شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تجربة حوار حول العلمانية مع الدكتور صادق جلال العظم
نشر في الأحداث يوم 20 - 03 - 2012

إستضافت مؤسسة بن رشد للفكر الحر ببرلين الأسبوع الماضي الدكتور صادق جلال العظم في محاضرة عن «العلمانية والمسألة الدينية- تركيا نموذجا»، وتداعت طوائف اليسار العربي لسماع ما يشفي غليلها بشأن التحولات والمخاضات الكبري التي تمر بها المنطقة العربية جراء صعود الإسلاميين والتحديات التي يواجهها المشروع العلماني، ومدي مقاربة النموذج التركي لما يسميه أنماط الإسلام الراديكالي في المنطقة. يعد الدكتور صادق العظم من أبرز رموز الفكر العلماني المعاصر في العالم العربي، وله إسهامات معرفية عميقة التأثير أحدثت جدلا واسعا خاصة كتبه «نقد الفكر الديني، وما بعد ذهنية التحريم». إستقي الدكتور جلال العظم جدليات منهجه النقدي تجاه الفكر الديني، ودفاعه عن المادية من فلسفة كانط ونظريته في المعرفة التي كانت مبحثه الأساس في أطروحته الأكاديمية.
بدأ د. العظم محاضرته بحكاية رمزية،حيث قال:دخلت الي مكتب عميد كلية الآداب بجامعة دمشق عندما كنت رئيسا لقسم الفلسفة، ولمحت في زاوية الساحة المجاورة زميلين يتجادلان بجدية وصوت مرتفع وحماسة زائدة، تكاد تري فوران الدم في عروقهما. وقال: عندما اقتربت وجدتهما يتناقشان عن علي ومعاوية. فدهشت وقلت لهما أتتناقشان بهذه الحدة علي حدث مضي عليه أربعة عشر قرنا، كأنه حدث بالأمس؟هذا النمط من التفكير الذي يرهن المستقبل لكل الأحداث الماضية فيه خطورة علي التقدم والتطور في البلاد العربية، ويعمق من نزعات التخلف والإنحطاط التي نعاني منها.
إنطلق د. العظم في محاضرته من ميسم أفكاره التأسيسية حول الصدام الحتمي بين الفكر الديني ومشروع الإستنارة العلماني.معيدا إنتاج مبحثه التاريخي حول النقد الذاتي بعد الهزيمة عام 1968،والذي أعقبه بأطروحة نقد العقل الديني عام 1969. وأحتفي د. العظم بما أسماه نزع القداسة عن نقد الدين، مشيرا الي أن المجتمعات الإسلامية أصبحت أقل شراسة تجاه الأفلام المسيئة مثل فيلم «فتنة» الذي قوبل ببرود، ولم تسير من أجله المظاهرات الإحتجاجية الضخمة. ورغم تحفظي المنهجي حول تصنيفاته الأيدلوجية للإسلام السياسي، إلا أني أتفق حول فرضيته الموضوعية أن الإسلام السياسي لا يمثل كل الإسلام، وهو بالتالي لا يمتلك سلطة تأويل النص الديني. علي هذه القاعدة صنف د. العظم ما أسماه النماذج الإسلامية الراهنة الي ثلاثة أقسام:
أ.إسلام الدولة الرسمي البترودولاري، وهو من أنماط الإسلام الراديكالي الذي تمثله السعودية وأيران. وهو إسلام سلفي متزمت، يناهض الحريات الدينية وينتهك حقوق الإنسان ويضطهد المرأة ويمنع وجود أي تعددية دينية و أي أنساق ثقافية وفكرية أخري مغايرة للإسلام البترودولاري.وهو أيضا إسلام الدولة الرسمي، حيث توفر المؤسسات الدينية المصنوعة سياج حماية أخلاقي وإضفاء الشرعية الدينية علي الإسلام السلفي البترودولاري.تستمد إيران شرعيتها الدينية من ولاية الفقيه، كما ترفع السعودية شعار
« القرآن دستورنا».
ب.الإسلام التفجيري الإنتحاري. وهو الإسلام الجهادي الذي تتبناه طالبان، ورغم أن حماس وحزب الله بدأتا كحركات تحرر وطني، إلا أنهما إنحدرتا الي موقف طائفي، مما جعلهما ينخرطان تحت هذا التصنيف. وهذا النمط من الإسلام يقوم علي مبدأ الحاكمية لله، ويؤمن بعقيدة التفجير وتجريد السيف لقتل الآخرين بحجة حماية الدين. وهذا النمط من الإسلام قاد صراعات عنيفة في الداخل حيث سعي لتكفير كافة الحكام ، ودخل في حرب مكشوفة مع الغرب إنتهت بأحداث 11 سبتمبر.وينزع هذا النمط الي معاداة الآخر الثقافي مثل قيام طالبان بتدمير تمثال بوذا في أفغانستان. وقال إن هذا الإسلام هو الذي قام بحرق رواية سلمان رشدي أمام الملأ، مشيرا الي أن هذه الراوية إذا كانت تخدش مشاعر أكثر من 2 مليار مسلم، فإن تدمير تمثال بوذا يؤذي مشاعر 3 مليار بوذي في العالم. وأستغرب من موقف علماء المسلمين الذين لم يخرج أحدهم لإدانة فعل طالبان الشنيع.
ج. النمط الثالث هو إسلام البيزنس والسوق. وهو إسلام الطبقة الوسطي البرجوازية المرتبطة بالبنوك الإسلامية وصيغ المرابحات التجارية، وهذا يمثله النموذج التركي الذي إهتم بالبعد الإقتصادي والريعي والخدمي.وعبر عن ذلك بقوله « الإسلام التجاري للطبقة الوسطى الذي ينتشر بصورة خاصة لدى البورجوازيين في الدول الإسلامية يمثل نموذجا وسطيا للإسلام». وهذا النوع من الإسلام يعتبر إسلاما مسالما لا يتبني العنف وإستخدام القوة، كما أنه يهتم بتعميق مصالحه الإقتصادية.وفي هذا الصدد أعلن حزب العدالة والتنمية في تركيا عن إحترامه لأسس وقواعد الدولة الأتاتوركية العلمانية في تركيا. ولم يتجرأ لمهاجمة التراث الكمالي،كما لم يفرض إراداته وخياراته علي الآخرين.
وأصبح هذا النموذج مؤثرا علي انماط الإسلام في المنطقة العربية، حيث يتطلع اليه دعاة الإسلام السياسي ليستلهموا منه النموذج خاصة في التركيز علي البناء الوطني و عدم أعطاء أولوية لقضايا الشريعة والحدود. لأن الدولة الإسلامية إختزلت الدين في الشريعة ، واختزلت الشريعة في العقوبات، واختزلت الجزاءات في الحدود وقطع الأيدي، وحجاب المرأة فقط.
وقال د. العظم إن الفكر العلماني في المنطقة العربية تأسس علي هدي كتاب علي عبدالرازق عن (الإسلام وأصول الحكم)، وصار الشعار هو (الدين لله والوطن للجميع). وقال إنه ربما يتفق مع بعض الناس الذين يظنون أن تأسيس مبادئ الفكر العلماني جاء من المفكرين المسيحيين في العالم العربي، وذلك هروبا من إضطهاد الدولة الدينية. واشار الي أن النموذج التركي ، يعبر عن توجهات المجتمع المدني.وذكر أن اليسار العربي انقسم الي تيارين بعد أن فشل في تحقيق مشروع الإشتراكية عقب نهاية الحرب الباردة. التيار الأكبر توجه الي مؤسسات المجتمع المدني مما عدها البعض إنتهازية. ولكن عزي د. العظم هذا التوجه من اليسار العربي الي أنه تراجع الي خط الدفاع الثاني وهو البرجوازية الكلاسيكية علي النمط الفرنسي، بعد فشلهم في تحقيق الإشتراكية.وتحدث بعدها عن الفتن الدينية والطائفية في العراق كنموذج لحالة التدهور والإنفصام العربي.لأن الشيعة والسنة والأكراد فشلوا في خلق وحدة وطنية داخل العراق. وقدم عددا من النصائح، مناديا بضرورة التنازل الجماعي عن فكرة إلغاء الآخر. وقال علي السنة الإعتذار للشيعة عن الفظائع التي أرتكبوها في كربلاء وفي مقتل الحسين. وعلي الشيعة أيضا التنازل عن ولاية الفقيه. واستنكر أن يرد مظاهر الفشل لأي عامل خارجي محملا المسئولية كاملة للداخل وليس للغزو أو الإستعمار الأجنبي.
وختم أفكاره الرئيسية قائلا إن التاريخ الإسلامي الحديث ظل في حالة تدهور، وانحطاط دائم. فمنذ المشروع الثوري للأفغاني، بدأ الإنحطاط بفكر محمد عبده ، وبعده رشيد رضا السلفي، والإمام حسن البنا صاحب الفكر الإرتدادي وسيد قطب، وإنتهاءا بنموذج الإسلام التفجيري متمثلا في طالبان وأسامة بن لادن.
منذ بضع سنوات خلت شاهدت الدكتور العظم محاورا ومجادلا في عدد من المنابر الإعلامية في العالم العربي، لعل أشهرها مناظرته في قناة الجزيرة مع الدكتور حسن الترابي حول حركات الإسلام السياسي في المنطقة. وكان د. العظم حينها ينكر بروز أي تمظهرات إسلامية ، ويراهن علي سقوط الإسلام السياسي رغم بروز مؤشرات مبكرة لصعود القوي الإسلامية في المنطقة.
دار نقاش بناء وجدل فاعل مع الحضور غلب عليه التركيز علي الهموم القطرية في سوريا والعراق وغيرها من أحوال الدول العربية الأخري. إحدي المداخلات النسائية ركزت علي أن حزب العدالة والتنمية نجح في تركيا لا لأنه تبني نموذجا إسلاميا مستنيرا ، ولكن لأنه التزم بأحكام الدستور العلماني.وردت المتداخلة النجاحات التي حققها حزب العدالة الي قواعد الدستور العلماني التركي.وتم إنتقاد التجربة التركية التي تضطهد الأكراد، والأقليات الأخري، كما تم تسليط الضوء علي ما أسماه البعض نزعتها التوسعية التي تتجلي في عدد السدود التي أبتنتها تركيا علي الأنهار المشتركة مع دول الجوار في المنطقة.
حاولت في مداخلتي أن أعيد الحوار الي منصة التأسيس، منتقدا الخطاب الفكروسياسي للدكتور صادق جلال العظم بإعتباره يكرس لحتمية الصدام التاريخي بين العلمانية والإسلام. واشرت الي أن أصداء هذا الخطاب الذي شهد بروزا مائزا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، بدأ يخفت شيئا ما في السنوات الأخيرة نسبة لسقوط الأيدلوجيا،وإتساع رقعة المشتركات الإنسانية،والقيم المدنية التي تقوم علي حقوق المواطنة،وإستقرار الإختلاف حول جدوي الشفافية ونجاعة الديمقراطية لدول منطقتنا العربية،ولعل العامل الأهم هو سقوط الديكتاتوريات التي كانت تكرس لمثل هذا الصدام. كما قلل من غلواء هذا الإنفصام التوحد المؤقت بين القوميين وبعض الإسلاميين لمواجهة الهيمنة الغربية في المنطقة سيما بعد حرب الخليج الثانية. ولعل ملامح القبول المشترك ترتسم في الأفق بعد ثورات الربيع العربي، حيث يركز الجميع علي ضرورة إنجاح تجربة التحولات الديمقراطية حتي لا يسطو عليها مغامر جديد.
وأشرت في حديثي الي أن هناك شبه إجماع وسط الدارسين والمهتمين بتطورات الأوضاع السياسية والفكرية في المنطقة، بأن فشل مشروعات الحداثة هو العامل الأهم في كل مظاهر التدهور والإنحطاط. وربطها التقرير العربي للتنمية البشرية من قبل لما أسماه الثقب الأسود. ورد د. برنارد لويس في كتابه الشهير (ما الخطأ) هذا الإنحطاط الي فشل نماذج التحديث وكذلك غياب الحريات وتفشي الدكتاتوريات.
وأستمر بعض الحجاح المنطقي حول زعم د. العظم أن الصراع بين التيارات الإسلامية يدور حول إمتلاك سلطة التأويل، وقلت إن ما يهمله دعاة هذا الخطاب، هو أن الدولة ما بعد الكولونيالية في العالم العربي هي دولة علمانية بإمتياز. وبالتالي فأن المشروع العلماني بتمظهراته السياسية والفكرية التي ظلت مسيطرة علي المشهد العربي طيلة الخمس عقود الماضية تتحمل نتائج الفشل والتدهور والإنحطاط، ومآلات الأوضاع في المنطقة. فهذا المشروع سقط في أمتحانات تحرير الأراضي العربية المحتلة، كما فشل أيضا في تحرير وتجديد الفكر العربي. ولم يستطع المشروع العلماني أن يقدم مشروعا نهضويا تنويريا يلتف حوله الناس.هذا فضلا عن إستشراء آلة القمع والدكتاتورية وبروز ظاهرة التوريث الأسري.وبالطبع فليس من المنطقي أن نحمل هذا الفشل بأسره لسيادة المشروع العلماني، ولكنه قطعا يعد أحد أبرز أسباب الإنحطاط .لذا من باب أولي توجيه سهام النقد للمشروع العلماني ونتائج فشله طيلة العقود الخمس الماضية وليس القفز فوق المراحل لمحاكمة الظاهرة الإسلامية الراهنة. والعلمانية كما طرح بعض المفكرين مؤخرا لم تولد كمشروع فلسفي نظري متماسك، بل بدأت بإعتبارها ترتيبات إجرائية لفض الإشتباك بين الدولة والمؤسسة الدينية في إطار الإصلاحات وإستعادة الإجماع الذي مزقته الحروب الدينية في القرن السابع عشر. أهم ما أفرزته هذه الإصلاحات في إطار التجربة الغربية هو حيادية الدولة تجاه المعتقدات الدينية.
في المقابل فإنه لا يوجد تعريف جامع مانع لما يسمي بالدولة الإسلامية، بل مازال هذا المفهوم محط خلاف بين النخب.لأن الله لم يأمر عباده وينزل عليهم نموذجا مصمتا يتم تطبيقه في كل المجتمعات والدول فتتحول حياة الناس بين يوم وليلة الي جنات من نخيل وأعناب وعيون وأنهار من عسل ولبن ولؤلؤ مكنون.إن أي طرح إسلامي صادر من جماعة ما، يمثل إجتهادها حسب تصوراتها لمبادئ وقيم الدين، وبما يتناسب مع مقتضياتها وأوضاع عصرها وتحدياتها الراهنة وتعقيداتها المحلية. وبالتالي فإن هذا التصور ليس مقدسا، بل قابل للإنتقاد والتصويب. وبهذا فأن جوهر توجهات هذه الدولة هي «الناس»، وهي دولة المسلمين لأنها صادرة وفق تصورهم لمقتضيات الدين، و ليست دولة إسلامية مقدسة السياسات، والوسائل وكاملة الحصانة ضد معارضيها ومنتقديها.وربما تتعدد المصطلحات لوصفها، فمنهم من يصفها بأنها دولة وظيفية غير عقدية، ومنهم من يقول أنها دولة تعاقدية أو دولة وظيفية رسالية، ومنهم من يقول إنها دولة مدنية كما قال محمد عبده وكما يصفها د.القرضاوي في الوقت الراهن. ولكن مع تعدد كل هذه الأوصاف لم يصفها أحد بأنها دولة مقدسة بمعني أن تشريعاتها المستمدة من التصور الإسلامي تتشرب قداسة النصوص القرآنية لأنها في الأساس إجتهاد بشري لبلوغ المثال من مراد الإسلام حسب الأحوال والأقضية. كما أن الدولة الإسلامية ليست دولة أرثذوكسية ، توجد فيها طبقة من الأكليروس تحتكر الحقيقة المطلقة وسلطة التأويل وتفسير الدين كما يدعي د. جلال العظم. وبالتالي فإن التصنيف الذي عدده د. جلال العظم حول وجود دولة إسلامية متفق عليها، وهي في الأساس دولة دينية ثيوقراطية تعتبرا وصفا غير صحيح وتفتقد المعيار العلمي الدقيق. في المقابل فإن الخطل الأكبر في تقديري هو نزوع د. العظم علي اطلاق تصنيفات هي للشعارات أقرب منها الي الدقة العلمية، مثل وصفه للنموذج التركي بإعتباره إسلام الأسواق والبيزنس الذي يتسم بتسامح كبير، وأنه نموذج يري الحل في الإنضمام الي الإتحاد الأوروبي وليس في تطبيق الشريعة.
إن جوهر أطروحة د. العظم هي وجود تيار ثالث بين نمطي الإسلام الراديكالي )إسلام الدولة الرسمي البترودولاري، وإسلام العنف والجهاد(، هذا التيار الثالث هو الذي يسميه إسلام )السوق والبيزنس(، ويعده النموذج الأفضل والأمثل. إن تحليل ظاهرة الصحوة الإسلامية في المنطقة ، ورد النموذج التركي الي عامل السوق والإقتصاد فقط لهو الخطل بعينه.لأن بنية التدين الإجتماعي في تركيا ترتكز علي إرث تاريخي طويل، وظلت قواعده حية في وجدان الشعب التركي لعقود طويلة رغم شراسة السياسات الكمالية، وحراستها بقوة الجيش وحماية الدستور.
للدارس في كتاب «العمق الاستراتيجي - موقع تركيا، ودورها في السياسة الدولية» للدكتور أحمد داؤود أوغلو وزير الخارجية التركي والأب المنظر لسياسات تركيا الخارجية مندوحة عن الشرح، إذ صاغ نموذجا إستراتيجيا لإعادة تنميط الصورة التركية و بناء دورها في المنطقة الإقليمية عن طريق التوجه بقوة نحو الإتحاد الأوروبي، وربط التطور الإقتصادي والتنموي لتركيا بالسوق الإقليمية والأوروبية، وإستمرار سياساتها الدفاعية بعضويتها في حلف الناتو،وإتباع سياسة نزاع صفرية مع الجيران، وتقوية التوجه نحو الشرق الأوسط، وإعادة بناء النفوذ التركي التقليدي في المنطقة.هذه المرتكزات الإستراتيجية لتركيا في إطار فلسفتها نحو الديمقراطية المحافظة والمراهنة علي الخيار الديمقراطي هي توجهات إقتضتها طبيعة الصراع الداخلي، والمحددات السياسية والحضارية والجغرافية لتركيا، وليست منطلقة من إلهام ديني أو نصوص قرآنية مقدسة ، لأن التصور الإسلامي يرد الترتيبات السياسية والإدارية الي الناس. لذا فإن تحليل د. صادق جلال العظم الذي يختزل بروز ظاهرة الإسلام السياسي في جل المنطقة العربية، ويردها الي أسباب كلاسيكية منها الفقر، والجهل، يفتقر للتماسك المنطقي، و يعبر عن ذهنية وصائية، تتعارض مع ما تدعو اليه هذه النخب من أهمية توطين الديمقراطية.
لقد خالفني د. جلال العظم في رده علي مداخلتي حيث طرحت له أن التحليل الأدق لبروز الظاهرة الإسلامية في المنطقة العربية، يعود الي فشل المشروع العلماني الذي ظل متحكما منذ إنهيار الدولة الكولونيالية. وهو المشروع الذي سلب الناس خياراتهم، وأورثهم الهزائم والديكتاتوريات، فالتجأ الناس هاربين أو طائعين الي ظلال الطرح الإسلامي. وسيتعرض هذا الطرح الي مجامر الإختبار فإذا إستجاب لتطلعات الناس، في الحرية والكرامة والتنمية والعدالة والإستقامة الأخلاقية فسيجدد الناس ثقتهم في مشروعات الطرح الإسلامي، وإلا فإن خيارات البحث عن بدائل الاخري ستتواصل وتستمر، وسيشكل هذا التدافع ملامح الحراك والتفاعلات السياسية والفكرية والإجتماعية في الفترة القادمة. ويؤكد د. العظم أن المشروع العلماني لم يفشل بل فشلت محاولات تطبيق بعض نماذجه.
إن جوهر الخلاف مع أطروحة د. صادق جلال العظم تكمن في المفاهيم والمصطلحات أكثر من الخلاصات.لأن معايير التصنيف «لإسلام راديكالي وإسلام سوق» ينطوي علي قدر من التطفيف المعرفي. فالنموذج التركي بسمته الليبرالي يعتبر تطورا طبيعيا لتجربة الإسلام السياسي في المنطقة، حيث قام حزب العدالة والتنمية بالإستفادة من تجارب التيارات الإسلامية المعاصرة بما فيها تجربة حزب الرفاه داخل تركيا، وبني فلسفته ومشروعه الخاص الذي يرتكز علي مبادئ إسلامية وإنسانية حقيقية.وبالتالي فهو ليس نابع من السوق والبيزنس الذي يرتبط بالحراك الإقتصادي والطبقة الوسطي فقط كما يدعي د. العظم، ولكنه بروز جديد لنموذج من حركة الإسلام تمزج بطريقة مبدعة بين المباديء الإسلامية، والقيم العلمانية، والتوجهات الليبرالية المحافظة حسب مقتضيات الواقع.
إن وقوف الدولة علي مسافة متساوية من جميع الأديان كما قال أردوغان في تعريفه لعلمانية الدولة التركية يبقي أحد أهم النماذج المعاصرة، ولعل أطروحة د. عبدالله النعيم حول تدين المجتمع وعلمانية الدولة تجد حظها من النقاش الجاد والمشروعية الفكرية في ظل البحث عن صياغة مفهوم جديد لمستقبل الدولة الإسلامية.ولن يتم ذلك إلا حين يتم تجاوز جدل المصطلحات الي جوهر قضية الحكم في الإسلام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.