قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وثيقة الدوحة ،، فيها خير وفيها شر.. لكن أيهما أكثر ؟ .. بقلم: أحمد أبكر
نشر في سودانيل يوم 07 - 06 - 2011


[email protected]
الضمانات الأربع:
دعونا نبدأ بالشرّ الكامن في تلك الوثيقة قبل الخير الرابض فيها ، لنرى بعد ذلك هل سيعادل الخير الشر أم يتفوق عليه ، أم يتقاصر عنه..
نعم هناك شر في الوثيقة .. و ذلك الشر المستطير ليس في غياب بعض الحقوق الأساسية فقط، تعاظم ذلك البعض أم صغر ،، كثرت تلك الحقوق الضائعة أم قلّت.
بل الشر كل الشر في الضمانات الغائبة.
فما هي تلك الضمانات الغائبة؟
مهما كانت جودة المصفوفة التي يتم التوصل إليها ، تظل بلا معنى في غياب ضمانات التنفيذ.. وأهم تلك الضمانات هي الضمانات الذاتية وليست الضمانات الخارجية ..فالضمانات الخارجية عامل ثانوي أو عامل مساعد وليس العامل الأساس في عملية التنفيذ، و المثال لذلك ما يزال شاخصاً .. مثال الحركة الشعبية وهي تلجأ إلى المظاهرات تارةً ، وتارةً تلجأ إلى تحريك جيوشها وتمعن في تسليحها بمزيد من الأسلحة المتطورة ، وتارةً ثالثة تنسحب من الحكومة ثم تعود ..كل ذلك من أجل إرغام نظام المؤتمرالوطني على تطبيق بنود الإتفاقية.. وكل ذلك رغم الإصطفاف الدولي (الضمانات الخارجية) وراء إتفاقية الحركة الشعبية.. فهل أخذت حركات دارفور هذه العوامل في الحسبان؟ دعونا نستعرض فيما يلي الضمانات الذاتية الأربعة الغائبة:
1. منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية ، وبترشيح من الحركات هو الضمانة الأولى، وليس مجرد نائب للرئيس سوف يكون بجواره خمسة أو عشرة نواب آخرين حسب مزاج الحزب الحاكم، فضلاً عن مساعدين للرئيس أصحاب حظوة عنده وأصحاب سطوة.. مثل هكذا نائب سيضيع وسط الزحمة .. ولن تكون له قوة منصب النائب الأول ..هذا مع العلم أن منصب نائب الرئيس الضعيف هذا سوف تختار الحكومة من يشغله، بمعنى أنه سيكون من حزب المؤتمر الوطني الحاكم. وبخسارة دارفور لهذا المنصب (النائب الأول) سوف يكون قد إنهار الجدار الأول الذي يحمي الإتفاق من التلاعب والمماطلة في تنفيذه. الوثيقة الحالية في الدوحة تقول : لا منصب نائب أول لدارفور.
اضحك مع أمين: امين حسن عمر يقول:" إن الدستور لا يسمح بأن نخصص منصب نائب رئيس لإقليم بعينه لكننا نعطي لدارفور منصب نائب للرئيس لتأكيد حرصنا على السلام" !! يا سلام على قلبك الطيب يا أمين.. طيب ما دمت سمحت لنفسك بالتلاعب بدستورك الذي تقدسه وحدك أو انت وحزبك وتدوس عليه حينما تشاء .. تماماً كأصنام قريش المصنوعة من العجوة ، والتي يعبدونها حيناً ثم يمضغونها عندما يمضغهم الجوع .. طيب ما دام الأمر كذلك يا أمين، لماذا لا تتكرم بالمرة لناس دارفور بمنصب النائب الاول للرئيس؟ ألا يؤكد هذا أن المانع لديكم ليس الدستور إنما إعتقادكم بأن شعب دارفور لا (يستاهلون) منصب النائب الأول؟
صحيح في الظروف العادية لا يكون هناك داعي لتخصيص منصب بعينه لجهة بعينها ، لكن ما حدث لدارفور من عوامل دفعت إلى فوران البركان هناك ، ألا يجعلنا نعالج الامور وفق منطق الإستثناء الذي يسكن بعض الألم ويستلزم عمليات جراحية ؟ أم نستمر في الإستهزاء بتلك العوامل وكأن شيئاً لم يحدث؟
2. الضمانة الثانية الممنوعة في وثيقة الدوحة هي إقليم واحد في دارفور يكون لحاكمه سلطة حقيقية على ولاة الولايات الذين قد يعملون على تعطيل تنفيذ الإتفاقية وعرقلتها خاصة في الجوانب الأمنية والأولويات التنموية والترتيبات الإدارية والتسويات والمصالحات الأهلية ، تنفيذاً لسياسة المركز المعتمدة على نظرية "فرق تسد" . إقليم موحّد وليست فقط سلطة إقليمية لا تختلف عن أية شركة أو هيئة مليئة بموظفين يصرفون الرواتب. مثلها مثل هيئة تنمية غرب السافنا في الثمانينات ( مثلاً) . لن ننخدع بوجود جهاز تشريعي وآخر تنفيذي لتلك السلطة كدليل على قوة صلاحياتها ، كلا ، تلك وظائف لا أكثر . أية شركة يمكن أن تكون لديها مثل تلك الأجهزة.
كذلك يجب أن تشير الإتفاقية إلى إلغاء مرسوم البشير بإجراء الإستفتاء حول دارفور إلى ما بعد فترة إنتقالية لا تقل عن خمسة سنوات ، بغير ذلك فإنه يمكن للنظام حل هذه السلطة في أية لحظة ، وقد يفعلها بعد ثلاثة أشهر فقط إن أراد.. مثلاً: إذا قرر الحزب الحاكم التخلص من موظفي الحركات الذين إنتهي الغرض الدعائي من توظيفهم وأعلن عن إجراء إستفتاء حول الوضع الإداري في دارفور تكون نتائجه معروفة. فنتيجة الإستفتاء سوف تكون لا للإقليم الواحد (حسب رغبة الحزب الحاكم) .. وعندئذٍ سوف تقول الحكومة لأهل تلك السلطة الإنتقالية : "ليس هناك مبرر لوجود شيئ إسمه سلطة إنتقالية ، إذ لا وجود للإقليم الواحد" . يومها ستذهب السلطة الإنتقالية إلى مجاهل النسيان وتذهب معها حقوق أهل دارفور المنصوصة على ورق الإتفاقية.
لكن دعك من حقوق شعب دارفور الضائعة ، الأكثر غرابة أن أولئك المهرولين إلى التوقيع لا يهمهم التلاعب بهم ، إذ لا يبالون أن يتم تعيينهم موظفين أو وزراء هامشيين اليوم بغرض تمرير الإتفاق، ثم إنهاء خدماتهم بعد شهور !!.. يتساءل بعض المحللين: هل يكون سبب هذه اللامبالاة أنهم قد قبضوا الثمن على التوقيع مقدماً ؟ أم أن كل طموحهم هي تلك الشهور على تلك الوظائف؟
3. الضمانة الثالثة الغائبة في وثيقة الدوحة هي بقاء جيش قوي يسند الإتفاق ولا يتم تسريحه أو تجريده من السلاح أو دمجه في الجيش الحكومي إلا في نهاية الفترة الإنتقالية المقرونة بتنفيذ كامل أو أغلب بنود الإتفاقية ..واقع الحال يقول إن حركة التحرير والعدالة قد فقدت أغلب - إن لم يكن كل - جيشها بعد إنسلاخه منها، علاوة على ذلك فإن الترتيبات الأمنية حسب وثيقة الدوحة تقضي بإختفاء أي جيش للحركات في ظرف مدة من يوم إلى 220 يوماً فقط من تاريخ توقيع الإتفاق. شخصياً ، أزعجتني الإنشقاقات التي حدثت في حركة التحرير والعدالة رغم تفهمي للمبررات التي صاغوها .. لكن في رأيي أنهم ما داموا قد شاركوا في صناعة ذلك التنظيم على عُجالة ، كان عليهم أن يصبروا حتى يصلحوه ، وحتى يفرضوا الرأي الصواب من داخله بدلاً من الخروج. لأن خروجهم سهّل للمهرولين الهروب إلى الفطيسة. المثل يقول: (لا تتورط وتمسك المرفعين ، لكن إذا أمسكت به لا تطلقه ) المهم أن حركة التحرير والعدالة قد اصبحت بلا جيش بعد إنسلاخ قائدها العام ورئيس أركانها ، فكان حريٌ بها أن تتحالف مع من يملكون الجيوش وأن تتشدد ولا تتساهل في بند الترتيبات الأمنية ، فهي ضمانة من الضمانات القوية اللازمة للتنفيذ.
الملاحظ أن الضمانات الثلاثة السابق ذكرها هي نفسها حقوق أساسية وضمانات في آنٍ واحد. فالتفريط فيها تفريط في حقوق اساسية، وتفريط في ضمانات الحقوق المتفق عليها.
4. الضمانة الرابعة هي إلتفاف كل أو معظم الحركات الراغبة في توقيع الإتفاقية ، على هيئة كيان واحد أو تحالف متجانس متفاهم حتى يكون بإمكانهم التكشير في وجه الحكومة بل لي زراعها عندما يلمسون تراخياً أو تماطلاً في تنفيذ الإتفاق. تماماً كما كانت تفعل الحركة الشعبية . ذلك التكتل ممكنٌ جداً عبر تكوين مجلس إدارة للإتفاقية أو مجلس أمناء موحّد من كل الحركات. ثم تتم ممارسة الديقراطية داخل هذا المجلس ، فإذا قررت أغلبية عضوية مجلس ألأمناء توقيع الإتفاقية، يقوم رئيس المجلس بتوقيعها نيابة عن كل الحركات حتى تلك التي كان لديها رأياً رافضاً للإتفاقية ( قواعد الديمقراطية تقول ذلك). ولا ينتهي دور مجلس الأمناء هذا بتوحيد رأي الحركات حول الإتفاق وتمثيلهم عند التوقيع ، بل يتعداه إلى مرحلة التنفيذ عبرالحفاظ على الحركات متوحدة ومتفاهمة. وتكون هي الآلية المشتركة من طرف الحركات لتحديد كيفية تطبيق الإتفاق ومراقبة تنفيذها.
لكن هذه الضمانة غائبة بإرادة الوساطة التي تشجع وتقبل التوقيع على الوثيقة من حركة واحدة ، أو من حركة وأخرى نصف حركة، أو حتى من حركتين .. أو حتى لو وقعت كل الحركات على الوثيقة بالتتابع وليس بالتزامن فمن الذي يوفّق بينها عند التطبيق حتى لا تتنافس أو تتقاتل علي مغانمها ؟ الحكومة طبعاً هي التي سوف توزع بينهم مغانم الإتفاقية حسب هواها .. يا للهول!! "تخزين الشرموط في بيت الكديس" والشرموط لمن لا يعرفونه هو القديد والكديس هو القط.
كما أن أية حركة تتحرق شوقاً إلى توقيعها منفردةً كتلك الإحتفالية التي نلاحظها من حركة التحرير والعدالة تجعلها شريكة في تشتيت حقوق أهل دارفور وتحويلها إلى جيوب أعضاء تلك الحركة.
من مصلحة التحرير والعدالة نفسها أن تسعى سعياً لتكوين مثل هكذا تحالف قبل التوقيع ، لكنها عقلية (جاءتنا صافية) أو (جانا صافي).
لذا نقول:
يا أيها الراغبون في التوقيع، فقط أحصلوا أو إصنعوا هذه الضمانات الأربع ثم وقّعوا بعد ذلك ..
لن أجادلكم في جودة تفاصيل الإتفاق من عدمها ، فهي نسبية. الإتفاقية ليست صفراً على الشمال ، بل فيها كثير من الجوانب الإيجابية وفيه خير لا بأس به .
وحتى لو إقتصرت محتويات الوثيقة على عشر السقف المخطط له .. لن أجادلكم.. لكن ما قيمة التوقيع على ذلك العُشر دون وجود الضمانات التي ذكرتها. ألا هل ينبري أحدٌ من المتفائلين فيجيبني أين تكمن هذه الضمانات؟
المثل يقول: "ألرفيق قبل الطريق" فلئن يقضي المتشوقون للتوقيع عاماً كاملاً في إنتظار آخرين في وزن خليل وعبد الواحد ومناوي والوحدة وكاربينو/ابونموشة، خيرٌ لهم من أن يمضوا في هذا الطريق منفردين ، وبلا أية ضمانات. لا تحدثوني عن ضمانات الوسطاء؟ الضمانات الذاتية خيرٌ وأقوى.
غياب الضمانات الذاتية يجعل الشر الرابض خلف هذه الإتفاقية يتفوق على الخير الذي فيها. غياب الضمانات يجعل الإتفاقية بلا معنى. بل حبراً على ورق رغم ما بها من خير.
هذا كان رأييى من ايام ابوجا وإلى اليوم.. لم أقحم نفسي في جدلية: هل كانت وثيقة أبوجا قد حوت شيئاً معقولا ومرضياً من سقف الحقوق المشروعة أم لا؟ كنت اقول: تلك مسألة نسبية ولكن أين الضمانات الذاتية التي تجعل التطبيف والتنفيذ مضمونين؟ وهل صنعت الحركات المفاوضة الحماية لنفسها فمارست الديمقراطية مع بعضها حتى يلتزم الجميع بقرار التوقيع إن إتخذته أغلبية الحركات، الأمر الذي يجعلهم متماسكين ، أقوياء ومتوحدين عندما يذهبون إلى الخرطوم من أجل التنفيذ؟ وكنت أقول: كيف قبل مني مناوي أن يوقع على أبوجا بمفرده وبمعزل عن عبدالواحد وخليل الذين سوف يحميان ظهره فيما لو تتنكرت له حكومة الخرطوم؟ وقد كان.
فلو أن تحالفاً كان قد جمع مناوي وعبد الواحد وخليل قد أجاز إتفاقية أبوجا بالإجماع أو بالأغلبية لما إنتقدت من يوقعها ولو جاءت بعُشْر ما حوتها.
واليوم:
ألا يدرك قادة حركة التحرير والعدالة (جناح الدكتور سيسي) أن مرحلة التنفيذ هي معركة أخرى مع نظام الخرطوم وفي عقر وكره؟
وكيف يدخل شخصٌ ما إلى المعركة وحيداً من غير رفاق؟ وإعزلاً من غير سلاح؟
المصيبة أن الضمانة الوحيدة في جيب هؤلاء المهرولين إلى التوقيع هي رضا الحكومة عنهم .. ولماذا ترضى عنكم الحكومة ؟!!!!!!!!!!
لو كانت قد وردت هذه الضمانات في الإتفاقية ، ولو كان قد سعت حركة التحرير والعدالة إلى إنشاء الضمانة رقم (4) أي التحالف ، ولم تلوح بالتهديد بالتوقيع منفردةً ، ثم تمنعت الحركات الأخرى عن الإستجابة لتلك المساعى وإتخذت قرار عدم التوقيع دون مشاورات ديمقراطية بين مكونات ذلك التحالف المفترض ، لو كان قد حدث ذلك ، لكان إنتقادي اليوم مركزاً كله على تلك الحركات وليس على حركة التحرير والعدالة. تلك الحركات الأخرى قد نالت جميعها بلا إستثناء من سياطي الكثير ، لكن المقام هنا خاص بالتحرير والعدالة لأنني اراها في هذا الموضع تقوم مقام مخلب القط للنظام. أرجو أن أكون مخطئاً فيما أرى. لكن الشواهد تكذّب تمنياتي وتعزز تحليلاتي.
حقاً أريد لهذه المأساة أن تنتهي .. ولهذه الحروب أن تختفي.. بل لقد كنت من المعارضين لقيام ثورة في دارفور من أساسها نظراً لإدراكي لحساسية التركيبة الإجتماعية للمنطقة ، وإستعداد الحكومة لإستغلالها أبشع إستغلال ، دونما وازع يردعها.
أمّا وقد قامت الثورة غصباً عني وأصبحت واقعاً.. أمّا وقد قدّم الشعب في دارفور كل تلك التضحيات .. فقد تغير الموقف لديَّ ، وظللت منذئذٍ أقولُ: ( ليت الثورة ما قامت ، ولكن الذي وصل منتصف النهر عليه أن يعوم حتى القيف .. ولا للرجوع .. وكيف الرجوع؟) أو كما يقول المثل المصري: (مش ممكن نقبل أن يجتمع علينا الموت وخراب الديار) .. وقد إجتمعا علينا .. فلابد من الإنتصار حتى لا ينضم إلى الموت وخراب الديار ، الذل والهوان ، لنا نحن الذين بقينا أحياء اليوم ولأجيالنا القادمة في مقبل الأيام.
على أنني لا أتوقع من الذين يحتفلون بالإتفاق حتى قبل صياغته بصورته النهائية أن يراجعوا حساباتهم وفق هذه الحقائق التي ذكرتها .. فقد رأيت بنفسي الرغبة العمياء الجارفة التي تتهافت على موائد الحكومة ولا تلوي على شيئ.
العينة التي تقود حركة التحرير والعدالة الآن لا نتوقع منها غير التوقيع بلا ضمانات. أعرف اغلبهم ولدي دراية بنمط تفكيرهم ودوافع تصرفاتهم ومواقفهم: بعضهم ينظر إلى توقيع الإتفاق على أنه فرصة للعمل ضد حركة العدل والمساواة وخلط أوراقها بدلاً من خلط أوراق الحكومة ، كل ذلك لتصفية حسابات مع الدكتور خليل إبراهيم، البعض الآخر يريد بهذه الإتفاقية عزل السيد عبد الواحد محمد نور أو على الأقل إحداث فتنة بين صفوف قاعدته الشعبية عبر جر جزء منها إلى صف المؤيدين للإتفاقية . أيضاً لتصفية حسابات مع عبد الواحد ، لا يستقيم ما يقولونه من أنهم يريدون إنهاء المأساة المتطاولة ، لو كان ذلك صحيحاً لعملوا على تجنب ما يجرهم إلى المواجهة الدموية الحتمية مع الذين يرفضون الإتفاقية، أم يظنون أن الحكومة ستعطيهم شيئاً من تلك الوظائف دون تقديم هذا القربان . ثم هناك البعض الثالث الذي ينظر إلى المسألة من منظور المصلحة وحسب.
هلا حدثتكم بحادثة؟: قبل ما يربو على العام كان صديقٌ لي من الناشطين في إحدى الحركات يحدثني حالفاً أن مصادرهم الموثوقة قد رأت الدكتور التجاني سيسي في الخرطوم بُعيد تسلمه رئاسة حركة التحرير والعدالة بأيام قليلة ، وكان يردد: "هذا الرجل كذّاب" .. " هذا االرجل كان بالخرطوم قبل أيام"
بالنسبة لي كان الخبرُ عصيّاً على التصديق لكن صاحبي كان يقسم بالله ويغلظ في القسم .. ورغم ذلك لم أصدّقه ولم أكذّبه حتى هذه اللحظة .. ولكن الذي حدث أن صاحبي ذاك ، و بعد أقل من ثلاثة اسابيع من نقله لذلك الخبر ، أصبح عضواً قيادياً في حركة الدكتور التجاني سيسي. أي والله ذاك الصاحب بشحمه ولحمه قد صار قيادياً مقربا من الدكتور سيسي الذي قال فيه كل ذلك الكلام ..هذه هي العينة التي تقود حركة التحرير والعدالة . ولله في خلقه شؤون.
هوووي يا ناس.. الجنة والنار متجاورتان ، والصراط ُجسرٌ يعبر إلى الجنة من فوق النار .. والضمانات هذه جسرٌ يفصل بين الفشل والنجاح .. بين الغفلة والإنتباه.. بين اليقظة واللامبالاة .. بين الانانية والزهد ..و بين العمالة ونبل المقاصد. إذا أنا غلطان قولوا لي ، والله لست اتعصب لرأي وعلى إستعداد لتغييره إذا رأيت الصواب. وإستغفر الله إذا ظلمت أحداً دونما قصد وللمظلوم المعذرة. أشعر أنني أكتب اليوم آخر مقالاتي على هذا الصعيد.. لست أدري .. عموماً لكم جميعاً تحياتي. و وفّق الله المخلصين ..والسلام.
5.6.2011


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.