مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حكاية طائر غريق
نشر في الراكوبة يوم 27 - 08 - 2015

كان هناك حقل، من الحنطة النامية حديثا، تحفه عَرْضا ورود بنفسجية، لها رائحة المسك، أو "إلى ذلك أقرب"، أضاف أبي يعقوب مستدركا. وكان حديثه أقرب لحظتها إلى التفكير بصوت عال. يتوجه به متفحصا في تلعثمه وبطئه إلى الداخل بأكثر مما يتوجه به إلى الخارج. ذلك (نوعا ما) أخافني. أما طولا، فيصعد الحقل نفسه، ناهضا متدرجا، من تحت قدمي أبي الحافيتين، ليتقوس هناك، عند المنتصف، بلطف ونعومة، قبل أن ينحدر، إلى الشرق، بالسلاسة الحريرية الآسرة نفسها، كما لو أنّه نهد فتاة بكر. وقد ترامى، في اتساعه ذاك، مثل ظلال جبلية ملقاة، وقت الأصيل، بوفرة وحنو وكسل؛ نحو الضفة القريبة لنهر صالحين.
"سبحان الله"، غمغم أبي، لحظة أن توقفتْ أجنحة الطائر، عن الرفرفة، وسقط، من شاهق، كحجر. وكان ينصت، حتى دقيقة خلت، والمدينة مختفية وراء ظهره، إلى حلاوة تغريده، بينما يحوّم أسفل سماء أرجوانية ملساء خامدة، شاديا بما بدا له ترانيم الحصاد "في غير أوانها"، منطلقا وعائدا دونما توقف من الضفة الأخرى البعيدة للنهر، حيث لا يزال يبرز في عتمة الغسق الشبحُ الأشهب الشوكي الكثيف لغاب السنط، وقد بدا مشرئبا من ورائه، كمارد بلا ملامح، العلو ذو الصمت الكوني المطبق المهيب لِسلسلة جبال العاديات. فجأة، عند منتصف قبة السماء، انفتح باب، وهوى عبر فراغه الغائر سيف، ما لبث أن انطلق مباشرة صوب رأس أبي الحسيرة من غطاء. "لا إلاه إلا الله"، صرخ أبي، وهو ينحني، بعينين مرفوعتين، ويمد يده في آن متحسسا حافة جلبابه، كيما يضعها على الأرجح بين أسنانه. وكما لو أنّه لم يكن يعاني من داء التهاب المفاصل، أطلق العنان لساقيه النحيلتين، غير مبال بالمرة أن يفقد سمعته الراسخة بين المعارف كشيخٍ من قبيلة جهمة، وقور (بالميلاد) ورصين. "عيب. لا تجري هكذا، أي كالنعام، وربما أسرع. ثم ما هذا الفزع، يا رجل؟ توقف حالا. هذا النصل لك. لا عليك. عد أدراجك (الآن) وخذه".
والريح تخترق عتمة الطريق الترابية الطويلة المظلمة الضيقة المؤدية إلى المسجد، قال لي "في حياتي، يا ولدي يوسف، لم يطرق أذني، مثل ذلك الصوت الهادر، قط". كان يتناهى إلى مسامعه "من جبال العاديات، من نهر صالحين، من البيوت، من خُوطٍ نبت في قلب ساق جافة، من مسام الطين، ومما لا يعلمه سوى الله". فلما شعر، والهواء يصفِّر أعلى أذنيه، بشيء يتقطع مهترئا داخل صدره المحترق من شدة العدو؛ أيقن أن ما هو هارب منه لا محالة ملاقيه، فتوقف واستدار، وبدأ ببطء سلحفائي يعود أدراجه، يشمله حزنُ الأُضحية ويأس المشرفين في مقتبل أعمارهم على الموت أو الهلاك، ليتوقف مجددا عند بداية حقل الحنطة، وقد أسدل يديه، وخيوط العرق لا تني تتفلت من كيانه، منتظرا أن يتوقف لهاثه بدوره، كيما يمد يده، ويمسك بمقبض السيف، مستجيبا أخيرا لما بدا قدره. ما إن فعل، أُضيئت أسقف المنازل الطينية المتلاصقة، وصحا من نومه، قائلا "اللهم اجعله خيرا".
شق ستارة الظلام الكثيف الحالك. تحسس بطن أمّي. وحلقه جاف. أدهشه في رحلة يده القصيرة تلك أنّه لا يزال يشعر، بالملمس الصخريّ القاسي لمقبض السيف "الطائر"، كما لو أن الأمر لم يكن حلما. وكان لا يزال يمرر راحة يده هونا على بطنها، محاولا التخفيف من حدة شخيرها ذي الوتيرة الإيقاعية المخترقة بالصفير الخافت الرتيب للربو، عندما انتظمت أنفاسه، وغرق في النوم ثانية، ورأى تفاصيل حلمه نفسه. وإن قال بحيرةِ تلك الأيام "هذه المرة، سقط الطائر، يا ولدي يوسف، لا عند منتصف حقل الحنطة، بل وسط دوامات الماء، التي أخذت تلف عنقه، وتدفع بريشه الفضي الجميل صوب الأغوار السحيقة لنهر صالحين".
قلت:
"وماذا تظن، يا أبي؟".
قال:
"الله أعلم".
وكنّا نقترب، حثيثا، من المسجد المحاط، بتلك الأشجار العقيمة، من نخيل الظل.
وأُقيمتْ الصلاة.
حين ضغط على مفتاح النور، سقط ظلّ رأسه ملامسا منتصف بطنها. وكان استيقظ، هذه المرة، على صوت توجعها الواهن، وعلى صوت آذان الفجر المتناهي، من غير مكان. "ما بكِ"، سألها، وهو يحاول التوغل داخل عينيها، على الضوء الرمادي الباهت الهزيل للمبة النيون، كمن يتفرّس، بلا طائل. قالت "ركلات الجنين". وأخذت تتوجع ماسحة قطرات العرق المتكونة أعلى جبينها، دون أن يُتاح لها أن تدرك مقدار ما حمل صوته من حيرة. فلم يعقب. بل لم يشأ حتى أن يذكر لها شيئا عن واقعة فراره أثناء الحلم. وقد كان يقول في الأحوال العادية "لا حياء في أمور السماء". فقط تابع صامتا طريقه، من أمام سرير الخشب المزدوج ذي الطلاء الأصفر المتقشّر، إلى خارج الحجرة للوضوء، حيث اقتعد بقعة من أرضية الحوش الترابية المصقولة القاحلة، وراح يغسل أطرافه، وهو يصب الماء من ابريق نحاسي قديم. "اللهم اجعله خيرا"، قال في نفسه. وبدأتْ تفوح سكينة، لطيفة حانية، لها ملمس المخمل، متنقلة في أرجاء المسجد كغمامة من عطر، ما إن أعلن الإمام عن خاتمة الصلاة.
كان عدد المصلّين قليلا. وكان بدأ يقوى للتو في داخلي ويشتد، الشعور الغامض أن معجزة على وشك أن تقع في محيط حياتنا المقفر لا محالة، لحظة أن تناهى صوت أبي، وهو يدعوني إلى المغادرة، قائلا "هيا، يا ولدي يوسف". نهضت، مستندا على يدي اليمنى، فإذا بي أرى المؤذن، غير بعيد من العتبة الداخلية المنخفضة للمسجد، وهو يهرع معترضا طريق أبي. أحكم قبضته حول معصم أبي، وبدأ يشده نحو ركن، في القعر المعتم البعيد للمسجد، قريبا من مصلَّى النساء المحتجب وراء ستائره السوداء القاتمة، حيث توقفا، ولحقتُ بهما هناك. قال "يا بشراك، أبا يوسف". برزت حالا عينا أبي يعقوب. عينان صغيرتان لطائر على وجه بشريّ. فسأل "خيرا". قال المؤذن "البارحة، كنت صائما، وقد تهجدت الليل إلا قليلا. ثم بعد أن أنهيت الركعة السبعين، تناولت سبعة تمرات. فغشيني النعاس. ولم أمكث في غفوتي طويلا، لحظة أن أقبل نحوي رجل. يضع على كتفه وشاحا أخضر". وصمت، ريثما يتبع بدوره أبي في الجلوس، وكذلك شعرت بساقي تخذلاني فجلست. وكمن يعيد رواية الحلم من بدايته، قال "كنت أقف فوق حقل أخضر ممتد. وسماء زرقاء تظللني. وكان هناك طائر فضي يعبر صوب الضفة الأخرى البعيدة لنهر صالحين. ولم تكن جبال العاديات لحكمة ماثلة هناك، حين انفلقت السماء، وهبط منها ذلك الرجل في هيئة غمامة. فأخبرني قبل تبخره أنّ زوجك ستلد غلاما ذكيا سيملأ الأرض عدلا بعد أن مُلئت جورا وفسادا. وقال: ما عليك سوى تبليغ صاحبك. وكان يردد (أبا يوسف) اسمك ثلاثا".
إن أنسى اسم أبي يعقوب فلن أنسى ما حدث تاليا.
مالت أعمدة المسجد، إلى أن لامست الأرض، ثم أخذت ترتفع عائدة بالفجاءة نفسها إلى سابق عهدها، أما السقف فلم يهبط في الأثناء قيد أنملة. كما لو أن أحدا غيري لم ينتبه لما حدث. وقد ظلّتْ رؤوس من تبقى من مصلين على ما كانت عليه، في تناثرها ذاك، محنية خاشعة مستغرقة مجترة أوراد الصباح. لما بدأ يعود إليَّ جزءا من حواسي الضائعة، بدأت أرى دموع أبي يعقوب لأول مرة، وهي تنساب صامتة مبللة لحيته وشاربيه، فاغرورقت عيناي. تقول أمّي "الرجل يبكي لحظة أن يحل بالعالم خطب عظيم". وأنا أخطو، متعقبا خطى أبي، عنّ لي أن أدير رأسي للوراء، فإذا عيناي تقعان، خلل ما تبقى من الستارة الجافة والرقيقة للدموع، على المؤذن، وهو يحصي ما أعطاه أبي للتو من دراهم، ويبتسم. قال أبي "اللهم اجعله خيرا"، وقلت "آمين"، بينما تيارات الهواء الآخذة في البرودة على غير العادة، في مثل ذلك الوقت من العام، لا تزال تتدافع خارج المسجد، مثيرة ذرات التراب ونثار الروث الجاف حاملة رائحة الحقول القريبة وحطب محترق وغضب كلب منفرد ظلّ ينبح بعزم غريب وحرقة. وكنت بالكاد ألاحق خطى أبي الواسعة المندفعة، في اتجاه الريح، كما لو أنّه على موعد مع القدر. وقد كان. دفع باب الحوش الموارب. فسكنتْ الريح. لكأن أحدهم أمرها بالتوقف، فتوقفت. كان يتقدم بحذر. إلا أن كل شيء بدا داخل البيت غارقا في العزلة والصمت وربما الانتظار، إلى أن توقفنا، عند منتصف حوش النسوان الداخلي، حيث تنحنح أبي يعقوب، ورفع صوته، قائلا:
"يا ساتر!".
وجلسنا كعادتنا كل صباح داخل المطبخ، نحيط بجدتي لأمّي، وكانت جلستْ عند المنتصف، وبدأت تعد الشاي، على نار الكانون الحمراء المتوهجة، كمشاعر حاسد مرت من أمامه نعمة، منصتة في الأثناء لرواية أبي، عن أمر حلمين متطابقين، حدثا في ليلة واحدة، عبر منامين مختلفين، من دون أن يكون للشيطان على ما بدا يد في الأمر. أما أمّي التي كانت تستند على مرفقها شبه راقدة على عنقريب صغير، فقد مكثت طوال رواية أبي هادئة، كما لو أن الأمر برمته لا يعنيها. ثم ما لبث جدار الصمت أن تصدع، بمجرد أن تنحنحت جدتي، وهي تمد نحوي كوب الشاي. في عمق ذلك التوقع الفاغر كبئر، لم تزد جدتي على قولها:
"ذلك المؤذن يحبّ المال كأطفاله".
أبقيت الجرعة الأخيرة المشبعة بالسكر المترسب في قاع الكوب طويلا داخل فمي. وكنت لا أزال أجلس هناك، على الأرض، غير بعيد من العتبة، أفكر في أمر تلك الأحلام، متابعا ذبابة ظلّتْ تنزلق دائرة ببطء على حواف كوبي الفارغ القابع على الأرض قريبا من قدم جدتي اليسرى الصغيرة المتورمة أعلى منطقة الأمشاط؛ عندما تناهى طرق على باب الحوش.
"ترى مَن يكون"، تساءلت أمّي.
"هذه ليست ساعة زيارة"، قررت جدتي.
"اللهم اجعله خيرا"، قال أبي.
ولما بدا الطارق مصمما على الدخول، والطرق يزداد تتابعا وحدة، رمقني أبي، فنهضت ومشيت، مجرجرا أقدامي، إلى أن توقفتُ وفتحت باب الحوش ورأيتها. كانت تقف داخل فراغ الباب، بظهرها المستقيم وسنوات عمرها المائة، تفوح منها رائحة قشر البرتقال المنقوع في دهن مغلي يدعى الكركار، وقد بدت كالعهد بها نحيفة، غبراء، حافية، وأكثر قدما من أثر فرعوني. وسألتني "وين أهلك". قلت "في المطبخ". وكنت قد تراجعت خطوة نحو الداخل أبحلق فيها، وقد جمدتُ في مكاني كصنم. هكذا، أزاحتني جارتنا الحاجة كاشفة جانبا. وانطلقتْ مهرولة إلى الداخل، بينما تهرف بصوت عال منطلق، قائلة:
"جيئتكم بالبشرى".
كانوا لا يزالون ينظرون إليها في صمت، تطلعٍ خامل، وفرح ميت وَلّده على الأرجح الخوف من وضع ما يراد له أن يقع عرضة للغيرة أو الحسد. وقد لاحظوا أنها لم تنزل نظرتها عن بطن أمّي المنتفخ لحظة. أخيرا واتت الشجاعة أبي يعقوب، فسأل "خيرا، يا جدة". ضحكت الحاجة كاشفة، مظهرة أسنانها البيضاء المكتملة، ثم حوَّمت براحتيها المفرودتين فوق نار الكانون التي علاها رماد خفيف، متابعة النظر في الأثناء إلى بطن أمّي، من دون أن يرف لها جفن. كانت جدتي تقول إذا غدا عمر الإنسان بطول عمر الشجرة التي كان يجلس تحتها المفتش الانجليزي سيتحول إلى أرنب صغير. لا يعنيه من الأمر أن يتبول جالسا، أو واقفا. فقال أبي وهو يُدخل هذه المرة يده داخل جيبه "خيرا، يا جدة؟". ومد إليها حفنة من دراهم.
كان يقول "إن المماطلة في مثل تلك الحال لا يقطع دابرها سوى البشارة. فأمسكتْ الحاجة كاشفة بالدراهم. صرّتها في طرف ثوبها بإحكام وتمهل. ثم أفرغت في جوفها بآخر ما تبقى في قعر الكوب من قطرات. ولما بدأ صبر جدتي ينفد على وجه الخصوص، تناهى صوتها المئوي صافيا رنانا مفعما ومشبعا تماما بالحياة:
"حلمت الليلة الماضية بحلم. رأيتني في المنام صغيرة. هذا ما أشهد الله على صدقه. كنت أقف فوق أرض خضراء. تحيطها زهور. ثم من نهر صالحين أقبل طائر مثل صحن الفضة المختوم وغرق. ثم من حيث لا أحتسب، هبط ملاك، اقترب مني. كان يحمل سيفا ومصحفا أخضر. قلت له: حبا، في سيدي الشيخ الطيب، لا تأخذ روحي الآن. فأخذ يبتسم في وجهي بلا فم، وبلا أسنان، مثل جدتك هذه يا يوسف". ابتسمت أمّي. كانت رائحة البن المحروق بدأت تضوع. والرعب ما يزال يطل عبر عيني أبي الصغيرتين، ويختفي. "وقال لي: يا حاجة كاشفة، لا تثريب عليك. ستعيشين مائة عام أخرى. فقلت له: ولِمَ لا يا ملاك الخير، فأنا أُفَضِّلُ أن أظل شيئا حيّا ينمو تحت الظلف القذر لحمار على أن أكون ميتة". فقاطعتها جدتي "وبعدين؟".
كما لو أن وابلا من المطر على سطح من صفيح توقف بغتة، أطل قط أسود من وراء عتبة باب المطبخ. نظر باتجاهنا. هز رأسه الجاف كمن ينفض عنه الماء. ثم قوّس ظهره بهدوء. وطوى ذيله الأبيض النظيف بين قائمتيه الخلفيتين، واختفى، كما أقبل، في صمت. ولم يكن لنا قط. "وقال لي الملاك: لكنَّ زوجة جارك يعقوب، وهي الآن حبلى، ستلد غلاما، سيكون إماما تسير بأخباره الركبان، شريطة أن يُسمَّى "الطاهر"، ثم نفخ في صدري سر الحياة وطار". قال أبي "اللهم اجعله خيرا"، ونهض مسارعا بالخروج، في حين أخذت جدتي تتأمّل مطرقة البن الحديدية بين يديها، كما لو أنّها ستهوي بها على رأس الحاجة كاشفة، في أية لحظة. وما لبثت أن نهضت بدوري، وسرت في أعقاب أبي، تاركا النسوة يتداولن في أمر الرؤيا، غارقات في الحديث، إلى بعضهن البعض، في لحظة واحدة.
هناك، بمحاذاة حائط داخلي قصير، رأيت أبي يعقوب، وهو يجلس في الظلّ الناعم الرطب للضحى، مفترشا مصلاته، مختليا بنفسه، منعزلا عن كل ما يحيط به، بينما يغمغم وعيناه مغمضتان بابتهالات غامضة عجنتها الدموع، وقد بدا كما لو أن صوته الخفيض المختنق بالعبرات يحمل غرف البيت والحيطان ويطفو دائرا بها بعيدا في الفضاء الحليبي الساطع الهتون. وقد ظلّ على تلك الحال، إلى أن غمرتْ الشمس سائر أعضائه. بعد عشرين سنة، سيقول أبي يعقوب لبناته الثلاث: "لا أذكر الآن من ذلك الحلم سوى نظرة طائر غريق".
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.