إعادة إنتاج النظام السابق !! .. بقلم: الطيب الزين    أبو دليق: صراع السلطة والأرض .. نحو تطوير الادارة الأهلية .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    دار الريح .. الزراعة هي المخرج ولكن! (2) .. بقلم: محمد التجاني عمر قش    الدولة كمزرعة خاصة .. بقلم: الحاج ورّاق    ما رأيكم؟! .. بقلم: كمال الهِدي    نحو مذهب استخلافى في الترقي الروحي .. بقلم: د.صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلامية فى جامعة الخرطوم    يا حمدوك والحلو الودران خليتوهو وراكم في أمدرمان: حرية العقيدة في أصول القرآن أكثر كفاءة من العلمانية!! .. بقلم: عيسى إبراهيم    وجدي صالح: ضغوط من شخصيات ب(السيادي) والحكومة على لجنة إزالة التمكين    (213) حالة اصابة جديدة بفايروس كورونا و(4) حالات وفاة .. وزارة الصحة تنعي (7) اطباء توفوا نتيجة اصابتهم بفايروس كورونا    السودان: وزارة الصحة تعلن وفاة (7) أطباء في أسبوع    ترمب وديمقراطية سرجي مرجي!. بقلم: عمر عبد الله محمد علي    السودان والموارد الناضبة (2) .. بقلم: د. نازك حامد الهاشمي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    النصري في زمن الكورونا .. بقلم: كمال الهِدي    طريق السالكين للمحبة والسلام .. بقلم: نورالدين مدني    لابد من إجراءات قبل الإغلاق الكلي .. بقلم: د. النور حمد    ترامب يستثمر عيوب المسلمين .. بقلم سعيد محمد عدنان/لندن، المملكة المتحدة    السوباط على خطى شداد!! .. بقلم: كمال الهِدي    أغنيتنا السودانية: حوار ذو شجون بين الطيب صالح وأحمد المصطفى!. .. بقلم: حسن الجزولي    تصريح بنفي شائعة شراء منزل لرئيس الوزراء بأمريكا بغرض التطبيع مع إسرائيل    أفرح مع الغربال ولا أبكي من البرهان .. بقلم: ياسر فضل المولى    العائد الجديد .. بقلم: عمر الحويج    وفاة(4) مواطنين إثر حادث مروري بحلفا    بيان لوزارة الداخلية حول ملابسات حادث محلية كرري    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بنيات التشكيل الروائي وآلياته
نشر في الصحافة يوم 28 - 06 - 2013

وهو ما شجعنا في متابعة استراتيجية الاجتراح الاصطلاحي ودعمه واسنادها على أن نطلق مصطلحنا الجديد الآخر «الرواية الرائية» الموازي له في جنس أدبي مهم آخر وعالي التداول في منطقة القراءة، تأكيداً على صحة أطروحتنا وفاعليتها في مصطلحنا الأول، واستجابة للعينة الروائية التي نزمع الاشتغال عليها في بحثنا هذا قيد العمل والدرس والرصد والمعاينة والقراءة، وهي رواية اشكالية ذات طبيعة خاصة تشتغل على السير ذاتي في الروائي داخل ما يصطلح عليه ب«الرواية السير ذاتية»، التي تنطلق من أفق التهجين السردي بين فن الرواية وفن السيرة الذاتية في معادلة ليست سهلة، تقدم لعبة القص بين سرد الحياة وسرد الحكاية.
الرواية التي نرصد حراكها السردي (الرائي) في هذا الكتاب هي رواية «الرافدين» لعبد الرحمن مجيد الربيعي، وهي رواية مرت بمراحل على مستوى فلسفتها ورؤيتها وكتابتها وتوقيت نشرها، فضلاً عن اشكالية نشرها بعنوان آخر في (دار الآداب) أثار مشكلة لدار النشر والكاتب والقراء معاً، وكأن حساسيتها الاشكالية على الأصعدة كافة أبت إلا أن تتلاعب بمصيرها من البداية إلى النهاية بلا هوادة.
الروائي الرائي والراوي الرائي والشخصية الرائية تجتمع كلها في طبقات الجوهر السردي لهذه الرواية وعلى أكثر من مستوى، إذ على الرغم من انها على المستوى السير ذاتي تروى تجربة مضت الآن وانتهت لكنها على المستوى الروائي ترى المصير والمستقبل لشخصيات الرواية وأمكنتها وحيواتها الأخرى على نحو عميق البصيرة، وهي بالرغم من أنها تروى التاريخ القريب إلا أنها ترى فيه عبره التاريخ القادم، باستشراف رؤيوي سردي عالي التوقع يقترب من حساسية اليقين وفضاء الرؤيا، والربيعي يعبر عن طرف من هذه الرؤية بقوله:
«من الواضح انني في جل رواياتي أميل للكتابة عن الأحداث التي حسمت وليست عن تلك التي مازالت عالقة لم يبت فيها، وهذا لا يعني انني كفنان لا أستطيع أن أحسم وأن أرى، ولكن المرء عندما يكون في اللجة قد لا يرى كل شيء، وقد يكون ما يراه خاضعاً لمنطق الفعل ورد الفعل على أساس كونه طرفاً وليس مشاهداً فقط».
فهو يكرر فعل الرؤية الصريح في مقولته هذه ثلاث مرات «وأن أرى/ قد لا يرى كل شيء/ ما يراه»، وفي كل مرة منها يسعى فيها إلى تأكيد صحة رؤيته وصلابتها وصدقها وحيويتها وطاقتها على الاستشراف والرؤيا، وان تكون هذه الرؤية بحسب نظرية السرد المعروفة في مصطلح الرؤية - «رؤية من الخلف»، تتمكن من استيعاب كل ما يجري، ومعرفة كل ما يحدث، والهيمنة الكلية على مصير السرد ومنطقه ومسيرة أحداثه وشخصياته وفضائه، وهي رؤية ضمن رؤى ثلاث معروفة ومتداولة في الدرس السردي النقدي الحديث صحبة «الرؤية من أمام» و«الرؤية مع»، وتشتغل هذه الرؤى داخل محيط العمل السردي متعلقة بالراوي وهو ينفذ كل شكل من أشكال الرؤية بطريقة معينة.
عرف مصطلح «الرؤية السردية» بوصفه أحد أهم مكونات الفضاء السردي اهتماماً بالغاً من لدن السرديين الغربيين الذين اشتغلوا على نظريات السرد، إذ قسم بويون الرؤية السردية إلى ثلاثة أقسام هي:
1- الرؤية من الخلف: وتكون فيها معرفة الراوي أكثر من معرفة الشخصيات.
2- الرؤية مع: وتتساوى فيها معرفة الراوي مع معرفة الشخصيات.
3- الرؤية من أمام: وتكون فيها معرفة الراوي أقل من معرفة الشخصيات.
في حين اختزلها تودوروف إلى رؤيتين اثنتين متوازيتين ومتناظرتين فقط هما «الرؤية من الداخل والرؤية من الخارج، ففي الحالة الأولى لا تخفي الشخصية شيئاً عن الراوي، وفي الحالة الثانية فإن هذا الأخير يستطيع أن يصف لنا أفعال الشخصية ولكنه يجهل أفكارها ويحاول أن يتنبأ بها». ونظراً للأهمية الكبيرة التي يعكسها نوع الرؤية في تشكيل الفضاء السردي في الرواية ووظيفتها فإن «جودة الراوية تقوم ولا شك على قوة الرؤية التي تقدمها واقناعها»، على النحو الذي يناسب تجربتها وطريقة كتابتها ومقولتها وفلسفة كاتبها، وقدرتها وستعتها وحساسيتها في تمثيل كل ذلك سردياً.
غير أن الأمر حين يتعلق بحيثيات المصطلح الجديد «الرواية الرائية» وقضاياه وضروراته المنهجية، يصبح من المحتم والضروري الخروج إلى رؤية جديدة يمكن أن نصطلح عليها هنا ب«الرؤية إلى الخارج»، وهي رؤية عابرة للانساق السردية التقليدية تغادر محيط النص السردي نحو الخارج، أي انها تتحول من السردي إلى الثقافي، ومن المكتوب إلى ما وراء المكتوب، وتشتغل على آلية الكشف والاستشراف والتطلع والحدس والتوقع في ربط مقولات النص السردي بالخارج الثقافي والاجتهاد في الاجابة على أسئلته، وهو ما نرى حصوله على نحو من الأنحاء في رواية «نحيب الرافدين» ذات الطبيعة الفنية والتركيبية الشاملة، وهي تضمر في سياقاتها وتشكيلاتها ومقولاتها جذور هذه الرؤية الجديدة التي يجب أن تحظى بأهمية تقارب الرؤيات الأخرى، أو أن الرؤيات الأخرى تنتهي إلى حدود هذه الرؤية.
بوسعنا التأكيد على أن الرؤية الجديدة «الرؤية إلى الخارج» وبحكم قيمتها الاستشرافية القريبة من الحلم بمعناه الرؤياوي تتحايث عميقاً مع مفهوم «الرؤيا»، التي تعني فيما تعنيه مضاعفة طاقة (الرؤية) بمنظورها البصري وشحنها وتوسيع مساحات عملها داخل بنية تشكيل العناصر السردية في النص، وكسر قشرة الطبقة الألسنية المغلقة على ذاتها في بنيوية النص السردي ونصوصيته، وفتح ممكناته النصية السوسيوثقافية على الخارج الثقافي والسعي إلى التأثير فيه ومساءلته، استناداً إلى أطروحات النقد الثقافي ومسائله وقضاياه، وهي تعمل هنا بمعية النقد الأدبي وليس على أنقاضه كما هي مقولة النقد الثقافي في إعلانها عن موت النقد الأدبي واحلال النقد الثقافي محله.
في إحدى شهاداته الأدبية المهمة والثرية عن طبيعة تجربته الروائية يقول عبد الرحمن مجيد الربيعي في معرض تقديمه لتشكل هذه (الرؤيا) الروائية منذ أول عمل روائي أنجزه «أقول لكم: إن كريم الناصري هذا كان نبوءتي وتوقعي المسبق للآتي، فالحل الذي اختاره بالسفر سيكون اختياري أنا، وغادرت مثله عام 1989 بحقيبة سفر واحدة وكثير من الأحلام هي التي جعلتني أعيش ولا أحتمي بالسكائر وزجاجات الشراب»، وهو ما يندرج عميقاً في سياق اقتراحنا لمصطلح (الرواية الرائية) إذ تجسدت رؤيا (كريم الناصري) الشخصية المركزية السيرذاتية في رواية «الوشم» في مغادرة البلد (العراق) عام 1989 بين زمن رواية (نحيب الرافدين) وبداية زمن رواية (هناك في فج الريح)، والبحث عن حياة أخرى وهواء آخر ومصير آخر كان يحلم بها الروائي والراوي والشخصية معاً.
على هذا الأساس لم تكتف قراءتنا وبحثنا هنا عند حدود رواية «نحيب الرافدين»، بل تجاوزت ذلك أيضاً في الحدود التي تخدم فكرة البحث إلى الرواية اللاحقة لهذه الرواية والموسومة ب«هناك في فج الريح» التي نشرها الربيعي بعد (نحيب الرافدين) بأشهر قليلة، وهي على صعيد التمثيل التاريخي والسيرذاتي الذي اشتغل عليه الربيعي في تجربته الروائية كلها تعد مكملة لرحلة الربيعي في الذات الفردية والجمعية والزمن والمكان والرؤية والانسان والطبيعة والأشياء.
إذ ان رواية «هناك في فج الريح» لا تكف هي الأخرى عن تمثيل سردي لرؤيا الكاتب في مواصلة حلمه التخييلي في السرد، والواقعي في الحياة، للوصول إلى «الشاطئ الجديد» الذي سبق له وان أطلقه لمراجعة السرد القصصي العربي المنطلق داخل هذا الفضاء، وهو يعكس في عتبة عنوانه رغبة السير نحو الشاطئ الجديد الذي اشتغل عليه طيلة مسيرته السردية والحيوية المضنية وصولاً إلى تحقيق الحلم.
فإذا كانت رواية (نحيب الرافدين) تنتهي في زمنها الحكائي مع نهاية الحرب العراقية الايرانية حيث مازال الربيعي مقيماً في العراق، فان رواية (هناك في فج الريح) تبدأ ما بعد نهاية هذه الحرب حيث ينجح الربيعي في تحقيق حلمه بمغادرة البلد إلى تونس، كما هي نبوءة كريم الناصري المبكرة في رواية (الوشم)، لتجري أحداث الرواية كلها في تونس على النحو الذي يستكمل فيها الراوي صورة سردية وحياتية متواصلة من بغداد ما بعد الحرب وهو داخلها، إلى بغداد المحاصرة، وهو خارجها، بكل ما تعرضت له من خراب ودمار مادي وروحي وفني وجمالي، ومن الرؤية من داخل المكان في محنته وأزمته واحتراقه في (نحيب الرافدين) إلى الرؤية من الخارج في غربته وحزنه وحرمانه في (هناك في فج الريح)، وصولاً إلى تحقيق «الرؤية إلى الخارج» التي تسهم في تشكيل «الرواية الرائية»، وهي تنقل وتصور وتمثل وتحكي وتستشرف بخطاب روائي ساخن تتلاحم فيه اللغة مع الصنعة، السير ذاتي مع الواقعي، الرؤية مع الرؤيا، في نسيج سردي متماسك وحيوي ومنتج.ان طاقة الروية/الرؤيا عند السارد غالباً ما تعمل بأعلى كفاءتها وذلك لوجود عدة عمل سردية كافية ومكتملة ومشرعة على الدوام عنده، فهو يستثمرها ويشغلها برغبة واغراء وخصب من أجل بلوغ هذه المرحلة الرائية في السرد الرؤاي، إذ يشير الربيعي في مقدمة الكتابة السيرذاتي «أية حياة هي؟ سيرة البدايات» ما يمكن أن يندرج في هذا السياق قائلاً «إن حظ السارد وفرصته في تحرير ما عاشه ورآه من خلال نصوصه أكبر من المساحة المتاحة لمبدعين في مجالات أخر».
على أساس أن الحكي هو مهنة السارد وهو أقدر من غيره على التفنن بها والتصرف بعناصرها وتشكيل رؤياتها.
من هنا يمكن أن تتأكد أطروحتنا في النظر إلى الروائي الرائي الذي تدفعه رؤيته النافذة القادرة على قراءة المستقبل إلى الكتابة داخل هذا الفضاء، والرواية الرائية التي يكون بوسعها الاجابة على أسئلة الرؤيا التي تتأسس فيها فلسفة الروائي ومقولته وحساسيته، على النحو الذي لا تكتفي الرواية فيه بأن تكون شاهداً على العصر، بل أن تتحول إلى رائية للمستقبل، ويتحول أفق التوقع عند الروائي (قبل القارئ) إلى قراءة الآتي بدلالة الراهن، ولاسيما حين تحيل الرواية على مرجعيات راسخة يتحقق أعلى تمثيل سردي ممكن لها داخل فضاء السرد الروائي، بحيث تكون الرواية هنا جسر تواصل بين زمنين وحالين وسردين ورؤيتين.
مدخل مفهومي:
بالرغم من أن الرواية اشتغلت على استثمار طاقة المكنون السيرذاتي أقصى استثمار في حدود التداخل الاجناسي المعلن بين السيرة الذاتية والرواية، إلا أن وعي التشكيل عند روائي خبير مثل الربيعي نأي بالرواية عن مغبة الانسحاق تحت وطأة الاغراء السيرذاتي في الإلحاح على الواقعة إلحاحاً تسجيلياً طاغياً، ودفع الروائي نحو تمثل أدوات اللعب السردي الروائي والاشتغال عليها ضمن الحدود الدقيقة التي تبقى الخيط السيرذاتي موازياً للخيط الروائي في تفعيل أدوات التشكيل السردي وتوجيه محركاتها.
ومع أن الرواية خطاب سردي ابداعي كما هو معروف إلا أنها يجب أن تنطوي على رؤية حجاجية حالها حال أي خطاب معرفي آخر، فجودة الرواية كما يرى البيريس «تقوم، ولا شك على قوة الرؤية التي تقدمها واقناعها»، لأن عالم الرواية وفضاءها عالم واسع ومتشعب ومتطور بشبكته المتداخلة والمتعاضدة العالية الخصب والثراء من المكونات والعناصر والأدوات والمرجعيات فإذا افتقرت إلى قوة الرؤية وضعف الحجاج للدفاع عن مقولتها وفلسفتها فإنها تصطدم بمجتمع قراءة يرفضها ويتخلى عن رعايتها.
الرواية على وفق هذا الفضاء الرؤيوي لا تتحدد بسماتها الشكلية بقدر ما تتحدد بمداليلها وقيمها المرجعية، المرتبطة عادة بفكرة التخييل. ولا تتحقق قوة حضورها في مجتمع القراءة إلا بتحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن بين التشكيل والتعبير، على النحو الذي يعكس تماسكاً نصياً يذهب بخطاب الرواية إلى أعلى درجات التأثير والفعل.
تتسم الرواية مثل جل أعمال الربيعي السردية بالتدقيق الشديد في التفاصيل، وهي خاصية سردية سيرذاتية بالدرجة الأولى، تمظهرت بأعلى درجات حساسيتها في كتابه السيرذاتي «أية حياة هي»، وتشغل في روايته «نحيب الرافدين» مساحة واسعة وعريضة ولاسيما على صعيد تمثيل العلاقات بين الشخصيات، وتصوير الأمكنة، وتلمس الحالات الباطنية العميقة لاشكالية ترتيب العلاقة بين الداخل الشعوري والخارج السلوكي، وقد حظيت الشخصية المركزية «غسان العامري» بالقدر الأكبر من الاستجابة الروحية لهذه السمة التفاصيلية في اقامة بيتها السردي المنقسم بين السيري والروائي.
السمة التشكيلية الأخرى التي اشتغلت عليها الرواية بوضوح هي مسرحة الحدث السيرذاتي الروائي، من خلال هيمنة روحية العرض السردي على الحدث الكبير والأحداث الصغيرة، بوساطة عنصر الحوار وقد تمخض بالكثير من الفعالية الدرامية التي تقود إلى مسرحة الحدث السردي وتعضيد رؤيته في هذا الاتجاه.
يمكن النظر إلى رواية «نحيب الرافدين» بوصفها خطاباً جمالياً وايديولوجياً وثقافياً موجهاً يمثل شهادة سردية للحرب، وهذه الشهادة هي شهادة ابداعية تنأى عن الشعاري والصوت العالي والمبالغة الوصفية ذات الطبيعة التحريضية، إذ تتكشف في الرواية عن هدوء متميز وخاص ونوعي يبدأ من الجزئيات والتفاصيل والحراك الوجداني الداخلي، ويتحرك باتجاه تمثيل الخاص في العام، والهامش في المركز، والنوعي في العادي، والمكبوت في الصريح، والغائب في الحاضر، والفردي في الجمعي، والسيري في التاريخي، والمكاني في الزمني، على نحو متداخل ومشتبك ومنفتح ومتدفق وموح.
إنها شهادة استثنائية يتعرف القارئي بدلالتها على مناخ الفضاء العراقي زمن الحرب بدقة حكائية لا سبيل إلى اغفالها، وعلى الرغم من انها تمثل وجهة نظر الروائي في الأحداث، وهي وجهة نظر خاصة في الأحوال كلها، غير أن القارئ بوسعه أن يقرأها قراءته الخاصة المستندة إلى معرفته وثقافته ورؤيته، وهو غير ملزم بطبيعة الحال بوجهة نظر الروائي الخارج نصية ذات الموجهات الخاصة، لكن معايشته للعمل الروائي بتفاصيله وحيثياته وتخومه وجيوبه والماحاته وتقولاته وايحاءاته، ستجعله يتواصل مع رؤية الروائي ويتفاعل معها حتى وان خالف معطياتها التاريخية وضروراتها السيرذاتية بأي شكل من الأشكال.
الشخصيات: الرؤية وفلسفة التشكيل
حفلت رواية «نحيب الرافدين» بشبكة واسعة من الشخصيات التي كونت الحدث الروائي وشغلت عناصر تشكيله، وتتنوع شخصيات الرواية بين شخصيات ظهرت بأسمائها الواقعية في منطقة المرجعية الواقعية المعروفة في الساحة الثقافية العراقية والعربية إبان الثمانينيات، وبأسماء أخرى استبدل بها الروائي أسماء أخرى تحيل على الأسماء الواقعية من خلال طبيعة الشخصية وأصوات الحروف المكونة لاسمها.
إن قضية أسماء الشخصيات من حيث أصولها السيرذاتية ومرجعيتها الواقعية وطبيعتها وجدوى استبدالها، تبقى اختياراً تأليفياً من الصعب التدخل فيه نقدياً، وهو يرتبط عند الكاتب برؤية تفرضها طبيعة الرواية وطبيعة الظروف الأخرى المتنوعة المحيطة بها، فأسماء الشخصيات الروائية تمثل «علامة سيميائية تتحدد دلالتها ومقاصدها عبر السياقات النصية والذهنية، وذلك ضمن علاقات نصية بنيوية تفاعلية قائمة على التقابل والاختلاف والاستبدال، ويقوم اسم العلم بدور تمييزي للشخصية داخل المسار السردي والحكائي»، على النحو الذي يكون له بالغ الأثر على مسيرة الرواية ومستقبلها الحكائي والفني والجمالي.
ربما تعد اشكالية بناء الشخصية في العمل الروائي بوصفها عنصراً مركزياً من عناصره من أخطر اشكاليات الرواية وأهم قضاياها، وذلك لطبيعة العلاقة الشائكة بين الشخص الحي في الحياة والشخصية الورقية في متخيل الرواية، إذ يميل القراء عادة وبكل أطيافهم إلى ايجاد معادل ما بين شخصيات الرواية وشخوص معينة في الواقع، لذا نجد الكثير من الروائيين تحسباً لهذا الاحتمال يضعون اشارة في مطالع رواياتهم تقول بأن أي تشابه بين شخصيات الرواية وشخوص معينة في الواقع هي من باب المصادفة المحض، تنزيهاً لشخصيات رواياته المتخيلة من مغبة الوقوع في شرك مقارنتها مع شخوص واقعية بعينها.
وعلى هذا يمكننا القول مع معظم منظري السرديات «ان قضية الشخصية هي قبل كل شيء قضية لسانية، فالشخصية لا وجود لها خارج الكلمات لأنها ليست سوى «كائنات من ورق» ومع ذلك فان رفض وجود أية علاقة بين الشخصية والشخص يصبح أمراً لا معنى له، وذلك أن الشخصيات تمثل الأشخاص فعلاً ولكن ذلك طبقاً لصياغات خاصة بالتخييل»، إذ تتجسد الاشكالية في أعلى مراتبها هنا بين تخيلية الشخصيات الروائية من جهة، وتمثلاتها الواقعية في شخوص مشابهين على أرض الواقع من جهة أخرى.
وربما تكون شخصيات الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي من أكثر الروائيين العرب قرباً من شخوص الواقع الحي وتمثيلاً لهم، وهو على وعي تام بهذه الحقيقية التي تشكل لديه رؤية كتابية مخصوصة اشتغل عليها في جل رواياته، لذا هو يقول: «لا آتي بشخصياتي من المريخ ولا من سنغافورة، بل آتي بها من بين الناس الذين عرفتهم وأحسست أن لهم أدوارهم المنفردة التي لا تذوب في روح القطيع»، بمعنى أنه ينتخب شخصياته من الواقع بكل حرارته وحيويته وسلطته، ويسعى في عملية الانتخاب هذه إلى إلفات النظر نحو شخصيات بعينها يمكنها أن تسهم عميقاً وواسعاً في الاجابة على أسئلة رواياته.
إن الربيعي يصرح بآليات تشكيل شخصياته الروائية كاشفاً عن مرجعيتهم الواقعية على النحو الذي يضاعف من قوة الاشكالية بين الشخصية المتخيلة والشخص الواقعي بقوله: «عند كتابتي لروايتي «خطوط الطول... خطوط العرض» أقدمت على انجاز توليفة من شاعرين تونسيين نقاط الاختلاف بين شخصيتيهما وشعرهما أكثر من نقاط التلاقي هما منصف المزغني وخالد النجار، لتأتي شخصية عمر الماجري في الرواية، وكل منهما على علم بما فعلت ويعرف أين هو وأين الآخر؟ ثم أين كمية (المتخيل السردي) في شخصيتيهما»، وهو ما يشي بأن كمية الواقعي وكمية المتخيل إنما تخضع لطبيعة التجربة وحساسيتها ورؤيتها، ودرجة حضور المرجعيات الواقعية في المتن الروائي التخييلي. ومما يحيل على قوة حضور شخصية الربيعي نفسه في رواياته تأكيده على تمثيل شخصيته الواقعية في متخيله الروائي، فهو يقول: «في رواياتي لم أستطع أن أعزل نفسي عن مؤثرين أساسيين يشكلان العمود الفقري لتقنيتها وهما الرسم والشعر»، إذ ظلت شخصية الرسام وشخصية الشاعر ماثلتين في رواياته ولاسيما روايتيه الأخيرتين «نحيب الرافدين» و«هناك في فج الريح» إذ تظهر شخصية غسان العامري في «نحيب الرافدين» بهوية شاعر يهوى الرسم على نحو ما، وشخصية حسان الزيدي رسام يهوى الشعر على نحو ما في رواية «هناك في فج الريح»، وهما الشخصيتان القريبتان جداً من شخصية الربيعي.
كما أن أصدقاءه الحميمين الذين أشار إليهم في كتابه (من سيرة تلك الأيام) كانوا هم أبطال روايته (نحيب الرافدين)، وقد استبدل بأسماء بعضهم الحقيقية أخرى روائية قريبة بعض الشيء من أسمائهم الحقيقية المعروفة جداً في الوسط الثقافي العراقي والعربي، فيما أبقى على أسماء آخرين منهم بأسمائهم الحقيقية في الواقع، وذلك لضرورات سردية يقدرها الكاتب نفسه، فأسماء حقيقية مثل «عوني الديري، وهو (كاتب لبناني يقيم في بغداد، ومن أقرب الأصدقاء إلى قلبي)، وكذلك ماجد السمارائي، غازي العبادي، حاتم الصكر، اضافة إلى سجعان سجعان (أبو ريتا) صاحب «كافتريا المنصور» مأوانا وملتقانا في بغداد، وغيرهم»، تمثلت شخصياته في الرواية على نحو كثيف ومشتبك.
ويقف في مقدمة هذه الشخصيات في الرواية شخصية «عدنان العزيزي» حيث تشير الأسانيد والقرائن السيرية الكثيفة على أنه «غازي العبادي»، وحيث يقوم الراوي كلي العلم بوصفه وصفاً دقيقاً يحيل تماماً على العبادي:
«كان من عادة عدنان العزيزي أن يمر به كل صباح ويقف سيارته «الفولكس واغن» الزرقاء تحت العمارة، ويطلق صوت منبهها بالضغط عليه ثلاث مرات فيطل من النافذة العلوية ويؤشر له بيده ينتظره. وكان عدنان العزيزي يمضي دقائق الانتظار في المكتبة الصغيرة متحدثاً مع صاحبها العجوز حتى يحضر غسان لتبدأ جولتهما اليومية. لم يكن بمقدور عدنان العزيزي صعود الطوابق الثلاثة حيث شقة صاحبه، لقد خانه قلبه، ضعف وانغلقت شرايينه التي تحمل الدم منه، وكادت تلك النوبة تقضي عليه. لذا لم يعد بمقدوره التحرك إلا وعلبة الدواء معه ليسعف بها قلبه كلما أحس باضطرابه. كان عدنان العزيزي طيباً مثل ناقة، صادقاً مثل الصبر، صافياً مثل النبيذ، وعندما يسمع صوت منبه سيارته يحس غسان بأنه ليس وحيداً في هذه المدينة المنكوبة بالحرب والخوف، وأن هناك من يسأل عنه ويهتم به».
إذ ان كل المعلومات التي أدلى بها الراوي عن شخصية عدنان العزيزي تنتمي في الواقع انتماء حاسماً إلى شخصية غازي العبادي، وهو ما ينطبق على كل الشخصيات الأخرى التي اشتغلت عليها رواية (نحيب الرافدين)، إذ هي رواية شخصيات وحدث مركزي تؤثثه هذه الشخصيات بالحكايات والأحداث وتستجيب لمعطياته وآفاق تشكله.
ثمة علاقة لصيقة بين الشخصية المحورية (غسان العامري) والمكان الذي يتمظهر تمظهرات شتى، من المكان الحيز وهو «بيت الضبع» الشقة التي عاش فيها غسان بعد هجره لبيت الزوجية، إذ الرواية تبدأ من الشقة وتنتهي بها، وثمة مكان آخر يحويها أشمل وأكبر هو العمارة التي لا تحظى بأهمية كبيرة سوى احتوائها على جمهرة من المصريين، وقد حولوا المكان إلى مكان مصري على كل المستويات، ويحيط بهذا المكان مكان أوسع وأكثر انفتاحاً هو المدينة «بغداد» التي ترسم جزءاً مهماً من السياسة السردية للرواية. تقدم الرواية على صعيد تجسيد زخم حضور الشخصيات في الرواية الكثير من الشخصيات، التي غالباً ما ترد بأسمائها الحقيقية الواقعية حين لا تكون من الشخصيات الفاعلة والمستمرة الحضور في المتن الروائي للرواية، ليكشف من خلالها تفصيلاً حيوياً من تفصيلات الرواية يرغب الراوي في الاشارة إليه أو تكريسه:
«وبعد ضجيج «الأسواق المركزية» يتوجه إلى مكتبة «الرفيف»، وهي عبارة عن كشك وضعه أحد كبار ممثلي المسرح والتلفزيون في مدخل كراج السيارات الذي يشغل المساحة الفارغة أمام مدرسة الموسيقى والباليه. لقد اضطر هذا الممثل المرموق لإنشاء هذا الكشك الذي تعمل فيه زوجته فترة ما بعد الظهر، أما الممثل واسمه مقداد عبد الرضا فكان يقوم بالمهمة مساء».
ومرة سأله غسان العامري:
«من أين جئت بهذا الاسم الجميل الرفيف؟ هو اسم ديوان شعر أكثر منه اسم لكشك بيع صحف موزع في فسحة تلعب بها الريح الترابية شتاءً وصيفاً. ورد عليه مقداد وهو يخوص احدى عينيه فكأنه يؤدي دوراً في مسرحية:
إنه رفيف قلبي، ثم والأهم انه اسم ابنتي.
وكان عدنان يعلق:
هذا بلدك! ممثل كبير يفتح كشكاً للصحف وأدباء معروفون يحولون سياراتهم الخاصة إلى سيارات تاكسي، أية فجيعة هذه؟!
انها الحرب لقد قلبت كل شيء. وما هذه إلا البداية والآتي أعظم».
إن شخصية (مقداد عبد الرضا) هي شخصية ممثل معروف ومشهور جداً في المسرح والتلفزيون والسينما العراقية، والحادثة التي يرويها الراوي بمعية تقديم الشخصية هي رواية واقعية معروفة في الحياة العراقية إبان الحرب، وتمثل روايتها بهذه الطريقة تكريساً للحالة المأساوية التي آلت إليها الأوضاع في العراق، مضافاً إليه «وأدباء معروفون يحولون سياراتهم الخاصة إلى سيارات تاكسي» وصولاً إلى «أية فجيعة هذه؟!». غير ان الاجابة ما تلبث أن تأتي مباشرة على لسان الممثل عبد الرضا «انها الحرب لقد قلبت كل شيء»، مشفوعة برؤية رائية تحدس ما سيكون عليه الحال من فجيعة أكبر «وما هذه إلا البداية والآتي أعظم»، على النحو الذي يسهم في تحقيق جزء من رؤيا الراوي وهو يحشد بكثافة هائلة شبكة متنوعة ومتعددة وشاسعة من الشخصيات المسماة والمرمزة لتشكيل رؤياه في الرواية.
وتحتل شخصية «أبو ريتا» الواقعية صاحب كافتيريا المنصور اللبناني الأصل حضوراً لافتاً .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.