مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السودان العربي -2- .. بقلم: سير دوجلاس نيوبولد .. ترجمة : بدر الدين حامد الهاشمي
نشر في سودانيل يوم 12 - 01 - 2011

تقدمة: هذا هو الجزء الثاني لترجمة مختصرة لمحاضرة ألقاها في المركز العربي بالقدس السير دوجلاس نيوبولد السكرتير الإداري للسودان في أكتوبر من عام 1944م. نشرت هذه المحاضرة ضمن كتاب صدر للمؤلف ك دي دي هيندرسون (حاكم دارفور) عام 1952م عن حياة ورسائل دوجلاس نيوبولد بعنوان
The Making of Modern Sudan
بدأ السير دوجلاس نيوبولد (1894م- 1945م) عمله في خدمة حكومة السودان عام 1920م في دار الكبابيش، وشغل منصب حاكم كردفان بين عامي 1932 – 1938م، ثم منصب السكرتير الإداري بين عامي 1939 – 1945م.
قد يقول قائل إن مضمون تلك المحاضرة القديمة قد عفا عليه الزمن باعتبار أن أمر "عروبة" السودان قد تم حسم أمرها بانفصال الجنوب، ولكن ذلك عندي من سخيف القول، إذ أن أمر هوية هذا البلد وكنه مكوناته العرقية وانتماءاته القبلية هو "كعب أخيل" أو "نقطة الضعف" التي مازال الناس – حكاما ومعارضة وأغلبية حائرة "ممحونة"- حولها يتخاصمون. رغم هذا لا تخلو المحاضرة – في نظري الضعيف- من عدم تماسك وتبسيط شنيع، بل وسذاجة في بعض المواطن، وعنصرية بائنة وتعميم كاسح وأخطاء جسيمة في بعضها الآخر.
الشكر موصول للبروفسير إبراهيم الزين صغيرون لتفضله باقتراح الترجمة هذه المحاضرة، ولدكتور خالد فرح وللأستاذ أحمد كمال الدين للمساعدة في ترجمة بعض أسماء المدن والقبائل، وللأستاذ عبد المنعم خوجلي للمراجعة اللغوية.
سأعود مجددا للحديث عن السودان. هل تأذنون لي في أن أعطيكم بعض الحقائق؟ وأخشى أن يصيبكم ذلك ببعض الملل. إن السودان الشمالي يسكنه في الغالب عرب مسلمون يبلغ تعدداهم أربعه ملايين نسمة. تغطي الصحراء شماله وشماله الغربي (مجاورا للصحراء الليبية). قمت في سنوات 1923م و1927م و1930م بثلاث رحلات بجملين وسيارة في تلك المناطق. وكدنا نتوه في رحلتنا عام 1927م ونحن نبحث عن واحة مفقودة وهي "واحة الزرزورة"، فعبرنا لمنطقة منبسطة ليس فيها من أثر، ومجهولة تماما لمرشدنا العربي، وفشلت بوصلتنا في تحديد مكاننا أو إرشادنا.
توجد في السودان ثلاث صحارى هي الصحراء الليبية وصحراء النوبة (أصغر من الأولي ولكنها ما تزال تنتظر الاستكشاف) وصحراء العيتباي (وتنطق الأيتباي بالهمزة أيضا، وهي صحراء بلاد البشاريين بشمال شرق السودانيين في المثلث المحصور بين الحدود السودانية المصرية من جهة مثلث حلايب ووادي العلاقي الممتد من ديار البجة متوغلا داخل الأراضي المصرية قريبا من أسوان. المترجم). تسكن في الصحراء جنوب ليبيا ( بين خطي عرض 60 و20 درجة) القبيلة الشهيرة الكبابيش (والتي أتى اسمها من كلمة كبش ومعناها خروف)، وهي تمت بصلة إلى "أولاد علي" في الصحراء الغربية بمصر، وتنحدر من "أولاد عقبة" والذين أتوا من الجزيرة العربية لمصر ومنها لطرابلس. كذلك توجد في تلك المنطقة قبيلة الهواوير (الهوارة) وأصلهم من قبيلة البربر والتي قاتلت العرب ثم اختلطت بهم في القرن السابع والقرون التالية. هنالك أيضا قبيلة "الزغاوة"، وهي خليط من القبيلة الحامية (توبو) والزنوج، وقبيلة "الزيادية" (وهم أكثر نقاء عربيا) و"الميدوب" في شمال دارفور، وجميعهم يذهبون في رحلة "نشوق" أو رحلة الشتاء، حيث لا تشرب الإبل لمدة نصف عام، ويعيش الراعي على لبن أبله ولحم ما يصطاده من الحيوانات الوحشية. لكل قبيلة من القبائل التي ذكرنا شيخ يسمونه "ناظر القبيلة". من أشهر أولئك النظار هو السير علي التوم، ويعرف عند مواطنيه بلقب "الشيخ"، وكان صديقا لونجت ولكتشنر. هنالك أيضا العمد، وهم يساعدون الشيخ في إدارة شئون القبيلة. قام مايكمايكل في سفره الموسوم "قبائل وسط وشمال كردفان" وج. أز.ريد في مقاله المعنون :" السودان الإنجليزي المصري من الداخل" بوصف دقيق لكل هذه القبائل وأفخاذها وأتباعها وأصولها، وحتى أنواع "الوسم" الذي تضعه علي إبلها، وهذه من المعلومات الهامة التي لا يستغني عنها أي سياسي أو إداري يعمل في تلك الأصقاع.
تقع جنوب تلك المناطق منطقة أكثر استقرارا وأغزر مطرا تزرع وتنمو في "قيزانها" بعض الأعشاب والأشجار والنباتات مثل الدخن والسمسم والفول السوداني والشمام، وتربي فيها قطعان صغيرة من الماشية وقليل من الأبل، وكثير من المعز والأغنام. عاشت في هذه المنطقة قبائل كانت دائمة الإرتحال في بداية أمرها، ثم بدأت مؤخرا في الاستقرار. لا تعد القبائل الدارفورية هنالك (مثل المساليت والبرتي والفور والبرقد) عربية بأي صورة من الصور، فأصولهم من التوبو والبربر وغرب أفريقيا، ولديهم لغاتهم الخاصة. بيد أن هنالك أيضا قبيلة عربية هي قبيلة البقارة الكبرى وتشمل المسيرية والرزيقات والحوازمة. تنتشر هذه القبائل حتى وداي وحدود افريقيا الأستوائية الفرنسية ومديريات دارفور وكردفان في السودان. السكان هنالك سود البشرة لقربهم من مراكز تجميع الرقيق (ياله من سبب؟! المترجم)، وهم أشد شكيمة وأكثر حبا للحياة والمرح من العرب الخلص، ولنسائهم هامش أكبر من الحرية. تجد في لغتهم العربية كلمات لا تخلو من غرابة مثل "كو" بمعني لا، و"وي" بمعنى نعم، و"درمد" بنعني صيد الزراف. هؤلاء البقارة يجيدون صيد الأفيال والزراف والأسود وهم على ظهور خيلهم مزودين بحراب ذات نصل عريض.
تسكن أواسط كردفان قبائل الحمر والبديرية ودار حامد والجوامعة. هؤلاء قبائل مستقرة تسكن القرى وتشتغل بالزراعة ولهم نظار وعمد وشيوخ في قراهم، وهم بالجملة أناس وديعون طيبون. لكل هذه القبائل – كما لغيرها- من القبائل المستقرة والرحل اهتمام شديد بالأنساب وبأفخاذ القبيلة. تهتم القبائل الكبيرة بديارها وحدود أراضيها، مما يلزم المسئول السياسي/ الإداري بمعرفة ديار كل قبيلة بدقة وحقوق الرعي والزراعة واستخدام الآبار الموجودة لكل قبيلة.
تفرعت كل القبائل العربية في غرب السودان من الجيوش العربية التي تدفقت على مصر وشمال أفريقيا بقيادة عمرو بن العاص. توجهت بعض الجيوش جنوبا نحو فزان ونيجيريا و افريقيا الأستوائية الفرنسية، ثم شرقا نحو السودان. أتى بعضها رأسا للجنوب من طرابلس، وأتى بعضها عبر النيل، وفي الطرق تزاوجوا مع البربر والتوبو والنوبة. يزعم "بنو هلال" أنهم من ذلك النسل. يقال أن نصف قبائل السودان هم من نسل عبد الله الجهني، ولا يزال هنالك كثير من الجهينية في الحجاز. دخل هؤلاء لأفريقيا عبر ليبيا في حوالي 647م، ثم غزوا السودان بعد قرنين من الزمان، وقضوا على ما تبقى من مملكة النوبة، واتجهوا غربا وعلى امتداد النيل في القرنين الثالث عشر والرابع عشر.
شملت أراضي مملكة النوبة جزء من مصر العليا وما يعرف الآن بالمديرية الشمالية في السودان، وهي الآن تشمل مراكز حلفا وبربر ودنقلا. مثل ذلك الغزو فرضا للعروبة على شعب النوبة، والذي كان خليطا من المصريين القدماء أصلهم من الشمال منذ عصور قديمة، وأيضا من الأفارقة الذين أتوا لمصر من الجنوب. بذا يمكن أن نعتبر سكان المديرية الشمالية (وعددهم نصف مليون نسمة) خليط من أعراق ثلاثة، وفي ذلك يشبهون أهل مصر العليا ، حيث النخيل والسواقي، والنيل الذي يتخلل الصحراء، مع شريط ضيق من الزراعة على ضفتيه.
تكثر في المديرية الشمالية التماثيل والمعابد المصرية القديمة، وبعض الكنائس المسيحية، وتفوق أعداد الأهرامات فيها ما هو موجود في مصر ذاتها. يتحدث الناس في هذه المديرية اللغة النوبية القديمة، بينما تعتبر اللغة العربية هي اللغة الرسمية السائدة (عدا في أوساط النساء).
من أهم القبائل العربية التي تسكن المنطقة قبيلتين عربيتين هما الجعليون والشايقية، ولون أفراد هاتين القبيلتين لون فاتح. يعد الجعليون أنفسهم (دون دليل) من نسل العباس عم الرسول، وهم في الواقع يتكونون من عدة قبائل (كما يدل على ذلك اسم قبيلتهم...جعلناكم) مثل الجوامعة والجموعية والجمع والجميعاب.
تعتبر قبيلة الشايقية من القبائل المحبة للجندية والمغامرة، وقد تجري في دمائهم دماء تركية وبوسنية وألبانية عن طريق الجنود المرتزقة الذين كانوا يعملون في جيش السلطان سليم الأول (1517م). أبدى الشايقية مقاومة عنيفة ضد الجيش التركي الغازي في 1821م، ثم انضموا لذات الجيش في حربه ضد الدراويش. يعمل (الآن) عدد كبير منهم بقوات دفاع السودان.
إذا وليت وجهك شرق كردفان فستجد نفسك في مديريتي النيل الأزرق وكسلا، واللتان تمتد حدودهما لإرتريا وأثيوبيا. يوجد هنالك أيضا "مثلث الجزيرة" بين النيلين الأبيض والأزرق، وهي منطقة تشتهر بزراعة القطن وتربية القليل من الإبل والبقر والمعز والضأن، ويسكنها خليط من القبائل (مع إحساس ضعيف جدا بالقبلية فيها) يتميزون – على وجه العموم- بملامح وخصائص عربية، ويتحدثون العربية ويدينون بدين الإسلام. وفي الشرق تجد قبيلة الشكرية التي تنحدر من جهينة (رغم أنها تزعم أصلا قرشيا)، وهي قبيلة تشتهر برعي الإبل، وتحكمها عائلة "أبو سن" منذ أيام نايل أو عدلان في حوالي عام 1620م. عرفت هذه القبيلة أيضا بتأييدها للحكم التركي ومقاومتها للدراويش. وتجد في شرق منطقة الشكرية قبائل سوداء، بعضها من بقايا قبائل أتت للمنطقة بعد عهد الدراويش من غرب السودان، وأخرى تنحدر من مملكة الفونج الإسلامية 1500م – 1800م - السلطنة السوداء- (تعرف في السودان بالسلطنة الزرقاء. المترجم). لقد أتت هذه المملكة الأفريقية من أعالي النيل أو أثيوبيا، رغم أن سلاطينهم يزعمون أن أصلهم من خلفاء بني أمية في دمشق. دخلت هذه المملكة الأفريقية (ومركزها في الأصل في سنار، وكتب عنها ميلتون) في تحالف مع العرب الذين دخلوا السودان بين القرنين التاسع والخامس عشر، وقضى ذلك التحالف على المملكة النوبية المسيحية الواهنة، ووطد لقيام شمال السودان كبلد عربي مسلم.
إن أمامنا كتاب مهم وطريف يسمي "الطبقات" لمحمد ود ضيف الله، تم تأليفه في القرن الثامن عشر الميلادي يحكي عن حياة علماء المسلمين وفقهائهم في عصر دولة الفونج. أتي معظم هؤلاء من الحجاز ومصر والعراق، وانشأوا مدارس قرآنية (خلاوي. المترجم) كانت هي المدخل لدخول السكان للإسلام وتوطينه. لقد كان أفراد الفزارة والجهينة وربيعة وبقية القبائل الغازية بدويين بضاعتهم في الدين شحيحة، فألقي عبء إدخال مسيحي ووثني البلاد في الإسلام وتعليمهم أمور دينهم على اعتاق الشيوخ المحليين المتحمسين.
لقد كانت أحد أهم خصائص الإسلام السوداني (أو إسلام السودانيين)، وما يزال في بعض المناطق، هي العاطفية والشعوذة و"التقديس" (أو الإيمان) بالصالحين /الشيوخ/ الأسياد/ الفكي (في الأصل "الرجال المقدسين") لدرجة تصل بل تفوق ما يلقاه الأنبياء والرسل أنفسهم. أنشأ المجاذيب في الدامر مدرسة دينية خاصة بهم، وهنالك أيضا طائفة الميرغنية الواسعة الانتشار في السودان وأوفرها حكمة (وتمثلها الآن الشخصية البارزة السيد/ على الميرغني) وتلك طائفة أنشأها سيد من الحجاز كان قد ولد في 1787م. إن هذه الطوائف (أو الطرق) هي روابط "أخوية" (مثل الدوميناكان والفرانسسيكان) دخلت السودان منذ عدة قرون مضت في عهد مملكة الفونج، بيد أنها لم تغدو طرقا منظمة إلا في العهد المصري- التركي. وتوجد بجانب الميرغنية والمجاذيب، الإسماعيلية (في غرب السودان أساسا) والسمانية، والتجانية (التي نشأت في فاس بالمغرب وانتشرت في غرب أفريقيا)، والقادرية، والأحمدية، والأدارسة (في مصر العليا ودنقلا). نجد أيضا المهديويين (,الذين يسمون أنفسهم الأنصار) وهم أتباع الشيخ/ محمد أحمد، ذلك الدنقلاوي صانع القوارب والذي أدعى أنه هو المهدي (المنتظر) في 1881م، والذي نجح في طرد جيش وحكومة النظام المصري- التركي من السودان، ومات في 1885م. عقب موته خلفه في الحكم عبد الله (التعايشي) والذي انتصر عليه كتشنر في 1898م في معركة أمدرمان، وقتله من بعد ذلك بقليل. تعد "المهدية" اعتقاد مهدوي لدي السنة المسلمين الملتزمين (الأصوليين) وليست "طريقة" كبقية الطرق الصوفية، بيد أن في الوقت الراهن فقد خلق أتباع ولد المهدي (والذي ولد بعد وفاة أبيه) الكثيرين طائفة/ رابطة "أخوانية" دينية في جزء منها، وسياسية في الجزء الآخر، وتهتم بصورة متزايدة بالأمور الوطنية، ولديها – حديثا- مشاعر مضادة لمصر.
ينبغي أن أذكر هنا قبيلة غير عربية ولا تنتمي للقبائل الأفريقية الحامية هي قبائل البجا. تسكن هذه القبائل في الربع الشمالي الشرقي للسودان، وربما يتجاوز عدد سكان هذه القبائل مائة وخمسين ألف نسمة. كتب فيهم كبلنج قصيدته المشهورة فيزي وزي، وهم بلا ريب أوسم رجال السودان. أتى هؤلاء البجا من الجزيرة العربية من قبل أكثر من أربعة آلاف سنة. يدين البجا بالإسلام ويتحدثون بلسانين من اللغات الحامية الخاصة بهم (الخاسا والبيداوي) بالإضافة للغة العربية. يرعى البجا الإبل والضأن والمعز، وهم يعيشون حياة وحشية وخشنة، تماما كجبالهم. يبدو أن لهم علاقة أثنية ما مع عناصر غير عربية أو عناصر وجدت في جنوب الجزيرة قبل ظهور العرب. ينحدر عثمان دقنة، أشهر رجل في هذه القبائل ومن زعماء الدراويش إلي قبيلة الهدندوة (وقد عملت على مدى أربعة سنوات سعيدة مفتشا لهؤلاء القوم). هنالك قبيلتان أخريان هما البشاريين والأمرار، ولهما وجود في مصر وساحل البحر الأحمر.
حاربت البجا قديما مملكة أكسوم في أثيوبيا في القرن الأول الميلادي، وحاربوا أيضا قوات الرومان في مصر بين القرنين الثاني والرابع الميلادي، وحازوا في هذه الحروب – على مضض- بإعجاب قيبون (مؤرخ وسياسي إنجليزي عاش بين 1737م و1794م. المترجم). اعتنق البجا المسيحية لمدة 500 عام، بيد أنهم هزموا بواسطة العرب الذين غزوهم في حوالي عام 850م، وفرضوا عليهم الإسلام، وبعض اللغة العربية في لغتهم. رصد المؤرخ يعقوبي ستة ممالك للبجا عند دخول العرب للسودان.
كملخص لهذه المحاضرة أستطيع القول أن تاريخ شمال ووسط السودان كان تحالف متدرج بين العرب والسود والبرابرة النيليين شكل مجموعات بشرية مختلفة. إن إدعائهم للعروبة قوي، خاصة عند رعاة الإبل الرحل في الشمال، وعند البقارة السود، وبعض المجموعات النيلية في الشمال. يقل هذا الإدعاء عند سكان القرى من غير الرحل. نتج هذا عن التزاوج بين القبائل (والتسري، كما يقول الراحل السير على التوم). بيد أننا ينبغي أن لا نفهم كلمة "عربي" من ناحية بيولوجية فقط . هل يمكن أن نقدر نسبة الدم غير العربي (من الفرس والأتراك والصليبين وغيرهم) عند الفلسطيني مثلا؟ وهل نتسآئل كم من سكان لندن من أصل انجلو – ساكسوني قح؟
إن شمالي السودان بحكم اللغة والدين والتقاليد والضمير/الوعي القومي يعدون أنفسهم عربا، وليس غير ذلك. لقد تعربوا بالدرجة التي ضاعت من ذاكرتهم تماما كل تاريخهم قبل دخول العرب...أيام أولاد أناك (كنعان إسرائيل). بيد أن مظاهر الدم "غير العربي" من عناصر حامية ونوبية وأفريقية لا تزال موجودة فيهم... في عروبتهم وفي إسلامهم وفي لهجاتهم العربية، ولا زالت في طقوس زواجهم وولادتهم وموتهم. نضرب على ذلك مثالا واحدا هو الختان الفرعوني.
سيظل السودان مدخلا للجزيرة العربية ولأقطار البحر الأبيض المتوسط، وشماله يدور في الفلك العربي الإسلامي في شمال أفريقيا. كيف سيتأثر السودانيون بجيرانهم، وما هو دورهم ومساهمتهم لبقية أقطار الشرق الأوسط بعد أن تضع الحرب أوزارها؟ من المبكر جدا معرفة كل ذلك!
نقلا عن "الأحداث"

badreldin ali [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.