نقترح قيام مؤتمر لمناقشة ضعف اللغة الانجليزية تتبناه جامعة الخرطوم .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    تشخيص الازمة ومقاربة الحلول .. نقاط وملاحظات .. بقلم: حسن احمد الحسن    الازمة الاقتصادية اسبابها سياسية تكمن في التخلي عن شعارات الثورة وعدم تفكيك دولة التمكين!!!!! .. بقلم: د.محمد محمود الطيب    بحري تفتح ذراعيها لابن السودان البار محمد فايز!! .. بقلم: أمجد إبراهيم سلمان    سفاه الشيخ لا حلم بعده .. بقلم: د. عادل العفيف مختار    كرونا ... تفسيرات غيبية وملامح نظام عالمي جديد .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    ثلاجة تقود للقبض على لص    روحاني: طريق مكافحة كورونا لن يكون قصيرا والفيروس قد يبقى بإيران حتى الشهور المقبلة أو العام القادم    إسرائيل تشترط على "حماس": مساعدات لغزة لمكافحة كورونا مقابل رفات جنديين    مشروع قرار تونسي في مجلس الأمن للتصدي لكورونا    وفاة سفيرة الفلبين لدى لبنان بعد إصابتها بفيروس كورونا    النيابة تُوجه تهم تقويض النظام الدستوري للبشير وقادة اسلاميين    مجمع تجاري ومصنع الهلال شعار الكاردينال في الانتخابات    رئيس المريخ يلتقي مدير قنوات تاي سيتي    وكيل اطهر: اللاعب يفضل الدوري المصري    قرار بوقف إستيراد السيارات    تجدد الخلافات بين قوى التغيير ووزير المالية    مخابز الخرطوم تهاجم سياسات وزارة التجارة وتعلن الإضراب الشامل    طلاب دارفور يغلقون شارع العرضة احتجاجاً على عدم ترحيلهم    المهدي يطرح مبادرة شعبية وإقامة صندوق قومي لدعم جهود مواجهة "كورونا"    الصحة: (112) حالة اشتباه ب"كورونا" في مراكز العزل    الإعلان عن حالة اشتباه ب"كورونا" في جنوب كردفان    الاستثمار في زمن الكرونا .. بقلم: عميد معاش طبيب/سيد عبد القادر قنات    (التوبة) .. هي (الحل)!! .. بقلم: احمد دهب(جدة)    بيان من مكتب الأطباء الموحد    الأمم المتحدة / مكتب السودان: نشر الحقائق وليس الخوف في المعركة ضد فيروس كورونا المستجد    مقدمة في حسن إدارة مورد النفط .. بقلم: حمد النيل عبد القادر/نائب الأمين العام السابق بوزارة النفط    رحيل ساحر الكرة السودانية ودكتورها    مش لما ننظف الصحافة الرياضية أولاً!! .. بقلم: كمال الهِدي    حكاوي عبد الزمبار .. بقلم: عمر عبدالله محمد علي    لغويات من وحي وباء كرونا: كحّة أم قُحّة؟! .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    مساجد الخرطوم تكسر حظر التجوال وتقيم صلاة العشاء في جماعة    قراءةٌ في تَقاطيع الحياة الخاصة .. بقلم: عبدالله الشقليني    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    انتحار فتاة بسبب رفض أسرتها لشاب تقدم للزواج منها    الجلد لشاب ضبط بحوزته سلاح أبيض (سكين)    السودان وخارطة الطريق للتعامل مع إسرائيل .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    سامح راشد : أخلاقيات كورونا    الموت في شوارع نيويورك..! .. بقلم: عثمان محمد حسن    من وحي لقاء البرهان ونتنياهو: أين الفلسطينيون؟ .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    أمير تاج السر:أيام العزلة    شذرات مضيئة وكثير منقصات .. بقلم: عواطف عبداللطيف    مقتل 18 تاجراً سودانياً رمياً بالرصاص بدولة افريقيا الوسطى    حكاية .. بقلم: حسن عباس    والي الخرطوم : تنوع السودان عامل لنهضة البلاد    محمد محمد خير :غابت مفردات الأدب الندية والاستشهادات بالكندي وصعد (البل والردم وزط)    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الكونفدرالية: الخيار الثالث بين (الوحدة) و(الانفصال) !! .... بقلم: ماهر أبوجوخ
نشر في سودانيل يوم 13 - 05 - 2010

مع اقتراب ميقات حق تقرير المصير لجنوب السودان في نهاية الفترة الانتقالية في اوائل 2011م، شهدت الساحة السياسية السودانية خلال الاونة الاخيرة اطروحة جديدة كخيار ثالث بين الحالمين بتحقيق نتيجة الاستفتاء للوحدة بين الشمال والجنوب، والواقعيين الذين يؤكدون انتهائه بإعلان الانفصال جراء ارتفاع أصواته وسط فئات من الجنوبيين بالاضافة لشماليين من شمال السودان وتصاعد وتيرة الدعاية التي تجعل من (الانفصال) خياراً اكثر رواجاً وتفضي لرفع احتمالاته في مقابل هبوط اسهم الوحدة وسط بعض السودانين بجنوب وشمال السودان على حد السواء.
ربما تلك المعطيات هي التي دفعت قيادات سياسية كرئيس المجلس المكزري لحزب التحالف السوداني ومرشح الحزب لانتخابات رئاسة الجمهورية العميد متقاعد عبد العزيز خالد خلال خطابه بالمؤتمر العام الثالث لحزبه في مايو من العام الماضي، ولاحقاً بعض اطراف تحالف قوي الاجماع الوطني –تحالف جوبا- لطرح خيار ثالث يجمع بين (احلام) الوحدة و(تطلعات) الانفصال والاستقلال عبر اقتراح نموذج قادر على الجمع بين الشتيتين من خلال طرح الكونفدرالية كطريق ثالث، حيث يمكن هذا النموذج من الحفاظ على وحدة السودان ويحتفظ في ذات الوقت للجنوب باستقلاليته عن الشمال.
واعيد طرح هذا الأمر خلال اجتماعات مؤتمر جوبا الذي عقد في سبتمبر الماضي بعاصمة جنوب السودان خلال اعمال مؤتمر احزاب قوى الاجماع الوطني بشكل واضح من قبل رئيس حزب الامة القومي الامام الصادق المهدي في رؤاه التي قدمها لمؤتمر جوبا في فاتحة اعماله في السابع والعشرين من سبتمبر الماضي بإمكانية إضافة مقترح خيار ثالث والمتمثل في الكونفدرالية، وهو ما اقترحه أيضاً رئيس حزب الامة الاصلاح والتجديد مبارك الفاضل في خاطبه امام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر بإضافة خيار الاتحاد الكونفيدرالي الذي يكفل للجنوب الاستقلال في مجال السياسية الخارجية والأمن والدفاع مع الحفاظ على الرباط الشعبي والاقتصادي (عملة واحدة، حدود مفتوحة تكفل تنقل الافراد والسلع، جنسية مزدوجة... الخ) مع اجراء استفتاء لاحق بعد عشرة سنوات لتأكيد الوحدة أو الابقاء على الوضع القائم.
الدول الموحدة
ونجد أن علماء العلوم السياسية ينفون الدول لنوعين هما (الدول الموحدة) و(الدول المركبة). وتعرف الدول الموحدة بانها (التي تظهر كوحدة واحدة من الناحية الخارجية والداخلية حيث تنفرد بهيئة واحدة تدير شئونها الخارجية وبتمثيل خارجي واحد كما تتميز من الناحية الداخلية بوحدة في نظام الحكم السياسي أي بدستور واحد يطبق علي كافة أنحاء إقليم الدولة وسلطة تشريعية واحدة تختص بمباشرة الوظيفية التشريعية بالنسبة لإقليم الدولة بكاملة وسلطة تنفيذية واحدة يخضع لها جميع أفراد الدولة علي السواء فيما تصدره من قرارات وسلطة قضائية واحدة يلتجأ إليها أفراد الدولة في منازعاتهم وخصوماتهم).
وقد يظهر في هذه الدولة نظام مركزي أو نظام لا مركزي إقليمي أو مصلحي، ولكنه لا يخل بوحدة الدولة السياسية التي يظل لها دستورها الواحد ووحدتها في كل من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهذا يشير لامكانية وجود اقاليم أو محافظات داخل تلك الدولة والتي تمتع بقدر من اللامركزية دون أن تتمتع بسلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية في مستوياتها. ونموذج لهذه الدولة الموحدة تتمثل في الدولة السودانية التي اعقبت استقلال السودان حتي أوائل تسعينيات القرن الماضي.
الدول المركبة
أما الدول المركبة فتقوم فكرتها علي أساس (إتحاد بعض الدول أو ولايات متعددة بعضها مع البعض) مع اختلاف صورها وفق اربع انواع.
اولهما الاتحاد الشخصي وهو (اتحاد بين دولتين أو أكثر تكون فيه كل دولة مستقلة من دول الاتحاد بصورة تامة عن الأخرى من الناحية الخارجية والداخلية. فيكون لكل دولة استقلالها من الناحية الخارجية بأن تحتفظ بشخصيتها الخارجية الكاملة، كما تستقل كل دولة بنظام حكمها الداخلي أي بدستورها وسلطتها العامة من تشريعية وتنفيذية وقضائية). ولا يفضي الاتحاد الشخصي لخلق دولة جديدة، لإبقائه لكل دولة من دول الاتحاد بذاتيتها الكاملة المستقلة إزاء الأخرى ويتمثل مظهره فقط في وحدة رئيس الدولة حيث يكون هناك رئيس دولة واحد بالنسبة لدول هذا الاتحاد، وتمتع كل دولة منها باستقلالية نظامها السياسي وتبعاً لذلك ويحتفظ رعايا كل دولة منها بجنسياتهم الخاصة واعتبارهم في حكم الأجانب بالنسبة لرعايا دول الاتحاد الأخرى.
اما النوع الثاني فهو الاتحاد الاستقلالي أو التعاهدي والذي يعرف بأنه (اتحاد بين دولتين أو أكثر تحتفظ فيه كل دولة من دول الاتحاد باستقلالها عن دول الاتحاد الأخرى سواء من الناحية الخارجية والداخلية. وذلك فضلاً عن التمايز والافتراق في رئاسة الدولة بحيث تختص كل دولة من هذه الدول برئيس خاص بها ). ويتمثل مظهره في وجود تحالف بين دول الاتحاد يهدف لتنظيم بعض الأغراض المشتركة عبر هيئة تضم ممثلين عن الدول الأعضاء، بحيث لا تختص هذه الهيئة إلا بالمسائل التي نظمتها معاهدة التحالف التي ربطت بين هذه الدول، ولا تمتلك الهيئة المشتركة أي سلطة تنفيذية مادية ترغم بمقتضاها الدول الأعضاء علي تنفيذ قراراتها. فقراراتها ولو أنها غالباً تصدر بالإجماع إلا أنها تبلغ لحكومات الأعضاء كي تعمل تلك الحكومات علي تنفيذها بمعرفتها، ويحق لاي دولة من الدول الانسحاب إذا ما رأت ذلك، حتى ولو لم ينص عليه صراحة في معاهدة التحالف.
الكونفدرالية والفيدرالية
أما النوع الثالث للدول المركبة فهو (الاتحاد الحقيقي أو الفعلي) –والذي يطلق عليه الكونفدرالية- وهو (اتحاد بين دولتين أو أكثر وتخضع جميعها لرئيس دولة واحدة، وتندمج جميعها في شخصية دولة خارجية واحدة يكون لها وحدها حق ممارسة الشئون الخارجية والتمثيل السياسي الخارجي، وذلك مع استقلال كل دولة من الدول الأعضاء بنظامها السياسي الداخلي الخاص بها ).
ويتمثل مظهره في رئيس الدولة الذي له حق رئاسة جميع دول الاتحاد وكذلك في الناحية الخارجية باندماج كل الدول الداخلية في شخصية دولية واحدة هي شخصية الدولة الاتحادية وينتج عن ذلك الاندماج في الشخصية الدولية لدولة الاتحاد وحدة التمثيل الدبلوماسي لجميع دول الاتحاد وتقيد جميع أعضاء الاتحاد بكافة التصرفات الخارجية وتحملها لمسؤوليتها وتقيدها بنتائجها مثل المعاهدات كما أن الحرب التي يعلنها الاتحاد تشمل جميع دول الاتحاد. أما في حالة نشوب الحرب بين دول الاتحاد فإنها تعتبر حرب أهلية.
أما بالنسبة لنظام الحكم السياسي الداخلي، فان كل دولة من دول الاتحاد تحتفظ بنظام حكمها الداخلي أي بدستورها الخاص وبسلطتها العامة من تشريعية وتنفيذية وقضائية وكل ما يتعلق بنظامها السياسي الداخلي.
ويطلق على النوع الرابع من اشكال الدولة المركبة (الاتحاد الفيدرالي) وهو (اتحاد عدد من الولايات يتقرر لكل منها بعض مظاهر السيادة الداخلية التي تشاركها فيها الدولة الاتحادية التي تتكون من مجموع سكان وأقاليم هذه الولايات، وذلك علي خلاف السيادة الخارجية التي تقرر للدولة الاتحادية وحدها دون الولايات حيث تظهر الدولة بأكملها كدولة موحدة في المجال الخارجي).
يتمثل مظهره الداخلي في تكون دولة الاتحاد من عدد من الولايات، ومن مجموع هذه الولايات أي مجموع سكانها وأراضيها تقوم الدولة الاتحادية ووجود رئيس دولة واحد، وجنسية واحدة هي جنسية الدولة الاتحادية التي ينتمي إليها كافة رعايا الولايات دون أن يكون لكل ولاية الجنسية الخاصة بها.
أما بالنسبة لنظام الحكم السياسي الداخلي، فيكون للدولة الاتحادية دستورها الذي يسمي (الدستور الاتحادي) وسلطتها العامة الاتحادية (التشريعية والتنفيذية والقضائية) ويلزم جميع السكان أي سكان الولايات بما يقرره الدستور الاتحادي أو ما تقره المؤسسات الاتحادية التشريعية أو التنفيذية أو القضائية دون الحاجة إلي إقرار موافقة الولايات. وتتمتع الولايات بسلطتها العامة ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) الخاصة بها ورغماً عن تلك الاستقلالية فإنه لا ينطبق علي تلك الولايات وصف الدولة لتمتعها بممارسة بعض مظاهر السيادة الداخلية في الوقت الذي تمارس الدولة الاتحادية لوحدها الكثير من مظاهر تلك السيادة علي جميع الولايات.
المنطقة الوسطي
خلال الفترة التي سبقت اعلان استقلال السودان في الاول من يناير 1956م كان المطلب الاساسي لنواب جنوب السودان بأول هيئة تشريعية منتخبة لموافقنهم على إعلان الاستقلال بالاجماع هو تضمين حق الجنوب في الفيدرالية، لكن بعد الاستقلال رفض الساسة الشمالين تلك المطالب لاسباب عديدة كان ابرزه تمهيده لفصل الجنوب عن الشمال.
وشهد مؤتمر المائدة المستديرة الذي استضافته الخرطوم بمشاركة القوي السياسية الشمالية والجنوبية بعد ثورة اكتوبر 1964م طرح الساسة الجنوبيون لخيارات جديدة خلاف الفيدرالية تتمثل في المطالبة بحق تقرير المصير وراي ثالث يدعو لانفصال جنوب السودان.
افضي التوقيع على اتفاق السلام بأديس ابابا بين الحكومة السودانية وحركة الانانيا بالجنوب بقيادة الفريق جوزيف لاقو لمنح جنوب السودان حكم ذاتي وحكومة منتخبة، لكن ذلك الأمر لم يستمر كثيراً نظراً لتمتع الجنوب بسلطات تنفيذية وتشريعية محدودة التي تضاءلت وتلاشت بسبب الصراع السياسي بين المجموعات المختلفة والتي انتهت باضعاف الاتفاقية بقرار الرئيس الراحل جعفر نميري بتقسيم جنوب السودان لثلاث اقاليم، وهو ما اعتبر نقضاً لاتفاق اديس ابابا وادي لاشعال الحرب الاهلية مجدداً ونشوء الحركة والجيش الشعبيين لتحرير السودان بقيادة العقيد د.جون قرنق دي مبيور.
وقع الخلاف داخل الحركة والجيش الشعبيين في ساعات المخاض الاولى حول مطالبها بين دعاة (القتال للانفصال الجنوب) والمطالبين ب(تحرير كل السودان) انتصر الفريق الأول وتمكن من هزيمة ودحر المجموعة الثانية التي دخلت الاراضي السودانية وبدأت تناصب العداء المجموعة الثانية.
ويعد اكبر التحولات داخل الحركة الشعبية هو انقسام الناصر في عام 1991م بقيادة كل من د.رياك مشار ود.لام أكول واللذان دعيا لتغيير اهداف الحركة وحصره في منح شعب جنوب السودان لحق تقرير المصير، وهو الأمر الذي دفع الفصيل الرئيسي بقيادة د.جون قرنق للقبول بهذا الأمر، مع محاولته تمييز موقفه عن مجموعة الناصر.
المخرج الكونفدرالية
تسارع الاحداث قذف بقضية (تقرير المصير) لصدارة اجندة المواضيع السياسية السودانية فالحكومة السودانية وقعت إعلاناً مع فصيل د.لام أكول في فرانكفورت اعلنت قبولها بحق تقرير المصير لجنوب السودان، وبعد عام تقريباً نظمت الإدارة الامريكية في عام 1993م مؤتمر شاركت فيه عدد من القوي السياسية الرئيسية تم الاتفاق فيه على منح الجنوب حق تقرير المصير، وهو ما جعل مبدأ حق تقرير المصير متفق عليه، وبدأت تلوح في الافق مقترحات إعلان المبادئ لدول مجموعة الايقاد التي اعتمدت تقرير المصير كأحد الخيارات الموضوعة لانهاء الحرب بجنوب السودان.
وطرح قرنق خلال المؤتمر العام الأول للحركة الشعبية لتحرير السودان الذي عقد بمنطقة "شقدوم" في الثاني من ابريل 1994م تصوره للنماذج المستقبلية للسودان والتي حددها في خمسة نماذج وهي: (السودان المتحول الديمقراطي، الاجماع السوداني، الموحد العربي الإسلامي، العلماني الأسود الإفريقي والانفصال التام)، وطرح تلك النماذج مرة أخرى خلال الندوة التي عقدت بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 2002م.
واوضح يومها أن نموذج (الإجماع السوداني) هو (الكونفدرالية) ويعتبره بمثابة وضع انتقالي يتضمن ترتيبات انتقالية ويحتوي على وجود مشترك لنظامين (السودان القديم والسودان الجديد) ويكون بمقتضاه السودان القديم فعالاً في الأجزاء التي لا توجد فيها مقاومة مسلحة له، بينما تخضع مناطق الحرب الأهلية لإدارة الحركة الشعبية لتحرير السودان.
ويوضح أن كل الدولة تكون ذات سيادة في القوانين، ترتيبات الأمن، أما المواضيع الخلافية كقضية احكام الشريعة الإسلامية أو أي مسائل متشابهة فيتم تناولها على انفصال بواسطة كل دولة على انفراد وفقاً لدستورها، وليست لدولة إجبار الأخرى ضد رغباتها، لأن ترتيبات الأمن منفصلة، ويوضح أن الأسس العامة التي تتفق عليهما الدولتان الكونفدراليتان وتتعاونان في سبيل المصلحة المشتركة يمكن من بناء وحدة صحيحة، أي على أساس الفائدة المشتركة وليس على القسر والجبر والذي يشكل رصيداً للانفصال التام كنتيجة للمنفعة الذتية لإحدى الدولتين.
واعتبر قرنق أن هذا النموذج يمكن السودانيين من انهاء الحرب دون مرارات طويلة، ودون إهدار للأرواح لا معنى له، وفي نفس الوقت يصون وحدة السودان الجادة القائمة على الاتفاق المشترك والاجماع وليس على القسر والهيمنة. ويتمثل هدف النموذج الثاني في تحقيق تعايش مؤقت بين النظامين بهدف تحقيق الوقف الفوري للحرب وتحقيق السلام وفي نفس الوقت خلق الظروف المناسبة والترتيبات اللازمة للشعب السوداني لتقرير مصيره عن طريق الاستفتاء حول الاتفاق على سودان جديد موحد ديمقراطي علماني، أو يتفقوا على الانفصال.
وقدمت الحركة هذا النموذج في مباحثات ابوجا 2 وطرحت على منظمة الوحدة الإفريقية –قبل تعديل اسمها للاتحاد الإفريقي- مسودة دستور كونفدرالي بين الشمال والجنوب لتوضيح رؤيتها لمعالجة قضية الحرب الاهلية بجنوب السودان.
ظهور في الاتفاقيات
ووردت الكونفدرالية للمرة الأولي كأحد الخيارات لمواطني جنوب السودان عند الاستفتاء على حق تقرير المصير في متون اتفاق شقدوم اواخر 1994م بين الحركة الشعبية وحزب الامة القومي، كما نص عليها في قرار التجمع الوطني الديمقراطي الذي اتخذه في مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية في يونيو حول (تقرير حق المصير) حينما نص في فقرته رقم (13) من القرار على اتخاذ قوي التجمع لموقف موحد من خيارات استفتاء جنوب السودان من الوحدة الذي اشتمل على خياري الفيدرالية والكونفدرالية أو الاستقلال.
سودان بنظامين
بعد انتخاب الإدارة الامريكية بقيادة جورج بوش الابن في 2000م عقدت ورشة عمل بمركز واسنطن للدراسات الاستراتجية في فبراير 2001م بمشاركة (71) شخص من بينهم عدد من السودانين حول سياسة الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الحرب في السودان لوضع إستراتجية الإدارة الامريكية تجاه السودان، وترأس أعمال الورشة كل من فرانسيس دينق وستيفن موريسون.
ومن ضمن التوصيات الرئيسية الست التي اصدرتها الورشة دعت احدها لضرورة شروع الولايات المتحدة الأمريكية تكوين مجموعة دولية جديدة من دول الجوار السوداني وعدة دول لإنهاء الحرب في السودان من خلال إعلان مبادئ يدعم حق شعب الجنوب في تقرير المصير ولكنه يعطي أولوية للوحدة الوطنية عن طريق دولة علمانية ديمقراطية تتوفر فيها الضمانات للمساواة السياسية، وفصل الدين عن الدولة، والتوزيع العادل للسلطة والثروة بين الأقاليم، وإمكانية طرح (سودان واحد ونظامين) وهو ما كان يشير للكونفدرالية بشكل مباشر.
(3) من (10)
وشهد اوئل فبراير 2002م نشر عدد من الصحف المحلية والاجنبية ما اطلق عليها اتفاق سري بين الحكومة السودانية والادارة الامريكية التي عرفت باسم (اتفاق النقاط العشرة)، تطرقت (3) منها لتشكيل كونفدرالية بين الشمال والجنوب، حيث ورد في النقطة (4) من ذلك الاتفاق (قيام نظاميين في الشمال والجنوب في دولة كونفدرالية واحدة)، وذكرت النقطة (6) من ذات الاتفاق (توحيد القوى والفصائل الجنوبية والوصول إلي سلام جنوبي يمكن من قيام كونفدرالية جنوبية وذلك عبر عقد مؤتمرات واتفاقات للفصائل والقبائل الجنوبية بالداخل والخارج) أما النقطة (8) منه فنصت على (تشرع الحركة الشعبية والحكومة السودانية في وضع الترتيبات العسكرية والإدارية عبر اجتماعات ولقاءات مباشرة كمقدمة لتطبيق الكونفدرالية).
وسارع وقتها وزير الخارجية السوداني د.مصطفي عثمان اسماعيل لنفي وجود أي اتفاق بين بين الخرطوم وواشنطن معتبراً ما ورد بتلك الوثيقة (تحريك وتشويش ومحض افتراء). أما الحكم على مصداقية هذه الوثيقة أو لا فإن متابعة وقائع ومجريات الاحداث التي جاءت لاحقاً كفيلة بأن توضح بجلاء حقيقة أو عدم صحة هذه الوثيقة.
اللجوء للكونفدرالية
الأمر الجدير بالملاحظة أن الحركة الشعبية طرحت خلال مباحثات السلام التي رعتها الايقاد منذ قبول الحكومة السودانية التفاوض وفق مبادئها في عام 1997م للشكل الكونفدرالي، وفلصته في ردها على مقترح الوسطاء في يونيو 2002م. ويبدو للناظر أن الشكل الراهن الذي خلصت له اتفاقية السلام الشامل خلق شكلاً كونفدرالياً بين الشمال والجنوب، في معالجتها لعدد من القضايا كتطبيق القوانين الإسلامية واللجوء لنظامين مصرفيين إسلامي في الشمال وتقليدي بجنوب السودان.
تطبيق على الأرض
ولعل الدعوات السياسية التي اطلقت اخيراً من قبل عدد من قيادات القوي السياسية بطرح للكونفدرالية كخيار ثالث لمواطني جنوب السودان في الاستفتاء القادم، هي بمثابة تعزيز خيار الوحدة بسبب تطبيق النموذج الكونفدرالي بشكل مخفف حالياً، اكثر من كونها خيار جديد لتطبيق نموذج مختلف.
فاتفاقية السلام الشامل اسست دولة مركبة جمعت بين الاتحاد فدرالي والاتحاد الحقيقي (الكونفدرالي) بشكل مختلط، وهو أمر ناتج عن توفيق الرؤى بين طرفي الاتفاق الحكومة السودانية التي تقدمت بمقترح بالفدرالية، والحركة الشعبية التي تمسكت بتصورها الخاص بالكونفدرالية.
ويبرز المظهر الفدرالي في وجود دستور أعلي مركزي تخضع له كل مؤسسات ومستويات الدولة المختلفة وسلطات للمستوي مركزي (تشريعية وتنفيذية وقضائية) تتمتع فيه الولايات بمظاهر سيادة داخلية من خلال سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية.
أما علي الصعيد التشريعي المركزي فيتكون من مجلسين الأول اولهما (المجلس الوطني) الذي يختص بالتشريع في المسائل التي تهم الدولة بأجمعها كالعلاقات الخارجية والدفاع الوطني والمسائل الجمركية والمواصلات والهجرة، بالإضافة للاشتراك في تنظيم بعض المسائل الهامة مع المجالس النيابية الولائية من خلال وضع بعض القواعد العامة التي يتحتم علي البرلمانات الولائية الخضوع لها والتقيد لدي وضع تشريعاتها الخاصة.
أما الثاني فهو (مجلس الولايات) الذي يتكون من عضوين عن كل ولاية بصرف النظر عن مساحتها أو عدد سكانها لحماية مصالح الولايات.
أما الاتحاد الحقيقي (الكونفدرالي) فيبرز من خلال الكيانين الذي اسسهما –الشمال والجنوب- يوجد تباين في مؤسسات حكمها الداخلي حيث يوجد في جنوب السودان مستوي حكومة إقليمية يتكون من سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية ويليه مستوي للولايات حيث تعتبر الحكومة الإقليمية لجنوب السودان هي حلقة الوصل ما بين المستوي القومي وولايات جنوب السودان.
ومظاهر الإتحاد في اتفاق السلام الشامل تتمثل في الدستور الأعلى (القومي) ومؤسسات المستوي القومي وسلطاته (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، والعلاقات بين المستويات الثلاثة (القومي- الجنوب- الولائي) هي علاقة تنسيقية وتقوم على الرضا، فرئيس الجمهورية يتعامل مباشرة مع ولاة الولايات الشمالية، لكنه لا يستطيع التعامل مع حكام الولايات الجنوبية إلا عبر النائب الاول الذي هو رئيس حكومة الجنوب.
ويتمتع جنوب السودان بنظام مصرفي قائم علي المعاملات التقليدية وقوات مسلحة مع حق في تكوين مكاتب تمثيلية بالخارج لا تكون بدرجة سفارات وتعمل بالتنسيق مع السفارات السودانية في تلك البلدان وحق الجنوب في الحصول على قروض خارجية شريطة أن تلتزم حكومة الجنوب بسداد تلك القروض.
أما في شمال السودان فلا يوجد لديه مستوي لحكومة إقليمية ويتكون من ولايات ترتبط بصورة مباشرة بالمستوي القومي. يقوم النظام المصرفي في شمال السودان علي المعاملات الإسلامية، ولا يحق لأي ولاية شمالية حق اقامة مكاتب تمثيلية خارجية لها أو الحصول على قروض خارجية بدون مشاركة الحكومة الاتحادية.
... إذا من الضروري الاشارة إلي أن طرح الكونفدرالية يهدف لتقريب الرؤى بين دعاة الوحدة والانفصال، وهو كموقف يتسق مع المفهوم والممارسة السياسية التي تؤمن بحتمية "وجود منطقة وسطي تجمع بين كل المواقف"
mahir abugoukh [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.