قوى إعلان الحرية والتغيير تجدد دعمها لحمدوك وتحذر من "انقلاب زاحف"    التجمع الإعلامي لدعم الانتقال السياسي في السودان يدين اقتحام مجموعة متفلتة لمبنى (سونا)    للقاء ترك .. وفد إلى بورتسودان غداً    وزير التجارة يعلن عن منح تراخيص لاستيراد 800 ألف طن من السكر    الغرفة المركزية للسلع الاستراتيجية تناقش موقف إمداد السلع الاستراتيجية بالبلاد    أكثر من (8) آلاف رأس من الماشية السودانية تصل السعودية    موظف سابق في فيسبوك يبدأ الحديث عن المسكوت عنه    بنك السودان يعلن السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم االأحد 24 أكتوبر 2021    المريخ يتأهل إلى دوري المجموعات بأبطال إفريقيا    مجموعة التغيير : سندفع بشكوى ل(CAS) و قرارات الأخلاقيات وحدتنا في مواجهة شبيحة الكرة السودانية    "188 دار نشر".. افتتاح المعرض الدولي للكتاب بالخرطوم    الهلال يجري مسح الكورونا    تشلسي يعزز صدارته بسباعية نظيفة في مرمى نوريتش وواتفورد يُسقط إيفرتون    لقاء مشترك بين المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي ، البرهان ، حمدوك و حميدتي    السلطة القضائية : 2500 حكم بالإعدام في انتظار قرار المحكمة الدستورية لتنفيذها    شاهد بالصور: إعلامية سودانية تكتسح السوشيال ميديا وتلفت الأنظار بصورها المثيرة    خالد عبد الرحمن : حجزنا الاقامة والملاعب ولكن بعثة اهلي مروي لم تحضر    مصر: سيدة تُبلَّغ بوفاة طفلتها في منزل طلقيها.. وعندما رأت جثتها كانت المفاجأة    السعودية لإعادة التدوير للعربية: التحول عن المرادم سيوفر 120 مليار ريال    لجنة منظمة لمباراة السودان والجزائر النسائية    المريخ يتأهل لدوري المجموعات فى ابطال افريقيا    عند تناولها بانتظام.. فاكهة تحرق دهون الجسم "الخطرة"    أردوغان يعلن سفراء 10 دول أشخاصا غير مرغوب بهم في تركيا    ورشة قضايا ابناء السودانيين بالخارج    ضحية الفيلم السينمائي.. اتهامات تلاحق شخصاً بعينه    اشتعال حرب الوثائق والتسجيلات بين شركاء الحكم    قيادات نسوية بالنيل الازرق تطالب بتكوين اتحاد للرياضة النسوية    دار الإفتاء في مصر: لا يجوز للمرأة ارتداء البنطال في 3 حالات    أسعار مواد البناء والكهرباء في سوق السجانة يوم السبت23 أكتوبر 2021م    النيابة المصرية تتسلم التحريات الأولية حول انتحار سودانية ببولاق الدكرور    أطلق عليها (مواكب الحب)..النصري خلال حفله الجماهيري الاخير يبعث رسالة لجمهوره ورفيقه الراحل أبوهريرة حسين    مسلحون يقتحمون سجناً نيجيرياً ويطلقون سراح نزلاء    دراسة: أغنى الأغنياء سبب نصف التلوث العالمي    كوبي الايطالية تحتفل باليوم الدولي لغسل الأيدي بشمال دارفور    دراسة علمية "مذهلة" تكشف علاقة الروائح بالذكريات    تعطل ثلاث ماكينات من أصل أربع في محطة كهرباء بحري الحرارية    حصاد 30% من المساحة المزروعه قطن بمشروع الرهد الزراعي    مصر.. العثور على عروس مقتولة بعد 72 ساعة من زفافها .. والزوج يوجه "اتهامات" للجن    بدء الورشة التدريبية في مجال تأسيس الجمعيات التعاونية بدنقلا    ايام الهناء في كرمكول    القبض على كولومبي في جامايكا متهم بالضلوع في اغتيال رئيس هايتي    مهلاً وأهلاً أيها الموت(46)    تركيا تحذر: الاتفاق العسكري الفرنسي اليوناني يضر بالناتو ويقوض الثقة    «الصحة العالمية»: ضحايا «كورونا» قد يتضاعفون بنهاية 2022    سراج الدين مصطفى يكتب: سيمفوني السودان (sudan symphony)    علي مهدي يكتب : عرسي وعرس الزين كتابٌ مفتوحٌ يستحق الاحتفاء إسراء بِنَا الفضاءات العالمية    مدير مستشفى البان جديد : المعدات الطبية فقدت صلاحيتها    في وداع حسن حنفي    أبرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة يوم السبت الموافق 23 أكتوبر 2021م    وجهان للجهاد أوليفر روى (أوليفييه Olivier Roy)    اليوم التالي: رفض واسع لقرار إغلاق سوق السمك المركزي بالخرطوم    مصرع نازحة بطلق ناري في محلية قريضة بجنوب دارفور    قال إنه محمي من العساكر .. مناع: مدير الجمارك لديه بلاغين تزوير بالنيابة و لم تتحرك الإجراءات    القبض علي لاعب تنس الطاولة الدولي اسامه المك    توقيف شبكة إجرامية تنشط في تهريب أجهزة تعمل علي تحويل المكالمات الدولية الي محلية    بالفيديو.. داعية سعودي يرد على مقولة "الفلوس وسخ دنيا"    مولد خير البرية سيدنا محمد ابن عبد الله (صلوات الله عليه وسلم)    عثمان جلال يكتب: في ذكرى مولده(ص ) وفي التاريخ فكرة وثورة ومنهاج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عامل ومزارع بالقاش يصرخ «القاش القاش يا ناس»
عصارة أربعين عاماً من العيش في أراضيه
نشر في الصحافة يوم 01 - 07 - 2012

المقصود هنا القاش النهر والأرض والإنسان وليس أغنية عائشة الفلاتية، والاسباب التي دعتني للحديث عن القاش هي بداية العمل في بناء خزان ستيت وارتباطه بمشروع دلتا القاش الزراعي.
لذا رأيت ان اعطي القارئ الكريم فكرة عن هذا المشروع الزراعي الواقع في شرق السودان، لما له من أهمية قصوى في حياة انسان الشرق الذي يولد ويموت دون أن يعرف لهذه الحياة طعماً بسبب الفقر والمرض والجهل، وليس في هذا مبالغة، وتشهد على ذلك إحصاءات وزارة الصحة بالولاية بإصابة أكثر من 50% من السكان بمرض السل بسبب سوء التغذية، بالرغم من أن تاريخ المنطقة يقول إن القطن كان يزرع في العهد التركي في أراضي كسلا وبعد الغزو الانجليزي المصري للسودان في عام 1898م وقيام الحكم الثنائي، أنشئت شركة اقطان كسلا وظلت قائمة حتى عام 1929م.
وبعد ذلك التاريخ آلت الأرض إلى الحكومة فأقامت عليها ما سمى بدلتا القاش »مشروع إعاشي« في مساحة شاسعة تبلغ «7850» فداناً تمتد من اطراف مدينة كسلا شمالا بطول يزيد عن المائة كيلومتر، واستمرت زراعة القطن منذ ذلك التاريخ الى عام 1961م، ومما شجع على استمرارها الاسعار العالمية العالية للقطن، الشيء الذي أدى لإنعاش المنطقة ووجود اموال بايدي كبار المزارعين استثمرها البعض في إنشاء مبانٍ بالأسواق، وبعد ذلك هبطت أسعار القطن لأدنى مستوى لأسباب عديدة نذكر منها:
1 انخفاض الأسعار العالمية للقطن بعد انتهاء الحرب الكورية في الخمسينيات من القرن الماضي.
2 ارتفاع تكاليف تحضير الأرض للزراعة لضرورة الحراثة العميقة للأرض بسبب ظهور الدودة المصرية في باطن الارض.
3 تهريب القطن الخام لإريتريا لوجود محلج ومشترين كما هو حادث للصمغ العربي الآن.
4 عدم وجود حساب فردي للمزارع، فالحساب «روكة» كما يقولون، «الورد قنطار والورد خمسة قناطير كلو زي بعضو».
5 ضعف آليات مكافحة التهريب آنذاك «رجلان أو ثلاثة من رجال الشرطة على ظهور الجمال».
وقد واجهت إدارة المشروع ممثلة في شخص اول مدير سوداني أمر التهريب بما يستحق من قوة، ومحاولة إقناع كبار رجال الادارة الاهلية والمزارعين بالمضار التي ستلحق بالمشروع، ولكن الامر لم يتحسن كثيراً، مما دعا للتفكير في زراعة محصول آخر، وقد ورد على لسان أحد كبار الشيوخ «حقكم نخلي ليكم وحقنا نشيل»، وعليه أسدل الستار نهائياً على زراعة القطن.
زراعة الخروع:
تم إدخال زراعة الخروع باعتباره محصولاً نقدياً في عام 1962م، واستمرت زراعته حتى عام 1984م، وهو من المحاصيل التي لا تزرع الا في بلدان قليلة في العالم لمضاره الكثيرة على الانسان، وقد أدى لموت عدد من المزارعين تسمماً وآخرين بامراض ضيق التنفس الذي اصاب كثيراً من السكان، وقد جاءت للمنطقة بعثة طبية جامعية، وظل الحال كما هو عليه، وادت زراعة الخروع لاتلاف الارض بسبب عدم نظافتها، وقيام الكثير من الشجيرات التي اضرت بالارض، ورغم هذا ظل الخروع مزروعا لفترة 22 عاماً، الى ان حلت بالمنطقة مجاعة عام 1984م، وأكل الناس «عيش ريغان» نسبة لاسم الرئيس الاميركي آنذاك، وهو ذرة رديئة تستعمل عندهم علفاً للحيوانات تبرعت بها اميركا مشكورة.
وبعدها ارسل الرئيس نميري احد وزراء الري ليقرر شيئاً بشأن الزراعة بالمشروع، وصدر قرار بتخصيص المشروع برمته لزراعة الذرة فحسب، وطبق القرار وظل سارياً حتى اليوم.
ومع ذلك ظل الناس جائعين لأن الارض اصبحت لا تعطي الكثير من المحصول لاسباب كثيرة منها:
1 انخفاض الكمية التي تزرع في الأرض بنسبة 10 او 15% من ارض المشروع.
2 انخفاض منسوب المياه الواردة بالنهر وتذبذبها بين سنة وأخرى، وتأخرها عن مواعيدها المعتادة لاكثر من شهر في بعض السنوات لعدم هطول الامطار بالمنطقة التي تأتي منها، وقلة هطول الامطار بمنطقة القاش نفسها بسبب القطع الجائر للغابات التي ازيلت تماما بواسطة المواطنين الذين اصبحت صناعة الفحم مصدر رزقهم الوحيد، علاوة على انتشار اشجار المسكيت والفشل في محاربته، كما ان نوعية الذرة التي اعتاد السكان على زراعتها تحتاج لاربعة اشهر لاكتمال نضجها، واحيانا يتم الاكل منه وهو «فريك».
وقد شاهدت بأم عيني خلال اربعين سنة عشتها بالمنطقة وانا عامل بالمشروع ثم مزارعاً، صنوفاً من المآسي التي تدمي القلب، فقد شاهدت النساء في أسمالهن البالية التي لا تستر جسداً وهن يقمن بدرش حبات الذرة ب «المرحاكة» عند مغيب الشمس لاطعام ذويهن بما يتوفر من العصيدة احيانا وبما يتوفر من اللبن ان كانوا يملكون رأساً من الغنم، واحيانا الماء والملح، وهي في الغالب الوجبة الوحيدة.
اما الاطفال فحدث ولا حرج، فعندما يستيقظون من النوم قبل شروق الشمس في ارض السودان التي لا تغيب عنها الشمس كما تقول تلك الفضائية، ولأنهم ينامون عند المغيب ولا يشاهدون جنة الاطفال في تلفزيون السودان الذي لم يعرفه آباؤهم، عندما يستيقظون يهرعون الى اشجار النبق إن كانت هناك أشجار لم تطلها فأس «الفحامة» وهم عراة كما ولدتهم امهاتهم لا شيء يمنعهم، لأن بيت البرش ليس له باب ولا يحزنون، وهو لمن لا يعرفه عبارة عن برشين وبعض اعواد الحطب تقوم النساء بنصبه، لعل وعسى يجدون حبات يضعونها في افواههم لانهم لا يشربون شاي الصباح باللبن، ولا يأكلون البسكويت كما يفعل أطفال بعض المدن.
أما الرجال فأرض الله واسعة، فهم يذهبون لأسواق القرى القريبة كداري طبعاً، او يختار كل منهم شجرة ينام في ظلها بقية يومه، وذلك لعدم وجود شيء يفعله، لا عمل ولا زرع ولا رعاية بهائم.
الري:
يعتمد الري على مياه الامطار التي تهطل في الاراضي الاريترية خلال شهور الخريف من اواخر يونيو الى سبتمبر من كل عام، وليس لها معدل ثابت، وتنحدر من الجنوب للشمال داخل خور القاش الذي يقسم مدينة كسلا لنصفين، ومياه القاش قوية جداً وسريعة بسبب انحدارها من مرتفعات اريتريا، وهي تدمر كل ما يعترض طريقها من مبانٍ أو جسور ترابية، وقد خربت مدينة كسلا شرقها وغربها مرات عديدة، لذا توجب على القائمين على شؤون الري حفر الترع الرئيسة والفرعية وخور القاش نفسه في أحيانٍ كثيرة، وتقوية الجسور والعراضات التي توجه سير المياه داخل الخور الرئيسي كل عام وعامين، وتحمل مياه القاش في جوفها كمية كبيرة من الطمي الذي يترسب في جوف الترع ويؤدي الى ارتفاع سطح الارض الزراعية، الامر الذي يستدعي رفع بعض كباري الترع الرئيسة احيانا وخروج اجزاء من الارض الزراعية من عملية الري لعدم التمكن من سقايتها انسيابياً كالمتبع بالمشروع، وقد سبق أن تم ابعاد اكثر من «300» فدان في منطقة «سلام عليكم» في سنوات مضت «وزعت بساتين على المزارعين»، وعمليات حفر الترع وتقوية الجسور تتم عن طريق آليات ثقيلة «اسكريبرات بلدوزرات»، وهي عملية مكلفة جداً، وكان المشروع يمتلك ما يكفي عمله السنوي منها في الستينيات والسبعينيات، وعندما انعدمت إسبيراتها من الوكيل السوداني لشركة كاتربلر الاميركية داؤود عبد اللطيف، كان لا بد من شراء آليات جديدة والمال لم يكن متوفراً وكان موقفاً صعباً، ولكن اولاد الدفعة بالمدارس الثانوية السودانية زمان لا ينسون رفاقهم وإن اصبحوا حكاماً، وكان وزير المالية في اواخر سنوات مايو السيد إبراهيم منعم منصور ورئيس مجلس ادارة القاش نائب حاكم كسلا السيد سليمان عثمان فقيري على صلة، وفي زيارة واحدة تم تمويل شراء ثلاث آليات وانفرجت الازمة.
أما العمليات الصغيرة فتتم بالأيدي عن طريق «الترابة»، وقبل هذا وذاك يتم عمل مسح هندسي كبير بواسطة مهندسي الري لتحديد كمية الطمي المطلوب إزالتها.
وبالمناسبة الطمي هو الذي تسبب في انخفاض نسبة التخزين في خزان خشم القربة بنسبة الثلث تقريباً، وأدى لتدهور المشروع الذي لم يمض على اقامته اكثر من اربعين عاماً.
ونرجو ان نسمع ان وزارة السدود قد قامت ولو بعد الفراغ من خزاني ستيت واعالي نهر عطبرة بإعادة المياه لمجاريها في خزان خشم القربة قبل ما تقفل نهائياً. ولا توجد وسيلة لسبل كسب العيش الا بالزراعة والزراعة غير متوفرة فما العمل.
إذن ما العمل؟ وقد سألت نفسي هذا السؤال مع علمي بأن المنطقة تفتقر إلى المواد الخام التي تشجع على قيام صناعات تستوعب عدداً مقدراً من السكان، فمصنع الكرتون الذي اقيم في عهد الفريق عبود عليه الرحمة، كان يعتمد في انتاجه على سيقان محصول القطن واقفل بعد ايقاف زراعة القطن بالقاش وعدم صلاحية انتاجه لعمل كرتون يصلح للتغليف، وشرد عماله، لذا يصبح الحل في:
1 تحويل كمية كافية من المياه من خزان ستيت لأرض القاش خصوصاً للارض التي تقع غرب المشروع وشرق نهر عطبرة ابتداءً من غرب مدينة كسلا والى منطقة قوز رجب.
2 استيعاب عدد من الشباب في القوات النظامية «جيش، شرطة، حرس صيد، أمن، سجون وخلافه».
3 تعليم عدد من الشباب بعض المهن وتقديم معدات عمل لهم.
4 تقديم أموال نقدية أو عينية ميسرة لشراء اغنام للتربية.
5 ابعاد العمالة الاجنبية التي تملأ مدن الشرق، لاتاحة فرص العمل للمواطنين، وان تقوم الحكومة بواجبها الوطني والاخلاقي والديني.
كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته:
ان تقوم الحكومة المركزية وليس الولاية التي يعشعش الفقر في جنباتها، ان تقوم وبالسرعة المطلوبة بما في امكانها حالياً، واذا تعثر ذلك يؤخذ من الاموال التي تبرع بها الخيرون من العرب لتنمية المنطقة بعد ايقاف الحرب، و «بلاش» شوارع الاسفلت التي تقام في تلك الفيافي في الوقت الحاضر، واقيموا بدلاً منها المشروعات التي تطعم الناس، لأن الطرق الجديدة في ذلك الخلاء لا يستفيد منها الا قلة قليلة من الناس، وتلك الجماعات التي تقوم بتهريب البشر والاشياء الاخرى المحظورة، وهي بعيدة عن عين الحكومة.
إن مطالبة سكان منطقة القاش للحكومات المتعاقبة ليست وليدة اليوم، ففي أواخر عام 1969م عند زيارة الرئيس نميري للمنطقة تقدموا بعدة مطالب كان على رأسها الإسراع في بناء خزان ستيت لرفع المعاناة التي تعيشها المنطقة منذ ذلك الزمان، بزيارة الأرض الزراعية الواقعة غرب مشروع القاش باستغلال مياه نهر ستيت، ووعدوا بذلك، ولكن دائماً الوعود تذهب مع الريح وتبقي مرارتها في حلوق الذين وُعدوا ولم يحصلوا على شيء، وربما هداهم تفكيرهم إلى عمل شيء يلفت انظار الغافلين.
وقد حدث أن قام الرجال بحمل السلاح وشن الهجمات على مراكز الحكومة ومنشآتها مستلهمين الثورة الاريترية التي تبعد خطوات عن ارضهم، وكلفت البلاد الكثير من الأرواح دون أن تحقق شيئاً يذكر في حياة الناس، وأخشى ما اخشاه ان يعاودوا الكرة مرة اخرى لأن الجوع كافر كما يقولون.
إدارة المشروع:
تتكون إدارة مشروع دلتا القاش الزراعي من مدير عام، نائب مدير في بعض الأحيان، مفتشين زراعيين، مساعدي مفتشين، كتبة، شؤون خدمة، حسابات، ومخازن.
وعددهم ليس كبيراً، اذ مرت المؤسسة في خلال السنوات الماضية بتقلبات كثيرة ادت لحلها وتسريح جميع العاملين، وفي احدى المرات تمت إعادة بعضهم مرة اخرى ثم اتباعهم للولاية ثم مرة اخرى لوزارة الزراعة القومية، ولكن في كل الحالات لا تخلو مكاتبها الفرعية من مفتش زراعي وموظف حسابات ومساعد له وعدد من العمال كشيوخ المساقي وغيرهم.
وللمشروع ستة مكاتب فرعية في كسلا، مكلي، دقين، تندلاى، متاتيب السرايا ووقر.
ويتبع لكل مكتب من هذه المكاتب جزء من ارض المشروع تسمى «مساقي» وكل «مسقى» مساحته 260 فداناً، وعدد «المساقي» يختلف من مكتب إلى آخر زيادة ونقصاناً حسب مساحة الارض التي تتبع للمكتب، ولكل مكتب ترعة رئيسية خاصة به من الخور الرئيس للقاش، وهناك ترع للمساقي واخرى للمساحات الاصغر داخل المسقى، ويحتفظ كل مكتب بسجلات باسماء مزارعيه ويتعامل معهم ادارياً ومالياً، والمفتش مسؤول فنياً وادارياً عن كل مساحة الارض التي تتبع لمكتبه، وبالمساقي علامات ثابتة بالارض تحدد اتجاهاتها، وقد تم تغيير النظام الذي كان سائداً في توزيع الارض من أرض مروية نظيفة من الاشجار، مع اعطاء البذور وسلفيات للعمليات الزراعية مثل عمل السلوكة والحش والكديب واللقيط ايام المحصول النقدي، والآن تسلم الارض ليقوم المزارع بنفسه بنظافتها وسقايتها عندما تصل الماء لارضه وزراعتها بالذرة، وعليه تسديد قيمة المياه التي تحددها ادارة المشروع.
وري الأرض يتم انسيابيا من الترعة الرئيسة للترع الفرعية لمدة «15» يوماً لزراعة الذرة.
ويتم تسجيل المزارعين قبلياً تحت اسم شيخ زراعة من القبيلة التي ينتمي اليها المزارع، وتحت هذا الغطاء تدخل اسماء الابناء والاحفاد، وغيرهم، وتضخم العدد سنة بعد اخرى حتى وصل عدد المزارعين قبل عشرين عاما ل «13» ألف مزارع، ولا اعرف كم وصل الآن، وبالتأكيد ان ارض المشروع لا تسع لكل تلك الاعداد من الناس، والزراعة المطرية لا مكان لها خاصة في اطراف مدينة كسلا، اذ تم بناء الارض باحياء سكنية او معسكرات او جامعات اهلية وغيرها.
ومزارعو مشروع القاش من جميع انحاء السودان وخارجه جاء بعضهم عمالاً موسمين اثناء زراعة القطن، واستقروا واصبحوا جزءاً من السكان لهم ما لغيرهم من أرض زراعية وسكنية.
قسم الهندسة:
يتكون قسم الهندسة من جزءين هندسة الري وهندسة الورش، ويتكون قسم الري من كبير مهندسين ومهندسين ينتدبون من وزارة الري مع آخرين محليين، وعدد من القياسين، وقسم مدني كبير يحمع صناعاً في كل المهن، ومهام هذا القسم تتلخص في الآتي:
1 عمل مسوحات هندسية لكل الترع والجسور بعد انتهاء موسم الفيضان بفترة بسيطة، لتحديد عمليات الحفر بالترع وتقوية الجسور والعراضات للموسم القادم.
2 بناء كباري الترع ورصف بعض الجسور والعراضات بالحجر عن طريق البنائين.
3 اقامة المباني المطلوبة.
4 الاشراف على عمل الآليات الثقيلة اثناء قيامها بالحفريات.
5 صيانة مباني المكاتب والمساكن التابعة للمؤسسة.
6 صيانة اثاثات المكاتب واية اعمال اخرى يكلفوا بها.
الورش ويرأسها مهندس ميكانيكي وهي:
1 ورشة لصيانة الآلات الثقيلة.
2 ورشة لصيانة الجرارات والقشارات وتصنيعها.
3 ورشة لصيانة العربات واللواري والحدادة واللحام وكهربة السيارات والكهربة العامة وتوليدها وتوزيعها بالمؤسسة وخارجها.
4 المياه.
ومياه الشرب تأتي من محطتين رئيستين الاولى بمدينة كسلا غرب القاش والاخرى بمنطقة الجمام التي تبعد عن مدينة اروما حوالى «30» كيلومتراً ويمتد منها خط مياه شمالاً لسقاية ثلاثة مكاتب وقراها آخرها متتاتيب السريا، وهذه المحطة عمرها يقارب تسعين عاماً، حيث اقيمت في العشرينيات من القرن الماضي، والخط الآخر من غرب القاش وطوله حوالى مائة كيلومتر وقطره عشرة بوصات، ويقع شرق خط السكة الحديد، ويمد السكان والمزارعين بالمياه عبر عشرين كشكاً بالمناطق الخلوية، ثم يدخل لمدينة اروما وهي مركز الحكومة والمشروع وكل منشآت الدولة المدنية والعسكرية، وبها تجمع لصهاريج المياه المتجهة شمالاً لقرى تندلاى ومتاتيب ووقر، وكان يتم الصرف على هذه المحطات من مال الخدمات الاجتماعية الذي يؤخذ من المزارعين، وبعد ايقاف زراعة القطن والخروع انعدم مال الخدمات، واصبحت المياه تباع في الاكشاك الخلوية بواسطة متعهدين وبأسعار رمزية، اما سكان المدن والقرى فيعاملون بالسعر التجاري.
إن إنسان شرق السودان صابر على الاذى، وظل يرفع يديه للسماء صباح مساء يسأل الله ان يرفع عنه هذا البلاء ويهدي القائمين على امر البلاد والعباد ان يمنوا على تلك الارض المنسية ببعض مشروعات التنمية التي تطول بعض مناطق السودان، وقد سمعنا ان المياه التي سيوفرها خزانا ستيت واعالي نهر عطبرة ليس بالكثرة التي تجعل ولايات غير ولاية كسلا صاحبة الوجعة والتي تأمل في انقاذ المشروعين الزراعيين الوحيدين بها واللذين هما مصدر معاش سكان الولاية، تطالب بنصيب الاسد منها، مثل ولاية القضارف والبحر الاحمر. فولاية القضارف المشهود لها بالزراعة المطرية بها الكثير من الأنهار والخيران في جنوبها وغربها.
ومياه الشرب التي تأمل ولاية البحر الاحمر أن تمدها من هذا المكان البعيد، وضع لها احد علماء الهندسة السودانيين منذ مدة طويلة مشروعاً لتوصيلها من مياه النيل من منطقة عطبرة يرقد في ادراج المكاتب دون حراك، وإن كانت حكومة الولاية جادة فعلاً في توصيل المياه لمواطنيها لما صعب عليها ذلك، فالأموال التي صرفت على اقامة الكورنيش وشوارع الاسفلت والحدائق التي نسمع عنها والتي جعلت واليها في مقدمة الولاة، يستطيع أن يأتي بمثلها وأكثر، ومياه النيل قريبة منهم، والمدن الرئيسة بالشرق منحدرة عن أرض النيل، وربنا يوفق الجميع لما فيه خير المواطنين.
كسلا الخرطوم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.