السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    في طريق عودته للبلاد .. رئيس الوزراء يلتقي سفير السودان لدى إثيوبيا والمندوب الدائم لدى الاتحاد الأفريقي    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هيئة شئون الانصار : يا أهل النظام اتقوا الله في حق العباد والبلاد وعيدوا الأمور الى نصابها والحق لأهله
نشر في حريات يوم 11 - 01 - 2014

دعا د. مصطفي هارون أمين شئون الإدارة بهيئة شئون الانصار في خطبة الجمعة الى القاها بمسجد الإمام عبدالرحمن بودنوباوي المؤتمر الوطني الى ان يتقوا الله في حق العباد والبلاد، وأن يعيدوا الأمور الى نصابها والحق لأهله خاصة وقال ان الإصلاح الحق يتم من خلال الإعتراف بالحقائق والوضوح في القول مع احترام عقول الناس حتى لا تغمط أشياؤهم بأي شكل من أشكال الكبر والمكابرة، قال(ص) : "الكبر هو بطر الحق وغمط الناس أشياءهم"، فعدم الإعتراف بالحقائق يعتبر نوع من الكذب والكذب آية من آيات النفاق، وأما الشجاعة الأدبية فمطلوبة للإعتراف بالخطأ وللرجوع الى فضيلة الحق ولإحقاق قيم الحق، وهي شجاعة نجدها في قول الفاروق عمر(رض) حين قال:"ولينا على الناس لنسد لهم جوعتهم ولنوفر لهم حرفتهم، فإن عجزنا عن ذلك إعتزلناهم و اضاف هارون ان واقع حال البلاد يحتاج الى التغيير ومن ثم الإصلاح، و اشارالى ان الفساد ليس هو ما اعترف به المؤتمر الوطني في الخدمة المدنية وحدها وإنما هو فساد طال كل مرافق البلاد الحيوية وبنياتها التحتية، الزراعية منها والصناعية والخدمية والصحية والإقتصادية والتعليمية والبيئية بما خلق واقعاً مستجداً وظروفاً اجتماعية قاهرة شابها الفقر والجهل والمرض، وبما ولد فساداً كبيراً في الأخلاق والسلوك والطباع إفراطاً كان أو تفريطاً، وا ختتم حديثه بنصيحة للحزب الحاكم ان اتقوا الله في حق العباد والبلاد، وعيدوا الأمور الى نصابها والحق لأهله خاصة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وأصحابه الحنفاء، وبعد…
قال تعالى:{ لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ {3/164}}(آل عمران).
قبل بعث النبي بدين الإسلام ونور القران كانت الدنيا مليئة بفساد الإعتقاد وضلال العبادات وجور المعاملات والتمايز بين الناس على أساس الألوان والطبقات والتمتع المطلق من غير ضابط بالنساء وشرب الخمر ولعب الميسر وكل أنواع الفسوق والفجور والمظالم، لقد كان الكون كله خاضعاً لله يسبح بحمده ويسجد له إلا بني البشر ممن أعرضوا عن ذكر الله وتسبيحه وتاهوا عن عبادته فضلوا ضلالاً مبيناً، قال تعالى:{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا {17/44}}(الإسراء)، وقال:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء {22/18}}(الحج)، لذلك كان لابد من مجيء المصطفى صلى الله عليه وسلم بنور الهدى ودين الحق الذي يبدد تلك الظلمات ويزيل تلك المهلكات، لذا كان ميلاد الحبيب المصطفى في دار أبي طالب في مكة بشعب بني هاشم في الثاني عشر من ربيع أول الموافق 20 أبريل عام 571 بما يعرف عام الفيل إيذاناً لذلك النور الذي يعيد الناس الى طريق سليم ودرب قويم تنتظم به سبل الحياة وتتضح به مناهج النجاة والسلم والسلامة وتتحقق من خلاله الأهداف والغايات التي من أجلها خلقوا، قال تعالى:{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ {51/56}}(الذاريات)، ولكون النبي صلى الله عليه وسلم بعث بنور القرآن ورسالة الإسلام فإن الله قد رفع ذكراه في حياة الناس على الدوام حينما جعلها قائمة في كل أحوال عباداتهم، عند تلاوة القران وعند رفع الآذان وعند التشهد في الصلوات وعند الصلاة عليه، إلا أنه مع ذلك ظل المحبون له والمصدقون به وبدينه يفرحون بأيام ميلاده من كل عام لأجل مذاكرة تفاصيل سيرته وأخلاقه وعبادته وكافة أحواله في شخصه وأسرته ومجتمعه وحياته بقصد اقتفاء أثره وتتبع سكته، قال تعالى:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ {60/6}}(الممتحنة)، فكمال الهناء وجمال الفرح به يكون في امتثال منهجه الذي يجلب للناس محبة الله وتوفيقه لهم في الدارين، قال تعالى:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {3/31}}(آل عمران)، وعليه إذا تتبعنا أخلاقه للتأسي بها نجده صلى الله عليه وسلم كان قمة في الأخلاق والأدب، قال صلى الله عليه وسلم في جمال أدبه:"أدبني ربي فأحسن تأديبي"، وعن كريم أخلاقه قال تعالى:{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ {68/4}}(ال عمران)، وللتأسي بجمال الأخلاق قال صلى الله عليه وسلم : "أثقل ما يوضع في ميزان المرء يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق"(متفق عليه)، وفي تناول السيرة ورد أنه كان خلقه القرآن يسخط بسخطه ويرضى برضاه، لاينتقم لنفسه ولا يغضب لها إلا أن تنتهك حرمات الله فيغضب لله، كان أصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، أكثر نظره التفكير، لم يكن فاحشاً ولا لعاناً ولا يجزئ السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، كان لا يواجه أحداً بما يكره، يعود المريض، ويحب المساكين ويجالسهم، يعظم الفتنة وإن قلت، ورحم الله البصيري حين قال:
وإذا كان القطع والوصل لله *** تساوى التقريب والإقصاء
وسواء عليه فيما أتاه *** من سواه الملام والإطراء
ولو أن انتقامه لهوى النفس *** لدامت قطيعة وجفاء
قام لله في الأمور فأرضى الله *** منه تباين ووفاء
فعله كله جميل وهل *** ينضح إلا بما حواه الإناء
عليه من خلال هذا السرد نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم التزم بمكارم الأخلاق عملاً قبل أن يأمر بها قولاً حينما قال:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، لذا بجمال خلقه وحسن صفاته أرسله الله بديناً قيماً متكامل البناء عقيدةً وشعائراً وحدوداً ومعاملاتٍ وقيماً ومبادئاً واخلاقاً، ومن باب الذكرى لو تناولنا جزءاً من مضامنه التي يكمن فيها جمال القيم والمبادئ نجد أن سلامة الإعتقاد تتم: بصدق الإيمان بالله، وبوحدانيته، وبالتصديق بنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم وبما أُنزل عليه من وحي كريم وبما أمر الله به من شعائر وعبادات وما يلحق ذلك من استقامة وإخلاص في الأقوال والأفعال.
أما سلامة القيم والمبادئ وسائر المعاملات نجدها ممثلة في:
1. قيم الحرية، ومبادئها تتمثل في حرية الإعتقاد{أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} وحرية الرأي والتفكير{قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} وحرية الإختيار والتملك والتنقل{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} وغيرها من الحريات.
2. قيم الشورى{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}.
3. قيم الأخوة، ومبادئها في الأخوة الدينية والإنسانية وما يرتبط بها من مساواة.
3. قيم العدل، ومبادئه في القول{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ} وفي الشهادة{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} وفي الحكم{وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}.
4. قيم الرحمة المطلقة التي كتبها الله على نفسه وأرسل بها رسوله رحمة للعالمين لتتعدى الإنسان الى الحيوان والنبات.
5. قيم العمل الصالح، ومبادئه في الكسب الطيب للمعاش ولإعمار الأرض أو العمل الصالح المقترن بفضائل الإيمان{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}.
فهذه القيم والمبادئ جميعها وغيرها مما تضمنته رسالة الإسلام يكمن في جوهرها الحق والخير المطلق، وبالتالي فإن الإلتزام بها سيكون له آثاره الإيجابية في حياة الناس لآن في مضامينها يكمن الإصلاح والإعمار، أما الإنصراف عنها فحتماً سيقود حياة الناس الى نفس درجة ذلك الإنصراف تدهوراً وتعاسةً وشقاء{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}، ولما لم يكن الإيمان تمنياً وإنما هو التزام وعمل نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما صدع بأمرها اضطره ذلك أن يتحمل الصبر العجيب والحلم الفريد والأمل الغير محدود، فاستطاع أن يخرج الناس من ذلك الضلال المبين الى نور الحق والهدى المبين، ولما علم الله أن هذا الحق المبين والدين القويم في مسيرته الطويلة مع الأيام والمتغيرات والمستجدات سيواجه أزمات وعدم التزام بجوهره ومقاصده، قال النبي ص):"إن الدين ليأرز الى الحجاز كما تأرز الحية الى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس(وفي روايات أخرى:الذين يصلحون إذا فسد الناس)"(مسند أحمد، الدارمي، النسائي، ابن ماجه)، وذلك ما يعني أن الإسلام كان في بداية أمره كالغريب في بلاد لا أهل له فيها ولا أقارب لقلة المسلمين في ذلك الزمان، والشأن نفسه سيواجه أولئك الرجال الذين يرفضون الهزائم النازلة ويضحضون بالحجج الأباطيل الباطلة والتصرفات الجاهلة والفتن المتجددة والنوازل النازلة، فيحيون من درس من الدين ومن طمر من سنة المرسلين كما فعل الإمام المهدي(س) حين فاق أقرانه تقوى وخلقاً ومقدرات وغيره من الأئمة، وفي الحديث قال ص:"يحمل هذا الدين عن كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الضالين، وإنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"، وقال ص:"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها"(أبوداؤود).
الخطبة الثانية:-
الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على رسول الله الصادق الأمين وعلى آله وصحبه مع التسليم.
بما أن الإسلام قيم ومبادئ وإلتزام وأن قيادة الشعوب يجب أن تكون قدوة حتى ليتأسى بها الناس فإنها لم تكن بأي حال من الأحوال إحتلال مواقع متميزة أو جاه أو امتيازات ومخصصات، وإنما هي في مقامها الأول مقومات ومقدرات لنيل فرص المستقبل وارتياد تخومه، وذلك شأن يحتاج الى قوة في الإمكانيات، إمكانيات أخلاقية وفكرية وشجاعة أدبية، أما الأخلاقية فتناولناها في صفات وسمات وأخلاق رسول الله ص، وأما الإمكانيات الفكرية والقدرات المعرفية مطلوبة لأن أي تغيير للأفضل يتطلب معرفة الواقع بكل أبعاده محيطه ومحاسنه ومقوماته وسلبياته وإيجابياته وخياراته لأجل خلق واقع أفضل منه وأحسن وذلك شأن قد لا يطاله الكثير من الناس، ثم أن الإصلاح الحق يتم من خلال الإعتراف بالحقائق والوضوح في القول مع احترام عقول الناس حتى لا تغمض أشياءهم بأي شكل من أشكال الكبر والمكابرة، قال (ص) :"الكبر هو بطر الحق وغمط الناس أشياءهم"، فعدم الإعتراف بالحقائق يعتبر نوع من الكذب والكذب آية من آيات النفاق، وأما الشجاعة الأدبية فمطلوبة للإعتراف بالخطأ وللرجوع الى فضيلة الحق ولإحقاق قيم الحق، وهي شجاعة نجدها في قول الفاروق عمر(رض) حين قال:"ولينا على الناس لنسد لهم جوعتهم ولنوفر لهم حرفتهم، فإن عجزنا عن ذلك إعتزلناهم"، وعمر إذ يقول هذا الكلام لأن في علمه أن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، وهو بذلك يعرف أن المصلحة في الإسلام هي كل ما اقتضته حاجة الناس في أمر دنياهم ونظام معيشتهم وضبط شؤونهم وتقدم عمرانهم، ونحن إذ نقول هذ الكلام لنفصح كما أفصحنا من قبل وكما ظل يفصح طول وقته الحبيب الإمام بأن واقع حال البلاد بالجد محتاج الى التغيير ومن ثم الإصلاح، وإذا كان رئيس البلاد نفسه قد اعترف بنهج التمكين وتسييس الخدمة المدنية وما آلت اليه من فساد بسبب سياسات ما سمي بالفصل للصالح العام أو لتعيين ما سماهم بأولاد المصارين البيض وترقيتهم في الهياكل الوظيفة من غير أي معيار للكفاءة، وحقيقة هنا يطرأ سؤال لهؤلاء وهو أنكم ألم تكونوا تعلموا بقول رسول الله (ص) فيما رواه عنه أبوهريرة:"إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: وما إضاعتها يارسول الله؟ قال: إذا وسِّد الأمر(أي أٌسند الى غير أهله)"(مسلم)، فإذا كانت الإجابة لا فتلك مصيبة، وإذا كانت نعم فالمصيبة أكبر فتحملوا وزرها، عن علي(رض) قال:"يارسول الله، أخبرني بأشد شيء في هذا الدين وألينه؟ فقال ((ص: ألينه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأشدُّه يا أخا العالية الأمانة، إنه لا دين لمن لا أمانة له ولا صلاة له ولا زكاة له"(البزار)، وأما نحن فعزاؤنا هو قول رسول الله )ص) فيما رواه عنه ابن مسعود:" إنكم سترون بعدي أثِرة(استبداد) وأموراً تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم وأسألوا الله حقكم"(مسلم) بمعنى أن واجبنا نحوهم هو النصح حيث الدين النصيحة وقد أديناها، وعلى ضوء هذه النصيحة فإننا نذكر بأن الفساد ليس هو ما اعترفتم به في الخدمة المدنية وحدها وإنما هو فساد طال كل مرافق البلاد الحيوية وبنياتها التحتية، الزراعية منها والصناعية والخدمية والصحية والإقتصادية والتعليمية والبيئية بما خلق واقعاً مستجداً وظروفاً اجتماعية قاهرة شابها الفقر والجهل والمرض، وبما ولد فساداً كبيراً في الأخلاق والسلوك والطباع إفراطاً كان أو تفريطاً، وعليه في ختام حديثنا نقول اتقوا الله في حق العباد والبلاد، وعيدوا الأمور الى نصابها والحق لأهله خاصة ونحن نعيش في رحاب أيام مولد الحبيب المصطفى ( ص الذي جاءنا بدين الرحمة والإنسانية والذي لانجاة للناس ولاسعادة لهم إلا بالإمتثال لبمادئه وقيمه وجوهره ومقصده، فتقوى الله هي من اهم مقاصد هذا الدين ومن أجلَّ آثاره وهي في حقيقتها تعني توافق سريرة الإنسان مع علانيته، ومن ثم فهي دعوة للإستقامة في كل جوانب الحياة، طُهر في اليد وطُهر في اللسان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.