مستشار استثمار بوزارة النقل :مؤتمر باريس فرصة لعرض مشروعات البنى التحتية    شباب الاعمال يتطلع الى اعفاء ديون السودان خلال موتمر باريس    مشاريع طموحة يعرضها قطاع الطاقة بمؤتمر باريس    محمد صلاح يدخل في عملية انتقال مبابي إلى ريال مدريد    لا تغفل عنها.. موعد البدء بصيام الست من شوال    الجزيرة:التحصين الموسع حقق نجاحات كبيره في تحسين صحة الأم والطفل    الرصاص الحي وتكرار دائرة العنف والقتل في احياء ذكري الاعتصام ..    مات بآخر أدواره في "موسى".. وفاة فنان مصري بكورونا    واتساب نفّذت تهديدها.. قيّدت الخدمة لمن رفض التحديث    وكيله: رونالدو لن يعود إلى فريقه السابق    5 أنواع من الشاي تضرب الأرق.. تعرف إليها    مريم الصادق تزور مقر سكرتارية مبادرة حوض النيل    نشوب حريق داخل مستشفى ود مدني ولا وجود لإصابات    أحمد الضي بشارة يعترف بتلقى معلوماته من (قوش) ويعتذر لال دقلو    السودان على مرمى حجر من إعفاء ديونه.. صندوق النقد يتخذ خطوة حاسمة لمساعدة الخرطوم اقتصادياً    بسبب احداث افطار القيادة العامة..الجيش يوقف ضباطاً وجنوداً بتهمة القتل    قتيلان وجرحي في نزاع قبلي بالنيل الازرق    سعر الدولار في السودان اليوم السبت 15 مايو 2021    أبرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم السبت الموافق 15 مايو 2021م    المريخ يتدرب بقوة ويواجه الإنتاج الحربي وسراميكا بالأحد    رحل الفريق بحر    وداعا ريحانة توتي ..    الرئيس أسياس و الصراع الإثيوبي السوداني ..    بسبب القمر الدموي.. رحلة جوية دون وجهة تبيع كل تذاكرها في دقيقتين ونصف    هجرة عكس الرّيح موسى الزعيم ألمانيا / سوريا    الهروب من الذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات "نسيان ما لم يحدث" .. بقلم: أحمد حسب الله الحاج    كم عدد المشاركين بوفد الحكومة في مؤتمر باريس لدعم السودان ؟ وزارة الاعلام تجيب    السعودية: ندين الممارسات غير الشرعية للاحتلال الإسرائيلي    ثغرة في شرائح كوالكوم تهدد مستخدمي هواتف أندرويد حول العالم    مقتل 4 عناصر من قوات الأمن بكمين في جنوب السودان    محافظ مشروع الجزيرة يدعو الالتزام بالدورة الزراعية وزراعة 60% لضمان ري المحاصيل المستهدفة    ارتفاع عدد ضحايا شرطة مكافحة المخدرات بسنقو إلى (12) شهيداً و(14) جريحاً    ارتفاع عدد ضحايا شرطة مكافحة المخدرات بسنقو إلى (12) شهيداً و(14) جريحاً    رواية الغرق لحمور زيادة ضمن مقررات التبريز للتعليم بفرنسا    "سامحوني وادعولي".. شاب ينتحر تحت عجلات قطار    عمل فني يعزز التنمية والسلام في أبيي    لا تغفل عنه.. دعاء ثاني أيام العيد المبارك    سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الجمعة 14 مايو 2021 في السوق السوداء    ليفربول يهزم يونايتد على أرضه ويتمسك بأمل    مقتل (10) من قوات مكافحة المخدرات ب(سنقو) جنوب دارفور    كل سنة.. وإنت سلطان زمانك!!!    واتساب يكشف عن موعد وقف خدماته لرافضي التحديثات الجديدة    ايقاف شبكة إجرامية تنشط بتوزيع وترويج الأدوية المهربة بالخرطوم    ضبط تانكر وعربات لوري محملة بالوقود بولاية نهر النيل    مقتل ضابط و (9) من جنوده في كمين لعصابات مخدرات بدارفور    عندي حكاية – تقى الفوال: أول ممثلة محجبة في ألمانيا    أمريكا: الاستغناء عن الكمامة بعد تلقى التطعيم    هذه أول دولة تلقح كل سكانها البالغين ضد كورونا!    نانسي بيلوسي تدعم إجراء تحقيق أخلاقي في واقعة "اعتداء لفظي" من الجمهورية مارجوري تايلور غرين    الإيغور: السلطات الصينية تطارد الأئمة بتهم "نشر التطرف"    "ويفا" يعلن نقل مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا من إسطنبول إلى بورتو بسبب فيروس كورونا    الولايات المتحدة.. توقعات بالاستغناء عن الكمامة قريبا "إلا للتضامن"    آه من فقد الشقيق أو الحبيب واليوم عيد .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة    قصة قصيرة "كتابة": هلوساتُ شخصٍ على حافَّةِ جنُونٍ ما..! .. بقلم: إبراهيم جعفر    انطلاق حملة الرش بالمبيد ذو الأثر الباقي بالجزيرة    فى رحاب التصوف: الاستدلال على وجود الله .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه/باريس    التسامح وتطهير الروح .. بقلم: أمل أحمد تبيدي    الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم وزوجته    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حيوانات جديرة بالإحترام
نشر في الانتباهة يوم 04 - 12 - 2011

هذه المقالات هي خلاصة ما أنعم الله به عليّ من قليل علم وقليل اجتهاد كان يشغلني طيلة حياتي. وبما أنه لم يتبق هناك من وقت فالذي مضى أكثر من الذي تبقى أسأل الله أن يجعلها من العلم الذي يُنتفع به بعد أن ينقطع العمل وينقطع الدرب في هذه الفانية.
منذ أن تفتحت معارفي ومداركي على الحياة لم يشغلني أمر مثل واقعة الخليقة. كنت أمعن النظر في الكائنات من حولي وأنا لم ألتحق بالمدرسة بعد فيستهويني شكل النمل الصغير «نمل السكر» أو الذر .. وأنا أراه يتجمع حول ذرات السكر المتناثرة على الأرض فأتساءل : هل يجد النمل ذلك السكر حلواً كما أجده؟ حسناً أين لسانه؟ هل للنملة فم؟ هل لها بطن ؟ «في ذلك الزمن المبكر لم أكن أعرف المعدة والأمعاء» وماذا تفعل بالسكر الذي تنقله.. وكيف عرفت أن هناك سكراً ؟ من الذي أخبرها؟ هل لها روح؟ وهل روحها مثل روح الجرادة ؟ وأين تكمن روح الجرادة؟ فعندما نقطع رأسها يظل جسمها يتحرك.
قلنا في الحلقة السابقة أن الفكر البشري في سبيل الحصول على ما يشفي غليله عن أسئلة تتعلق بمسائل الوجود والخلق لجأ إلى تخمينات وإفتراضات لم تصمد أمام الحقيقة لهشاشة عظامها المنطقية وسذاجة إجتهاداتها التي ساقتها إلى ما يسمى بنظرية التولد التلقائي أو النشؤ العفوي Spontaneous Generation التي تنادي بأن الكائنات الحية نشأت من أصل خامد لا حياة فيه Abiogenesis ولأنها لم تستند على مرجعية من نوع ما أتت بشطحات مضحكة فأنشأت ثلاثة مخلوقات وهمية عاشت في اذهان المفكرين ولكنها لم تصمد امام الاختبارات العلمية وهذه المخلوقات هي شجرة الوز والحمل أو الخروف الخضري والانسان القزم.
شجرة الوز
في البحار في شمال استكندا وايرلندا يعيش نوع من الحيوانات القشرية يسمى البرنقيل وهوينتمي إلى رتبة القشريات ذات الارجل المزودة باطراف تعرف علميا بالاهداب وهذه الحيوانات تلصق نفسها بالاحجار والصخور وقاع السفن وتتعلق كذلك ببعض الاشجار الساقطة في الماء ولكي تحمي نفسها تبني غطاء جيريا حولها وتعيش في داخله انها تعمل ذلك كل عام في الوقت الذي ياتى فيه الاوز القطبي من الشمال و الانسان في بحثه عن اصل الحياة لايمكن ان يدع ظاهرة مثل هذه تمر من دون ان يخضعها لفلسفته ولهذه فهو ينادي بأن حيوان البرنقيل لابد ان يكون قد نشأ من الاشجار وان الاوز لابد ان يكون قد نشأ من حيوان البرنقيل بطريقة تدريجية قام الرسامون برسمها وإن حيوان البرنقيل كغيره من الأحياء المائية نشأ من طين البحر. إن الخيال الانساني لايحتاج الى جهد كبير لكي يملأ الفجوات بين الاشجار و البرنقيل والاوز وكلها في النهاية تصبح امرا ضمنيا لايقبل الشك وعالم الموسوعة الانجليزية الاكبر الاسكندر نكام يؤكد صدق هذه النظرية بل وينادي بأن كل الطيور تنشأ من اشجار كالصنوبر بعدأن تكون انقسمت عدة أطوار في مراحل تكوّنها.
الحمل و الخروف الخضري
في بداية القرن السادس عشر وعندما كان الرحالة الاوربيون يجوبون الافاق كانوا يرجعون وسفنهم ممتلئة بخيرات البلاد الأخرى في حين ان رؤوسهم تطفح بأقاصيص خرافية عن اشجار تنبت ثماراً في حجم البطيخ وهذه الثمار تحتوي على حملان في داخلها يستفيد منها اهالي الجزر في الحصول على اللحوم وهكذا اضيف للفكر الاوربي بعداً خرافياً جديداً هو الحملأو الخروف الخضري.
الانسان القزم
اما فكرة الانسان القزم فقد بدأت مع ظهور علم الكيمياء القديمة التى كانت تعمل في اتجاة تحويل المعادن الرخيصة مثل القصدير و الحديد الى معادن ثمينة كالذهب وتعمل فى اتجاه اطالة العمر الى ما لانهاية وكان لابد للكيمياء القديمة ان تفسر لنا ظاهرة الوجود من خلال تجارب المعمل و برز من رجال الكيمياء القديمة عالم اسمة براسليوس فقدم معادلة مفصلة لتحضير انسان قزم بطريقة صناعية: (اذا وضعنا السائل المنوي للرجل في وعاء خاص وعرضنا الوعاء لسلسلة من العمليات المعقدة لامد محدود فأننا في النهاية سنحصل على انسان قزم ولكن لابد من ايجاد دماء بشرية لتغذيته ولعله يجدر بنا ونحن نستعرض الفكر الانساني والعلم ان نتطرق الى أن العلم الآن قد توصل الى نفس ما اشار اليه براسلوس وهو تحضير الجنين في المختبر ولكن بطريقة علمية صحيحة وذلك بتقليح البويضة وحفظها في ظروف تشابة ظروف الرحم وإرجاعها مرة أخرى إلى الرحم حيث تواصل نموها (أطفال الأنابيب). ولكن أحياناً ينحدر العلم إلى أغوار سحيقة تجافي المنطق.
فلم يضِف علماء العصور الوسطى معلومات ذات قيمة في مجال تخلق الجنين البشري
كما إن نظريات أرسطو التي نادى بها في القرن الرابع قبل الميلاد وظلت مهيمنة على الفكر الغربي حتى القرن السابع عشر تنادي بأن الجنين يتخلق من اتحاد المني مع دم الحيض.. ولكن الله سبحانه وتعالى ومنذ القرن السابع الميلادي يخبرنا :(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [البقرة: 222.
ويخبرنا أيضاً بالأطوار التي مر بها خلق الإنسان:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سلالة مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) المؤمنون:14.
وفي علم الكيمياء القديمة ظهر علماء امثال فان هلمونت وقد كان بارعا في معالجة الظواهر الطبيعية المعقدة مثل دراسة غذاء النبات وتوصل فيها الى معلومات اثبتها بالتجربة الا انه من اشد المتحمسين لنظرية التولد التلقائي وهو يؤمن بان عرق الانسان هو المادة الصالحة التى يمكن ان تنمو فيها الحياة ويقدم الوصفة التالية لصنع الفئران في المعمل وذلك بوضع قميص من شخص معين في وعاء مع بعض البذور ولمدة واحد وعشرين يوما وفي هذه المدة تتصاعد الابخرة من القميص وتختلط بالبخار المتصاعد من تلك البذور وتتم عملية الخلق ونحصل على فئران حقيقة لا تختلف عن الفئران الموجدة في الطبيعية وهكذا غطت الرؤية المحدودة على الحقيقة العلمية. وظلت نظرية التولد التلقائي تجد كل يوم من يناصرها ويستنبط لها البراهين التي يظنها صائبة وظل الفكر الانساني رهيناً لتلك الافكار الغريبة زمنا طويلا ولكن بعض علماء القرن السابع عشر وعلى رأسهم فرانشسكو ريدي اخذو يتأملون ظاهرة الحياة بعمق اكثر ولعل فرنشسكو ردي هو اول من دق مسمارا في نعش نظرية التولد التلقائي فقد لاحظ ريدي ان الذباب يترك بيضاً على اللحم المتعفن وبعد مدة يصبح هذا البيض ديداناً صغيرة تملأ المكان وقام بعدة تجارب توصل فيها الى ان اللحم وحده لا يصنع الذباب بل لابد من بيض لصنع الذباب وواجه العالم المتعصب بنظريته تلك ولكن هل جعل العلماء هذه النظرية تمر دون ان يقيموا الدنيا و يقعدوها ؟
في هذا الاثناء كان الباحث الهولندي لوينوت قد صمم مجهرا ينظر من خلاله الى عالم عجيب غريب عالم يموج بالالاف من المخلوقات التى لا ترى بالعين المجردة تملأ فناء نقطة من الماء المتعفن لا يزيد قطرها عن بضعة مليمترات وخيل اليه انه ينظر للحياة وهي في شكل ذرات صغيرة نشطة وكتب للجمعية العلمية في لندن واخبر العلماء بانه يشاهد في ذلك الوقت عملية التولد التلقائي تحدث تحت بصره بكل مكوناتها.
وأمتلأت الدنيا صياحا عشرات العلماء اعتبروا هذا ردا حاسما على الذين يتشككون في نظرية التولد التلقائي.ولكن العالم الايطالى سبلانزاني قام عام 1765م بتعريض تلك المواد المتحللة لحراسة مستمرة واحكم قفل الوعاء وقد كانت النتيجة تدعو للدهشة.. لم ينشأ أي نوع من الحياة في هذا الوعاء. سبلانزاني يقول : ان الحياة موجدة في شكل كائنات صغيرة واننا عندما نعرض المادة للحرارة ثم نغلقها في مكان محكم فأن هذه العناصر الحية تموت ولذلك لا تنشأ أي حياة .. ويرد علي معاصريه الذين قاموا بتجربة مماثلة ولم يتحصلوا على نفس النتيجة بأنهم لم يعرضوا المادة لدرجة حرارة كافية ولذلك لم تكن (معقمة) تماما ويرد عليه معاصروه بأصرار بأنهم عرضوا المادة للحرارة الكافية ولكنهم يعتقدون ان سبلانزاني قد قام بتسخين المادة اكثر من اللازم فقضى على كل الحياة الموجدة في داخلها وثار جدل عميق حسمه العالم البارع باستير.
لقد كان لويس باستير يعمل استاذاً للكيمياء عام 1845 عندم طلب منه أحد صانعي الخمور ان يجري ابحاثه على عملية التقطير التى تتم بواسطة تخمير السكر في مختلف درجات التخمير... وراعه مارأى.. اشكال مستطيلة حمراء متعددة تتكاثر بشدة أثناء عملية التخمير هل من الممكن أن تكون هذه الاشكال حية ؟
واستمر باستير فى أبحاثه فأكتشف أن هذه العناصر الحية موجدة ايضا فى اللبن المتخمر وانها تسبب تحويل السكريات الموجدة فى اللبن الى احماض لينكية _ اى الاحماض التى تنشأ من اللبن، وعندما أخذ بعض هذه العناصر ووضعها في محلول السكر تحول السكر ايضا الى أحماض لبنيكية .
وفاجأ باستير العالم باكتشافه هذا وقد اوضح فيه أن التخمير والتعفن يحدثان نتيجة لوجود عناصر حية تعرف بالبكتريا وإن الافتراض الذي ينادي بأن التخمير و التعفن يصنعان الاحياء افتراض ساذج واننا بكل بساطة نستطيع ان نقضى على هذه العناصر الحية بواسطة تسخين اللبن مثلاً..
وأخذ باستير يجري ابحاثه بشتى الطرق ويعقم كل المعدات التى يعمل بها وقد تمكن من اثبات ان البكتريا موجدة في الجو وانها متى وجدت المجال المناسب تتكاثر وتزيد. وأخذ عالم أخر يدعى بوكنر عام 1897 يجري تحليلاً لعملية التخمير التى أكتشفها باستير .. واطلق عليها اسم الانزيمات وقد وجد ان لها فعلاً مساعداً في دفع عملية التخمير بزيادة تفاعل المعادلة الكيميائية دون ان تدخل هذه العناصر فى العملية نفسها .. وسنرى كيف ان هذا الاكتشاف كان مهما جداً وضرورياً لفهم التفاعل الكيميائي والذي يحدث في تركيب الحياة ، وأمكن كذلك عزل عناصر أخرى تعرف باسم الفيروسات أصغر بكثير من الباكتريا أذ يبلغ حجمها 50-70 ملمايكرون والملمايكرون يساوى واحد على مليون من المليمتر وكل هذه الاكتشافات جاءت نتيجة لاكتشاف ا لباكتريا ... وانفتح مدى جديد للمعرفة الانسانية بينما هوت نظرية التولد التلقائي .
والمدى الجديد تقدمت به الكيمياء الحيوية لقد كانت الكيمياء الحيوية في البداية تهتم بدراسة التفاعلات ونشؤها حتى تقدم العالم الكبير(اوبارين) وقدم نظريته التى كانت تستند على قدر كبير من التجربة ومن النظرة العلمية داخل تفاعلات الجسم الحي وداخل تفاعلات الكيمياء الحيوية وبالنظر الى الكائنات الحية والجمادات نجد ان الكائنات الحية تختلف عن الجمادات في تركيبها الكيميائي فان اجسام الحيوانات والنباتات والمكروبات تتكون من عناصر معقدة تعرف بالعناصر العضوية وهي تختلف في تركيبها عن العناصر التي تكوّن الجمادات وتمتاز هذه العناصر بأنها تحترق تحت حرارة مرتفعة حالة وجود الاكسجين مما يدل على ان العنصر الآساسي فيها هو الفحم او الكربون وهذا يوجد في جميع الكائنات وله خاصية عجيبة أخرى فهو ايضا يدخل في تركيب الجمادات فهو اذن عنصر مشترك بين الكائنات الحية والجمادات وتلتقي عنده عناصر الحياة وعناصر الجماد فمثلاً عنصر الماس ففي عام 1690 اشار العالم الانجليزي نيوتن بأن الماس وهو اغلى واقوى عنصر عرفه الإنسان لابد ان يكون محتويا في داخلة على مواد يمكن ان تحترق وقد اثبت فعليا صدق هذه النظرية اذ ان الماس عرض لحرارة شديدة فاحترق ذلك العنصر الننفيس امام اعين العلماء الذين اصابتهم الدهشة هذه التجربة اجريت تجارب اخرى اثبت ان الماس هو في الواقع إبن عم حميم لعنصر رخيص هو عنصر الغرافايت الذي نصنع منه اقلام الرصاص وهذان العنصران هما في الواقع معادلتان من معادلات الكربون ولا تدخل في تركيبهما أي مواد خرى بخلاف الكربون.
ان الكربون موجود في الطبيعية ايضاً ويدخل في تركيب بعض الجمادات بدرجات تتفاوت وهو يمتاز بقدرة خاصة على الاتحاد مع أغلب العناصر الاولية الموجدة مع الهيدروجين و الأوكسجين والنتروجين.
وكل هذه العناصر الاولية موجدة بكميات متفاوته في داخل الجمادات فيكون اذن اختلاف الكائن الحي والجماد هو اختلاف في شكل التركيب الكيميائي وليس في المكونات التى تكون المواد العضوية والمواد غير العضوية وبمرور الزمن تكونت فكرة لدى العلماء وهي ان ليس هناك اختلاف جوهري بين الكائنات الحية والجمادات في أحتوائها على عناصر كيميائية وكل الاختلاف هو ان الكائن الحي له خصائص اخرى وهذه نظرية
ولكن الاختلاف يكمن في خصائص الكائن الجامد وحتى هذا الاختلاف نقول لنا الكيمياء انه اختلاف في نوعية هذه الخصائص وليس في عدم وجودها في المجالين وهذه نظرية مثيرة هل الكائنات الحية والجمادات لها في الواقع أصل واحد مشترك وهل نحن يصدد البحث في جماتين مختلفتين تستعملان نفس الحروف التصنيع الابجدية ؟ الموقف هنا يتطلب وجود شفرتين تستعملان نفس المصطلحات فأذا نظرنا لخصائص الكائن الحي نجد ان من أكثر الخصائص التي تميز للكائن الحي هي إنه يتمتع بتركيب معماري هندسي محدد ولا يخرج عنه وان الكائن الحي له مقدرة على أستعمال مواد معينة في غذائة وانه يستطيع ان ينتج انواعا مشابهة عن طريق التكاثر او التناسل وان له مقدرة على التفاعل مع أي مؤثر خارجي فهل هذه الخصائص موجدة فقط في الكائن الحي ولا توجد في عالم الجمادات الموضوع يحتاج لتأمل.
إن البنيان المعماري الهندسي المحدد والذي اشرنا له هنا هو أحد خصائص الكائن الحي فمثلاً ان اجسام كل الكائنات الحية ابتداء من الباكتريا حتى الانسان والذي يقع في قمة الكائنات الحية لها تركيب هندسي معين وهذا التركيب ليس في الشكل الخارجي وانما في أدق مكونات الكائنات الحية مثل البروتوبلازم المادة التى تحتوى على الحياة والحمض النووي الذي يعطي التمييز . فهل إذا مات الكائن الحي سنحصل على مواد عضوية خامدة عديمة الحياة ؟ بعض العلماء يعتقدون ان هذا التركيب الذي يحتضن الحياة في داخلة لا يمكن ان يكون قد نشأ من تركيب خامد ميت ولابد ان يتجه الفكر الانساني في هذه المرحلة الى اراء الفلاسفة
الذين ينادون بأن التركيب المعماري للكائن الحي يقوم على تركيب روحي ويقوم ربط اجزاء الكائن ويشبهون ذلك البناء بالبناء الموجود في داخل المغنطيس فهم يقولون بأن المغنطيس كائن حي وان الحياة موجودة في تركيب المغنطيس في شكل هندسي معين له قدرة على جذب الحديد ولكن متى تعرض هذا التركيب الهندسي داخل المغنطيس الى الهدم فأن الروح تفارقه ويفقد قدرته على جذب الحديد، أذن فالتركيب الهندسي المعماري داخل الكائن الحي هو الذي يميزه عن الجمادات ولكن هل الجمادات بدون تركيب هندسي له خصائص معينة ؟ العلم يبرهن ان كل الجمادات لا تخلو من تركيب هندسي معين فالذرات في داخل المواد الكيميائية تتجه نحو ترابط هندسي محدد ويظهر في شكل بلورات ، ان التكوينات البلورية في اى خليط كيميائي هي تعبير عن هذا النشاط الهندسي الرائع الموجود في داخل المواد نفسها فهي تنظم نفسها بطريقة هندسية جميلة اعتماداً على درجة الحرارة ونوع الخليط الكيميائي وهذه عرفها العالم الانجليزي قراهام عام 1861م بأنها مركبات كيميائية لها خاصية تكوين هذه البلورات وعندما تختلط بالماء فأنها تذوب في شكل محلول خال من الترسبات ولها قدرة على أختراق جدار أي غشاء مصنوع من مثانة الحيوانات عندما يوضع ليفصل المحلول عن الماء وقد اضطرا لعالم جراهام الى فصل هذه المركبات الكيميائية كالسكر والملح والاحماض العضوية من مركبات كيميائية أخرى تعرف بالغرويات مثل محلول القمح والنشويات والبروتينات والسوائل المخاطية فهذه ليست لها بلورات ولا تخترق الجدار المثاني للحيوانات ولكن هل غياب التكوينات البلورية يجعل هذه المواد الغروانية عديمة البناء الهندسي؟ ربما في الازمان السابقة ولكن في هذا الوقت استطاع العلماء ان يدققوا النظر داخل المركبات الغروانية ودهشوا لقد كان هنالك نظام دقيق يربط هذه المواد... الالياف والخيوط تلتقي مع بعضها البعض في شكل تنظيمي مدهش الاف الوحدات الصغيرة المتشابكة تلتقي في اشكال معينة وتوصل العلماء الى ان غياب الخطوط المستقيمة مثل التى نراها في البلورات لا يفقد هذه المواد الغروانية خاصية التركيب الهندسي اذ ان التركيب الهندسي موجود ولكن بصيغة اخرى. ان دراسة هذه المواد الغروانية مهمة للغاية . ويبدو إننا نتجة في بحثنا لاثبات ان خصائص الكائن الحي والجمادات هي خصائص مشتركة ولكن هنالك خاصيتين تتصلان بقدرة الكائن الحي على التكاثر والتناسل والتفاعل مع المؤثرات الخارجية فهل توجد هذه في الجمادات؟
وربما نجد نفسنا وقد إقتربنا من فهم الآية : (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) نواصل بإذن الله.
آخر الكلام:
اللهم أجعلنا من عبادك الذين يتفكرون في أنفسهم وفي خلق السماوات والأرض.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.