناديل العطاء الخاصة، وإدارة التعليم الخاص بمحلية كرري، كما تعاون في مجال تدريس اللغة العربية مع جامعة الجزيرة، وجامعة السودان المفتوحة، وجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا. ويبدو أن أجمل تجاربه التدريسية كانت بمدرسة كورتي الثانوية، التي كتب عنها قائلاً: "في كورتي وجدتُ المدير عبد الله محمد خير قد حجز لي ديوان عمر الحسن كمبال المواجه لسوق كورتي، وليس بعيداً عن المدرسة. وبدأت رحلتي مع مدرسة كورتي الثانوية رئيساً لشعبة اللغة العربية، وجدت بالمدرسة مجموعة من الأساتذة لم يتكرر أمثالهم في هذه المدرسة، فقد أحرزوا نتائج متقدمة في أول دفعة تتخرج من المدرسة رغم ضعف المعينات، ثم المرتبة الأولى في القسم الأدبي في العامين التاليين، وقد خذلهم عدم حضور أساتذة العلوم التطبيقية في الوقت المناسب، وعدم وجود المعامل. وهذا ما دفع تلميذي النجيب المكي عبد القادر أن يتحول إلى القسم الأدبي في منتصف العام الدراسي؛ ليحرز المرتبة الرابعة على مستوى السودان"، ويذكر الأستاذ خضر من أمثال تلميذة المكي عبد القادر، "الدكتور علي حسن طه، مدير مركز تطوير أبحاث الإبل التابع لجامعة الخرطوم، والدكتور محمد أحمد الفيل عميد كلية الزراعة، والمصرفي بابكر علي الصويلح، مدير الاستثمار ببنك المزارع، والدكتور عبد الباقي عبد الله المكي، مدير الأحياء البرية." وتقديراً لعطائه المتفرد في مدرسة كورتي الثانوية، رثاه أحد تلاميذه النجباء، الأستاذ الشاعر إبراهيم خالد أحمد شوك (العفَّاض)، قائلاً:
سَبَقْتَ خُطاكَ سَعْيَاً للمَعالِىْ *** (ومَنْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خُطَاً مَشَاهَا)
نَهَلْنَا مِنْكَ نَبَعَ العِلْمِ حِكَمَاً *** ولُبُّكَ شَذَّبَ الأَنْفَسْ رَوَاهَا
غِراسُكَ مَدَّ وَعْدَاً يَحتَوينَا *** وَمَلَأَ نَعِيْمُهُ رُوحَاً وفَاهَا
رَفِيقٌ لِلْمَكَارِمِ لَا يُضَامُ *** رِيَاضُ الحُسْنِ تَكْسُو مَنْ رَعَاهَا
فمِثْلُكَ خَالِدُ الذِّكْرَى ويَسْمُو*** بِسِيرَتِكَ النَّبيلةِ مُحْتوَاهَا
يَفُوزُ مَنِ اسْتَقَامَ عَلَى الصِّرَاطِ *** أَثَابَ النَّفْسَ عَنْ زَلَلٍ نَهَاهَا
أَيَا اللَّهُ فِى الْفِرْدَوْسِ بَيْتَاً *** وَرَحْمَةَ مِنْكَ لايُنْجِى سِوَاهَا
وثاني الفضاءات التي شغلت مساحة واسعة في حياة أستاذ الأجيال خضر سيدأحمد مكاوي هو فضاء العمل المجتمعي في قنتي وبين أبناء قنتي في العاصمة القومية، والذي استهله منذ فترات دراسته الباكرة، والدليل على ذلك قوله: "في العطلة الصيفية شاركت مع زملائي في إقامة أول اتحاد لطلاب قنتي العام 1954، وكان عدد الطلاب حينها فقط 34 طالباً أو قل تلميذاً. لأن الاتحاد حينها تكون من تلاميذ المدارس والمعاهد الوسطى والثانوية، ولم يكن يوجد من تخطى إلى الجامعات. وتكونت لجنة الاتحاد من أحمد العمدة رئيسًا، وحضر سيدأحمد نائباً للرئيس، وعثمان إبراهيم سكرتيراً، وأحمد عبدون نائباً السكرتير، وموسى محمد موسى، أميناً للمال. وكانت الاجتماعات تتم في ديوان شيخ مصطفى أو في ديوان العمدة. وأول عمل قمنا به أن فتحنا فصولاً لمحو الأمية في ثلاثة مواقع، الأول منها في ديوان شيخنا مصطفى؛ والثاني في دكان ود إدريس، والثالث في دكان حاج بكري." ويؤكد هذا النص المقتبس من مسودة ذكريات الفتي المعهدي أن مسيرته في العمل العام تُقدر بأكثر من ستة عقود، شملت مساهماته الفاعلة في لجنة نادي قنتي التأسيسية بالخرطوم، ولجنة مستشفى التضامن، ولجنة دعم المشروع الزراعي بقنتي، ولجنة درء أثار فيضان عام 1988م. وكان يتمنى أن يكون لنادي قنتي بالخرطوم دور رائد في نهضة قنتي الأم، لإيمانه بأن للأوطان في دم كل حرٍ يد سلفت ودين مستحق. ويتجلى ذلك في الرسالة التي بعثها في 21 أكتوبر 2019 عبر حسابه على الفيسبوك من خارج الخرطوم إلى كل أبناء قنتي باختلاف أجيالهم، وكان موضوعها عن ترشيح اللجنة التنفيذية لنادي قنتي الثقافي والرياضي بالخرطوم. أما بعض فقرات نصها فتقرأ هكذا: "وعشمي وأنا بعيد أن يتم التوافق على لجنة فاعلة، يكون قوامها الشباب، ويمثل فيها كل نواحي قنتي، والتركيز على الفاعلين، وأن تضم من لهم اهتمام بالرياضة؛ لنرى نشاطاً مثل ما حدث بداية اللجنة السابقة. وأن يمثل فيها طلاب قنتي حملة مشاعل مستقبل قنتي... أملي أن يكون الحضور شاملاً، وألا يتأخر أي فرد؛ لأن هذا الاجتماع أهم من الجمعية العمومية. عمكم خضر سيد أحمد مكاوي."
وإلى جانب ذلك كانت للأستاذ خضر إسهامات خارج منطقة قنتي، وأذكر عندما كتبتُ مقالاً عن "طريق أمدرمان-القبولاب-دنقلا"، بعث إليَّ برسالة مفادها: " سرد رائع لرحلة هي جزء من تاريخ المنطقة. أما الطريق الذي سمي شريان الشمال، فاذكر جزءاً منه. لقد تكونت لجنة من الحادبين لإنشاء وتعبيد الطريق، أذكر أنها قامت بدراسات ووصف للطريق، وعمل خريطة لمسار الطريق باسم (طريق أمدرمان دنقلا)، أذكر أن أول لجنة بدأت هذا العمل كانت برئاسة سوار الدهب أحمد عيسى، من ابناء تنقسي، وسكرتارية محمد احمد مكي من ابناء قنتي، وكنت أحضر اجتماعات هذه اللجنة نيابة عن نادي قنتي. وبدأت اللجنة في البحث عن التمويل عن طريق مساهمة المواطنين بجوالات البلح وتبرعات المغتربين، وكان المصريون قد وضعوا علامات على مسار الطريق، أذكر أيضاً أن الفاضل بيضاب كان يناوبني في حضور اجتماعات نادي تنقسي، وأذكر أنه حين حدث انقلاب الانقاذ استولت على هذا العمل، وتكونت شركة ما يسمي شركة شريان الشمال، واستولت على المشروع بما يملك ناس الحاج عطا المنان. وحدث ما حدث، وأرجو الطلب من الأستاذ محمد احمد مكي أن يوفر معلومة تفصيلية أوضح مما ذكرت، وسوف أرسل لكم أول خريطة للطريق وضعتها اللجنة المذكورة."
وكان أيضاً مشغولاً بتطورات مشروع علي نارتي بالشرق وأراضي قنتي التي تمت مصادرتها عن طريق لجنة التمكين، فاقتراح أن تسجل في شكل مشروع تعاوني-زراعي. وفي آخر رسالة له بتاريخ 4 يناير 2021 على موقع "قنتي الأم"، رداً على رسالة بعثها إليه المهندس عبد الوهاب سلفاب، كتب الأستاذ خصر قائلاً: "تساءل الأخ عبد الوهاب سلفاب عن موضوع الأراضي التي لها علاقة بقنتي، وعلَّق بعض الإخوة بما لديهم من معلومات وجوانب هم طرف فيها، وسوف أفصِّل كل ما يتصل بهذا الأمر من خلال المعلومات المتوفرة لدي، بحكم متابعتي عن قرب بهذا الأمر إن شاء الله." لكن إرادة الزمن غلابة، ولكل أجل كتاب، توفي الأستاذ خضر بعد أقل من عشرة أيام من تاريخ هذه الرسالة.
ثالث الفضاءات التي لمع فيها نجم الأستاذ خضر فضاء التوثيق عن تاريخ قنتي وتراثها الفلكلوري، حيث رسم صورة بارونامية لحلال قنتي قبل فيضان عام 1946م، وذلك بدءً من دومة عبدون وانتهاءً بسيال ود علج، وكتب عن نمط الحياة التي كانت سائدة في قرية الكشواب التي وُلِد بين ظهرانيها. ووقف عند كثير من المعالم البارزة التي أصبحت أثراً بعد عين، ونذكر منها ديوان التاجر سيدأحمد ميرغني الذي بني من الطوب الأحمر في حلة اللقادرنجي، وبيوت الخواجات ومحالهم التجارية، والحاجة حسونة التي ينسب إليها (درب الحاجي) الذي يربط قنتي القديمة بقنتي صبر زين، وأصَّل لها الأستاذ خضر قائلاً: "إنَّ الحاجة حسونة بنت النور ود حاج جميل من العايداب ووالدتها من العفَّاض، وعمتها زينب بت حاج جميل والدة ود الففير، ووالدة بتول بت محمد أم الرشيد قرجة ومحي الدين قرجة، وأم الزلال قرجة والدة عبيد بخيت، وأم السارة قرجة والدة سيدأحمد علي كدر... وبعد أن توفي والدها وهاجر شقيقها، شمرت عن ساعدها، وعمرت ما تبقى لها من أرض. وكانت تزرعها بنفسها، وكانت تحج إلى بيت الله عاماً بعد عام، وأقامت على هذه الأرض غابة من النخيل، كانت تحضر بذورها من المدينة ومن بلاد الشايقية، وأضحت الغابة لاحقاً تُعرف بتمر الحاجي. وكانت تسكن داخل جنينتها هذه، وتمد الغادي والرايح بالماء والبلح، مما اكسبها هذه الشهرة. ويقال إنها أخرجت ثلاثة أمتار من أرضها، وقالت لمفتش الزراعة هذا مني ليكون درباً للمارة، رغم أن جيرانها كانوا يرون أن الدرب سوف يجر لهم الخراب، لهذا سمي درب الحاجي."
وما أجمل كتاباته في وصف أطعمة أهل القرية آنذاك، ملاح الكُرارة، والكربوج، والكُداد، ولسان الطير، والدقُوقية، والتُكَّاب؛ وألعاب الأطفال، مثل الطاب، والشد، وكعود، والرمة وحراسها، وقمر. وكذلك وصفه لنساء حلة الكشواب اللاتي كن يمثلن نمط من أنماط الحياة القروية والتمازج الاجتماعي، "فقد كانت عزاز الشيخ والدة محمد مكاوي من جزيرة امدرق؛ وزينب حاج جميل والدة ود الفقير من الكرد؛ وبت شريفي زوجة ود الشيخ من جزيرة الشاطراب؛ وآمنة مصالح من الابزيداب؛ وبتول بت محمد من الشفو والدتها من العايداب." بهذه الاقتباسات من مسودة سيرة الفتي المعهدي، قصدتُ القاء إضاءات كاشفة على طرفٍ من اهتماماته الكثيرة، التي تشكل في مجموعها صفحة من صفحات تاريخ قنتي غير المكتوب، وتجارب صاحب السيرة ومشاهداته عبر حقب وأمكنة مختلفة.
كان الأستاذ خضر عندما يشعر بأن النقاش قد أن انحرف عن الجادة في منتدى قنتي الأم، وأضحى أميل إلى الجدل البيزنطي غير المنتج، يلجأ إلى استراحات الفكاهة المخففة لغلواء الجدل والمكابرة، والتي يمكن أن تجذب انتباه القارئين إلى أن كثير من عاداتهم وتقاليدهم الفلكلورية قد أضحت في ذمة التاريخ غير المكتوب. ونذكر على سبيل المثال استراحته الفلكلورية التي نشرها في 17 أغسطس 2020، وقوامها الأسئلة النموذجية الآتية: ما الفرق بين الكليق والتبيق؟ وما الفرق بين الدفيق والشابيق والهرود والعجوك؟ وما الفريق بين الكادِّق والكبيق؟ وما الفرق بين البُتِّق والدوليق؟ وما الفرق بين الهمبكوتية والهوليقة؟ وما العلاقة بين سارنتود ومارنتود؟ وما العلاقة بين علي الماحي وعثمان الحلو ونورة بت سمعريت؟ وما العلاقة بين سيدأحمد ود زينبو وسيدأحمد مكاوي وسيدأحمد ود الفحل وسيد أحمد المدريس؟ وما العلاقة بين صلاح الكجم في المشاوين وأحمد الكجم فى قنتي المناصير وبابكر الكجم في قشابي؟
تؤكد هذه النماذج التراثية المنقولة من مسودة سيرة الفتي المعهدي أن الرجل كان يمتلك ذاكرة فتوغرافية خُرافية، وله إلمام واسع بتاريخ منطقة قنتي وتراثها، ومعرفة بأنسابها وصلات أهلها القرابية، وفوق هذا وذاك أن ثقافته الواسعة وخبرته التعليمية قد مكنته من تجاوز حواجز الأجيال الوهمية، ولذلك كانت له شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية، وقدرة فائقة على التواصل الإيجابي الذي يخدم المصلحة العامة، دون التعصب لرأي، أو التشرنق في وعاء جهوي، أو سياسي أو أسري، بل كان همه الوطني مقدماً على الهموم القطاعية، وشأنه الخاص مؤخر على الشأن العام. ولذلك عندما توفي كانت هناك ثلاث قضايا إشكالية تشغل باله، أولها انجاز ذكريات الفتي المعهدي ونشرها؛ لأن فيها توثيق لملاح من تاريخ قنتي وشذرات من سيرته الذاتية؛ وثانيها ضرورة توحيد أبناء قنتي حول هدف استراتيجي، يخدم المصلحة العامة، ويسهم في نهضة بلدهم الأم بعيداً عن التجاذبات غير المجدية؛ وثالثها، كيفية استثمار أراضي قنتي المصادرة من بعض الملاك غير الشرعيين، وكذلك مشروع علي نارتي في شكل شركة مساهمة زراعية-تعاونية. إلا رحم الله أستاذ الأجيال خضر سيدأحمد مكاوي رحمة واسعة بقدر ما قدم لأهله وعشيرته الأقربين، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً. إنا لله وإنا إليه راجعون.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.