عندما كان سعر السلع ثابتا لا تحركه جحافل الجشع كانت البلاد تنعم بالخير الوفير    عبوات معدنية صغيرة .. بقلم: د. أحمد الخميسي    إتفاقية السلام في مهب الريح !! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله    أبوعاقلة أماسا.. فتى الصحافة الرياضية الأبنوسي .. بقلم: محمد الأمين جاموس    كمال الجزولي: روزنامة الأسبوع حِلِيْلْ مُوْسَى! .. بقلم: حِلِيْلْ مُوْسَى!    حمدوك: إجراءات عاجلة لحل أزمة الوقود والكهرباء    ميودراج يسيتش مدربًا للمريخ السوداني    نساء الثورية يستنكرن رفض السيادي استلام مذكرتهن    النيابة العامة ترد على لجنة إزالة التمكين    الاستئنافات: ترفض استئناف الهلال بشأن رمضان وبخيت وود الرشيد    شيء من الهزل: دونالد ترامب .. بقلم: بابكر عباس الأمين    هلال الساحل يخطف صدارة الدوري السوداني    الخبز والثورة: دراسة فى الخبز كمحرك ورمز للثورات الشعبية عبر التاريخ .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعة الخرطوم    فضائيات طبقية ،، بأطباق طائرة! .. بقلم: حسن الجزولي    المحكمة تدعو الشاكي في قضية علي عثمان للمثول أمامها الأحد القادم    الرأسمالية والتقدم على الطريق المسدود .. بقلم: د. صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم    أكاديميون أم دراويش؟ مأساة العلم والعقل النقدي في المناهج السودانية .. بقلم: مجاهد بشير    في "بروست" الرواية السودانية: إبراهيم إسحق .. رحيل شامة أدبية في وجه البلد الذي يحب مبدعيه بطريقة سيئة .. بقلم: غسان علي عثمان    سلافوي جيجك .. كوفيد 19 الذي هز العالم .. بقلم: د. أحمد الخميسي    إحالة 20 دعوى جنائية ضد الدولة للمحكمة    الرئيس الأمريكي بايدن يلغي قرار ترامب بمنع مواطني السودان الفائزين ب(القرين كارد) من دخول أمريكا    شرطة السكة حديد توضح ملابسات حادثة تصادم قطار وشاحنة قلاب عند مدخل الخرطوم    الولايات المتحدة السودانية .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قال : 80% من الشباب يريدون الإغتراب و 20% مغيبين بالمخدرات..شباب وشابات السودان يعيشون حياة رفقة خارج نطاق الشريعة .. المهدي : تغيير النظام أصبح ضرورياً
نشر في الراكوبة يوم 18 - 06 - 2012


بسم الله الرحمن الرحيم
هيئة شئون الأنصار
الاحتفال بالإسراء والمعراج ومولد المهدي وعيد الأسرة السودانية
مساء السبت 16 يونيو 2012م الموافق ليلة 27 رجب 1433ه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أخواني وأخواتي أبنائي وبناتي
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
احتفالنا هذا حول ثلاث مناسبات: الإسراء والمعراج، ومولد الإمام المهدي عليه السلام، وعيد الأسرة السودانية.
بعض الناس يحسبون الديانة هي اتباع المنقول وحده، ولكن ديننا دين اجتهاد مستمر ليس فيه تعطيل الروح ولا العقل ولا التجربة. قال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [1]، وقال: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) [2].
وحديث الرسول: "من َاجْتَهَدَ فأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ واحد".
إذن نحن أتباع ديانة فيها هذه المعاني الحية المستمرة، الموجبة باستمرار للاجتهاد والتدبر. وهذا ما قاله أئمة الاجتهاد في الدين في الماضي. قال الإمام أبو حنيفة: كلامنا هذا رأي فمن كان عنده أحسن منه فليأت به. وقال الإمام أحمد بن حنبل: "لا تقلدني ولا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري وخذ مما أخذنا منه"، أي من الكتاب والسنة. وقال الجوزي: "في التقليد إبطالٌ لمنفعة العقل لأنه خُلق للتدبر والتأمل. قبيحٌ بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلام".
إذن بذهنية الإيمان المبصر سأتحدث لكم عن هذه المناسبات الثلاث:
المناسبة الأولى: الإسراء والمعراج
الاعتقاد بالإسراء والمعراج واجب، ولكن الكيفية هي التي يدخل فيها اجتهاد. قال كثيرون كان الإسراء والمعراج بالجسد وفي اليقظة، وقال آخرون منهم السيدة عائشة والحسن البصري وابن اسحق إنه كان بالروح وفي المنام، ورؤيا الأنبياء وحيٌ.
تأملت سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنني اعتقد أن سيرته إحدى وسائل الدعوة للإسلام، فالسيرة النبوية سجل لدعوة للإسلام تزيد مع الأيام وتستقطب الناس مع الدهور.
هناك مناهج كثيرة في كتابة السيرة النبوية:
- النهج العجائبي: في سيرته نهج عجائبي متأثر بسيرة عيسى عليه السلام معانيه تنفي البشرية، هذا النهج مجاراة لسيرة عيسى عليه السلام المبنية على ما كان في حياته كلها في مولده وفي سلوكه كله من معجزات، سيرة عيسى كان فيها هذا المعنى وفيها ما يختلف من البشرية لأن مولده كان مختلفا.
- وهناك نهج عسكري: نجده في التوراة يتحدث عن إله الجنود الذي كان يتقدم بني اسرائيل في حركاتهم وفي فتوحاتهم. وكانت أعمالهم كما سجلت في التوراة قائمة على إنجازٍ بالبأس العسكري.
ولكن بالنسبة لنا صحيح بعض الناس مجاراة لسيرة عيسى عليه السلام، ومجاراة لسيرة رب الجنود، طبعوا سيرة محمد صلى الله عليه وسلم بأشياءٍ ليست منها. محمد صلى الله عليه وسلم كان بشرا كامل البشرية: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [3]. وأسلوب المعجزات التي صحبت الأنبياء السابقين أسلوبٌ عدل عنه القرآن (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ) [4].
وأسلوب الاتصال الرباني أحكمه القرآن بآية واضحة المعالم: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) [5]. الكيفية التي يتصل بها الله سبحانه وتعالى مع أنبيائه والمرسلين تقع في محكم هذه الآية وهذه الوسائل.
أما عسكرة السيرة والتي بموجبها سموها المغازي، فهي تسمية قياسا على رب الجنود، وليست قياسا على سيرة محمد صلى الله عليه وسلم. لقد قرأت كتابا كاتبه اسمه علي العلواني يقول هذا الكاتب: إن الإسلام قد انتشر بالسيف ومن يقول غير ذلك إنما ينكر فضل الجهاد. وهذا يخالف الحقيقة. نعم وقع قتالٌ ولكن قتالنا كمسلمين قائم على الدفاع وليس على فرض الدين لأن موقفنا واضح (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [6]. وأما هذا المعنى الدفاعي: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [7]، أو الآية الواضحة في نفس سورة التوبة التي حاولوا أن يقولوا إن فيها آيات السيف وقد شرحت هذا الموضوع في مجال آخر عن الجهاد والقتال في الإسلام (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [8]؟
نحن دعوتنا دعوة بالحسنى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [9]. وفي ديننا معجزات ولكن ليست تلك التي تنتهي بوقتها، وإنما التي تكون مستمرة إلى يومنا هذا وبعد يومنا هذا، تكون قائمة في عهد محمد صلى الله عليه وسلم، وفي عهدنا هذا وفي كل العهود. هذه المعجزات الدائمة هي:
أولها أن محمد صلى الله عليه وسلم إنسان عادي من شباب مكة فيه ما فيه من الفضائل ولكن لا يوحي سلوكه أصلا بشيء غريب أو شاذ (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)؟ [10] كنت معكم عمرا طويلا حتى الأربعين، وبعدها حصل التغيير، هذا التغيير المفاجئ مع الوحي هو المعجزة الأولى.
المعجزة الثانية أنه أمي وأتى بمعارف واسعة، وهذه معجزة لأن الناس كانوا يعرفونه ويختلطون معه، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
المعجزة الثالثة هي الكتاب. العرب تعرف الشعر والنثر وتعرف أساليب مختلفة في الكتابة والخطابة أما هذا القرآن فأسلوب مختلف: فيه علوية، فيه تفخيم، فيه كلام واضح أنه آتٍ من علٍ. فإذن هو أسلوب فريد يختلف في تفرده من كل النصوص الموجودة في الأدب العربي ولذلك تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله وكان ما كان من عجزهم. وقد انفرد بأنه محفوظ.
وهناك مبدأان غير موجودين في كل الملل السابقة، وهما يؤكدان هذا التفرد والإعجاز: التوحيد الخالص، ووحدة الإنسانية أو البشرية الواحدة. عند بني إسرائيل، الديانة القديمة الواردة في التوراة، نظرة للإنسانية عنصرية تفرق بين آدم وحواء بذكوريةٍ تجعل حواء في دونية من آدم، وحتى الحيض بنظرهم هو عقابٌ لها لأنها أخرجت آدم من الجنة، وكل تصرفاتهم نحوها، ورؤاهم حولها تجعل من حواء دون آدم في الإنسانية، ثم هناك دونية عنصرية: السامي والحامي واليافثي وهؤلاء ولدوا شعوبا وعشائر مختلفة في القيمة وفي الأفضلية. هم إذن لديهم نظرة للإنسان تفرق بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانية، وتفرق بين الناس أنفسهم فيما يتعلق بالفرق بين السامي والحامي واليافثي. الإسلام ليس فيه ذلك، محا هذه التفرقة: "النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ" [11] و(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [12]. لا خلاف في الإسلام على أساس سام وحام ويافث، وكل الناس أبناء آدم وهو من تراب: وحدة الإنسانية، بين الذكر والأنثى، وبين العناصر المختلفة ألوانها على أساس التبعية لآدم عليه السلام أب الجميع. هذه مسألة مهمة جدا يجب أن ندركها وندرك أن من معجزاته الإسلام الخالدة أنه في ذلك لزمن القائم على التفرقة بين الرجل والمرأة وبين الناس على أساس ألوانهم وشعوبهم أتى بمبدأ وحدة الانسانية وأن الناس كلهم في هذه الوحدة، هذه طفرة وثورة تاريخية كبرى وهي معجزة في ذلك الزمن الذي قامت فيه هذه التفرقة بين الرجل والمرأة والتفرقة بين الناس حسب ألوانهم وشعوبهم. والمبدأ الثاني هو المبدأ التوحيدي لأن التوحيد الموجود في كتب بني إسرائيل والإنجيل توحيد مشوب، فعند بني إسرائيل أن الإله لديه علاقة خاصة بهم دون الخلق، وهذا ينفي مبدأ التوحيد فولاا، لأن التوحيد هو لرب العالمين كلهم وليس لفصيل معين في العالم، وأما فيما يتعلق بالمسيحية فأيضا هناك شبهات حول التوحيد، لذلك كانت المعجزة الخالدة في دعوة محمد صلى الله عليه وسلم هي هذا التوحيد الخالص الذي ليس فيه تمييز بين البشر ولا شك في وحدة هذا الإله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [13].
ومن أهم الأشياء التي أيضا بالنسبة لهذا التاريخ تدل على معجزة أنه في ذلك الزمن أعلى شأن العقل وجعله نبراسا يهتدي به الناس ويؤمنون بذلك بالعطاء الإنساني، وكما قال البوصيري:
لَمْ يَمْتَحِنَّا بِمَا تَعْيَ الْعُقُولُ بِهِ حِرْصًا عَلَينَا فَلَمْ نَرْتَبْ وَلَمْ نَهِمِ
كذلك في الإسلام إشادة وتركيز على العطاء الإنساني. وأن الإنسان ليس مجرد متلق للهداية ولكن أيضا مساهم مساهمة كبيرة لأن الإنسان مطلوب منه أن يكتشف سنن العالم وسنن الخلق وسنن الكون. الغربيون وغيرهم من البشر اكتشفوا هذه السنن وهم الآن يسيطرون بها على العالم، فالكهرباء والطاقة والتكنلوجيا هذه كلها معتمدة على اكتشاف سنن الكون، وقد استطاعوا أن يكتشفوها، وهي متاحة للبشرية كلها لأن العقل موجود للإنسانية كلها، ولأننا يجب أن ندرك أن سنن الكون هذه حقائق (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ) [14]. اكتشاف هذه السنن يمكّن الإنسان من استخدام هذه السنن بالتكنولوجيا في تسخيرها لمصلحة الإنسان والطبيعة.
وفي هذا تسليم بالتجربة الإنسانية (وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) [15].
كذلك الإنسان بالإضافة إلى العقل عنده الإلهام:
الألْمَعِيَّ الذي يَريك الرأي كان قَدْ رَأى وَقدْ سَمِعَا
كثير من الناس يغالطون في أن الإنسان فيه هذه القدرات وهي موجودة فيه لأن الإنسان نفسه: (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) [16] أي سواه ربنا سبحانه وتعالى ونفخ فيه من روحه. نحن إذن فينا هذا القبس الروحي، البشرية كلها فيها هذا القبس (اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) [17].
كل إنسان عنده استعداد لهذه النورانية وهذه الرحمانية ولديه استعداد لتجاوز قدراته هذه إلهاما وكما قال الإمام الغزالي: فمن لم يرزق شيئا بالذوق فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم. لأننا اذا لم ندرك أن الإنسان فيه مبشرات، ورؤية صادقة، وحدس سليم، وصفاء روحي، إذا لم ندرك هذه المعاني فلن نفهم النبوة لأن النبوة أصلا شيء مضاعف أضعافا مضاعفة من هذا الاستعداد الروحي الموجود في بني آدم.
ولذلك صارت هناك ضرورة للناس أن يميزوا مثلما يجب أن نميز بين العقلاء والعلماء بالشهادات وغيرها، لا بد أن نبحث أين هي المقاييس التي نعرف بها التمييز بين الناس في الصلاح وهي أيضا مسألة مهمة:
اتهام النفس: أهم دليل على أن الإنسان فيه هذا القبس هي أن الإنسان يتهم نفسه لأن الكبرياء كما جاء في الحديث القدسي "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي رِدَائِي قَصَمْتُهُ" [18]. فلا بد أن الإنسان يتهم نفسه مهما كانت له من قدرات كما قال الصالح: لقد أصبح بي من نعم الله ما لا أحصيه من كثرة ما أعصيه فلا أدري أشكر على الشر الذي ستر أم على الخير الذي نشر. ولنا في الراتب هذه المعاني وافرة: اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا استوجبه مما قصرت فيه، أدعوك آمنا وأسألك مستأنسا فإنك المحسن إلي وأنا المسيئ إلى نفسي فيما بيني وبينك، تتودد إلي بنعمك وأتبغض إليك بالمعاصي، ولكن الثقة بك حملتني على الجراءة عليك فعد بفضلك وإحسانك عليّ إنك أنت التواب الرحيم. معنى اتهام النفس هذا "دبورة" من "دبورات" الصلاح.
- دبورة ثانية: التواضع:
تطمعُ أنْ تَرى بِعَيْنكَ لَيلَى؟! مُتْ بِداءِ المَطامِعِ
وكما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: " أفضَلِ العبادةِ التواضع" ومثلما جاء في كلام الإمام المهدي: الارتفاع بالاتضاع.
- علامة ثالثة: أن يكون باطنه خير من ظاهره.
ولكن الإنسان بعد هذا كله (العقل والإلهام والتجربة) محدود، أي إنسان يدعي أنه مع كل هذه العظمة الإنسانية أنه مستكفٍ فهذا خاطئ، لأن هناك غيبا وهذا هو الفرق بيننا وبين علمانيين. يمكن لعلمانيين لا يؤمنون بالغيب أن يوافقونا في كل هذا الكلام لكنهم يختلفون معنا في مسالة الغيب (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) [19]. مهما كانت قدراتنا وتحصيلنا نفتقر إلى معلومات عن الغيب (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ) [20] وغير هذا من المعارف المتعلقة بكيف بدأ الكون وكيف ينتهي وكيف نشأ الإنسان كل هذه المعاني غيبية ونحن فيها نصدق فحسب، إذن التصديق بالغيب واجب يختلف فيه علمانيون [1] مع المؤمنين لكن يمكن أن يتفقوا معنا في قدرات الإنسان العقلية وغيرها.
لقد تأملت حجج وبراهين الذين آمنوا بالإسلام من إنجليز وأمريكان وفرنساويين وألمان لماذا أمنوا بالإسلام؟ فوجدت أن المعجزات الدائمة التي أشرت لها هي الأسباب التي جعلتهم يؤمنون بالاسلام وطبعا هذا هو سلاحنا في معركة مستقبل الإسلام.
نحن اليوم أي المسلمين 20% من البشرية وهذا الدين عالمي يجب أن نطمع أن نجعله دين الإنسانية، وبالمعجزات المستمرة المذكورة هو مؤهل لذلك.
كذلك هذه المعاني هي ذخيرتنا في معركة الصحوة الإسلامية لأن الآن الشارع في البلدان العربية متجه نحو الإسلام، ولكن أي إسلام؟ ليس الذي يقوم على امتهان كرامة الإنسان، أو عدالة الإنسان، أو حرية الإنسان، أو غيرها من الأشياء التي يرفع بعض الناس شعارات الدين ويناقضون بها هذه المعاني. الدين لا يكون خصما على حقوق الإنسان في الحرية والكرامة والعدالة، بل هو الضامن لحقوق الإنسان في الحرية والكرامة والعدالة. وهذا المعنى الذي به يمكن للإسلام الآن أن يوجّه به الفجر الجديد في العالم العربي، فهناك أشواق إسلامية ولكنها يجب أن تُسلّح بهذه المعاني، وأن ننفي عن الدين الذين يتطلعون للكلام عن الدين ويناقضون معانيه كما حصل في التجربة السودانية، فالتجربة السودانية فيها تناقض مع هذه الحقوق التي يكفلها الإسلام وهذه المعاني العظيمة.
إذن نحن محتاجون أن نزود أنفسنا بسيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه المعاني فيها تشكل سلاحا قويا لجعل التوجه الإسلامي في بلداننا في طريقٍ صحيح، وللقيام بالعمل المطلوب حتماً لجعل الفجر الجديد في منطقتنا فجراً إسلاميا بمعان اجتهادية تؤكد أن الاسلام لا ينفي بل يضمن كرامة الإنسان وحقوقه وحريته والعدالة.
المناسبة الثانية: ميلاد المهدي
المهدية فيها عشر مدارس، لديها ما لديها من توجهات حول المهدية، وللإمام المهدي مدرسة خاصة. المسلمون اليوم بليون ونصف، نحن الأنصار على أحسن الأرقام الموجودة 15 مليون في السودان وغيره من البلدان، إذن نحن 1% من الكون الإسلامي. كيف نخاطب البقية هؤلاء ولا بد أن نخاطبهم لأن الدعوة ليست واقفة في حدود السودان ولا في تاريخ السودان بل هي دعوة لإحياء الدين كل الدين.
نحن إذن 1% من المسلمين في العالم، ومطالبون بالدعوة لهم جميعا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ) [21].
من المسلمين شيعة يعتقدون أن المهدي إمام غاب منذ 13 قرنا وسيأتي هو نفسه، هؤلاء يمثلون نحو 10 إلى 20% من الجسم الإسلامي كيف نخاطبهم؟ آخرون لديهم عدم تصديق أصلا بالمهدية، كابن خلدون وكتاب حديثين كأحمد أمين.
وهناك آخرون من أهل السنة ممن يعتقدون أن المهدية تأتي في آخر الزمان.
كيف نخاطب هؤلاء: من يرفضون المهدية، ومن يعتقدون المهدي إمام غاب وسيأتي، ومن يعتقدون أنها في آخر الزمان؟ لا بد أن نخاطبهم ولا نستطيع أن نقول لا يعنينا أمرهم لأننا سنكون حينها جماعة 1% لا تستطيع مخاطبة ال99%.
الكلام عن مهدية تأتي آخر الزمان دعوة لا بد أن نقول إنها تتناقض مع مفاهيم في الإسلام لأن ربنا يقول (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ) [22] ويقول (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) [23].
دعوة الإمام المهدي دعوة وظيفية تقوم بوظيفة إحياء الدين، وليست مرتبطة بنسب معين ولا مرتبطة بزمن معين، فلا توقيت ولا حصر في التشخيص، وبهذه الصورة لا خلاف عليها. لأنه جاء بدعوة لإحياء الدين بدون توقيت ولا سلسلة نسب معينة، ووظيفة إحياء الدين وظيفة موجودة في كتاب الله بوضوح تام وقوة شديدة (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) [24]. وقال (فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ) [25] وقال (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) [26].
هنا خطاب محدد بواجبية إحياء الدين. والأمر لا يقتصر على هذه واجبية إحياء الدين، فهناك واقع يتطلب دعوة مهدية لأن كثيرين أوردوا أحاديث واتبعوا سنن فيها إيجاب الاستسلام على المسلمين، روى البخاري عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: "أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ الْحَجَّاجِ فَقَالَ اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ". يعني سلموا بالحجاجين. قال عمر بن العزيز رضي الله عنه: لو أتينا بين الخلق كلهم يوم القيام بفراعينهم وأتينا بالحجاج لتفوقنا عليهم بحجاجنا، يعني أنه سوبر فرعون، أي طغيان مغلظ. وحديث البخاري عن أنس معناه أن نستسلم للفراعين.
ومقولة ابن حجر العسقلاني إن الجمهور أفتوا بطاعة المتغلب، وهذا يعني الاستسلام للطغيان.
وكذلك الاستسلام للتقليد كما جاء في جوهرة التوحيد:
ومالكٌ وسَائرُ الأئِمَّة وأبو القاسمْ هُداةُ الأمَّة
فواجبٌ تَقليدُ حَبْرٍ مِنهُمُ كَذَا قَضَى القَوْمُ بِقَولٍ يُفْهَمُ
محتاجون إذن لشخص، لجهة، لداعية، يزيل هذا الاستسلام للتقليد وهذا الإذعان للاستبداد.
تصدى لذلك شخص معروف بالصدق في أقواله وأفعاله بإلهام وببرنامج يلبي المطلوب: إحياء الدين وإلغاء التقليد، وتوحيد الأمة وتحريرها من الهيمنة الخارجية، وقال إني خوطبت بإحياء الكتاب والسنة المقبورين حتى يستقيما. أي أنه يتكلم عن وظيفة إحياء الدين وهي الوظيفة التي سماها الخلافة المصطفوية لأنها تلحق بعهد الرسول صلى الله عليه وسلم وتسقط ما سوى ذلك.
جاء ببرنامج محدد جدا، يحتاج لإنسان مؤهل ليس فقط بفكره كمجتهد بل مؤهل أيضا بوظيفته كمخاطَب خطابا صدقوه آخرون معه، ولكن هذا الخطاب كما قال: ما جئتكم به إن وجدتوه مخالفا للكتاب والسنة فاضربوا به عرض الحائط. أي أنني لم آتكم بشيء من عندي بل لإحياء هذا الدين.
كذلك جاء بمعان كلها مقبولة عقليا:
- توحيد الأمة من غانا إلى فرغانة.
- تحريرها من الهيمنة الأجنبية.
- هذا البرنامج قوبل باقتناع لدى كثير من غير الأنصار وهي المعاني التي ينبغي أن نخاطب بها كأنصار الآخرين. قال أحمد العوام في رسالة العوام التي كتبها في الخرطوم واطلع الإمام المهدي عليها وأمر بطباعتها وطبعت بمطبعة الحجر في المهدية، قال لدينا إنسان قام بهذا العمل وهي وظيفة نحن نريدها ونؤيده لقيامه بهذه الوظيفة، ونفس الشيء جاء في العروة الوثقى التي كان يصدرها الإمامان (جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده)، ونفس الكلام قال به سعد محمد حسن، وعبد الودود إبراهيم شلبي في كتابه الذي قال فيه عن الدعوة المهدية إنها جسدت كل تطلعات أهل القبلة في زمانها.
- وجاء بتعاليم لا خلاف على جدواها:
o الالتزام بالكتاب والسنة.
o شرعية الحركة: لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال.
o الجهاد الدفاعي والهجومي بمعنى البلاغ.
o أن للأحكام أغوارا روحية.
o أن القيادة وظيفة: من تقلد بقلائد الدين ومالت إليه قلوب المؤمنين، لا نسب ولا حسب ولا ادعاء.
بهذا المنطق يكون لدعوة الإمام المهدي دورها في الإحياء الإسلامي، ويكون لنا نحن حجة نتحدث مع الآخرين بهذه المهدية الوظيفية المميزة من مهدية تأتي آخر الزمان، أو مهدية مرتبطة بسلسلة نسبية معينة. وهذه الوظيفية في معرض حديثٍ في ندوة حضرها ناس من السنة والشيعة والصوفية قلت لهم دعونا نتفق على برنامج الإحياء، كلٌ يعتقد ما يشاء، ولكن الاتفاق على مبدأ برنامج الإحياء هي الوظيفة التي ركزت عليها دعوتنا ونحن من هذا المنطلق نخاطب أهل القبلة أجمعين: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) [27] فيما يتعلق بالإحياء الإسلامي.
المناسبة الثالثة: عيد الأسرة السودانية
كما هو معروف فإن الزواج جزء من تكريم الإنسان لأن الطبيعة كلها: قطط وكلاب خيل، حمير، وبقر كلها تتوالد على الشيوع، إلا الإنسانية لذلك صار جزء من هذا التكريم للإنسان أن يولد ضمن هذه الأسرة وعبر الزواج. وهو من كرامة الإنسان (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي) [28].
لكن لا شك أن هذه الشعيرة وهذه العلاقة واجهت صعوبات. في المهدية كانت هناك تعليمات واضحة: الصرف على مناسبات الزواج يجب أن يكون محدوداً ولا يزيد وأية زيادة في هذا الصرف سفه يعاقب عليها الناس، كما قال الراجز:
المهدي جا من دنقلا
قال الفتاة بي فد ريال
والعزبا بالفاتحة
وفي عصرنا هذا قام الامام عبد الرحمن المهدي بإصلاح أساسيٍ في هذا الموضوع وكان هناك زواج "الكورة" إلى آخر هذه المعاني:
ود المهدي ينصلح
الضوقنا بوخة الطلح
لكن الآن الموضوع مختلف. نحن كأنصار نعقد بعقد محدود، ولكن الثقافة فرضت على زواجاتنا فرضاً جعل الزواج مستحيلاً. هناك ثقافة شائعة في المجتمع جعلت ما نعمله معلّق في الهواء وما يعمل في الواقع يصرف أموالا طائللة، ونتيجة لذلك لا يوجد زواج. تقديرنا أن 25% من الشباب في سن 18-40 هم الذين يتزوجون، أي الربع، وحتى الذين يتزوجون هناك مشاكل وضغوط اقتصادية لأن كثيراً جداً من الذين يتزوجون أولئك مهما كان مستواهم فإنهم يدفعون مبالغ 10 مليون أو 15 مليون يستلفونها وبعد أن يتزوجوا يبحثون كيف يسددونها فيأتي الإعسار وبعدها الطلاق للإعسار، صارت هناك مشكلة حقيقية إن مجتمعا الآن ينتحر لأن أغلبية شبابنا لا يتزوجون، وبسيط من الذين يتزوجون يبقى الزواج، وهذه صارت مشكلة خطيرة جدا. ماذا نعمل؟ الوسائل القديمة لم تعد ممكنة، لا بد من أسلوب جديد، نقترح في هيئة شئون الأنصار- وسندرس هذا الموضوع - صيغة للزواج الميسر، تنفي كثيرا جدا من المطالب والمطلوبات. هذا الموضوع لدينا فيه ورقة سنناقشها. ولكن طبعا هذا وحده لا يكفي حتى لو أنجزنا الزواج الميسر. ولا بد من عمله، لأنه للأسف كثير من الشبان والشابات إلى درجة كبيرة يعيشون مع بعض حياة رفقة خارج إطارالشريعة، وهذا موضوع مهم جداً لا يمكن نغمض أعيننا ونقول إنه غير موجود، بل هو موجود، وهو موضوع لا يمكن أن نتركه، وهو لا يوقف فقط بالقانون. هذا موضوع تربية وثقافة وحل للمشكلات.
نحن محتاجون لهجمة ضد ممارسات الزواج الموجودة وأيضا هجمة ضد العطالة. الآن لدينا حوالي 40% عطالى، لدينا مليون خريج وخريجة عطالى. كيف ذلك؟ هذا موضوع مهم لا بد نجد طريقة كل الشباب هؤلاء ييسر لهم عن طريق التمويل الأصغر وسائل يستطيعون يعيشون بها وليس وظيفة بل وسائل تمويلية ليعيشون بها.
كذلك لا بد من مخرج لمشكلة السكن. حتى الذين يتزوجون أين يسكنوا؟ هذه أيضا قضية مهمة. محتاجون فيها لهجمة ممكن تؤدي أن يقال كل الأرض تخطط ويقال للناس تعالوا نحن لن نعطيكم كل الخدمات ولكن تعالوا وكل يرى كيف يبني أرضه بقطية أو غيرها.
محتاجون إذن لهجمة ثلاثية على العطالة وندرة السكن وتكاليف الزواج، وهي هجمات مطلوبة وإلا المجتمع يضيع، ولا نستطيع نقول نيسر الزواج فقط، فهو لا يكفي لا بد من الهجمة الثلاثية وإلا فإن مجتمعنا ينتحر ويضيع، والآن دلائل الانتحار واضحة:
- نسبة الزواج متدنية. ونسبة الطلاق عالية. والعنف الأسري شائع.
- الشباب في حالة ضياع: هناك دراسة وجدت أن 80% من الشباب يريدون أن يخرجوا من السودان "يمرقوا من الجنة وسقطها" تطلعاتهم صارت أنهم يريدون الخروج- وهروب آخر عن طريق المخدرات التي انتشرت الآن وسط الشباب. فصار لدينا هروب جغرافيا من السودان، وهروب من الواقع نفسيا عن طريق المخدرات.
إذن نحن لدينا مشكلة حقيقية شباب يعيش خارج إطار الشريعة، وهروب إلى خارج السودان بلا رجعة، وهروب من نفس الإنسان عن طريق المخدرات، وهي مشاكل إذا لم تحلها جهات كهيئة شئون الأنصار والجهات المعنية لا حل لها. وهذا يعني أننا لا بد أن نقوم بهذا العمل ذي الهجمات الثلاثية: على العزوبية وعلى مسألة العطالة، وعلى مسألة السكن. أما الهجمة على العزوبية فالحل هو الزواج الميسر بديلا للعلاقات غير الشرعية. ما هي تفاصيله؟ المهم عقد وشهود وتعطيل الشروط الأخرى. المؤتمر القادم الذي تزمعه هيئة شئون الأنصار سوف يحدد الشكل المطلوب لأن الوقوف موقف المتفرج مع العلم بأن نسبة كبيرة استصحبت الطريقة الغربية تعايش مع الرذيلة والهلاك.
كيف يكون هذا؟ هي قضية سياسية. ونحن نقول بوضوح تام الوضع الحالي غير صالح أن يستمر ولا بد من أن يتغير. هذه المعاني كلها تعني أننا يجب أن نتطلع لوضع جديد وهذا بالطبع موضوع سياسي نتكلم عنه في مجال آخر.
وفي ختام حديثي هذا أريد أن أقول:
أولا: أتمنى تمنيات طيبة لأهلنا في مصر وهم يواجهون الآن محنة كبيرة حول انتخاب رئيس، وهناك خلاف وانقسام. كنا نريد أن نذهب ونقول لهم أيا كان الخلاف والانقسام دعوا كل واحد من المرشحين يتفقون على ضمانة للشعب المصري، وذلك لتأكيد أنه أيا كانت النتيجة، فإن كل من ينتصر يلتزم بهذه الضمانة وهذا المشروع، وما زلنا إن شاء الله بعد انتهاء الانتخابات سوف نذهب لنخاطبهم لأنه يهمنا جدا أمر مصر وأهلنا في مصر هم حقيقة أهلنا، ونحن نتطلع لأن يخرجوا من هذه المحن، وأن يمارسوا ديمقراطية ترضي الشعب وتحقق تطلعاته، ويكون لها أثر إيجابي عندنا أيضا لأن ما يحدث في مصر مهم جدا لما يحدث في السودان، وقد حصل تأسٍ بأشياء سيئة ينبغي أن نتطلع لتأسٍ بأشياء طيبة إن شاء الله. أطيب التمنيات لأهلنا في مصر أن يواجهوا قدرهم وأن يثبّتوا ديمقراطية ناجحة تحقق مطالب الشعب في الكرامة والحرية والمعيشة والعدالة والمرجعية الإسلامية الصحيحة.
ثانيا: كذلك لا يفوتني في النهاية أن أعزي خادم الحرمين وأسرة آل سعود والقيادة السعودية وكافة أهلنا في السعودية في وفاة طيب الذكر المرحوم الأمير ولي العهد نايف الذي انتقل إلى رحمة مولاه مؤخرا، نسأل الله سبحانه وتعالى له الرحمة ولأهله أجمعين حسن العزاء، وطبعا نحن جيران حتى وإن فصل بيننا البحر الأحمر، وكذلك هم يحكمون بلادا فيها قبلتنا، قبلة المسلمين والحرمين. فنسأل الله سبحانه وتعالى له الرحمة الواسعة وحسن العزاء لهم حكومة وشعبا أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملحوظة: ألقيت الكلمة شفاهة وتم تفريغها من قبل المكتب الخاص للإمام الصادق المهدي من تسجيل الفيديو.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.