شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    شاهد بالفيديو.. سيدة سودانية تشكو في بث مباشر: زوجي يخونني ويقيم علاقة غير شرعية مع زوجة إبن عمه التي حملت منه وهكذا جاءت ردة فعلي!!    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    "صمود" يدين اغتيال أسامة حسن ويصفه بجريمة سياسية مروعة    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم ليلى علوي بجائزة إيزيس للإنجاز    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دفاتر الديمقراطية البرلمانية الثالثة (20 و21) .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
نشر في سودانيل يوم 21 - 07 - 2013


[email protected]
*** الحلقتين العشرين والحادية والعشرين****
* الحلقة الحادية والعشرين**
إذا سألتني، أعزك الله، عن إجابة واحدة واضحة ومستقيمة على السؤال: لماذا فشل لقاء رئيس الوزراء الصادق المهدي مع رئيس الحركة الشعبية جون قرنق، فسأقول لك على الفور: غالي والطلب رخيص، هاك الاجابة: اللقاء فشل لأنه لم يتم اصلاً. وكيف تكون هناك نتيجة ايجابية لمباحثات لم تحدث ابتداءً؟ جميعنا يعلم أن المباحثات بين الرؤساء والقادة وذوي الهيئات من السياسيين تتم في الأصل رأساً لرأس. في أغلب النماذج يكون هناك لقاء ابتدائي بين الزعيمين المتباحثين في حضور آخرين تناقش فيه بعض الخطوط العريضة، ثم يلج الزعيمان الى غرفة مغلقة. او يخرج الموجودون من ذات الغرفة، فيكتمل الجزء الثاني والأساسي من اللقاء. يكون هذا اللقاء في العادة وجهاً لوجه، بحضور مساعد واحد من كل جانب أحياناً، وفي احيان اخري كثيرة لا يكون هناك مساعد، بل يتباحث الطرفان رأساً لرأس. وهذا الجزء الثاني والاساسي لم يحدث في حالة لقاء السيدين الصادق المهدي وجون قرنق. ما الذي حدث إذن؟
الذي حدث هو ان الزعيمين جلسا في تلك الغرفة المكتظة، وسط ذلك الحشد الحاشد من نقابيين وموظفين حكوميين وثلة من الحركة الشعبية (أحد أفرادها مصاب بلوثة عقلية وفق شهادات طبية). يذكرك المنظر بالجموع التي تجلس فوق المساطب امام البيوت في الامسيات. جوقة من الجالسين وكلام ينثر في الهواء بغير نظام. السؤال الاكثر اهمية الذي ينتصب هنا هو: لماذا لم تجر المباحثات كما ينبغي اذن، ولماذا لم تتبع الاصول المرعية في مثل هذه اللقاءات؟ لماذا لم يلتق الزعيمان وجهاً لوجه حتي يسهل التخاطب وتقوم الثقة وتتوالي النتائج والخلاصات؟!
الاجابة على سلسلة الأسئلة الأخيرة هي أن العقيد جون قرنق رفض فكرة اللقاء المباشر مع المهدي. أى والله رفض. بعد حوالي نصف ساعة من الكلام السائب، رأى رئيس الوزراء أن الوقت قد حان لعقد جلسة مغلقة لحوار جاد بينه وبين قرنق، تتم خلالها المواجهة المنتظرة بينهما ومعالجة القضايا بصورة جادة. طلب رئيس الوزراء من قرنق ان ينتقلا الى مرحلة الحوار المباشر، كما هو متوقع، وكما هي العادة في مثل هذا النوع من اللقاءات. المفاجأة الكبرى جاءت عندما رد قرنق، بلغة انجليزية مبينة لا عوج فيها، بأنه لا يرغب في لقاء مباشر. وإذا أراد رئيس الوزراء التباحث فليتباحث وسط هذه (اللمة). وكأني بالعقيد قرنق يقول: "كان عجبك عجبك، وكان ما عجبك مع السلامة"!
سألني الراحل العزيز الدكتور والتر كونيجوك وزير العمل بعدها بأيام (وكنت قد عرفته وصادقته قبل ان يتولى الوزارة، عندما كان ناشطاً سياسياً في عهد الحكومة الانتقالية قبيل الانتخابات). سأل: هل كانت للاجتماع أجندة؟ قلت لا. فثار في وجهي: "يا اخي اجتماع المجلس الشعبي لا بد له من اجندة فكيف تعقدون اجتماعا لرئيس الوزراء مع العقيد قرنق بدون أجندة؟" لم يجاوز الرجل الحق. ولكن السؤال، ضمن الأسئلة التي لا تنتهي ينتصب مرة اخرى: وكيف توضع أجندة لاجتماع لا يعرف أحد، حتي قبل سويعات من انعقاده، عما اذا كان سينعقد ام لا؟ لم تكن هناك معلومات قطعية بأن قرنق موجود في أديس أبابا. مجرد كلام وظنون واحتمالات. الوسطاء، وعلى رأسهم الدكتور تيسير محمد أحمد، كان همهم الأول والأخير هو وفاء قرنق بعهده لهم. فقط لا اكثر ولا اقل. الذي تابع أحداث تلك المرحلة يعرف لزوماً أن جون قرنق كان يستمتع ويتلذذ بحال الشخصيات الشمالية البارزة التي كانت تتردد على أديس أبابا وغيرها بأمل ملاقاته. كان هو ومعاونوه بارعون في إعطاء الاشارات بأنه وافق على لقاء فلان أو علان من السياسيين، فتملأ وسائط الاعلام الدنيا ضجيجاً عن اللقاء المرتجى. وعندما تجئ اللحظة المقررة وتسلط الكاميرات وتحبس الانفاس، يأتي من يقول بأن قرنق ليس موجوداً، بل هو في (مناطق العمليات). وهنا تستجمع الشخصيات أطراف هيبتها المهدرة وتعود ادراجها الى الخرطوم.
بدا وبوضوح لا تخطئه العين عند لقائنا بالعقيد قرنق في أديس أبابا أن الرجل ممتلئ بالغرور، حتي ليكاد الغرور يتدفق من بين جنبيه، وشديد الاحساس بذاته: اشترط للحضور ان يلتقيه السيد الصادق المهدي بصفته رئيسا لحزب الامة، لا بصفته رئيساً للوزراء، لأنه لا يعترف بالانتخابات التي أتت به. ثم وكالمعتاد اخذ يداور ويناور دون ان يعطي اشارة حاسمة بأنه سيأتي لمكان اللقاء حتي اللحظات الاخيرة. ثم دبر مع مخابرات منقستو أن يحضر السيد الصادق المهدي الى مكان اللقاء اولاً، فيجلس منتظراً حتي يحضر هو. وفي ذلك ما يلبي نزعة الفخر عنده بطبيعة الحال (دبر الراحل لوران كابيلا مع المخابرات الفرنسية أن يحضر الرئيس موبوتو الذي سعي للتفاوض معه عندما أحدق الثوار بالعاصمة كنشاسا الى مكان اللقاء قبله وينتظر لساعة كاملة، ثم حضر لوران كابيلا بعد ذلك). وأخيراً وبعد ان تفضل قرنق بالحضور، وجرت المصافحة والحديث الابتدائي بين الزعيمين، عاد فرفض في عنجهية وصلف ان يلتقي برئيس الوزراء وجهاً لوجه، واشترط ان يكون اللقاء وسط الحشد، وهو يعلم ان فرص الحوار الجاد تتضاءل وتنتفي في محيط واسع مثل ذاك.
ثم لجأ اخيراً الى التدليس والكذب الصراح، فقال في حديثه للمؤرخ الدكتور عبد الماجد على بوب أن رئيس الوزراء لم يحسن الإصغاء اليه. وتلك لعمر الحق فرية في عرض سور الصين العظيم. فلقد والله أحسن حفيد المهدي الأصغاء، واستمع بصبر نادر الى كل التخاليط والخربقات، ما يثير الضحك منها، وما يبعث على الرثاء. يكفي ان قرنق أضاع وقتاً عزيزاً وهو يحتج على رئيس الوزراء ويأخذ عليه انه استخدم في وصف الحركة الشعبية في بيانه امام البرلمان لفظ (المحاربون). بح صوت المهدي وهو يحاول ان يشرح لقرنق أن كلمة (محاربين) في اللغة العربية كلمة محايدة، لا تحمل وصفاً سيئاً، وانها افضل من (متمردين) و(خوارج) التي كانت تستخدم في الماضي. ولكن قرنق فيما يبدو ما كان ليرضيه من رئيس الوزراء إلا ان يقف أمام البرلمان فيقول في وصف مقاتلي الحركة: "الثوار المناضلين النشامى"!
لله سبحانه وتعالى ولا شك حكمة في أنه نسأ في آجالنا، فعشنا حتى سمعنا بآذاننا ورأينا بعيوننا كيف أن بطل (السودان الجديد) العقيد جون قرنق الذي أدمن الغطرسة وأوغل في التطفيف من أقدار رجال الديمقراطية الذين أتى بهم شعب السودان عبر انتخابات حرة مشهودة، واستهزأ بالتجمع الديمقراطي وحكومة النقابات التي افرزتها ثورة رجب ابريل، وتلذذ بالتمنع عن الحضور لمقابلة الوفود تلو الوفود، عاد فأرتد على عقبيه وعرف أن الله حق بعد استولت العصبة المنقذة على مقاليد السلطة!
أليس غريباً ان قرنق الذي استهان بالديمقراطية ومؤسساتها ورفض أن يضع يده في يدها، عاد فتحول وتبدل، بعد ان تبدلت الدنيا من حوله، فجاء الى كل لقاء له مع فتية العصبة المنقذة بعد ذلك في المواعيد المضبوطة تماماً، لم يتأخر دقيقة واحدة؟ أليس غريباً حقاً أنه أقلع تماماً وفجأة عن عادة الاختفاء، كما درجت العادة عنده، ثم الزعم بأنه (في مناطق العمليات) مثلما كان يفعل في عهد الديمقراطية؟!
قيل أن جون قرنق كان يحضر – متأدباً - لمقابلة شيخ الانقاذ على عثمان محمد طه، ويجلس في مقعده قبل موعد اللقاء بدقائق خمس. ليس ذلك فحسب، بل أنه أحضر معه ذات مرة زوجته وأولاده وطلب منهم أن يسلموا على شيخ الانقاذ، عينه الذي انقلب على الديمقراطية، واستولى على الحكم عنوةً واقتداراً.
وقديماً غني المغني: "حكمة والله وحكاية"!
*** الحلقة العشرون ****
(1)
أشرنا في الحلقة التاسعة عشر الى بعض مظاهر الغطرسة وسوء الخلق والتفلت كما ظهرت عند بعض أعضاء الوفد الذي اصطحبه العقيد جون قرنق لمفاوضة رئيس الوزراء في اديس أبابا. وقد كانت المعلومة متداولة عن أن رئيس أركان جيش الحركة وليام نون مصاب بمرض عقلي يفقده القدرة على الاستماع والحوار الموضوعي. ولعل في ذلك ما يفسر جلوسه في وضع واحد لم يتغير لعدة ساعات منكفئاً الى أسفل، وقد زمّ شفتيه وقطب حاجبيه وعقد يديه. وكما سبقت الاشارة، فقد كان أول وآخر حديث قاله بعد أن رفع رأسه، مخاطباً رئيس الوزراء: "لا تفلق رؤوسنا"!
(2)
كما أنني لم أجد تفسيراً لحالة الغضب التي طبعت سلوك الرائد أروك طون طوال ساعات اللقاء. ولم اعرف عما اذا كان ذلك الغضب حقيقياً ام مصطنعاً. وقد لاحظت عندما توقف الجانبان عن الحوار في استراحة قصيرة، حتي يصلي المسلمون من المشاركين، أن الدكتور تيسير محمد احمد انتحى جانباً بالرائد أروك طون في الغرفة المجاورة وحاول ان يتبسط معه في الكلام، وان يستدرجه الى شئ من الدعابة، بأمل تحسين مزاجه وحالته النفسية البادية الاضطراب (لسبب لا علم لنا به). وللأسف فإننا لم نر حصيلة طيبة لجهد الدكتور تيسير. بل بالعكس، فعندما حمل تيسير زجاجة من مشروب الكوكاكولا وحاول تقديمها بنفسه الى الرائد طون قائلا:" أروك .. تشرب كوكاكولا"؟ رفض أروك ان يمد يده، ورد بعصبية غير مبررة وبصوت مرتفع نسبياً: "أشرب كوكادام .. أشرب كوكادام". وأشاح بوجهه الى الجانب الآخر في اشارة واضحة الى انه لا يريد ان يحادثه أحد.
(3)
كوكادام، كما هو معلوم، اسم لمنتجع في اثيوبيا، التقي فيه وفد من الحركة وبعض الأحزاب الشمالية، حيث تم التوقيع على اتفاق مارس 1986، الذي ارتطم بصخور كثيرة، إذ لم تجتمع عليه كل القوى السياسية في الخرطوم. ولا أعرف معني (أشرب كوكادام)، اللهم الا اذا كان الرجل يقصد أن يعاير تيسير بفشل تلك الاتفاقية، باعتباره واحداً من مهندسيها، مستبطناً المثل الشعبي السائر بشأن طمس الأوراق (او الاتفاقيات) التي لا قيمة لها في الماء ثم احتساء الماء بعد ذلك.
والذي يرى ذلك الجموح والشطط وتصعير الخد من جانب أروك طون وبعض رفقائه ممن حضروا ذلك اللقاء، وهم يحاورون حفيد المهدي، يصعب عليه جدا ان يتصور كيف أن ذات الشخصيات ما لبثت، في تواريخ لاحقة، أن انبطحت أمام سلطة العصبة المنقذة انبطاحاً فاضحاً، وانكسرت امام جبروتها وسطوتها، ومشت في مناكبها، ثم لاقت حتفها داخل طائراتها، كما هو الحال مع الراحل أروك طون الذي قتل في معية المغفور لهما اللواء الزبير محمد صالح والعقيد ابراهيم شمس الدين، ضمن حادث الطائرة الشهير في ابريل 2001م.
(4)
وقد حيرني أنه حتي نيال دينق نيال، الذي اصبح في وقت لاحق وزيراً للدفاع في حكومة جوبا، وكان في يومنا ذاك موظفاً صغيراً، ضمن طاقم سكرتارية قرنق، ولم يشارك بطبيعة الحال في اللقاء بل وقف مع طواقم الأمن والمراسم والسكرتارية امام الباب خارج الغرفة، حتي تلك السمكة الصغيرة أرادت ان "تتفرعن" وتنفث عقدها النفسية حولنا. ونيال دينق هو إبن السياسي الجنوبي الشهير الراحل وليام دينق. وكان رئيس الوزراء قد تطرق عرضاً في اطار الحوار مع قرنق لصداقته مع الزعيم الجنوبي وليم دينق، فقاطعه قرنق ليخبره بأن إبنه هو ذلك الواقف أمام الباب بالخارج، فطلب المهدي حضوره ليسلم عليه. وعندما تم احضار الابن وخاطبه قرنق: "تعال يا نيال. سيد الصادق عايز يسلم عليك"، هش له حفيد المهدي وأظهر في وجهه كثيراً من الاريحية. ولكن الفتي مد يده بجفاء، يشبه جفاء منقستو الذي عرضنا له، وتعمد فيما يبدو ان يظهر مشاعر المقت من فوق تعابير وجهه! يا الله. ما هذا الحقد الذي ملأ قلوب هؤلاء البؤساء؟!
(5)
عرفت الدكتور حسن الترابي معرفة وثيقة، وعملت الى جانبه وبقربه، نائباً عاماً ورئيسا لعدد من اللجان الوزارية، ثم مستشاراً ومساعداً لرئيس الجمهورية، نحواً من خمس سنوات. وأظن أنني آخر شخص جالس الدكتور الترابي في غرفة الاجتماعات الملحقة بمكتبه في السادس عشر من مارس 1985، آخر أيام عمله مساعداً للرئيس، قبيل ساعات من اعتقاله وايداعه السجن صبيحة اليوم التالي. قفزت الى مقدمة رأسي على الفور في مرحلة مبكرة أثناء اللقاء الطويل الممل مع قائد الحركة الشعبية وزمرته صورة الدكتور الترابي. خطر لي ان هناك شيئاً ما، او قل قاسماً مشتركاً، بين شخصية الترابي وشخصية قرنق. ثم تشكل تدريجيا وترسخ في ذهني اعتقاد بأن بعض الشخصيات التي تتميز بالذكاء الخارق، ربما تستشعر في بعض الأحيان دافعاً نفسياً ملحاً للتعبير عن نزعات لا تناسب مقام ذلك الذكاء الشديد، فتدلي أمام الناس بأحاديث وعبارات لا تصدر في واقع الحياة الا عن شخصيات ذات خصائص صبيانية او ربما طفولية. نترك الترابي جانباً. هذا ليس يومه. الحديث عن غيره.
أذهلني أن العقيد قرنق تاه بنا خلال الحوار في حديث عجيب عن قوة الحركة الشعبية وجبروتها ونفوذها في المحيط الاقليمي والعالمي، فذكر وكرر على مسامع المهدي مرتين عبارات مثيرة للانتباه، كونها تصدر من رجل في توقده وذكائه. من ذلك قوله: " إذا كنت انت رئيس وزراء وتعامل على مستوى رئيس وزراء، فأنا أعامل في بعض الدول في مستوى رئيس دولة". ثم ذكر اسم دولة عربية أظنها اليمن الجنوبي، وكانت دولة مستقلة وقتذاك تحت رايات الماركسية اللينينية، ويفترض انها فرشت له البساط الاحمر عندما نزل مطارها واستقبلته على مستوىً عال. وذلك حديث أراك توافقني، أعزك الله، أن أقل ما يمكن ان يوصف به هو أنه (صبياني طفولي) لا يليق ان يصدر عن متوسطي الذكاء، أو حتي من هم دون ذلك!
الأنكى أن قرنق عجز عجزاً محزناً عن مغالبة بعض نوازع ذاتية تسلطت عليه، فزاد واستزاد وأنعم علينا بفيض آخر من مخزونه التفاخري. من مثل ذلك أنه أسهب في الحديث عن قوة تنظيمه العسكري وجبروت اجهزة مخابراته وفاعليتها في الداخل السوداني، فأفادنا، مثلاً، بأنه على علم تام بدقائق وخفايا ما يجري داخل السودان. وتفاحشت به نزعة الفخر فقال لرئيس الوزراء أنه مطلع على أحدث الخطط والتدابير التي ائتمرت عليها هيئة قيادة القوات المسلحة في الخرطوم. زاد وغطى انه ذكر جانباً من هذه الخطط والتدابير المفترضة فأشار الى خطة بعينها ثم توجه بالسؤال الى رئيس الوزراء: " ألم ترسل القيادة العامة العميد (.....) لانجاز هذه المهمة بالتحديد وهو الآن موجود في منطقة كوستي في طريقه الى (....)"!
(6)
التأمل وانعام النظر في مثل هذه الادعاءات والمغالطات والروايات - التي تشبه القصص السينمائية – والتي شغلت الجانب الاكبر من جلسة الحوار بين الشخصيتين، يقود لا محالة الى خلق وتوطيد قناعات لا محيص عنها حول طبيعة شخصية العقيد قرنق، وحول اسباب فشل اللقاء.
نقلا عن صحيفة (الخرطوم)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.