"حميدتي": سنعيد مشروع الجزيرة لسيرته الأولى    مصر والسودان يوقعان مذكرة تفاهم للتعاون العسكري بينهما    القاهرة حريصة على استكمال مفاوضات «السد» والتوصل لاتفاق «عادل»    ارتفاع جديد.. سعر الدولار التأشيري في بنك السودان المركزي اليوم الجمعة 25 يونيو 2021    تمرد معلن    خبير ضريبي: إلغاء الدولار الجمركي شوه الرسوم الضريبية    ولاية سودانية تصدر قرارًا بمنع التصرّف في الساحات والمنتزهات والميادين    بعثة الهلال تصل أبو حمد وتختتم التدريبات اليوم    مستشار البرهان: تصريحات بعض المسؤولين عن خلافات المنظومة الأمنية (مضرة)    توقعات بزيادة أقساط التأمين ل50% بعد إلغاء الدولار الجمركي    مزارعون : إلغاء الدولار الجمركي يؤثر على مدخلات الإنتاج    (الثورية) و(قحت) : قيام الكتلة الانتقالية تحت راية الحرية والتغيير    محصول الفول السوداني.. (ثورة) من اجل العودة    اللجنة المنظمة لكأس العرب تعتذر للاتحاد السوداني    بعثة المريخ تشد الرحال إلى حلفا الجديدة برئاسة الأستاذ المحامي عمر نقد    استدعاء نانسي عجرم إلى المحكمة.. محام يكشف التفاصيل    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    منها العسل والسكر..7 مكونات في المطبخ لا تنتهي صلاحيتها    ناهد قرناص تكتب: كرت أحمر    حميدتي يتبرع ب10 سيارات جديدة لمشروع الجزيرة    الفنان أسامة الشيخ في حوار مختلف    في ظاهرة غريبة.. صفوف الآيس كريم تشعل السوشيال ميديا    الفتاة التي هربت للزواج من عشيقها تعبر عن ندمها    قيادي بلجنة إزالة التمكين : (لو لقيتونا مفسدين اشنقونا في ميدان عام)    إختيار نجم أم دوم الموهوب ضمن منتخب الشباب «2003»    زهير السراج يكتب: ضمانة المرأة !    المركزي يكشف معلومات مثيرة في اتهام سيدة بتهريب ما يفوق ال(100) ألف دولار    الشرطة تداهم منابع وشبكات الترويج للمخدرات بالخرطوم    سلطة تنظيم أسواق المال تمتدح إنشاء البورصات    مدير عام وزارة الصحة بالخرطوم يتعهد باستثناء القمسيون الطبي من قطع الإنترنت    ابرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة في الخرطوم اليوم الجمعة 25 يونيو 2021م    السوداني: مناوي: الذين يرفضون المصالحة مع الإسلاميين يخافون على مواقعهم    واحد من الأصوات الغنائية التي وجدت إهمالاً كبيراً.. إبراهيم موسى أبا.. أجمل أصوات السودان!!    سراج الدين مصطفى يكتب.. نقر الأصابع    رحلة صقور الجديان إلى الدوحة من الألف إلى الياء (2/2)..    إسماعيل حسن يكتب.. أين القلعة الحمراء    رحيل كلارك.. التفاصيل الكاملة بالمستندات    "جوكس" يقترح دمج وزارة الثقافة مع الثروة الحيوانية    الطيران المدني السعودي يصدر تعليماته حول العمالة المنزلية غير المحصنة    الموز الأخضر أم الأصفر.. أيهما يعود بفائدة أكبر على الجسم؟    فوائد الثوم المذهلة للقولون.. منها تنقيته من السموم والطفيليات    مباحث شرطة ولاية الخرطوم تفك طلاسم جريمة مقتل صاحب محلات سيتي مول    البلاغات تتصدر الحفلات    كورونا اختفى أثره تماماً من هذه الدول ولم يعد له وجود    وفاة تسعة أشخاص وإصابة عدد آخر في حادث مروري على طريق نيالا الفاشر    الخرطوم..حملات متزامنة للقضاء على عصابات المخدرات    السعودية تكشف إجراءات نقل الحجاج    التحول الرقمي والتحول الديمقراطي !!    وفاة وإصابة (13) شخصاً في حادث مروري بطريق (الفاشر – نيالا)    حكم بالقطع من خلاف لزعيم عصابة نيقروز    ما هو حكم خدمة المرأة لزوجها؟    بعد هزيمته في الانتخابات.. "فجوة" بين ترامب وابنته وزوجها    الخطيئة لا تولد معنا    تعرف على كيفية استعادة كلمة مرور جيميل أو تغييرها    لتخفي وجودك على الواتساب بدون حذف التطبيق..اتبع هذه الخطوات    هل هاتفك يتنصت عليك حقا؟.. تجربة بسيطة يمكن تطبيقها للتأكد من ذلك!    جدلية العلاقة بين الجمهوريين والأنصار!    دعاء الرزق مستجاب بعد صلاة المغرب .. 3 أدعية تفتح أبواب الخيرات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





صلاح أحمد ابراهيم: صورة من قريب حوار مع الطيب صالح
في ذكري صلاح الخامسة عشر
نشر في الرأي العام يوم 02 - 07 - 2008


خلال ساعة مسجلة صباح التاسع عشر من يونيو الماضي جلس الروائي العربي السوداني الاشهر الطيب صالح يحدثني عن صلاح أحمد ابراهيم فقد كانا صديقين حميمين. وكان الطيب حزيناً حزناً حقيقياً على الصديق الذي رحل. *يا طيب.. من هو صلاح أحمد ابراهيم؟ - صلاح عندي واحد من كبار الشعراء - ليس في السودان فقط - بل في العالم العربي وهو من الذين جددوا- أو من اوائل المجددين- في الشعر السوداني، ولد عام 1933م وتلقى تعليمه في مدارس ام درمان اما دراسته الجامعية فكانت في كلية الآداب جامعة الخرطوم، وكون صلاح أحمد ابراهيم من مدينة (ام درمان) فهذا ينطوي على الكثير، لأن (ام درمان)، يسميها السودانيون (العاصمة الوطنية)، فهي المدينة التي انشأها الامام المهدي بعد ان هزم (غردون) البريطاني هزيمة منكرة. والمدينة على الضفة الغربية للنيل. بعيدة عن الخرطوم التي رأها السودانيون عاصمة افرنجية.. فكانت (ام درمان) العاصمة الجديدة التي التأم فيها شمل القبائل السودانية التي حاربت مع المهدي ممثلة للسودان كله بشرقه وغربه وشماله وجنوبه، حتى ان هذه القبائل انشأت احياء معروفة بأسمائها حتى الآن في ام درمان. وكان الإمتزاج بين هذه القبائل بالتأثيرات المصرية والشامية والحجازية والشمالية والغربية الافريقية، وهذه كلها شكلت ما يمكن ان نسميه (الحضارة السودانية) اذا جاز التعبير، واسرة صلاح أحمد ابراهيم جذورها من شمال السودان، وهي اسرة علم ودين ولكن المدهش ان هذه الاسرة قدمت للسودان عديداً من الثوار. اخته فاطمة احمد ابراهيم اول نائبة شهيرة في البرلمان السوداني، وكانت تمثل الحزب الشيوعي، ورغم ماركسية فاطمة إلاَّ انها كانت متدينة- ومازالت- تحافظ على اداء صلواتها الخمس. وقد حكى لي شقيقها المرحوم صلاح ان والده المتدين قال لابنته فاطمة: من حقك ان تعتنقي اية افكار سياسية، ولكنني اوصيك بالصلاة،وقد ظلت السيدة فاطمة حتى اليوم لا تطيق الجلوس في مجلس شراب. وهي مناضلة شرسة، اذكر انني شاهدتها في البرلمان السوداني في عام 1966م تواجه رئيس الوزراء السوداني (محمد أحمد محجوب)- وهو رجل مشهور بقوة العارضة والفصاحة والبيان- مواجهة اعيت الرجل! وقد ظل تاريخها سلسلة من النضال، وقد قاسمها الحياة زوجها الزعيم العمالي السوداني (الشفيع أحمد الشيخ) الذي اعدمه الرئيس السوداني السابق جعفر نميري. ان في اسرة صلاح ما يثير التأمل، فنراه يجمع بين الثقافة العربية الاسلامية، والمعرفة الواسعة الدقيقة جداً بالسودان وافريقيا، ثم يتعمق في دراسات الادب الانجليزي، وقد اصبح صاحب اسلوب في الكتابة علامة عليه، وقد ظل كاتباً طوال تقلبه في وظائف عديدة فقد عين في الخارجية السودانية في عام 1970م وزيراً مفوضاً، وكانت مهمته في ديوان الوزارة مديراً للمكتب التنفيذي لوزير الخارجية، ثم نقل للعمل في نيويورك نائباً للمندوب السوداني في الامم المتحدة، ليعين بعدها سفيراً للسودان في الجزائر، ومازال الكثيرون يتذكرون له خطاب اعتماده امام الرئيس الجزائري فقد كان قطعة ادبية بالغة الرقي ولم يزل صلاح أحمد ابراهيم سفيراً في الجزائر حتى تناول الرئيس السابق جعفر نميري اسرة صلاح بكثير من التعريض والاساءة، فكان ان قدم صلاح استقالة من منصبه في نهاية السبعينيات، وراح يكتب شعراً ضد نميري تداولته الجماهير سراً داخل السودان، وفي باريس التي اختارها مستقراً له عمل خبيراً، في سفارة دولة قطر هناك حتى وافته المنية. ان عناصر درامية متنوعة صادفت حياة صلاح. فوقت ان كان طالباً في الجامعة انتمى إلى الحزب الشيوعي، ثم اختلف مع زعيمه عبدالخالق محجوب خلافاً شرساً جعله يكتب الشعر هجاء في زعيم الحزب الذي اعدمه جعفر نميري فيما بعد، كما اعدم زوج شقيقة صلاح «الشفيع»، ومن اشهر قصائد صلاح في هجاء عبدالخالق محجوب قصيدة عنوانها (انا نسى) التي تضمنها ديوانه الشعري الثاني (غضبة الهباباي) ولنا ان نتخيل حجم شجاعة صلاح اذا تذكرنا سطوة الحزب الشيوعي وقتها في السودان. من عرفوا صلاح أحمد ابراهيم وتابعوا كتاباته يدركون كم كان صلاح سودانياً قحاً مغرماً بالسودان الى درجة الجنون، وكان يمتليء بمشاعر الكبرياء والاستعلاء لاصوله الافريقية، ولعل هذا كان سر اختياره للعنوان الثابت لمقالاته (جديرون بالاحترام)، وقد قاده هذا الشعور العاطفي الجارف بحب السودان وافريقيا الى بعض المواقف التي يراها البعض خاطئة، كان كثيرون يظنون صلاح أحمد ابراهيم- مثلاً- لا يحب مصر، لكن العكس كان هو الصحيح، بل كان عاشقاً لمصر، لكنه كان في بعض الاحيان، وهو يرى في مصر الشقيقة الكبرى، يحس ان هذه الشقيقة الكبرى لا تقيم الاعتبار الواجب للسودان. وكان في هذا صريحاً واضحاً مستقيم الرأي لا يخفى ما لديه بأقنعة المجاملات، وكانت صراحته تدعمها دائماً احاسيسه بأنه يمتليء بالكبرياء وعدم الحاجة الى نفاق أحد، وفي ظروف محنة الحياة في باريس بظروفها القاسية في اوقات التبطل عزف عن قبول اية مساعدة من أحد! حتى لو كان من يعرض المساعدة شقيقه- الذي كان وزيراً في حكومة نميري- وعمل بعد ذلك مهندساً في الكويت موفور الرزق. لكن صلاحاً اعتذر عن قبول مساعدة منه!.. ولان صلاح احمد ابراهيم كان يؤثر ان يعيش في استغناء واستكفاء كاملين، فقد كان كبرياؤه يحير الآخرين ويثير الكثير من الجدل. كما تثير مواقفه عند ابناء وطنه اصطخاب الآراء فيها وتقلبها بين خصومة كاملة معها أو مؤيدة تمام التأييد. * أعود الى الطيب صالح، كيف يرى صلاح أحمد ابراهيم كاتباً وأديباً وشاعراً؟ يقول الطيب: كان أكثر ما يجذبك الى شعره التفاصيل السودانية الدقيقة جداً، وهو ما لا تجده إلا عند شعراء سودانيين قليلين مثل (محمد المهدي المجذوب)، فصلاح أحمد ابراهيم (شاعر سودان محدد) وافريقيا محددة وليست موهومة يستخدم كلمات من العامية السودانية - وهي فصيحة - في سياق جملته العربية، ويؤكد في كل لفظة انه قد هضم واستوعب التراث العربي تماماً، كذلك هو يملك ناصية العربية، يفاجئك بأفكار وصور جديدة بحكم تعمقه في الثقافة الانجليزية، وهو ما أتيح له بعد تخرجه في جامعة الخرطوم اذ عمل فترة في معهد غاني انشأه الرئيس الغاني الراحل (كوامي نكروما) للدراسات الافريقية، وكان على رأس المعهد مثقف انجليزي شهير هو (توماس هتشكين)، فاكتسب صلاح في هذه الفترة معرفة واسعة بالفكر الافريقي واصول القبائل والطقوس وغيرها، بحيث يمكنني ان اقرر انه لا يتفوق عليه في هذه المعرفة الواسعة سوى صديقه و استاذه المرحوم (جمال محمد أحمد). وفي نثر صلاح أحمد ابراهيم ما يمكن ان اسميه (الاسلوب الجاحظي)، نسبة الى الجاحظ ولكن في سياق معاصر. مزيج من متانة اللغة ورصانتها وجدة الافكار بطابع سوداني ملحوظ، وفي ديوانه الشعري الاول (غابة الابنوس) اختار شجرة (الأبنوس) تعبيراً عن الشخصية السودانية، وها هو ينشد فيقول: أنا من افريقيا صحرائها الكبرى وخط الاستواء شحنتني بالحرارات الشموس وشوتني كالقرابين على نار مجوس لفحتني فأنا منها كعود الابنوس فيعبر بذلك عن هوية سودانية محددة، ثم هو بعد ذلك يصدر ديوانه الشعري الثاني (غضبة الهباباي)،وكلمة (الهباباي) معروفة في شرق السودان ويقصد بها الغبار الناعم، وقد وجد صلاح - بعد سقوط نظام الفريق ابراهيم عبود في السودان- ان الشعب السوداني الذي ظنه جلادوه غباراً ناعماً هادئاً قد فاجأهم بغضبته وثورته العارمة. ويتجلى شعور صلاح أحمد ابراهيم بكبرياء هويته السودانية الافريقية في قصيدة ضمها هذا الديوان يقول فيها: هات لي بوقي بوق العاج لا الآخر.. واسبقني الى الساحة خبر صاحب الحانة ان يرفع لي الراية. ولا يمكن ان تكون هذه الصورة لشاعر غير سوداني، لان اصحاب الحانات - اسمها (الانادي) بتحريف لكلمة نادي- في السودان كانوا يرفعون راية لاي رجل موسر كريم يجعل شراب جميع من في الحانة على حسابه وهذا التقليد السوداني له اصوله عند عرب الجاهلية، ايضا الابيات كتبها صلاح أحمد ابراهيم بايقاع معروف لرقصة في شمال السودان اسمها (الدليب). وديوانا صلاح ليسا كل شعره، فله الكثير الذي لم ينشر، ولعل اسرته حالياً- كما علمت- تجمع انتاجه الذي لم ير النور، من خصوصيات اشعار صلاح كذلك ان مدينة امدرمان بادية فيها بخصوصية واضحة، وقد شهدت المدينة علاقة حميمة حارة بين صلاح احمد ابراهيم والقاص السوداني الراحل (علي المك)، الذي توفي قبل صلاح بخمسة اشهر، وعندما رثاه صلاح بدأ قصيدته بالحديث عن ام درمان التي عشقاها سوياً، وبعد التغزل في ام درمان وموقع بيت أهل (علي المك)، فيها يقول مخاطباً صديق عمره: فنم هانئا يا أخ ثقتي فزت في الاختبار والسلام عليك اخا رحلتي السلام عليك وراء الحجاب وشهيتني في المنية سيفي يهفو الى ضجعة في القراب السلام عليك انتظرني فمالي غير عصا.. وعليها جراب فاذا تأملنا صورة (العصا والجراب) فنحن امام صورة سودانية قحة. اذ كان السوداني عند سفر الهجرة من مكان الى آخر يحمل جراباً فيه بعض الزاد والماء، ويعلقه في عصاه على كتفه، وهكذا كان صلاح أحمد ابراهيم في حياته ليس لديه سوى العصا والجراب. اذ عرفته زاهداً بسيط الحياة، ولعل هذا كان سر قوته في مواجهة خصومه، ولم يكن يعاني - شأن بعض الشعراء الافارقة- اي احساس بالدونية، بل كان متعالياً الى ابعد الحدود ونادراً ما تجد في قصائده اقتراباً من مسائل العرق واللون وما الى ذلك. وقد لا يعرف كثيرون ان صلاح أحمد ابراهيم قد كتب في بداياته - بالاشتراك مع صديقه (علي المك) - مجموعة قصصة باسم (البرجوازية الصغيرة)، ولم يكتب الرواية. وكما عرف كشاعر من شعراء الفصحى فلا يعرف كثيرون كذلك انه كتب الزجل العامي السوداني المعروف باسم (الدوبيت) وكانت قصيدته في هجاء جعفر نميري تنتمى الى هذا اللون. بدأ صلاح أحمد ابراهيم ماركسياً، لكنه تحول عنها سريعاً بحيث انتهى الى حالة من التصوف الاسلامي. ويذكر الطيب صالح انه التقى بصلاح في جامعة (درم) الانجليزية من سنوات، وكان الشهر رمضان، فاذا بصلاح صائم رغم معاناته من مرض السكر، وقد اشفق الطيب على صلاح الذي اصر على الصوم، ويشير الطيب الى ان لصلاح قصائد صوفية لم تنشر. هكذا كانت رحلة عصفور (ام درمان) مذ بدأت وحتى رحل.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.