التحقيق مع "بائع ثلج" متهم بإرتكاب جريمة قتل في الشاحنات    سواريز : كنا مستعدين من البداية لمساعدة النادي في أزمة فايروس كورونا    إعلان حالة جديدة بفيروس كورونا ليرتفع العدد إلى 15    المريخ يحول حميدتي وجلال وحلفا للجنة الانضباط    بروف جلال: لا جمعيات ولا تجمعات الآن حتى إنجلاء (كورونا)    ابرز عناوين الصحف السياسيه الصادرة اليوم الاربعاء 8 أبريل 2020م    الحكومة تكوّن لجنة مُختصة لدراسة الحظر الشامل في السودان    حمدوك يشارك في حملة حصاد القمح بالجزيرة الأسبوع المقبل    تصدير أول شحنة لحوم سودانية بعد جائحة كورونا    الاقتصاد العالمي ما بعد (كورونا) .. بقلم: د. عمر محجوب محمد الحسين    الأمم المتحدة: الاستجابة لفيروس كورونا المستجد في السودان تتطلب التنسيق لضمان استمرار المساعدات المنقذة للحياة    الثراء الحرام تصدر أمر قبض في مواجهة قيادات بالسلطة الإقليمية لدارفور على راسهم تجاني سيسي    أهالي وأسر العالقين بمصر يدفعون بمذكرة ل"السيادي" تطالب بفتح المعابر    حكومة شرق دارفور تدين الاعتداء على طبيب وتنتقد إضراب مستشفى الضعين    عَلِي المَصْرِي- أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ الحَادِيَةُ والأرْبَعُوُنْ .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد    اضراب 300 مخبز من جملة 320 بودمدني    رسالة مفتوحة ومباشرة إلى د. عبدالله حمدوك رئيس مجلس الوزراء ود. إبراهيم البدوي وزير المالية .. كتب: د. محمد محمود الطيب وأ. الفاضل الهاشمي    كورونا فيروس: لمسة وفاء لأبطال الحرب العالمية الثالثة .. بقلم: محمد أحمد عبد الرحمن على – ابوجا    أوراق نهديها لدفتر حضور ود القرشي .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    أعيد نشر هذا المقال الذي كتبته قبل ست سنوات في وداع محجوب شريف والذي تحل هذه الايام الذكرى السادسة لرحيله.    إعلان حالتين جديدتين بفيروس كورونا المستجد بالبلاد    حالتي إشتباه بالكورونا في الجزيرة    ترامب يشد من أزر جونسون ويؤكد أنه شخص يقوى على مواجهة كورونا    الجيش السوداني يستولي على مركز دراسات ووزير الرى يرفض ويصفه ب"التصرف غير المسبوق"    الجيش الإسرائيلي يريد تولي إدارة أزمة كورونا    صوت يمني يدعو الحوثيين لإطلاق سراح جميع الأسرى: كورونا لا يستثني أحدا    ضبط أكثر من (47) كيلو هيروين بولاية البحر الأحمر    منفذ هجوم فرنسا سوداني "طلب من الشرطة أن تقتله عند اعتقاله"    رسالة من شفت وكنداكة عنوانا (القومة ليك يا وطن) .. بقلم: د. ابوبكر يوسف ابراهيم    الرأسمالية الطُفيلية والتكسُّب الرخيص في زمن الأزمات !! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    تفاصيل جديدة حول مصرع وإصابة (5) أشخاص على يد سوداني بفرنسا    وصول جثمان الطبيب السوداني من لندن    على هامش الحدث (25) .. بقلم: عبدالله علقم    سفاه الشيخ لا حلم بعده .. بقلم: د. عادل العفيف مختار    (التوبة) .. هي (الحل)!! .. بقلم: احمد دهب(جدة)    مساجد الخرطوم تكسر حظر التجوال وتقيم صلاة العشاء في جماعة    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    السودان وخارطة الطريق للتعامل مع إسرائيل .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    سامح راشد : أخلاقيات كورونا    الموت في شوارع نيويورك..! .. بقلم: عثمان محمد حسن    أمير تاج السر:أيام العزلة    شذرات مضيئة وكثير منقصات .. بقلم: عواطف عبداللطيف    مقتل 18 تاجراً سودانياً رمياً بالرصاص بدولة افريقيا الوسطى    حكاية .. بقلم: حسن عباس    والي الخرطوم : تنوع السودان عامل لنهضة البلاد    محمد محمد خير :غابت مفردات الأدب الندية والاستشهادات بالكندي وصعد (البل والردم وزط)    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السينما الروائية السودانية الغائبة وفرص التنمية الثقافية الضائعة .. بقلم: وجدي كامل
نشر في سودانيل يوم 06 - 09 - 2015

ينظر إلى التنمية في عموم مدلولها بأنها المحصلة من فعل الإنهاض الواعي المنظم للواقع على مختلف الأصعدة و المستويات بما يتيح للإنسان المستهدف من تفجير وتوظيف المزيد من الطاقات والمواهب والقدرات .
والتنمية في العقود الأخيرة استطاعت أن تدلف وتتركب في نسب جديدة معقدة من الاجتماع البشرى. فمن الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتعليم والإعلام تمكنت من البيان والإبانة وتثبيت الغرض في المجال الثقافي حيث صارت تؤكد اتجاهات ونظريات التحليل الثقافي.
بناءا على ذلك فأن التنمية الثقافية باتت تمثل الميدان الحيوي للإرشاد والإشارة إلى بقية علاقات وشبكات التنمية الكلية. والتنمية الثقافية من حيث الديناميكيات والوسائل المحققة لأهدافها وبالإضافة للخطابات النظرية والأفكار الدافعية بغية بناء الفرد الجديد وتعديل سلوكياته وحفزه للمستقبل المشرق فإنها تجعل من الفنون والآداب سلاحا استراتيجيا وأداة استثنائية في خوض معركة التغيير الايجابي.
وتأتى السينما كجنس إبداعى خاص من بين أهم الفنون التي تساهم أفقيا ورأسيا في ترسيخ مفاهيم التنمية الثقافية وطرق وأساليب عملها , ذلك بما تضمنه من طاقات على التعليم والتأثير عبر الاتصال الثقافي المتعدد الأشكال الذي تمتاز به وتتفرد. . ولا غرو ان صناعة السينما تظل منذ نشأتها حتى الآن محل اهتمام متعاظم فى برامج وخطط التطوير الاستراتيجي للسياسات والاقتصاديات الدولية تتفاعل مع متغيرات التكنولوجيا الاتصالية حتى وصلت إلى المرحلة الرقمية الحالية.
السودان وبكل الأعباء والأخطاء التي تجشمها تاريخه العام في شتى المجالات وفى مقدمتها السياسة والاقتصاد والإعلام يعتبر احد البلدان التي عبرت عن تخلف ومتاهة يتماهيان بين الحروب والفقر والفاقة و عطل العلاقة بين الدولة وتطلعات شعوبه من اجل نيل الحقوق العامة للتطور والحقوق الثقافية بصفة خاصة بسبب غياب المفهوم العلمي والعملي من التنمية الثقافية. والتنمية الثقافية عبر أدوات ووسائط التعبير الأدبية والفنية ومنها السينما. ودون الخوض في أسباب جعل السينما الغائب الأكبر بتأثير تطبيقات المفاهيم والثقافات السياسية المولدة والمنتجة لصور ورؤى ضيقة ومضادة للحياة والمستقبل معا الا أنها –السينما السودانية- وفى حدود تعبيرات وتمظهرات الثقافة الفنية والأدبية المنتجة تاريخيا قد تمكنت من إحداث وعى بالواقع السوداني يمكن وصفه به انه وعى جزئي ومتواضع عند المقارنة بالأجناس الفنية والأدبية المستخدمة من قصيدة وقصة ورواية ومسرح وموسيقى وغناء الأمر الذي عاد على هذه الأجناس نفسها بخسارات جسيمة وأقعدها فيما بعد عن تلمس واستكشاف فضاءات خلاقة رصينة تساعد فى المزيد من السيطرة عبرا لفهم للواقع السوداني المتنوع. هذه الورقة ستعنى بالإجابة على تساؤلين: الأول- لماذا لم تصبح السينما احد التقاليد الفنية الراسخة للتعبير لدى السودانيين. أما الثاني فسيعنى بالإجابة على سؤال دور الفيلم الروائى الطويل في إحداث التنمية الثقافية في أوضاع التنوع الثقافي لبلد كالسودان. من غير االدقيق وصف أن السينما في السودان ظلت و طيلة التاريخ الحديث خارج تشكيلة الأجناس الإبداعية, فالفيلم السينمائي المنتج الرئيسي من السينما كصناعة قد بدا يشكل حضورا ضمن تلك التشكيلة منذ بدايات خمسينات القرن الماضى حيث تاسست وحدة افلام السودان فى العام 1949 وبدات فى الانتاج الفيلمي منذ ذلك التاريخ ولكن وبحسب السينمائي الرائد الراحل كمال محمد ابراهيم فان أول فيلم سينمائي سودانى كان فى عام 1953 بعنوان: ( الحكومات المحلية) . وبالرغم من استمرار الانتاجات السينمائية على شاكلة الفيلم الوثائقى الاخبارى والتعليمي والارشادى وتراكم عشرات التجارب ان لم نقل المئات من الافلام الا انها لم تمثل رافدا فنيا وابداعيا يبحث عنه ويهفو له قلوب السودانيين بحيث يصبح احد الأدوات و الوسائط التعبيرية للتعريف والكشف عن الواقع العام السوداني دعك من الواقع الثقافي المتعدد.
فالأفلام التى تم تصويرها في عقدي الخمسينيات والستينيات آنذاك في أرجاء مختلفة من البلاد كالجنوب وجبال النوبة وأقصى الشمال والنيل الأزرق لم تتخذ الأفكار الفنية والبحثية للكشف الثقافي عن الواقع في تلك الأنحاء.
ويعود السبب فى ذلك وفى أن الإنتاج الفيلمي الوثائقي لم يستقر فى الخمسينيات والستينيات ضمن تشكيلة أدوات الثقافة الفنية المطلوبة لدى الدولتين- الاستعمارية او الوطنية الوليدة معا. و كما يقول كمال محمد إبراهيم : ( كان الغرض من إنتاج أفلام سودانية قصيرة حسب السياسة الموضوعة لنا هو إبراز ما أحرزته البلاد من تقدم وعمران فى عهد الإدارة البريطانية ولمد رصيفتها قسم السينما المتجولة بأفلام عن السودان تجد أكثر إقبالا لدى المشاهد بالمدن والأقاليم عن الأفلام الأجنبية الوثائقية والعربية الروائية التي كانت تتخلل برامج السينما المتجولة فكانت أفلام الوحدة بمثابة تحليه.)1 .
ربما أفصح الراحل كمال محمد ابراهيم عن السياسة الإنتاجية لوحدة افلام السودان وقتها للأفلام ولكن فان وصف الإنتاج الوثائقي السوداني الذي رفد شاشات دور العرض العاصمية والإقليمية وخاصة فى عروض السينما المتجولة يسمح بأهمية التدقيق ... ذلك ان تلك الافلام قد نالت استحسانا وتجاوبا من الجمهور المتفرج لانا عكست تصويرا لاحداث ووقائع سودانية استقبلوها باعتبار انها معلومات تم نقلها بواسطة وسيلة بصرية جديدة توفر الفهم والمعرفة للجميع دون تمييز بين متعلم وامى, كما بداية امل لرؤية الواقع المعاش- فنيا. ما يشابه التجربة بمرحلة العروض الفيلمية الاولى للاخوة لوميير بفرنسا اواخر القرن التاسع عشر عندما كان الناس يذهبون لدور العرض السينمائية رغبة مشاهدة انفسهم او معارفهم او الاماكن التى يعرفونها بالعين المجردة ويألفونها.
في تلك الفترة كان السودانيين المستقلين حديثا قد احكموا رباط استقبالهم الفني بالشعر والغناء والموسيقى والسينما الأجنبية أكثر من القصة والرواية والمسرح فكانت السينما بالنسبة لهم نافذة هامة للترويح وتزجيه الوقت ومشاهدة العالم الخارجي. غير أن الوقائع قد أشارت إلى رغبات دفينة لديهم لمشاهدة أخرى تمثلت في مشاهدة الواقع المعاش فنيا وإبداعيا وهذا ما جعل كما محمد إبراهيم ككاتب سيناريو ومخرج وعند قياسه لرأى المشاهد كما يقول فى ان يفكر فى تقديم افلام فى قالب قصة اوحكاية أو كما يقول:
(عكست كل افلام الوحدة بعض اوجه الحياة والنشاط فى البلاد التي تم تسجيلها بطريقة واقعية، وبعد قيامي ميدانيا بقياس رأى المشاهد السودانى للافلام ولتفهم سايكولوجيته ظهر لى انم أفضل وسيلة لتوصيل المعلومة او الرسالة له هو ابرازها فى قالب قصصى اوحكاية .) .
لقد تلمس الرائد كمال محمد ابراهيم ومنذ وقت مبكرا الطريق الذى بستوجب السير عليه وهو طريق انتاج الافلام الروائية. يعرف الناقد السينمائى ريشاد ميريام برسام الفيلم الروائى بانه: ( الفيلم الذى يعتمد فى سرده السينمائى على بناء روائى مبتكر, يجرى وضعه من قبل مؤلفه ويستعين بالممثلين المحترفين لتجسيد شخصيته , وتمثل احداثه ومواقفه، ويصور عادة داخل الاستوديو حيث يكون الديكور عنصرا اساسيا من عناصر البناء الفيلمى بجانب بقية العناصر ).
ونسبة لما الاحظه من قصور وقدم فى التعريف اعلاه للناقد برسام ارى ان القصد من الفيلم الروائى هو ذلك النوع من الأفلام التي يتم تصويرها من سيناريو –قصة سينمائية يقوم بتجسيد أحداثها ووقائعها ممثلون محترفون او هواة فى اماكن حقيقية او مصنوعة - استديوهات تتوفر فيها الديكورات والاكسسوارات وموسيقى ومؤثرات وحلول جمالية تعمل على ايصال النص المكتوب الى نص مرئى مشاهد . والفيلم الروائى يمكن اخذه او اقتباسه من مسرحية او قصة او رواية او حكاية شعبية او اسطورة شفاهية.
ومن هذا وذاك يعتبر الفيلم الروائى هو النوع الفيلمى الذى تاسس عليه مجد السينما وصنع الجسر المتين الممتد بينها وبين الجمهور. هذه الملاحظة والقراءة الذكية المبكرة للعلاقة بين فن الفيلم والجمهور نجدها قد دفعت بكاتب السيناريو والمخرج الرائد كمال محمد ابراهيم فى منتصف الخمسينيات واوائل الستينيات الى تحقيق فيلمى: (الطفولة المشردة) و(المنكوب) اللذان يمكن ان يؤرخ لهما كاول فيلمين سودانيين روائيين قصيرين. لياتى بعده الراحل ارائد جادالله جبارة ويقدم (تور الجر فى العيادة). واذا كانت المسافة الزمنية التى تفصل بين تاريخ انتاج هذين الفيلمين واول فيلم روائى سودانى ( امال واحلام) لابراهيم ملاسى و من انتاج استديو الرشيد مهدى بعطبرة كان حوالى العقد من الزمان (فى تدفق انتاجى مستمر ونظامى للافلام الوثائقية المنتجة من الانتاج السينمائى الذى حل محل وحدة افلام السودان) فان ذلكم يشير الى ان النوع الاخر من الافلام والذى اراده كمال محمد ابراهيم وارادته جموع السودانيين لم يكن من السهل تحقيقه بل صار نادر الحدوث اذ ياتى كل بداية اونهاية عقد . فبعد عقد من الزمان يتم تحقيق فيلم (شروق) لانور هاشم 1974 .
اما( تاجوج) للمخرج جادا لله جبارة و(رحلة عيون) للمخرج انور هاشم واللذان فكان الفرق الزمنى بينهما حوالى الأربع سنوات---1978---1982. الفيلم الذى يلى هذين الفيلمين كان : ( العدل فوق القانون) و بعده (يبقى الامل) جاءا في بداية التسعينيات على يد عبدالرحمن محمد عبد الرحمن لتشهد نهاية التسعينيات تحقيق فيا بركة الشيخ لجاد الله جبارة – انتاج مصطفى ابر اهيم. هذا غير المحاولات الفيلمية التى لم تر النور لاسباب فنية وتقنية واحيانا سياسية.
اننا إذن أمام المعضلة وفى مواجهتها . ان غياب تقاليد انتاج سينمائي سوداني منتظم للفيلم الروائي المصنوع من سيناريو وممثلين وغيره من اساليب فنية للتعبير عن الواقع وبالتالى الفيلم غير المتوفر بدور العرض وشاشاتها ليس هو ما جعل فن الفيلم خارج منظومة الثقافة الفنية والاجناس الابداعية التى يالفها ويعتاد عليها السودانيون فقط- بل ما يدفعهم الى النظرفى ان السينما برمتها غير موجودة بالسودان ويجعلهم لا يرون فى وجودهم دونها نقصانا. لقد مضت رحلة الفيلم التسجيلى الوثائقى منذ انشاء وحدة افلام السودان الى تاريخ تحولها الى الانتاج السينمائى وخروج مئات الافلام من تلك المؤسسة دون عائد يذكر فى المفهوم الشعبى الذائع والرائج عن السينما كونها سياقات مرئية حكائية خيالية اومنتمية له على درجة ما. فما هى الاسباب التى جعلت من كل ذلك الجهد فى نظر الراى العام الشعبى المشاهد هباءا منثورا؟ لقد حاولنا طيلة ستين عاما البحث والاجابة على هذا السؤال ولكن تحت عنوان اخر وهو: مشكلات السينما السودانية—العنوان الذى كتب تحته العديد من المختصين وغير المختصين بان بحثوا واظهروا كل الاسباب السهلة الذكر والتحديد و التى يبدو من اهمها :عدم توفر البنية التحتية الصناعية , كما غياب الروابط التجارية اللازمة, وعدم الفاعلية التمويلية من الدولة, وغيرها من أسباب أجد نفسي متفقا على وجاهتها وعلو منطقيتها ولكنى هنا ومن خلال هذه السانحة أود أن أقدم على كل الأسباب السالفة عاملا أجد أن من الجدير وضعه في مقدمة الأسباب إلا وهو: إننا لم نتمكن من خلق إنتاج فيلمي سينمائي ذو تقاليد إنتاجية منتظمة يضعنا في مصاف الدول المزدهرة سينمائيا بسبب ضعف الإسهام, والمهارة الفنية والتقنية في المحاولات المعدودة لإنتاج افلام روائية سودانية طويلة. فبالنظر إلى الأعوام التي حقق فيها الرائد كمال محمد إبراهيم فيلميه : الطفولة المشردة والمنكوب على قاعدة إنتاجية مكونة من كاميرا سينمائية35 ملم وما في ولا مونتاج ومعمل تحميض ابيض واسود وأجهزة إضاءة وافرة كان وفى بلد كالسنغال السينغالى عثمان سامبين يحمل كاميرا 16 ملم فقط يحقق بها فيلما قصيرا صامتا يحصد الجوائز من مختلف مهرجانات السينما الأوروبية (فيلم سائق العربة او الحوذى). لفت سامبين وعبر ذلك الفيلم النقدي لأوضاع فقراء المدن ما بعد خروج الاستعمار الفرنسي أنظار العديد من المنتجين والشركات التى عرضت عليه تمويل اعماله التى تلت فيلمه الاول وبذلك استطاع سامبين من جلب الاضواء الانتاجية والتمويلية لاجيال من السينمائيين الافارقة الذين فطنو لاهمية الحرفة والمهارة فى التعبير السينمائى الروائى. فى السبعينيات والثمانيات وعبر التمويل الحكومى تمكنت عدد من الافلام الروائية الخالية من الحوار لمخرجين دارسين كابراهيم شداد والطيب مهدى من حصد عدد من الجوائز الهامة والتى كان من الممكن استكمال مهامها بانتاج روائى طويل ولكن انتظار السينمائيين للدولة بان تلعب دور المنتج عقد من مهمتهم ذلك ان علاقة الدولة بالسينما ومنذ الاستقلال قد ذهبت فى عد تنازلى مريب وفادح النتائح حتى اودى فى بداية التسعينيات الى الغاء مؤسسة الدولة للسينما كمؤسسة مثلت ذروة التطور الادارى للسينما خاصة عندما سبقت خاتمتها بانتاج ثلاثة افلام روائية فصيرة لاول مرة منذ تاسيسها. استطاعت مجموعة الخريجين السينمائيين ومنذ بداية السبعينيات من انتاج عدد من الافلام القصيرة ومنها على سبيل المثال لا الحصر (دائرة على حجر) لسامى الصاوى كما فيلم ٍ ( أربعة مرات للاطفال) للطيب مهدى و(الجمل) لإبراهيم شداد و(انتزاع الكهرمان) لحسين شريف لتحل الثمانينات ويحقق شداد فيلم (حبل) والطيب مهدى فيلم (المحطةٍ) .
واذا تناولنا قراءة نقدية عامة نجد ان التصنيف المثالى للافلام االست يفضى الى انها افلام روائيةٍ عدا فيلمى دائرة على حجر واربعة مرات للاطفال. تم تنفيذه الافلام على توفر ذات الخطوات التحضيرية المتبعة عادة فى صناعة الافلام الروائية . فالافلام تقدم للمنتج –الذى هو الدولة ومن الناحية المبدئية على شكل دراسة جدوى تليها مرحلة التوصيف المالىٍ للإحتياجات أو الميزانية المطلوبة.
والافلام خضعت منذ البداية لنصوص سيناريو وافترضت بالتالى ممثليها وطاقم عملها التفصيلىٍ. وهكذا فان الناتج الذى خرج كان عبارةعن افلام روائية مفعمة بالفنيات والحلول الجمالية والتفردات التعبيرية التى مكنتها من المنافسة الخارجية واحراز العديد من الجوائز من مهرجانات اقليمية وعالمية. ولكن فانٍ مجرد البحث فى الفصيل الروائى للافلام نجد انه فصيل متشابه ان لم يكن مشتركا. فالافلام جميع ومن زاوية الرؤيا الاخراجية عمدت منذ البداية لتلافى نقاط الضعف الانتاجى المعروف فى مجالات كتابة السيناريو و الصوت والصورة والحوار. حيث وبالإضافة إلى عدم وجود فنيين مهرة فى مجالى ادارة الصوت والإضاءة فان تحقيق الفيلم على توفر حوار لابد ان يضيف فيما بعد لميزانية الفيلم حيث يستدعى ترجمة ويصنف مشاهدة الفيلم الذي يريده مخرجه ان يعبر عن لغة عالمية هى لغة الصورة والصوت عبر المؤثرات الطبيعية و الصناعية كما فى أفلام: جمل ،والحبل ،والمحطة. أما الراحل حسين شريف فقد كان أول من استخدم الشاعرية والمقاييس الإبداعية المفتوحة فى خلق بعض الحلول الإخراجية . إن اغلب التجارب التي قدمها الدارسون النظاميين تمثلت فى اختيار قالب اشبه لسينما المؤلف حيث قاموا بكتابة السيناريوهات بانفسهم وعبرو على نحو رمزى عن افكارهم السبب الذى اعطى الفيتو والضوء الاخضر لعرضهم. ففى الوقت الذى مثلت فيه الرمزية البوابة الوحيدة للخروج فى ظروف سياسية معلومة اتصفت بالرقابة الشرسة على المصنفات المرئية استطاع محققو الافلام الجدد ان يكسبوا مجتمعات المشاهدة المستنيرة واوساط الصفوة بالرمزية فى مقابل خسارة الراى العام التقليدى المشاهد فبقيت تلك الافلام بذاكرة اجيال من شاهدها من المثقفين الذين عاصروها وغابت عن ذاكرة من لم يشاهدوها من مجايليها او من ذاكرة ابنائهم وفي المقابل من معلومة ومعرفة الجمهور الشعبي الذي يرتاد دور العرض السينمائية ويشاهد الأنواع المختلفة من الأفلام المصرية والهندية واليابانية والاميركية .
النقيض:
اما المحاولات الاخرى التى سبقت والتى تلت كما اشرت اليها سابقا من تجارب تمكنت من تحقيق افلام روائية طويلة فيمكن وصفها بالتجربة النقيض التى ذهبت باقدام حافية على شوك التجريب دون ان تعمل قبلا على تنظيف الارض منه فواجهت مصائر بائسة من ناحية التطبيقية الحرفية والفنية ونالت سمعة سلبية لدى الراى العام المشاهد الخارجى والمحلى على السواء ما جعل القطاع الخاص غير متحمس للدخول فى مغامرات من تلك الشاكلة , بل توطد اعتقاد راسخ لديه بان السينمائيين السودانيين عاطلى الموهبة فى إخراج الافلام الروائية. وسأحاول من خلال اذا كان فيلم آمال واحلام هو اول افلامنا الرواية الطويلة فان تجربة تحقيق الفيلم قد احاطت بها الكثير من الصعاب والتحديات. فالفيلم الذى تم تصويره بمدينة عطبرة باستوديو الرشيد وهو مصور فوتغرافى بالأصل وعيدا عن سرد المضمون جاء فى حبكته متاثرا باستهلالات أفلام هيتشكوك الذى يظهر كمخرج صوتا وصورة فى بداية الفيلم ثم يبدا السرد بواسطة الاحداث المرئية المصورة.
الفيلم الذى تم تصويره على الابيض والاسود واتسم بضعف سيطرة المصور على الكاميرا واكثاره من اللقطات الثابتة الطويلة والانتقالات غير المدروسة اعتمد على ممثلين محليين مسرحيين هواة لم ينلوا القسط المعقول من التدريب على التمثيل امام الكاميرا.
اما من ناحية جودة الصورة فقد عانى الفيلم من فارق الحدة بين الابيض والاسود بسبب التحميض اليدوى الذى تعرض له والتكبير من 16 ملم الى 35 ملم الذى جرى فى ايطاليا.. اما المعالجات الصوتية فجاءت مفارقة فى كثير من الاحيان لمواضعها. وإعتمادا منى على الذاكرة الشخصية فان الفيلم قد صاحبته حملة اعلانية ضخمة كادت ان تقول بالمصرى:( مافيش حد احسن من حد وها ذا نحن السودانيين نستطيع ان نصنع افلاما.).
ولكن هيهات فان عروض الفيلم التى جابت دور عرض سينمائية بالعاصمة والاقاليم لم تصمد كثيرا حيث كان المشاٍهدون يتفرقعون ما ان يمضى وقت قصير جدا على بداية الفيلمٍ. فى نهاية السبعينيات حقق الراحل الرائد السينمائى جادالله جبارة اول افلامه الطويلة بعد تجربة (تور الجر فى العيادة).
الفيلم الذى كتب له السيناريو واخرجه جادالله تمت معاجته من الحكاية الشعبية المعروفة بتاجوج والمحلق والتى تحكى قصة عشق تنتهى بنهاية تراجيدية يموت فيها المحلق من شدة الوجد بتاجوج التى افرط كان فى شكه فيها حتى جاءت لحظة التحدي فخسر الرهان و تاجوج معا. هذا الفيلم ربما توفرت له العديد من المعينات الإنتاجية ورصدت له الأموال واختار مخرجه مواقع تصويرية ساحرة ولكن عاب الفيلم اختياره للشخصيتين البطلتين دونما تمحيص . فدور المحلق الذى لعبه المغنى صلاح بن البادية تاثر سلبا بالاختيار الذي وقع على شخصية أفضل ما قدته فى الأداء كان غناؤه , وهكذا شخصية البطلة تاجوج التي كان اقوي ما فى اداءها هى تعبيرات وجهها الجميل وجسدها كفتاة تمتهن بالأصل مهنة الرقص. اضاع الفيلم قيم ومعاني فلسفية عميقة فى فلسفة العشق الشرقي الدرامي وتوارت أهم عناصر الخطاب الفلسفي وراء اهتزازات الكاميرا وفوضى زوايا التصوير. الفيلم لم تصاحبه الضجة النمطية المطلوبة احيانا للعروض السينمائية الاولى ولكنه سافر لعدد من المهرجانات الإقليمية والدولية حائزا على تصفيق انه اول فيلم سوداني سينمائي روائى طويل .
سوف لن اذهب على نحو نظامي على بقية الأفلام فالنقد السينمائى بالسودان لا يزال يواجه مصائر اشد بشاعة من من مصائر الرقابة على الصحف والتعبير الحر على هذه الايام بسبب كثرة من اصحاب الافلام ومرتكبو تخلف السينما من محبى وطلاب الديمقراطية وهى عنهم براء لا يزالون على قيد الحياة –ما يعنى عدم قبولهم بالنقد وتحويل غاياته الى استهدافات شخصية ممنهجة ومنظمة للغاية. نعم يجب الإقرار والاعتراف معا بان إنتاج الأفلام الروائية الطويلة بالسودان يواجه مشكلات تم ويتم إحصاؤها في :
1 - غياب دور الدولة وخاصة الإنقاذ منذ قيامها1989م في التخطيط الثقافي ومنه السينمائي على وجه الخصوص. 2- غياب القطاع الخاص من سؤال الاستثمار في المجال السينمائي. 3- انهيار البنية التحتية التسويقية المحلية المتمثلة فى دور العرض السينمائية.
4-الافتقار للأجهزة والمعدات التصويرية الحديثة المواكبة للتطور التكنولوجي في المجال السينمائي.
5-عدم وجود متخصصين خريجين في العديد من المجالات الدقيقة للإنتاج السينمائي
.6- نشوب سياسة رقابية متزمتة وشروط جمالية عائقة استنادا على فتاوى دينية ومحرمات تستوجب المراجعة الفقهية المفتوحة من كافة التيارات الدينية. 7- مثول نظام ضريبي غير مساعد على الاستثمار في المجال كما استيراد الأجهزة والمعدات اللازمة في صناعة الأفلام. 8- وجود العديد من القوانين التي تكافح التصوير الحر في الكثير من المواقع غير(الحساسة). 9-عدم الاعتماد المهني لمهن السينما والإنتاج السينمائي بوصفها مهنا مفتوحة وجائز ممارستها للكل والجميع. إن الأسباب الأنفة تشكل بحق وحقيق عماد أزمة الإنتاج السينمائي بالسودان على نحو واضح ولكن فان سوء إدارة تجربتنا في مجال الفيلم الروائى الطويل وخيبات أملنا المتكررة في الحصول على نتائج مهنية ممتازة تصبح هي بيت القصيد. لقد فشلنا حتى الآن فى إنتاج أفلام روائية طويلة: -ماذا يا ترى ترتب وسوف يترتب على ذلك؟ ما ترتب على الفشل يعنى وبصفة اشمل إننا فقدنا الفرص العظمى في تحقيق تنمية ثقافية تقيم بالدرجة الأولى تعارفا حيا بين الشعوب السودانية المتنوعة من خلال التعريف بالنظم والخطابات الثقافية للاثنيات والمجموعات البشرية الكثيفة التى تقطن السودان بإثراء الوجدان والعقل الجمعى لها من مادة التنوع واحترام محمولاتها. فقدنا وافقدنا مجمل الفنون والآداب السودانية وجمهرة السودانيين العاملين عليها إمكانية التسويق والعرض لمنتجاتهم وبالتالي المساهمة فى تحسين أوضاعهم – اعنى استيعاب الموسيقى والغناء والرقص والنحت والعمارة والممثلين وكتاب الرواية والقصة والخ من مبدعين ترتبط مهنهم بالنتاج السينمائي وتنهض ينهضتها. فقدنا وافقدنا الاقتصاد الوطنى مئات المليارات من الدولارات التي كان من الممكن ان تدخل دورة الاقتصاد القومي.
الخروج من المأزق يكمن في وصفتين لا ثالث لهما . فاما ان نعيد بناء القاعدة الإنتاجية السينمائية تصميم الهيكل الإداري المتسق مع مهامها ونعمل على صياغة قوانين جديدة تساعد على الانسياب الانتاجى وتتحول الأفلام إلى صناعة يعمل فيه من هو حاصل على ترخيص مهني .
غير أن كل ذلك لن يحمل الأثر المطلوب اذا لم نعمل على بناء دور وقاعات عرض متطورة تشكل نقاط مناسبة لخلق الدورة التسويقية المحلية. أما الحل الآخر فهو ان نبدأ وبالفور وبكل العيوب الموجودة من تحقيق الافلام الروائية على النظام الرقمى بكاميرات الفيديو عالى الجودة ومن ثم نخلق الاطار التسويقى المطلوب لها.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.