والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اللهم ارنا الحق حقاً والباطل باطلاً!
نشر في الصحافة يوم 12 - 01 - 2012

لا شك أنه تقع على من يطرح نفسه لمهمة التواصل مع الرأي العام عبر الكتابة في الصحف أو سواها من وسائل الاتصال، مسؤولية عظمى. وسواء جهل أم علم يسهم عبر ما يجهر به من رأي سلبا أو إيجابا على عدد من الناس قلوا أو كثروا، فلهم حقوق تجب مراعاتها، ومن تلك الحقوق على سبيل المثال: خطاب يحترم العقول، ويحاول إعطاء الأمل. ومن باب احترام العقول تقديم الحجج المنطقية وعدم الاستخفاف بذكاء القراء أو المستمعين. أما إعطاء الأمل فذاك لا يعني بيع الوهم، بل تحليل الواقع بموضوعية لا تتدثر بالنظرات السوداء والتشاؤمية لكيلا تنسد منافذ الأمل وتنغلق «مسارب الضي» في وجه من نخاطبهم ونوجه رسائلنا لهم فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل..
وفي الحقيقة أن كل رسالة للتغيير لا تتضمن مثل تلك الكوة التي تسمح بمقدار من جرعات الأمل في المستقبل لا تجد القبول، فالناس ساعون بفطرتهم للمحافظة على بقائهم وهم لذلك يقاومون كل من، أو ما، يحرمهم من العيش، ولا عيش دون أمل.
في يوم الخميس الماضي الموافق 5 يناير 2011م كتب د. خالد التيجاني النور الكاتب القدير في عموده المقروء الموسوم «نص رأي» في صحيفة الصحافة تحت عنوان: 56 عاماً من التيه.. ألا تكفي؟
وقد طرح د. التيجاني رؤى رأيت فيها مجافاة لبعض ما جاء في المقدمة التي أوردتها هنا، مما سأشرحه تفصيلا إضافة لما رأيت فيه بعض مغالطات عن الواقع السياسي السوداني.
ربما يجدر بي التحبير قبل الشروع في تلك المهمة الثقيلة على نفسي نوعا ما، ذلك أن دكتور التيجاني ليس ممن يسعى الناس لمخالفتهم، فهو من كتاب الرأي المدافعين عن الحق الداعين للخير: إن تعقيبي على المقال المذكور ليس مقصوداً منه التقليل من قيمة ما جاء فيه بأي وجه، بل على العكس تماماً فقد انبريت لمناقشة ما ورد فيه من رأي، من باب إكباري لما كُتب وللكاتب، ولخطورة وقع رأي مثله، على كثير من النفوس المشرئبة للخلاص في هذا الوقت المأزوم من عمر الوطن والظروف التي نمر بها جميعاً: فواقع حالنا كغريق يتعلق بقشة لتنقذه.. لذلك نجد أن كثيراً من الناس يستنجد بآراء من يثق بهم من قادة الرأي العام من خلال المنابر المختلفة و «الصحافة» جزء منها استعانة بتلك الآراء لكي تفسر لهم بعض الألغاز التي تحيط بعوالمهم دون أن يجدوا وقتاً للبحث وراءها مع مشغوليات الحياة ومطلوباتها المستغرقة، فيكتفون بتحليلات الثقاة من كتاب الرأي، وطمعاً كذلك في بعض المنافذ والمتنفسات والخيارات التي تجعل الحياة محتملة وممكنة.
يقول د. خالد التيجاني في المقال المذكور ما ملخصه: إن الواقع الأليم الذي تشكل بعد انفصال الجنوب كان يستلزم إدراكه بوعي من جانب الحكومة والمعارضة، ومن ثم التعامل معه بمقدار عِظم حجمه وعلى قدر ألمه. وما يراه هو أن الحكومة وكذلك المعارضة، لم تتعاملا مع الحدث بالقدر المطلوب من الاهتمام، واقتصر همهما واهتمامهما على لعبة الكراسي والصراع على السلطة.
ويخلص د. التيجاني إلى أنه والحال كذلك، سيكون من الوهم الاعتماد على تلك الأحزاب التي تحمل لافتات المعارضة لتقدم لنا الحلول، خاصة أنه لا يجد اختلافا يذكر في ما بين نظم الحكم في السودان منذ 56 «سواء التي نعتت بالشمولية أو تلك الموصوفة بالديمقراطية» لكي ينتظر الخلاص على أيدي أحزابها، وبكلماته النصية يقول: «إن العقلية ذاتها تتشكل بأزياء متعددة ترتدي مرة لبوساً عسكرياً وتتعمم في أخرى» في سياق نفيه التام لوجود ما يسمى الدورة الخبيثة بين شمولية وديمقراطية فالكل عنده في الهوى سواء».
وفي حقيقة الأمر فقد رأيت في هذا الطرح شططاً قضى بالمرة على كل أمل في التغيير! وربما يكون من الأساسيات التي بات الناس عليها شبه متفقون: أنه لا إصلاح دون ديمقراطية برفقة صويحباتها: المشاركة، الشفافية، المحاسبية وسيادة حكم القانون من مواصفات الحكم الرشيد، كما أنه لم ينم إلى علمنا أن هناك طريقاً مطروقاً إلى تلك الديمقراطية المنشودة من غير الأحزاب التي هي لبنات البناء الديمقراطي الأولى. والتجارب أمامنا تذكرنا بأن وجود الأحزاب قد لعب دوراً فارقاً بالنسبة لتجربة مصر الثورية التي تفجرت في زمان الربيع العربي مقارنة بثورة الياسمين في تونس : فرغم التشابه بين البلدين في مواصفات من فجروا الثورة في البلدين وهم الشباب قادة ذلك التغيير، ورغم التطابق في الوسائل والآليات التي أديرت ونظمت بها أحداث الثورة في البلدين من انترنت وغيرها من وسائل الاتصال، لكن تونس تفوقت على مصر بوجود أحزاب أكثر جاهزيةً كانت قد سبقت حدث الثورة بسنوات، وعمدت إلى ترتيب أمرها والتنسيق فيما بينها على ثوابت ومواثيق ناقشتها ملياً واتفقت عليها، فتراضت على تنازلات تخصم من حصصها الحزبية لتصب في صالح تونس الدولة بما رأيناه من تواثقات الإسلاميين والليبراليين التونيسين، لذلك مضت تونس في مشوارها الثوري بصورة أكثر سلاسة حتى بلوغها مرحلة الانتخابات وما تبعها من ترتيبات، وكان كل المشهد التونسي يطمئن إلى المستقبل أكثر، بينما نجد أن مصر لم تزل تتعثر خطواتها بسبب أن من قادوا التغيير فيها وهم الشباب لا خبرة لهم، وقد عملوا على التغيير دون أن يفكروا في ماذا إن حدث؟ ومن كان عليهم إدارة الأمر من الأحزاب المصرية، لم يفعلوا ما فعلته أحزاب تونس بسبب غياب الجاهزية. فتركت إدارة الأمر لمن حضر، وقد كان الإسلاميون هم الأكثر جاهزيةً بسبب صمودهم على قهر الدولة المصرية وتقوقعهم في أشكال مختلفة حفظ بها عظم حزبهم. ولأن هناك آخرين يرون الأشياء بصورة مغايرة لكن ينقصهم عدم النضج الكافي لمنافسة حزب الإسلاميين في مصر، حدث جدل مرهق بين من زرع ومن حصد! ومازال الصراع محتدماً في الساحة المصرية، ولكنهم وقد حققوا بعض أهدافهم وحصلوا على الحرية، سيصلون الى مبتغاهم إن شاء الله إن تمكنوا من إرساء أسس سليمة، عندها سيأخذ جنين الديمقراطية زمنه للتخلق ليكون بشراً سوياً، فأول الغيث قطرة!
نزعم أن أحزابنا الوطنية السودانية تتمتع بالقدر الكافي من النضج والتجربة التي تحصننا من الفوضى وتمكنها من ملء الفراغ الذي تحدثه الثورات. وقد حدث هذا مرتين في تاريخنا المنظور، فقد استطاعت الأحزاب السودانية إدارة التفجر البركاني الجماهيري في أكتوبر 64 وفي ابريل 85 بنجاح أبلغنا الانتخابات وتشكيل الحكومات وإدارة الأمر لبعض الوقت، حتى تغول العسكر بعد أعوام قليلة في كل مرة مجهضاً ذلك الحلم دون رحمة.
مع ذلك، يجب ألا ندفن رؤوسنا في الرمال لندعي أن الأحزاب السودانية في أفضل حال «وأتحدث هنا عن الأحزاب الحقيقية وليس الأحزاب صنيعة السلطة مثل المؤتمر الوطني وجوقته من الأحزاب صنيعة المؤتمر الوطني: فتلك نمور من ورق تنقصها مواصفات الحزب السياسي بصورة مخلة حتى غدت أسماء على غير مسميات». وليس خافياً أن الجميع يعلمون المشكلات «المتلتلة» التي تحيط بكل الأحزاب السودانية بدرجات متفاوتة وكل حسب حالته، ولكننا لا نريد أن نغمط تلك الأحزاب حقها: فقد صمدت في زمن المحنة رغم الضغوط وأبقت على قرارها مستقلا ومؤسساتها فاعلة ودورها مفتوحة واجتماعاتها منعقدة ومناشطها قائمة، كما تمكن العديد منها من عقد مؤتمراته العامة. وقد توضح مثلا بالنسبة للحزب الوطني الاتحادي في موضوع مشاركته المؤتمر الوطني السلطة أن القواعد حية ومقاومة، وإن انحرفت القيادة وذهب ذلك الانحراف بالحاضر الى حين، مما يضمن المستقبل. كذلك بالنسبة لحزب الأمة أثبتت المؤسسة فيه وجودها وفاعليتها في اختبارات عديدة، منها قرار عدم الاستمرار في خوض انتخابات 2010م التي ثبت تزويرها، وما حدث أخيراً حين أكد الحزب استقلالية قراره فرفض مشاركة أحد قادته السابقين برأي واضح، وعزل تلك المشاركة عزلا تاما دون تقيد بالمجاملات التي تسم مجتمعاتنا العشائرية، مما يثبت أن مؤسسة الحزب لا تقعدها مقعدات الأحزاب التقليدية.
كما أن علينا إدراك أن تلك الأحزاب قادرة في اللحظة المناسبة والحاسمة على النهوض وتدارك أمرها برغم ما يبدو من وهن. وقد حدث هذا في مرات عديدة مثالها: إجماع كل الأحزاب السودانية على استقلال السودان بطريق السودان للسودانيين.
وربما يكون من الإنصاف لتلك الأحزاب تنبيهها على وجوب نقد الذات لتحسين الأداء، ولكن ليس جلد الذات، فالجميع يعمل في ظروف تعطى فيها الحريات منحة محكومة المقدار من الحاكم، والدلائل كثيرة على ذلك ليس آخرها «اعتقال باشمهندس محمد حسن عالم بصورة بعيدة كل البعد عن أبسط مقومات حقوق الإنسان، وإغلاق صحيفة رأي الشعب»، كما أن الأحزاب لا تجد مصادر مناسبة لتمويل أنشطتها، بل تتم مضايقتها ومضايقة منسوبيها وتحويلهم بشكل متعمد إلى فقراء يكدحون من أجل أساسيات الحياة لينشغلوا بأنفسهم، وفوق ذلك يتم تعريضهم بسعي دائم ودؤوب للاختراق والإغراء والتخويف ومحاولات كسر الصمود.
أما بالنسبة للتجارب الديمقراطية في السودان:
فمن الإجحاف عدم الاعتراف بأنها كانت تتطور إلى الأفضل، وقد قاس الإمام الصادق في كتابه «الديمقراطية راجحة وعائدة» معايير تلك الأفضلية بعدة قياسات أفهمتنا أن الديمقراطية الثالثة كانت تحدث تحسنا ملحوظا حيث:أنها لم تشهد انقسامات كبيرة في الأحزاب، ولم تشهد ظاهرة تصدير المرشحين، ولم تشهد ظاهرة نخاسة النواب، وارتفع فيها مستوى الوعي والتعليم، بل بدا أن كل قضايا السودان كانت الى حلول، حيث تم تحديد موعد للمؤتمر الدستوري الذي كان سيطرح فيه للنقاش كل أمر يخص السودان وجدله المطول بين الزنوجة والعروبة والدين والدولة والمركزية واللامركزية ..الخ في السودان، وبما يراه السودانيون لأنفسهم دون تدخلات أجنبية.
ومن التعدي نفي أن الديمقراطية لم تجد فرصة كافية، فقد كان هذا بيناً في عمرها القصير جدا «54 58»، «64 69»، «85 89» فهي لم تعمر أكثر من 5 سنوات للفترة الواحدة، وهي مجتمعة لم يزد عمرها عن 13 سنة لم تكن حتى متتابعة، لأن التتابع كان سيكسبها على الأقل خبرة أكثر وتجربة تتراكم لتكون أثرى وأنضج.
ولا أظن أن أحداً يغالط في أن كل تجربة إنسانية على أسس سليمة وتحت رقابة تحتاج لفترة زمنية ما، لكي تصحح أخطاءها وتتخلص من عيوبها وتنضج. فقد كان هذا حال كل الديمقراطيات الراسخة التي نشهدها أو نقرأ عنها في العالم من حولنا.
مثل هذه الآراء التي تقول إن «الليل والنهار على السجمان واحد» لا شك تصيب الأمل في مقتل: إذ كيف نرجو أو نبتغي تغييرا خيّراً «ليس فوضى» ومستقبلاً مبشراً وواعداً إن فقدنا الأمل في الأحزاب وهي سفننا الى بر الأمان؟ وكل استنهاض للثورة لا يضع في باله أن قيادة مساره يجب أن توكل لتلك الأحزاب رأي لم يتم تجريبه بالقدر الكافي للاعتماد عليه، فعلى مدعيه أن يأتينا ببينة على إمكانية نجاحه في ظل واقع يخبرنا بغير ذلك.
الأدهى أن مثل تلك الآراء تصب دون إذن من قائليها في محصلتها النهائية لفائدة المؤتمر الوطني: فلو استوى جميع من يطرحون أنفسهم على ساحة الوطن: فكان «الوطني» مثل معارضيه، فلم نتجشم مصاعب التغيير؟ فلنمد في عمر المتسلطين الحاليين طالما الحال هو:
خليفة مات لم يحزن له أحد.. وآخر قام لم يفرح به أحد!
مغالطات تجب مراجعتها:
مثل الكلام عن أن الأحزاب كلها مدانة بالتورط في الإتيان بالعسكر: وهذا الاتهام من عيوب الذهنية الانطباعية عندنا: فإن حدث اتهام ما وتداولته الصحافة ولاكه المغرضون دون تثبت، يجد المدان «دون ذنب» صعوبة حقيقية في إقناع الناس ببراءته مهما أورد من حجج خاصة عندما يأتي مثل ذلك الاتهام من بعض قادة الرأي الذين يثق بهم الناس مثل د. التيجاني ! لذلك نقول إن تاريخنا السياسي يجب أن يدون بصورة لا تحتمل المغالطات.
وفي ذات السياق نعيد ما سبق أن كررناه في هذا العمود وحده أكثر من عشر مرات خلال سنة واحدة: إن حزب الأمة بريء من فرية تسليم الحكم للعساكر، وأن رئيس الوزراء آنذاك كان قد قام بما قام به منفرداً، فقد عارضه 13 من 15 من مجلسه التنفيذي على رأسهم رئيس الحزب نفسه، وأنه حتى البيان الذي أصدره راعي الحزب الامام عبد الرحمن تأييداً للانقلاب جاء بناءً على معلومات قدمت له، لم يجر الحزب إلى تأييد الانقلاب بعد وقوعه، دعك من الاشتراك في التنفيذ، وقبل أن يكمل الانقلاب عامه الأول كان قد اتضح للأميرلاي ومن قبله الإمام أنه لا ضمانة للعسكر ووعودهم، وقد دفع الاميرلاي ضريبته الوطنية سجناً واجتهاداً في صفوف المعارضة.
كذلك الحزب الشيوعي مع أنه استفاد من واقع الانقلاب المايوي، لكنه أكد أنه لم يكن خلف مايو بوصفه حزباً بمؤسساته.
والحزب السوداني الوحيد الذي رعى انقلاباً وكفله بصورة مثبتة اعترف بها مرتكبوها، كان الجبهة الاسلامية، وعليها يقع واجب كبير للتطهر من هذا الرجس، إن أرادت المضي قدماً في عمل مشترك مع الآخرين.
حينما نبكي على واقع الوطن في ملفات محددة، يجب أن نحدد على من تقع مسؤولية هذا الخراب وتسمية فعلة ذلك الدمار بالاسم، فكل عمل يُقال عنه إنه عمل كل الناس تضيع فيه المسؤولية الفردية ويصير عملاً لا أحد!
وفي بداية المقال المذكور تحدث د. التيجاني عن أن أزمة الوطن في ذروة سنامها بسبب الانفصال، وهي: مرشحة لمزيدٍ من التمزق على خلفية ارتدادنا الى أتون الصراعات القبلية والعنصرية البغيضة، ولا خلاف حول هذا التوصيف الدقيق لواقع السودان المأساوي، لكننا لا نوافق أبداً على أن المسؤولية تقع على الطبقة السياسية كلها من حكومة ومعارضة. وهنا حتى لا تميع الأمور وتضيع لا بد من تسمية محددة للأشياء: تلك مسؤولية المؤتمر الوطني بلا نزاع ولا منازع، وهي مسؤولية تطال شق الحركة الاسلامية الآخر، أي المؤتمر الشعبي، ولكن نعطيه ميزة أنه اليوم خارج تلك السلطة التي مزقت الوطن، بينما لا نعفيه من مسؤوليته التاريخية، ونطالبه بالاعتراف بها جهراً والتوبة عنها والاعتذار: فمن يقلب كتاب «الديمقراطية راجحة وعائدة» للامام الصادق يرى ويلمس كيف لعب حزب الجبهة الإسلامية دوراً مؤكداً وواضحاً في تضييع تلك الديمقراطية، وندرك من خلال ما قرأنا للمحبوب عبد السلام ولآخرين: أن تدبير انقلاب الانقاذ لم يكن عملاً فجائياً أو اضطرارياً، بل كان عملاً مدبراً ومخططاً له منذ فترة طويلة كان الاسلاميون يشاركون الناس في كل منشط، وعندما يختلون بأنفسهم يخططون للانقلاب. ولأن ذلك الدور تم القيام به من خلال ما يُعرف في علم الاجتماع: بإعادة التنشئة الاجتماعية في صفوف المؤيدين حتى اختلط بالدم والعظم، وقد وقر في صدورنا جميعاً وانغرس شك عميق في مدى صدقية الادعاء الديمقراطي الذي يقول به الشعبيون، لذلك نطالبهم كل مرة للعمل على طمئنة قلوب الناس ليستقيم الحال.
آخر الكلام عن مقال 56 عاماً من التيه.. ألا تكفي: لقد طالبنا في ثنايا هذا المقال د. التيجاني بتحديد المسؤولية الفردية بدقة عن كارثة الانفصال وسواها من موبقات، فنردف ذلك الطلب بتأكيد من جانبنا أن مسؤولية ذلك التيه تقع في معظمها على الجبهة الإسلامية إن علمنا أن أكثر من نصف الفترة منذ الاستقلال وحتى الآن «سنوات الإنقاذ العجاف ال 23 مضاف لها ال 8 سنوات التي شاركت فيها الجبهة الإسلامية نظام الطاغية نميري»، كانت بشكل مباشر أو غير مباشر تتحكم في مفاصل الدولة.
كما علينا التأكيد على أن الحصاد المر وأسوأ الأهوال والكوارث على الوطن، تمت حصريا في عهد المؤتمر الوطني الحزب الذي فقد رأسه وبوصلته فصار يعمل فقط من أجل البقاء في السلطة، دون مبدأ ولا عرف ولا دين.. فهل هناك تيه أكبر من هذا؟
اللهم ارنا الحق حقاً والباطل باطلاً!
وسلمتم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.