أسرع طريقة للهروب من الواقع!! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    خطأ الطبيعة : قصة قصيرة .. بقلم: احمد محمود كانم    حُمَّدْ وَلَد ... ومحاولات اغتيال شخصية المرأة .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الامين    مبادرات: العودة إلي الطبيعة: إعادة إكتشاف نباتاتنا المنسية أو الضائعة !.. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    مقترح بنك الطاقة .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    الهلال يعطل ثلاثي المريخ مجددا    في حب الوطن والناس .. بقلم: نورالدين مدني    جولة في حديقة المشتركات الإنسانية (أسماء وألقاب)!! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    التالتة حرمت الحلال .. شعر/ موسى المكي    السودانوية والشرط الانساني والذاكرة المحروسة بالتراث والوصاية .. بقلم: طاهر عمر    المركزي ينفي إصداره قرارا بتحديد سقف للسحب من حسابات العملاء    أهلي شندي يلحق بأهلي الخرطوم أول خسارة في الدوري .. حي الوادي نيالا يعمق جراح الأمل عطبرة    في دي ما معاكم .. بقلم: كمال الهِدي    إحالة 20 دعوى جنائية ضد الدولة للمحكمة    الرئيس الأمريكي بايدن يلغي قرار ترامب بمنع مواطني السودان الفائزين ب(القرين كارد) من دخول أمريكا    شرطة السكة حديد توضح ملابسات حادثة تصادم قطار وشاحنة قلاب عند مدخل الخرطوم    الشرطة والشعب ! .. بقلم: زهير السراج    الولايات المتحدة السودانية .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    "شوية سيكولوجي8" أب راسين .. بقلم: د. طيفور البيلي    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السودان ومصر مصالح متشابكة واستراتيجيات متعارضة -5- .. بقلم: زين العابدين صالح عبدالرحمن
نشر في سودانيل يوم 13 - 05 - 2010

العلاقة بين الدولة المصرية و الطائفة الختمية علاقة قديمة يرجع تاريخها منذ ان كان السيد على الميرغنى ضابطا فى جيش دولة التاج المصرى و كما اشار الى العلاقة المميزة الرئيس المصرى محمد نجيب فى مذكراته حيث قال اننا بعد ثورة يوليو عام 1953 بحثنا عن شخص له اهمية سياسية فى السودان يتعامل مع الدولة المصرية و لكن لم نجد الا شخص يدعا على الميرغنى و عرفنا انه من اصول غير سودانية و فى ظل الصراع ضد الاستعمار انقسمت النخبة السودانية الى تيارين نخبة تدعو الى استقلال السودان و اخرى تدعو الى وحدة وادى النيل و كان السيد على الميرغنى يقف مع النخبة الثانية باعتبار ان وحدة وادى النيل تعتبر نقطة مركزية فى فكر الرجل و بعد وحدة الاحزاب الاتحادية التى حدثت فى القاهرة تحت رعاية القيادة المصرية قبل انتخابات 1953 حيث اصبح السيد على الميرغنى راعيا للحركة الاتحادية وهو موقعا فخريا لمكانة الرجل الاجتماعية و السياسية و لكن كان ذلك الموقع غير مريح لانه لا يعطى الرجل سلطة مطلقة فى اتخاذ القرارات المصيرية فى الحزب كما كانت لنده السيد عبدالرحمن المهدى الذى كان له السلطة المطلقة فى حزب الامة.
و بعد فوز حزب الوطنى الاتحادى فى الانتخابات بدات تظهر الاختلافات فى الحركة الاتحادية حيث بدا يظهر تيارا يدعو الى الاستقلال مع الاحتفاظ بعلاقات مميزة مع القاهرة الامر الذى قاد مستقبلا لقبول الحزب الاتحادى لفكرة الاستقلال من داخل البرلمان الامر الذى ادى الى تزمر عددا من القيادات الاتحادية و خروجها من الحزب بقيادة احمد جلى و بعد فترة اخرى تم الانشقاق الكبير الذى شهده الحزب من قيادات اتحادية و ليست من طائفة الختمية بقيادة " الشيخ على عبدالرحمن – احمد السيد حمد – حماد توفيق وغيرهم " و كونوا حزب الشعب الديمقراطى ووجدوا دعما غير محدود من السيد على الميرغنى الذى بارك الانشقاق و دعا انصاره لدعم الحزب الجديد ثم وجد الحزب دعما غير محدود من قبل الدولة المصرية باعتبار انهم يمثلون التيار الوحدوى فى السودان و كانت مصر تتعامل مع حزب الشعب الديمقراطى بانه القوى السياسية التى تدعم وحدة وادى النيل ثم تتعامل مع الطائفة الختمية باعتبار انها الترياق و الشيران المهم الذى يغذى هذا التيار الوحدوى لذلك كانت الطائفة الختمية سعيدة جدا بهذا التاييد و الفصل بن المؤسستين فى وقت واحد.
ظل الحال كما هو عليه فى فترة الديمقراطية الاولى ثم العهد العسكرى الاول " عبود" الذى وجد دعما قويا من حزب الشعب الديمقراطى حتى قيام ثورة اكتوبر حيث بدات الدعوة الى وحدة الحزبين " الوطنى الاتحادى- الشعب الديمقراطى" كان راى السيد على الميرغنى ان السيد احمد الميرغنى يجب ان ينخرط فى العمل السياسى و السيد محمد عثمان الميرغنى يصبح مسؤولا عن الطريقة الختمية لذلك كان السيد احمد عضوا فى اللجنة السياسية التى تمت على يديها عملية توحيد الحزبين و ظهور الحزب الاتحادى الديمقراطى و جاءت القيادات الاتحادية التى كانت قد اهملتها مصر الى سدة القيادة فى التكوين الجديد للحزب الامر الذى جعل مصر تميل بثقلها الى الطائفة الختمية و تجعل علاقتها محدودة جدا مع قيادات الحزب الاتحادى الديمقراطى خاصة الزعيم اسماعيل الازهرى و رفاقه لذلك و عندما وقع انقلاب 1969 الذى قام به جعفر نميرى لم تتردد مصر فى تاييد الانقلاب و مساندته و الغريب فى الامر كانت هناك قيادات اتحادية مشاركة وفاعلة فى الانقلاب و كانت قيادات اتحادية لها علاقة وطيدة مع مصر الدكتور محى الدين صابر و الدكتور موسى المبارك و ثم تاييدا منقطع النظير من السيد محمد عثمان الميرغنى الذى بعث اكثر من عشرين برقية تؤيد الانقلاب.
و فى العهد المايوى توطدت العلاقة بين مصر و قيادة الانقلاب ثم توطدت اكثر فى عهد الرئيس محمد انور السادات خاصة بعد ما وقعت مصر اتفاقية السلام مع اسرائيل و تمت مقاطعة عربية لها عقب مؤتمر القمة العربى الذى عقد فى بغداد عام 1977 و لم تجد مصر من يقف معها غير السودان فى ذلك الوقت بدات مصر توطدت علاقاتها الاستراتيجية عبر اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين ثم اتفاق التكامل المصرى السودانى و فى هذه الفترة ذهبت المعارضة السودانية من ديس ابابا الى ليبيا و شنت هجومها على البلاد عام 1976 " المرتزقة" و بعدها بعامين بدات مفاوضات المصالحة الوطنية بين حزب الامة و الحركة الاسلامية من جهة و حكومة مايو من جهة اخرى و فى تلك الفترة بدات تتراجع العلاقة مع مصر بعد ما اعلن الرئيس نميرى قوانيين سبتمر 1983 حيث اعتقدت مصر ان تلك القوانيين سوف تهيج المشاعر الشعبية فى مصر و سوف تستفيد منها الحركة الاسلامية لذلك فضلت مصر ان تخفت جذوة نار العلاقة بين البلدين حتى قامت ثورة ابريل 1985 و بدات الدعوة من قبل الحركة الشعبية فى الغاء اتفاقية الدفاع المشتركة بين مصر و السودان لكى تحدث مفاوضات بين الجانبين و فى ذات الوقت حدث صراع داخل القيادات الاتحادية حول قبول مشاركة السيد محمد عثمان الميرغنى فى المكتب السياسى و كانت هناك شعارات مرفوعة بعد نجاح ثورة ابريل بمحاكمة سدنة النظام و لذلك كان السيد الميرغنى متوجسا الامر الذى جعله يمكث فى كسلا قرابة الثلاثة شهور حتى هدا الوضع ثم عاد الى الخرطوم حيث بدات بعض القيادات تطالب بحضور السيد الميرغنى لكى يكون راعيا للحزب و هنا قال القطب الاتحادى الحاج مضوى محمد احمد قولته الشهيرة " لماذا نحن غنم حتى يكون هناك راعيا علينا" كان يقف ضد مشاركة الميرغنى كل من الحاج مضوى محمد احمد و على محمود حسنين و الشايب و اخرين فى الوقت الذى يقف مع رجوع الميرغنى الشريف زين العابدين الهندى و محمد الحسن عبدالله يس و اخرين و انتصر الفريق الثانى و جاء الميرغنى ليس لحضور اجتماعات المكتب السياسى للحزب بل لكى يقبض على مفاصل الحزب تماما بسبب الفرقة التى حدثت وسط التيارات الاتحادية و استطاع السيد الميرغنى ان يسيطر سيطرة كاملة على الحزب و بدا الاتصال مع القيادة المصرية لكى تتفهم سبب طلب الغاء اتفاقية الدفاع المشترك لكى تفتح الباب امام الحوار و استقطاب الحركة الشعبية للنظام الديمقراطى الذى اطلقت عليه الحركة " مايو تو" و قد باركت مصر الدعوة و فى الانتخابات التى جرت عام 1986 وقفت مصر مع الحركة الاتحادية بقيادة السيد الميرغنى رغم انها كانت تدعم هذا التيار الا انها لم تحاول ان تخف خوفها من الصراعات وسط الاتحاديين.
بعد قيام انقلاب يونيو1989 للحركة الاسلامية ذهب السيد الميرغنى الى السعودية و فى ذات الوقت تكونت المعارضة و بدات تعقد اجتماعاتها فى الشقة التى كانت مؤجرة للسيد بكرى النعيم فى 3 شارع ابوبكر خيرت بالقاهرة بالقرب من الاذاعة المصرية القديمة ثم تشكلت لجنة التنسيق العليا من مناديب للاحزاب اضافة الى القيادة الشرعية للقوات المسلحة ثم الحركة الشعبية و كان محمد الحسن عبدالله يس رئيس اللجنة و يشاركه من الاتحاديين احمد السيد حمد و مجمد سرالختم الميرغنى و فى اواخر عام 1991 اعلن ان السيد الميرغنى سوف يحضر الى القاهرة لكى يقود المعارضة شخصيا و بالفعل وصل الميرغنى الى القاهرة و نزل على ضيافة الحكومة المصرية فى فندق شيراتون الجيزة و بدات الترتيبات من اجل ان يتولى السيد الميرغنى قيادة المعارضة.
عندما كان يحين اقتراب موعد حضور السيد الميرغنى للقاهر تبدا تزيد اتصالاته التلفونية لمعرفة اين سوف تتم استضافته و من الذى سوف يستقبله فى مطار القاهرة و ما نوع العربة التى سوف يستخدمها واسئلة دقيقة جدا تجد ان الحاشية التى حوله منهمكة فى عمل دأوب من اجل التحضيرات و تنفيذ رغبات السيد الميرغنى الامر الذى كان يضجر المسؤولين المصرين و بالفعل اختار السيد الميرغنى فى سكرتاريته شباب تربطهم به صلة القرابة بالسيدة والدة ابيه السيد على الميرغنى " انقريابية" لذلك كانت السكرتارية انفسهم تربطهم صلات قربة مع بعضهم البعض و بالتالى كانوا حريصين جدا ان لا يقترب من السيد الميرغنى شخصا يمكن ان ينتقد هذا الوضع كما ان السيد الميرغنى نفسه لا يثق الا فى هولاء و لكن فيما بينهم هناك صراعات حول من يكون الاكثر قربا للسيد الميرغنى و اذكر فى عام 1993 بدا منتدى الحوار يعقد جلساته الاسبوعية "كل جمعة" بهدف التواصل بين القيادات و القاعدة فى حوار الوطنى فى الشقة التى كنت اسكن فيها و كان المنتدى تحضره كل قيادات المعارضة ماعدا السيد الميرغنى و سكرتاريته و كان المنتدى يحتاج الى 50 جنيها مصريا كل اسبوع و كان هناك دعما ثابتا للمنتدى من السيد محمد الحسن عبدالله يس و هناك مشاركة فى الدفع من الدكتور التجانى السيسى و مهدى داوود و محمد سرالختم الميرغنى ثم السيد احمد السنجك من سكرتارية الميرغنى الذى كان يحضر الىً فى منتصف الليل حتى لا يشاهده احد و يدفع مساهمته و يقول الىً "ياخى عليك الله كتروا من الهجوم على الطائفية و اتباعها" و عندما سالته لماذا و انت احد اتباع الطائفية قال كلما يزداد الضغط و الهجوم على السيد الميرغنى يقربنا اليه اكثر و اذا استقر به المقام سوف يبحث عن قيادات غيرنا و طبعا المصلحة مشتركة نحن نريد قرب الميرغنى و انتم تريدون استمرار المنتدى"
كانت القيادة المصرية تتابع المنتدى و كانت رسائل الميرغنى مستمرة للاخوة المصرين من اجل عدم السماح بقيام المنتدى و لكن كانت قيادات المعارضة الاخرى تشارك فى المنتدى و تقف فى صفه و خاصة القيادة الشرعية و حزب الامة و الحركة الشعبية و الحزب الشيوعى السودانى كما كانت هناك شخصيات شكلت حضورا مستمرا " الدكتور فاروق محمد ابراهيم – امين مكى مدنى – طه جربوع – الخاتم عدلان – عمر القراى – منيثر شيخ الدين و غيرهم" كانت للتجمع الوطنى الديمقراطى صحيفة تصدر من القاهرة " السودان" و كنت امثل الحزب الاتحادى الديمقراطى فى هذه الصحيفة و بعد صدور كل عدد يتم استدعائى و مناقشتى حول عددا من الموضوعات المكتوبة و حتى القصائد وكنت احضر الى جلسة التحرير و انا محمل بكثير من الاعتراضات التحريرية حيث كنت اعترض على كل كلمة و كان ذلك يثير حفيظة البعض و خاصة السيد فتحى الضو و معاوية جمال الين و حيدر طه و فيصل محمد صالح واخرين حتى اننى طلبت اعافىء تماما من هذه المهمة ثم توقفت الصحيفة و بدات تصدر صحيفة الاتحادى التابعة للحزب الاتحادى.
كان السيد الميرغنى حريصا على زيارة عددا من القيادات المصرية و كان يعلم ان هذه القيادات لا تستطيع ان تساعد او تتحدث عن المشكل السودان الا فى حدود صلاحياتها حيث انه فى ظرف خمس سنوات زار السيد يوسف والى وزير الزراعة 39 مرة ثم عددا من الزيارات للسيد عمرو موسى عندما كان وزيرا للخارجية ثم انتقل للزيارة معه عندما اصبح الامين العام لجامعة الدول العربية و كانت زيارات ودية لذلك لم تكونلها نتيجة ملموسة و كان الهدف منها فقط هو التاكيد بان الرجل يمارس مهامه كرئيس للمعارضة رغم ان السيد الميرغنى و معه كل المعارضة يعرفون اين تكون الزبدة اذا ارادوها من القيادة المصرية و معروف ان المشكل السودان لا تتم مناقشته مع كل القيادات المصرية.
كان الاخوة المصريين يعلمون الدعم الذى كان ياتى من بعض الدول الى المعارضة او المبالغ التى استلمت باسم المعارضة و كانوا يستغربون اين تذهب تلك المبالغ حيث ان التجمع الوطنى الديمقراطى لم يكن لديه مكتبا فى القاهرة بينما كانت القوى السياسية عندها دور خاصة و كان السيد الميرغنى يتحدث بثلاثة السن عندما يقوم بزيارة الى اية دولة من دول الخليج مثلا عندما تطرح القضية داخل اروقة التجمع الوطنى الديمقراطى يؤكد لهم انه ذهب الى الزيارة بصفته رئيسا للحزب الاتحادى الديمقراطى و ليس رئيسا للتجمع الوطنى الديمقراطى و عندما يسأل من اعضاء الحزب الاتحادى الديمقراطى يقول انه ذهب بصفته زعيما للطائفة الختمية و معروف ليس هناك حوارا فى الطريقة الختمية يجروء لمسألة السيد الميرغنى و بالتالى تكون قد ضاعت القضية و فى ذات مرة اراد الميرغنى الحضور الى القاهرة و كانت الفيلة التى تعطى له لاستقبال ضيوفه غير صالحة بسبب الترميم و أجلت الزيارة عدة مرات و غضب السيد الميرغنى و قام بتاجير شقة فى حى مصر الجديدة بملغ 18 الف جنيع مصرى فى الشهر ( احدى عشر الف دولار امريكى) لمدة شهرين و بدا الغضب يظهر فى تصريحاته بشىء من التهكم الامر الذى جعل الصحافية سعيدة رمضان تكتب خبرا صغيرا فى صحيفة العالم اليوم المهتمة بالشؤون الاقتصادية التى تصدر فى القاهرة ان هناك زعيما سياسيا سودانيا معارضا استثمر 36 مليون دولار فى اليونان فى صناعة الحلويات و قالت سوف نكشف المزيد و لكن لم تكشف شيئا و لم يكون هناك تهكما.
كانت مصر تعلم ان المعارضة السودانية لا تستطيع ان تحقق شيئا من خلال تركيبتها و كانت تعلم ان الصراع داخل التجمع الوطنى الديمقراطى لا يحقق لها شيئا يذكر و كانت تعتقد ان المعارضة افضل لها التمسك بالصراع السياسى بدلا عن الكفاح المسلح و هى تدرى كل شىء عن رئيس المعارضة الذى يذهب الى السعودية يمكث ثلاثة شهور دون اية عمل سياسى يذكر ثم ياتى الى القاهرة ثم يذهب الى لندن يتوزع الذهاب و الاياب على حسب الطقس فى كل بلد دون اية عمل يذكر و كان العمل المعارض اغلبيته يقع على عاتق الحركة الشعبية و حزب الامة و الحزب الشيوعى السودانى ثم جاءت قوات البجا ثم الاسود الحرة و لكن كان المصريون رغم الراى السلبى حول عمل المعارضة الا انهم لا يريدون التدخل فى شؤون الداخلية للمعارضة و كانوا يحاولون الحديث مع السيد الميرغنى من خلال اسئلة تبين كأنها استفسارات.
ذات مرة سألت السيد محمد الحسن عبدالله يس عن راى المصريين فى المعارضة قال الىَ " ذى الزفت" و فى احد الايام اتصل بى السيد يس لكى احضر اليه فى الرابعة مساء لانه دعا بعض قيادات الحزب الاتحادى لتناول الشاى معه و عندما ذهبت اليه و جدت معه محمد توفيق احمد و مضوى محمد احمد و عبدالله فرح و عيس احمد الحاج اضافة لشخصيتين و كان الحوار يدور حول كيفية تطوير الحزب الاتحادى و تفعيل العمل الاصلاحى فيه ثم فى الخامسة جاء اللواء عمر قناوى و كيل وزارة المخابرات و اللواء محمود عبدالخالق مسؤول فائل السودان فى المخابرات ثم تحول الحوار الاتحادى الى انتقاد على مصر و موقفها من الحركة الاصلاحية فى الحزب الاتحادى الديمقراطى فى تلك الجلسة كنت حريصا ان اسمع راى الاخوة المصريين فى النقد الموجه اليهم تحدث اللواء عمر قناوى بشىء من الايجاز و لكن كلمات فيها عمق سياسى بليغ جدا و معرفة جيدة بالحزب و صراعاته قال " ان مصر دولة لها مصالحها ووفق هذه المصالح تتعامل مع القضايا و علاقاتها مع الحركة الاتحادية علاقة تاريخية تتطور حسب التطورات التى تظهر فى بنية الحزب و اهتماماته و هى تراقب ما يحدث داخل الحركة الاتحادية تماما و لكن الحركة نفسها تجتر ذاتها فى صراع هو الذى عطل مسيرتها التاريخية و لا استطيع ان اقول اكثر من ذلك لذلك لا ترموا اخطائكم على الاخرين انتم الذين تعرفون كيف يبدا الاصلاح و اين يتم الاصلاح".
كانت العلاقة بين الحزب الاتحادى الديمقراطى و مصر بعد ما اصبح السيد محمد عثمان الميرغنى رئيسا للحزب و قبض على مفاصله علاقة ليس فيها شىء من البرمجة السياسية لان الميرغنى اراد فى مسيرته السياسية منذ عام 1986 الى الان ان لا يفصل بين الحزب و الطائفة الختمية لاسباب ذاتية تعود للسيد الميرغنى و تصب فى مصلحته الذاتية و ليس لها علاقة بالعمل السياسى ان كان حزبيا او وطنيا و مصر تفهم ذلك و هو ذات الدور الذى لعبه فى التجمع الوطنى الديمقراطى الامر الذى ادى الى فشل التجمع فشلا زريعا و لم يحقيق 2% من برنامجه السياسى الذى كان مطروحا. القضية الاخرى كانت كل قيادات القوى السياسية السودانية الموجودة فى مصرتحرص على اللقاءات المفتوحة مع النخب المصرية ان كانت عير الصحافة او مراكز الدراسات و البحوث ما عدا السيد الميرغنى حيث فشل الصحفيين المصرين فى اجراء لقاء مع الرجل طوال 20 عاما التى قضاها فى المعارضة و كان البعض يتسأل ان زعماء المعارضة فى اية دولة فى العالم لا يضيعون اية فرصة تتاح لهم فى و سائل الاعلام و الصحافة استثناء رئيس معارضة السودان الذى يتوارى من الصحافة و اللقاء مع المفكرين و المثقفين ان كان ذلك مع المصريين او حتى النخب السودانية و يعنى ذلك انه ليس له رسالة يريد توصيلها.
بعد حضور الميرغنى الى القاهرة بد السعى بين القوى السياسية ان يتم اعادة لهيكلة التجمع الوطنى الديمقراطى و ان يرتفع مستوى الممثلين للقوى السياسية و فى تلك الفترة كان هناك تزمر وسط القيادات الاتحادية و خلاف داخل الحزب باعتبار ان اية عمل ضد الانقاذ من المفترض ان يصحبه عمل موازى فى بناء هيكلية الاحزا ب على اسس ديمقراطية لكى تستطيع ان تطلع بالدور المنوط بها و كانت الاجتماعات تعقد فى بيت التوم محمد التوم ثم عيس احمد الحاج النائب البرلمانى الاتحادى لدائرة حلايب و اخيرا فى منزل محمد الحسن عبدالله يس و قد خلصت الاجتماعات بوجوب عمل اصلاحى فى الحزب و يناقش ذلك مع السيد الميرغنى دون حضور الحاشية التى معه على ان يتولى الحوار مع الميرغنى السيد محمد الحسن عبدالله يس و احمد السيد حمد و ظلت اللجنة تطارد الميرغنى من اجل موافقته على الاجتماع و لكن السيد الميرغنى شعر ان هولاء القوم يدبرون له مكيدة لذلك اشتكى للقيادة المصرية بان محمد الحسن عبدالله يس و معه عدد من قيادات الحزب يريدون احداث انشقاق فى الحزب فى الظرف الذى يواجه فيه الحزب حكومة الجبهة الاسلامية القومية و بالفعل ناقش بعض الاخوة المصريين القضية محمد الحسن عبدالله يس الذى اكد لهم ليس هناك اية مؤامرة و لكن نحن نريد اصلاحا للحزب و اذا الميرغنى لم يستجيب لنداء اللجنة سوف نتجاوزه تماما و يجب ان تنصحوه بالجلوس معنا و بالفعل استجاب الميرغنى للجلوس و هو رجل عنده دهاء كبير فقال لهم اننى موافق على كل شىء مكتوب فى الورقة التى قدمت الى و لكن الموافقة لكى تكتمل يجب علينا دعوة المكتب السياسى لاجازتها و رفضت اللجنة طلب الميرغنى باعتبار ان مكتب القاهرة جاء كله بالتعييين من قبل الميرغنى نفسه و فى قمة الحوار اخذ احد القيادات يجهش بالبكاء السخين حتى كاد ان يغمى عليه و هنا توقف النقاش و اليوم التالى دعا الميرغنى مكتبه اليساسى المكون من سكرتاريته و اجاز قضية الاصلاح بالطريقة التى يريدها الامر الذى ادى الى ابتعاد السيد محمد الحسن عبدالله يس ثم ابعدت كل القيادات التى نادت بالاصلاح و بدات تظهر قيادات جديدة تنفذ ما يريده الميرغنى.
كانت العلاقة بين الحركة الشعبية و مصر علاقة فاترة و خاصة بعد ثورة ابريل عام 1983 واصرار الحركة الشعبية على الغاء اتفاقية الدفاع المشترك التى كانت موقعة بين حكومة الرئيس جعفر محمد نميرى و الرئيس المصرى انور السادات و بعد قيام انقلاب الانقاذ و بدات تتشكل المعارضة بدات هناك حركة دائبة من قبل قيادات المعارضة لتجسير العلاقة بين الحركة الشعبية و جمهورية مصر و قد اجتهد فيها كل من مبارك المهدى و محمد الحسن عبدالله يس و محمد سرالختم الميرغنى و بعض الشخصيات السودانية فى القاهرة منهم فاروق ابوعيسى و محمد حسن عبدالمنعم اضافة الى الفريق فتحى احمد على و الفريق عبدالرحمن سعيد و اللواء الهادى بشرى رغم كانت هناك قنوات مفتوحة بين الدكتور منصور خالد و القيادة المصرية ثم اخيرا ياسر سعيد عرمان الا ان هذه القنوات لم تستطيع اقناع القيادة المصرية بدعوة الدكتور جون قرنق للقاهرة و الحوار معه حول قضية السودان ووحدته و عندما جاء سيداحمد الحسين الى القاهرة كذلك تحث مع القيادة المصرية بضرورة الالتقاء بالدكتور جون قرنق و السماع منه كل تلك الدعوات كان رد القيادة المصرية انها سوف تخضعه الى الدراسة و كانت مصر تتخوف من ان تتجه الحركة الى الانفصال و تكون مصر اقحمت نفسها فى موضوع ضد قناعاتها.
بعد ما اعلنت الحركة قبولها لمبدأ تقرير المصير عام 1992 فى الندوة التى اقيمت فى واشنطن و عجزت الحركة تبرير قبولها لقضية تقرير المصير باعتبار انها وضعت فى موقف حرج من قبل القوى الانفصالية فى الحركة و هى تريد تفويت الفرصة عليهم و لكن هذه المسوغات كانت غير مقنعة لاحد الا للمعارضة التى قبلتها على مضض لانها لا تملك خيارا سوى قبولها كانت دعوة تقرير المصير اذعجت القيادة المصرية جدا و بالتالى فتحت حوارا مع كل قيادات المعارضة و طلبت منهم ان تسنى الحركة عن ذلك بل امتدت القضية الى الصحافة المصرية و النخب المصرية التى ادارت حوارات متواصلة حول الموضوع و لكنها لم تقتنع بحجج الحركة و لا تبريرات المعارضة و الانكا من ذلك ان الحركة الشعبية لم تكتف بتلك القناعات فى برنامجها السياسى انما سخرت ضعف القوى السياسية فى ابرام اتفاقيات ثنائية اكدت فيها القوى السياسية حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان حتى لا تجد اية معارضة مستقبلا كانت هذه الاتفاقيات الثنائية غير مرضية للقيادة المصرية و كانت تعبر عن ذلك فى اللقاءات الثنائية ثم تركت النقاش ياخذ حقه عبر المؤسسات الصحفية و مراكز الدراسات و البحوث.
فى خاتمة المطاف استطاع الضغط المستمر من قبل المعارضة و الشخصيا السودانية المقربة من مصر ان تفتح نفاجا بين القيادة المصرية و قيادة الحركة التى كللت بالنجاح فى دعوة الدكتور جون قرنق الى القاهرة و لقاء القيادة المصرية من قمة الهرم ثم اللقاء مع النخب المصرية فى الصحافة و مراكز الدراسات و البحوث و تكررت زيارات الدكتور جون قرنق الى القاهرة و لقاءته مع المثقفين و لكن كل تلك اللقاءات لم تزيل خوف مصر ان يتحول مبدا تقرير المصير الذى اقرته الحركة الى لدعوة الى الانفصال.
بعد تعثر مفاوضات ابوجة بين الحركة و الحكومة السودانية و بعد ما تحسنت العلاقة بين العاصمتين الخرطوم و القاهرة طرحت مصر المبادرة المصرية الليبية و كانت مصر بطرحها للمبادرة تريد ان تتجاوز قضية تقرير المصير و بناء اتفاقية تستبعد الحديث عن تقرير المصير و الاستفتاء و ايدت الحكومة المبادرة ثم اغلبية احزاب المعارضة و لكن الحركة رفضت المبادرة بحجة انها لا تريد ان تشتت مجهوداتها فى منابر متعددة ولكن الحركة كانت تعرف ان المبادرة المصرية الليبية سوف تفرغ قضية تقرير المصير من محتواها لذلك رفض الدكتور جون قرنق المبادرة الليبية المصرية و لكنه لم يقطع حبل الود مع العاصمتين كما ان القاهرة ناقشت مع الدكتور قضية قناة جونقلى باعتبار انا تمثل منفعة لمصر و فى ذات الوقت منفعة للسودان و اهل المنطقة الا ان الدكتور جون قرنق اكد انه لا يستطيع ان يلتزم بشىء اذا لم تتحقق اهداف الحركة الشعبية فى بناء السودان الجديد.
و رغم تحفظات الدكتور جون قرنق فى عدد من القضايا التى طرحت عليه الا ان القيادة المصرية ظلت ابوابها مفتوحة للرجل و رفاقه فى الحركة كما ان الحوار لم ينحصر مع القيادات السياسية المصرية انما مع النخبة المصرية و اهل الراى فيها حتى انعقدت محادثات نيفاشة فى كينيا على منبر الايقاد و اصدقائه.
نواصل
مصر و منظمات المجتمع المدنى السودانية فى القاهرة
بداية تحسين العلاقات المصرية مع الانقاذ بعد تعين احمد عبدالحليم سفيرا للسودان فى مصر
zainsalih abdelrahman [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.