الانتباهة: قرارات حاسمة من مركزيّ التغيير    أبرز عناوين الصحف السياسية السودانية الصادرة اليوم الاثنين الموافق 26 سبتمبر 2022م    جبريل: نريد شراكة هادئة مع العسكريين    وداد بابكر ل(القاضي): كل ما أملكه هدايا من زوجَي البشير    مقاومة الخرطوم تعلن مليونية"المشارح والمفقودين قسريًا"    د. الشفيع خضر سعيد يكتب: الجيش والسياسة في السودان    إضراب شامل للعاملين بالزراعة    حافظ يتعهّد بتوفير الخدمات البيطرية للمجمعات الرعوية    اختبار صعب للمريخ في كأس السودان اليوم    سيكافا يختار الشاعر عضوا بلجنة الانضباط وشعبان منسقا    حفل قرعة الدوري الممتاز مساء اليوم بالخرطوم    المرحلة تتطلب قفل أبواب الصراع الناعم !    السلطات في السودان تلقي القبض على متهم خطير    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الأثنين" 26 سبتمبر 2022    المادحة والفنانة لكورة سودانية "نبوية الملاك " هنالك إقصاء لي من الشاشات …    تجار سوق الدمازين يدخلون في اضراب    مشروع لضبط المركبات الاجنبية داخل البلاد    البحرية تضبط قارب اجنبي به متفجرات قبالة شاطي سواكن    بعد خطوة مجلس الإدارة الأخيرة .. لجنة المسابقات تلغي"البرمجة"    هاجر سليمان تكتب: إلى القضاء العسكري وإلى شرطة أم درمان    بعد خطوة مجلس الإدارة الأخيرة..لجنة المسابقات تلغي"البرمجة"    الأمانة العامة ل"الشعبي.. تفاصيل اجتماع عاصف    الديون والركود يحاصران تجار الخرطوم    منصة الموروث الثقافي تعمل لاعطاء المجتمع قدرة التحكم لتوثيق الموروثات    قاضٍ بالمحكمة العليا: قاتل الشهيد حنفي يعلمه الله    شاهد بالفيديو.. بطريقة مضحكة نجم السوشيال ميديا "أدروب" يقلد الفنانة ياسمين كوستي في رقصاتها على أنغام أغنيتها (دقستي ليه يا بليدة)    شاهد بالفيديو.. وسط احتشادات كبيرة وحراسة أمنية غير مسبوقة..الفنانة السودانية إيمان الشريف تغني في الدوحة وتصعد المسرح على طريقة وزير الدفاع    شاهد بالفيديو.. الفنانة شهد أزهري تعود لإثارة الجدل على مواقع التواصل وتطلق (بخور الجن)    والي الخرطوم يوجه بإكمال محطة مياه الصالحة بعد توقف ل3 أعوام    بدأ الدورة التدريبية الأولى في إدارة المبيدات بجامعة الجزيرة    (35) حكماً في كورس (الفيفا) قبل بداية الدوري الممتاز    جبريل : الموازنة المقبلة من الموارد الذاتية وبلا قروض الخارجية    منى أبو زيد تكتب : في فضاء الاحتمال..!    (سودا) تنظم اليوم إجتماع الإسناد الفني لمونديال قطر    توقعات بوجود (200) من ضحايا الاختفاء القسري وسط جثث المشارح    اليوم التالي: مستور: إغلاق مصارف لفروعها لأسباب أمنية    تدشين الكتلة الثقافية القومية لرعاية المبدعين    مركز السودان للقلب يدشن أكبر حملة للكشف المبكر    انعقاد ورشة "دور التصوير الطبي في تطوير زراعة الكبد بالسودان"    عقب ظهوره بمكتب ملك بريطانيا.. ما قصة الصندوق الأحمر؟    برعاية الثقافة والفنون إنطلاق مسابقة عيسى الحلو للقصة القصيرة    أول تجربة نوم حقيقية في العالم تعتمد على عد الأغنام    "كارثة" في ليلة الزفاف.. العروس دفعت ثمناً غالياً    مصرع واصابة (9) اشخاص في تصادم بوكس مع بص سياحي بطريق الصادرات بارا    دراسة: شرب 4 أكواب من الشاي قد يقلل من خطر الإصابة بمرض السكري    إستئناف العمل بحقل بامبو للبترول بغرب كردفان    خروج محطة الإذاعة والتلفزيون بالنيل الأبيض عن الخدمة    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    أمر ملكي جديد في السعودية    ألمانيا تؤمم أكبر شركة غاز لضمان استمرار الإمدادات    بوتين يستدعي جزءًا من الاحتياط دفاعًا عن روسيا    وزير الصحة بكسلا: رصد حالة إصابة مؤكدة بجدري القرود    الشرطة تستعيد رضعيه مختطفه الي أحضان أسرتها    بابكر فيصل يكتب: حول ميثاق اتحاد علماء المسلمين (3)    الدولار الأميركي يقفز إلى أعلى مستوياته    خلال الوداع الأخير.. "سر" كسر العصا فوق نعش إليزابيث    الاستقامة حاجبة لذنوب الخلوة في الأسافير    بابكر فيصل يكتب: حول ميثاق اتحاد علماء المسلمين (2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



روزنامة الاسبوع: مَحْمُوْدٌ يُرِيْدُ أَنْ يَعْرِف!
نشر في الراكوبة يوم 23 - 03 - 2021


الإثنين
حلَّ صديقي الشَّاعر والرِّوائي البارع جمال محمد إبراهيم، الأسبوع الماضي، ضيفاً عزيزاً على هذا المكان، فأعجبتني مضاهاته، وإن استهولْتُها، بين «الرُّوزنامَة» و«الشَّاهنامَه»، وقفز إلى ذهني حفيدي الحبيب إياد بسنواته الأربع، وشغفه بأصوات الحروف، ونسق التَّقفية، حتَّى في منثور الكلام! حدث، يوماً، أن طلبت منه، وقد لدَّني بإزعاجه عن بعض مشغوليَّاتي، أن يذهب ليلعب في «المنامة»، ففاجأني بسؤاله، وهو يلثغ ضاحكاً: يا جدُّو في «المنامة» ولا في «الرُّوزنامة»؟!
«الشَّاهنامة» هي الملحمة الوطنيَّة العظمى لبلاد فارس، وقد بدأ نظمها، في الأصل، أبو منصور الدَّقيقي، لولا أنه قُتل، فأتمَّها أبو قاسم الفِردَوْسِي (ت 329 ه)، في حوالي ستِّين ألف بيت من البلاغة الشعريَّة الباذخة، كأطول قصيدة عرفها الشِّعر العالمي، إذ تعادل ضعفي حجم الإلياذة والأوديسا معاً! وقد نقلها إلى العربيَّة الفتح بن علي البنداري (ت 643 ه). وكان الفردوسي إقطاعيَّاً ثريَّاً تمكَّن من التفرُّغ، تماماً، على مدى خمسة وثلاثين عاماً لوضع هذا الأثر العظيم الذي لم يشتهر إلا بعد وفاته، والذي تمَّ تزيينه برسومات ملوَّنة يعود أقدمها إلى القرن الثَّاني عشر الميلادي، وتتناول مظاهر الحضارة الفارسيَّة من ملوك، وجيوش، ومعارك، وغيرها. ويرى الكثيرون أن مكانة الفردوسي في الثَّقافة الفارسيَّة تماثل مكانة شكسبير في الإنجليزيَّة، وهوميروس في الإغريقيَّة.
صوَّرت «الشَّاهنامة» حضارة فارس، منذ عصورها السَّحيقة، وحتَّى سقوطها، في العصر الإسلامي، على أيدي العرب. وجاء قسمها الأوَّل محتشداً بالأساطير، والخرافات، والخوارق، أمَّا قسمها الأخير فقد عُني بتاريخ أمَّة الفرس، والتَّوثيق لملوكها، وسياساتهم، ومعاركهم. ولعلَّ أطرف ما فيها تجدُّدها المستمر، لحرص ملوك إيران المتعاقبين على تخليد ذكراهم فيها.
لا تزال «الشَّاهنامة»، حتَّى الآن، وبرُّغم وفاة الفردوسي قبل أكثر من ألف عام، أعظم عمل أدبي في الفارسيَّة، بل ومن أهم الأعمال الأدبيَّة في العالم.
الثُّلاثاء
لم أرتح لنفى مدير شرطة محليَّة أم بدَّة ضلوع أيَّة جهات سياسيَّة في التَّفلُّتات الأمنيَّة مؤخَّراً، حيث أثبتت التَّحرِّيات، حسب قوله، أنهم معتادو إجرام وأصحاب سوابق! ولكن .. من قال إن أمثال هؤلاء لا يكونون، في العادة، عرضة ل «استثمار» طاقاتهم «الإجراميَّة» في تحقيق أغراض سياسيَّة؟!
الأربعاء
استقلَّت النيجر عن فرنسا عام 1960م. لكن رئيسها محمَّد إيسوفو قرَّر، مؤخَّراً، التَّنحِّي، طواعية، بعد قضائه عشر سنوات، على فترتين، في سدَّة الرِّئاسة. وهذه أوَّل سابقة في هذا البلد الكائن في غرب أفريقيا، بالنِّسبة للانتقال الدِّيموقراطي من رئيس لخلفه المنتخب، مقارنة مع رؤساء بلدان الإقليم الذين درجوا حتَّى على تعديل دساتير بلدانهم لأجل الاستمرار في مناصبهم! غير أن ذلك ليس هو السَّبب الوحيد لتأهُّل إيسوفو لنيل «جائزة مو إبراهيم» الأفريقيَّة التي تبلغ قيمتها الماليَّة 5 ملايين دولار، والتي تُمنح لأيِّ رئيس يتنازل لخلفه المنتخب، طواعية، بعد أن ظلت تُحجب طوال السَّنوات الماضية، حيث لم ينجح أحد (!) فثمَّة سبب إضافي هو حُسن قيادة إيسوفو لأفقر دولة في العالم، بتصنيف الأمم المتَّحدة، ونجاحه في تعزيز اقتصادها، واجتهاده لتحقيق الاستقرار الإقليمي، ودفاعه عن الدِّيموقراطيَّة الأفريقيَّة، وجعْلِ بلاده الأقل عُرْضة لهجمات القاعدة، أو تنظيم الدَّولة الإسلاميَّة، أو بوكو حرام، مقارنة مع نشاط هذه الجَّماعات ضدَّ جيرانه: مالي، ونيجيريا، وبوركينا فاسو، الأمر الذي أشادت به لجنة الجَّائزة بوجه خاص.
الخميس
قبل أيَّام، وبمكتب أحد الأصدقاء من زملاء المهنة، جمعتني حلقة نقاش ضيِّقة، تشقَّق الحديث فيها، وطال، في ما طال، مسألة المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، وقضيَّة دارفور، فانقسمت الحلقة إلى مؤيِّدين ومعارضين لمشروعيَّة الخضوع لاختصاص هذه المحكمة، ومن ثمَّ تسليم المتَّهمين المطلوبين لها. أثار الرَّافضون لولايتها الشُّروط المسبقة الواجب توفُّرها للقبول بهذا الاختصاص، ومن ثمَّ الخضوع، والتَّسليم، واستندوا، بوجه خاص، إلى المادَّة/12 من نظام روما لسنة 1998م Rome Statute، والذي تعمل المحكمة بموجبه. في السِّياق تداولوا، بالتَّفصيل، ما تنصُّ عليه المادَّة المشار إليها من أن الدَّولة التي تصبح طرفاً في هذا النِّظام هي التي تقبل، دون قيد أو شرط، باختصاص المحكمة. واحتجُّوا بأن السُّودان ليس طرفاً، لكونه، منذ البداية، لم يصادق على توقيعه، دَعْ كونه، في وقت لاحق، سحب حتَّى هذا التَّوقيع! كذلك تداولوا حالات القبول بالاختصاص، وما أدراك ما القبول بالاختصاص، حتَّى لو لم تكن الدَّولة المعنيَّة طرفاً في النِّظام!
مع احتدام النِّقاش، وارتفاع النَّبرات، وحرارة الحماس، غابت عن مجلسنا ذاك حقيقة بسيطة، وهي أن الاختصاص قد انعقد، في قضيَّة دارفور، للمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، لا لأن السُّودان قد أحالها إليها تحت المادَّة/14 مقروءة مع المادَّة/13 (أ) من نظام روما، ولا لأن المدَّعي العام الدَّولي قد قرَّر مباشرة التحقيق فيها من تلقاء نفسه تحت المادَّة/15 مقروءة مع المادَّة/13 (ج) من النِّظام، وهما الحالتان الوحيدتان اللتان قد يجوز الاستناد فيهما إلى «عدم التَّوقيع/عدم المصادقة» كحجُّة على (عدم الانضمام)، بل انعقد لها الاختصاص تحت المادَّة/13 (ب) التي تمنح مجلس الأمن الدَّولي سلطة الإحالة إلى المحكمة Referral تحت الفصل السَّابع من ميثاق الأمم المتَّحدة!
وإذن فإن إثارة المسألة المتعلقة ب «عدم التَّوقيع/عدم المصادقة» كحُجَّة على «عدم اختصاص المحكمة»، أو تكأة لعدم تسليم المطلوبين، تصبح بلا معنى، فالسُّودان عضو بالمنظمة الدَّوليَّة، منذ استقلاله عام 1956م، ما يعني، ضمناً، موافقته على صلاحيَّة مجلس الأمن الحصريَّة في صون الأمن والسِّلم الدَّوليَّين، والتي تكاد تجعل منه أهمَّ أجهزة المنظَّمة الدَّوليَّة!
طبعاً هناك من يتذمَّر ضدَّ هذا الامتياز. سوى أن الحلَّ، حسب ما تمخَّضت عنه الأوضاع الواقعيَّة لعالم ما بعد الحرب العالميَّة الثَّانية، لا يكون بالتَّمرُّد على الشَّرعيَّة الدَّوليَّة المتَّفق عليها، بل بخلق وضعيَّة تسمح بتعديل ميزان القوى الدَّوليَّة من النَّاحية الموضوعيَّة!
الجُّمعة
جاء في الأنباء أن الفريق أوَّل الرُّكن عبد الفتَّاح البرهان، رئيس مجلس «السَّيادة» الانتقالي، استقبل بمكتبه، الأسبوع الماضي، السَّفير القطري بالخرطوم عبد الرحمن الكبيسي الذي سلَّمه رسالة خطية من تميم بن حمد آل ثاني تضمَّنت دعوته رسميَّاً لزيارة قطر! وبصرف النَّظر عن خلفيَّات هذه الدَّعوة، فإن الكبيسي أوضح، عقب ذلك، في تصريح صحفي، أن لقاءه مع البرهان تناول «العلاقات الثُّنائيَّة» بين البلدين، وسبل دعمها، وتطويرها! و .. محمود يريد أن يعرف، ولن يملَّ تكرار الأسئلة التي تحيِّره:
أوَّلاً: هذا العمل شُغل رئيس الجِّهاز «التَّنفيذي»، فما شأن رئيس مجلس «السَّيادة» به، بل ما شأن «مجلس السَّيادة»، مجتمعاً، بالعمل «التَّنفيذي»، أصلاً، وشغله «تشريفي» فقط؟!
ثانياً: حتَّام يلزم دولة الرَّئيس حمدوك السُّكوت على اختطاف رئيس المجلس «التَّشريفي» لعمله؟!
ثالثاً: والأمر كذلك، أليس صحيحاً أن «الانقلاب الجّديد» قد لا يحتاج إلى «قطع إرسال»، أو «مارشات»، أو «بيان أوَّل»!
السَّبت
عجبت أن يجد أ/ نبيل أديب وقتاً مثل هذا يتكبَّده، بلا داع، في تدبيج كلِّ هذا الرَّدِّ المطوَّل على كلمتي، بأكثر من ضعفي حجمها، حول العوار القانوني النَّاشب بنيويَّاً في صلب تكوين لجنته «غير المستقلة»، وذلك وسط مشاغله الجَّمَّة «المفترضة» في الاستعداد لقضايا موكله الهارب صلاح قوش الذي يتردَّد في الصحف وأجهزة الإعلام صدور القرار المصري بتسليمه ضمن المطلوبين إلى السُّودان! وليت الأستاذ، مع ذلك كله، قد تحسَّب، جيِّداً، لضرورة لجم قلمه عن الثَّرثرة في مساحة صفحة بأكملها، كون عاقبتها المؤكَّدة إمَّا أن يخوض في وحل مغالطات مكشوفة، وإمَّا أن يستغراق في اجترار كلامنا نفسه، لعباً بالألفاظ، أو ما يسمَّى في الفلسفة ب «السَّفسطة»، وكلاهما وقع، فعليَّاً، على النَّحو الآتي:
أوَّلاً: ليس ثمَّة معنى للكلام الكثير، الذي شغل العمود الأوَّل من الصَّفحة بأكمله، في محاولة مضحكة لتأكيد الفروق بين «لجان التَّحقيق في حادث أو موضوع»، وبين «لجان التحقيق في حادث أو أمر»! فالفروق قائمة، قانوناً، بين «اللجان التي يخلص عملها إلى تأسيس دعاوى أمام القضاء»، وبين «اللجان التي ينتهي عملها برفع تقارير إلى السُّلطة العامَّة التي كوَّنتها»، فهذه، لا تلك، فروق قانونيَّة، أصلاً، وهي مِمَّا انبنت عليه، ابتداءً، كلمتنا ذاتها!
ثانياً: لجان النَّوع الأوَّل تكتسب «استقلاليَّتها» من عملها في إطار سلطة النَّائب العام «المستقل» الذي يشكلها (م/9 م/29 من قانون النِّيابة العامَّة لسنة 2017م)، أمَّا لجان النَّوع الآخر ف «غيرمستقلة»، لخضوعها للسُّلطة «التَّنفيذيَّة» التي تكوِّنها، وذلك، كذلك، مِمَّا انبنت عليه حجَّتنا، فما كان ثمَّة داع لصرف لغة كثيرة في اجتراره!
ثالثاً: بدلاً من أن يركِّز أ/ نبيل على إسناد حجَّته، بالكليَّة، إلى «القانون»، كما ينبغي، تنكَّب سواء السَّبيل باستناده، في أكثر من موضع، إلى «القرار التَّنفيذي» المكوِّن للجنته، والذي هو محلُّ نقدنا! يقول: «كان الأولى به يقصدنا الرُّجوع للقرار لأنه هو الذي يحدِّد سلطات اللجنة»! وهذا خطأ جسيم، لأن «القانون» وليس «القرار» هو الذي «يحدِّد سلطات اللجنة»، ومن ثمَّ فهو مصدر «القاعدة» التي تستوجب الاتِّباع، سواء من «اللجنة»، أو حتَّى من «القرار» نفسه المكوِّن لها!
رابعاً: يغالط أ/ نبيل، بكلِّ حُمرة عين، وغلظة كبد، في أن «واقع الأمر أن رئيس الوزراء لم يصدر قراراً بتكوين اللجنة بموجب سلطاته وفق قانون لجان التَّحقيق»، ومن ثمَّ وجبت الملاحظتان الآتيتان لعناية القارئ:
(1) يقول إن تكوين لجنته جاء «إيفاءً باستحقاق دستوري»، وسؤالنا: هل حدَّد هذا «الاستحقاق» في «منطوقه» لجنة يخلص عملها إلى «تأسيس دعوى قضائيَّة»، أم نصَّ على مجرَّد تكوين «لجنة»، مِمَّا يلزمنا بالرُّجوع إلى القوانين لنرى أيَّة لجنة يمكن لرئيس الجِّهاز «التَّنفيذي» تكوينها، باعتبار أن ذلك هو محلُّ نقدنا؟!
(2) فإذا رجعنا للقوانين، أترانا نجد «قانوناً آخر» سوى «قانون لجان التَّحقيق لسنة 1954م» يمكن لرئيس الوزراء حمدوك أن يكوِّن هذه اللجنة بموجبه؟!
خامساً: ولأن الإجابة واضحة، كعين الشَّمس، فقد استشعر أ/ نبيل، في ما يبدو، هشاشة الاستناد إلى مجرَّد «الاستحقاق الدُّستوري» في التَّبرير لتكوين «لجنة تحقيق» لا تحتكم على سلطات النِّيابة العامَّة التي ينسكب عملها على منصَّة القضاء، إذ ستكون، في هذه الحالة، مكوَّنة تحت القانون الوحيد الذي يخوِّل رئيس الوزراء في تكوينها، وهو «قانون لجان التَّحقيق لسنة 1954م»، علماً بأن النُّصوص الدُّستوريَّة تطبَّق عبر القوانين، لذا نرجو، في السِّياق، استبصار القارئ للملاحظات الآتية:
(1) مضى أ/ نبيل، فور استشعاره ذلك، إلى القول بأن النَّائب العام قرَّر منح هذه اللجنة سلطاته. ولتأكيد هذا القول راح يقتطف من قرار رئيس الوزراء أن «اللجنة .. تتمتَّع بممارسة اختصاص النِّيابة العامَّة .. وفق التَّفويض المرفق»!
(2) لكن أ/ نبيل، في لجَّة استعجاله لإثبات أن لجنته تعمل بسلطات النَّائب العام، لم ينتبه إلى تورُّطه في الخلط بين الأسبقيَّات، على النَّحو الآتي:
أ/ يقول، من ناحية، بالحرف الواحد: «رئيس الوزراء لا يملك سلطة التَّفويض في هذه المسألة» يقصد سلطة النَّائب العام المستقل عن الحكومة. ثمَّ يستطرد قائلاً: «ولكنه لم يفعل ذلك يعني عند إصداره قرار تكوين اللجنة بل أشار، أي رئيس الوزراء، إلى أن «تلك السُّلطة مُنحت للجنة من النَّائب العام»! يعني، بالعربي الفصيح، أن تفويض النائب العام سلطاته لهذه اللجنة «سابق» حتَّى على قرار رئيس الوزراء بتكوين اللجنة نفسها، فتأمَّل!
ب/ غير أن أ/ نبيل نفسه ما يلبث أن يرتدَّ على عقبيه ليشير، من ناحية أخرى، إلى أن الفقرة/1/2 من تفويض النَّائب العام «الافتراضي» هذا تقرأ كالآتي: «تُمنح سلطات وكالة النِّيابة العامَّة .. للجنة .. المشكَّلة بموجب القرار رقم/63 لسنة 2019م، الصَّادر من رئيس الوزراء»! يعني، بالعربي الفصيح كذلك، أن تفويض النَّائب العام سلطاته لهذه اللجنة «لاحق» على قرار رئيس الوزراء بتكوين اللجنة، فتأمَّل أيضاً!
(3) ولأنه ليس سوى أ/ نبيل نفسه من يستطيع، بطبيعة الحال، فضَّ هذا التَّناقض المربك، أو ردَّ هذه العصيدة اللبيكة إلى عناصرها الأوَّليَّة الصَّريحة، فإننا نطالبه بإجابة مستقيمة على السُّؤال المشروع الآتي: متى منح النَّائب العام المستقل عن السُّلطة التَّنفيذيَّة سلطاته للجنة التي كوَّنتها هذه السُّلطة التَّنفيذيَّة: هل قبل صدور قرار تكوينها نفسه، أم بعد صدوره؟! وأيَّاً كانت الإجابة فإننا نعِد، مقدَّماً، بقبولها، شريطة أن تجئ فصيحة لا تلعثم فيها أو لجلجة!
سادساً: والأهمُّ، بل وربَّما الأخطر، هو أن ذلك التَّصرُّف المنسوب إلى النَّائب العام لا يُعتبر صحيحاً، أو مسنوداً، تماماً، بالقانون، لمجرَّد صدوره منه، كما يظنُّ أ/ نبيل! وقبل أن نوضِّح ذلك يلزمنا أن نشير إلى:
(1) أن أ/ نبيل يعمد لقراءة النُّصوص القانونيَّة بما يلائم منطقه هو، وحجَّته الخاصَّة!
(2) يتبدَّى ذلك جليَّاً في محاولته الفاشلة للاستناد إلى «الزَّعم» بأن قانون النِّيابة العامَّة يبيح للنَّائب العام منح سلطات وكيل النِّيابة لأيِّ شخص أو «لأيِّ لجنة»!
(3) لكننا، بأقلِّ تدقيق في قراءة النَّصِّ، نجده يبيح للنَّائب العام منح سلطات وكيل النِّيابة في التَّحرِّي أو التَّحقيق لأيِّ شخص أو «لأيِّ لجنة يشكِّلها»!
(4) فهل النَّائب العام هو الذي «شكَّل» لجنة نبيل؟!
(5) أنظر، يا رعاك الله، كيف يقرأ «الأستاذ الكبير» هذا النَّص بعد أن يجرِّده من عبارة «يشكِّلها»، كي يجعل من حقِّ النَّائب العام أن يمنح سلطاته «لأيِّ لجنة»، بصرف النَّظر عما إن كان «شكَّلها» هو أم «شكَّلها» غيره، قاصداً أن يستقيم له، من ثمَّ، منح النَّائب العام سلطاته للجنته هو، رغم أن رئيس الوزراء هو من شكَّلها، وليس النَّائب العام، الأمر الذي يدفع بقراءة الأستاذ للنَّص القانوني من خانة «الخطأ» إلى خانة «العيب» إزاء واجبه المفترض في نقل المعرفة الصَّحيحة لغمار المتلقِّين، دَعْ القانونيِّين الشَّباب مِمَّن هم في مقام تلاميذه! فهل هكذا تورد الإبل؟! حقَّاً إن الغرض مرض، ولا قوَّة إلا بالله!
سابعاً: أمَّا ما فهمه أ/ نبيل، من تعبيرنا عن «مسؤوليَّة» النَّائب العام عن عمل اللجنة، حال إقراره ب «الإشراف» عليها، بأننا نرمي من ورائه إلى «تخويف» الرَّجل، فهو فهمٌ قاصرٌ. ذلك أن بغيتنا الحقيقيَّة هي تأكيد «التَّبعات» التي تترتَّب على هذا «الإشراف»، في ما لو صحَّ وروده، وهي «تبعات» منطقيَّة ما في ذلك شك؛ أم يظنُّ أ/ نبيل أن «الإشراف» لا يرتِّب «تبعة/مسؤوليَّة» على «المشرف» عمَّا قد يصدر من قرارات، في سياق هذا «الإشراف»، طالما أنه يملك، على حدِّ تعبيره، سلطة إلغاء هذه القرارات؟!
ثامناً: وأمَّا محاولته «تدريسنا» مسائل في القانون الجَّنائي الدَّولي، والمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، فاستسهال للولوغ في أمواج نهر صخَّاب، ذي موج لجب، بلا عدَّة ولا عتاد، ذلك لأن:
(1) من غير الصَّحيح الفصل بين مصطلحي «مكتب المدَّعي العام الدَّولي» و«المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة»، فالأوَّل جزءٌ لا يتجزَّأ من الثَّانية، مثله في ذلك مثل «هيئة الرِّئاسة»، و«الشُعب الاستئنافيَّة»، و«الابتدائيَّة»، و«التَّمهيديَّة»، و«قلم المحكمة» (م/34 من نظام روما). وإذن، فإن الإحالة إلى هذه «المحكمة» تعني الإحالة، ابتداءً، إلى «مكتب المدَّعي العام». والقرار/1593 نفسه الذي أصدره مجلس الأمن الدَّولي، في 31 مارس 2005م، بعد تلقيه تقرير لجنة أنطونيو كاسيسي، قضى بإحالة ملف دارفور إلى «المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة»، في معنى إحالته، ابتداءً، إلى «مكتب الإدِّعاء الدَّولي»، وهذا ما حدث. أمَّا خطأ أ/ نبيل، هنا، فقد نجم من كونه أخذ التَّعبيرين من الزَّاوية «اللغويَّة»، لا «الإصطلاحيَّة»!
(2) التَّحقيق الأوَّلي الذي يجريه الإدِّعاء الدَّولي، ابتداءً، في أيِّ ملفٍّ هو الذي يرتِّب عليه التُّهم، قبل عرضها للقبول أو الرَّفض من جانب الدَّائرة الابتدائيَّة Pre – Trial Court. وهذا ما حدث، بالفعل، في قضيَّة دارفور، إذ حقَّق الإدِّعاء، ابتداءً، في شأن كوشيب، وهارون، وعبد الرَّحيم، وفي «نهاية» هذا التَّحقيق «الابتدائي» حدَّد التُّهم، وعرضها على الدَّائرة «الابتدائيَّة» التي قبلتها، ومن ثمَّ انفتح الطريق أمامه للسَّير قدماً في جمع الأدلَّة؛ كما استكمل تحقيقه الأوَّلي ضدَّ البشير، حيث وجَّه إليه تهماً بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضدَّ الإنسانيَّة، وجريمة الإبادة الجَّماعيَّة، وقدَّمها، أيضاً، إلى الدَّائرة الابتدائيَّة التي قبلت التُّهمتين الأوليين، ورفضت الثَّالثة! وكنت كتبت، قبل صدور قرار الدَّائرة الابتدائيَّة، أنها لن تقبل تهمة «الإبادة الجَّماعيَّة»، حيث أنها لم توجَّه، ابتداءً، للمتَّهمين «المرءوسين» الأوائل، فلا يجوز توجيهها للبشير «الرَّئيس»، وذلك لأسباب تتعلق بنظريَّة «تسلسل القيادة Chain of Command»، وهو ما حدث بالفعل، لولا أن المدَّعي الدَّولي استأنف قرار الدَّائرة الابتدائيَّة بحُجَّة أنه يعني مطالبته، في هذه المرحلة الباكرة، بالإثبات دون شكٍّ معقول beyond a reasonable doubt ، فقبلت السُّلطة الاستئنافيَّة حجَّته!
(3) من غير الصَّحيح قول أ/ نبيل بأن المدَّعي العام الدَّولي لا يشرع من تلقاء نفسه في أيِّ تَّحقيق، إذ يستطيع ذلك على أساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة (م/13/ج م/15 منه)، بعد أن يبعث، إذا رأى ذلك مناسباً، بإشعار سرِّي إلى جميع الدُّول الأطراف، والدُّول التي يرى في ضوء هذه المعلومات أن من عادتها ممارسة ولايتها على هذا النَّوع من الجَّرائم (م/1/18).
(4) بقية الثَّرثرة التي استغرقت من أ/ نبيل أكثر من نصف مقالته هي محض استعراض لمعلومات عامَّة يمكن الحصول عليها من الانترنت، ومع ذلك ليتها أفادته، فهي، في حقيقتها، خارج موضوعنا، كنوع من لزوم ما لا يلزم، وضرب من التَّزيُّد الذي لا داعي له، والذي لا نرانا محتاجين للتَّعقيب عليه!
(5) أمَّا إذا تبقَّى ما يجب أن نهمس به في أذن أ/ نبيل، فهو أن من العيب جدَّاً ألا يتحلَّى بقدر من التَّواضع المطلوب، فلا يحاول أن يلقي دروساً «أوَّليَّة» في القانون الدَّولي على شخص متخصِّص فيه أكاديميَّاً، وبدرجة علميَّة فوق الجَّامعيَّة، ومتدرِّب عليه، عمليَّاً، في بعض مؤسَّسات المنظَّمة الدَّوليَّة، وفي المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة نفسها، ومشارك به في بعض مؤتمراتها، بل وميسِّر facilitator، بتكليف منها، للكثير من ورش عملها، وبرامج دوراتها التَّدريبيَّة للقانونيِّين، والإعلاميِّين، والنَّاشطين الحقوقيِّين، في السُّودان ومنطقة شرق أفريقيا، وناشر للعديد من الأوراق، والمقالات، والمساهمات العلميَّة في هذا المجال، ويكفي أن نشير لكتابَينا «الحقيقة في دارفور»، و«النِّزاع بين السُّودان والمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة»، وقد صدرت الطبعة الأولى من كليهما عن «مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان»، عام 2006م، يوم لم يكن المستعلون علينا، الآن، ليجرؤوا على تحريك ألسنتهم أو أقلامهم بهذه الأمور، ولقد حالت أجهزة صلاح قوش الأمنيَّة دون توزيع هذين الكتابين في السُّودان، حتَّى تمكَّنت «دار عزَّة للنَّشر بالخرطوم»، مؤخَّراً، وبفضل ثَّورة ديسمبر المجيدة، من إصدار الطبعة الثَّانية من الكتاب الثَّاني، وتتأهَّب، حالياً، لإصدار الطبعة الثَّانية من الكتاب الأوَّل خلال الأيَّام القادمة.
وبعد، يشهد الله، مثلما قد يشهد من لا يكتمون الشَّهادة، ومن يرون الحقَّ حقَّاً فيقدِّرونه حقَّ قدره، بأننا لا نرمي من وراء السَّرد الأخير، إطلاقاً، إلى التَّباهي، لا سمح الله، بعلم أو خبرة عمليَّة في هذا المجال؛ ولو كان هذا هدفنا، لما غاب عن كتاباتنا طوال ما يناهز نصف قرن! غير أنه يصبح، الآن، حقَّاً من حقوقنا، عندما يحاول البعض الاستعلاء ب «أستاذيَّة» غير مستحقَّة له علينا، مع الاعتذار لسائر القرَّاء عن اضطرارنا لذلك، إذ مرغم أخاك لا بطل!!
الأحد
سأل زوج مشاغب زوجته، يريد إغاظتها، والعالم يحتفل بيوم المرأة العالمي في 8 مارس: لماذا خلقت النِّساء في غاية الجَّمال، وفي غاية الغباء؟! فردَّت عليه زوجته الأكثر مشاغبة منه تريد إغاظته بالمقابل: في غاية الجَّمال لتُحبوهنَّ، وفي غاية الغباء ليًحببنكم!
***


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.