السودان بعد زيارة مصر: لن نحارب إثيوبيا    التعايشي: ملتزمون بحسن الجوار والحفاظ على الأمن الإقليمي    تجمع أساتذة جامعة البدري: وزيرة التعليم العالي لم تلب مطالبنا    مساع لانشاء بنك خاص لمشروع الجزيرة    حي العرب بورتسودان يفوز لأول مرة في الدوري .. ركلة جزاء تحبط حي الوادي نيالا أمام الأهلي مروي    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    هل فشلت النخب في امتحان الاقتصاد؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    البنك المركزي يحجز حسابات إيلا وأبنائه    عشاق الأضداد .. بقلم: كمال الهِدي    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    كانت الخرطوم جميلة .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الهلال يحقق فوزه الأول في الدوري على حساب الأمل .. هلال الساحل يفوز على المريخ الفاشر .. الخرطوم الوطني يستعيد الصدارة.. وفوز أول للوافد الجديد توتي    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    ما اشبه اليوم بالأمس د.القراى و لوحة مايكل أنجلو و طه حسين و نظرية الشك الديكارتى .. بقلم: عبير المجمر (سويكت )    فيما يعول عليه ! .. بقلم: حسين عبدالجليل    يا أسفي علي القراي ... فقد أضره عقله وكثرة حواراته .. بقلم: د.فراج الشيخ الفزاري    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    التعدد .. بقلم: د. طيفور البيلي    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





دارفور: الفضاء الإثني واتجاهات الحِراك \ أبو البشر أبكر حسب النبي

ابتداء من هذا المقال نحاول أن نطل على الفضاء الإثني في دارفور ، ونقوم بتحري أصول الجماعات وفحص مكونات القبائل والعشائر ورصد اتجاهات حراكها.. والقصد من ذلك هو تمهيد الطريق للعبور إلى دراسة الحركات المسلحة، حركة بعد حركة ، والهدف من هذه دراسة توفير البيانات الحقيقية ، خاصة ل(ذوي النوايا الحسنة ) الذين يضعون الحركات في مقام الكيانات الهيكلية والمؤسسات المؤطرة ويعلقون آمالهم عليها ، والحقيقة ، للعارفين ، فهي محض (تلفيقات ) قبلية و(تكويشات ) عشائرية ، تقوم ( فكرتها المركزية ) على هذا الأساس الإثني لا غير .. منتهجين منهج التفكيك بإعادة كل حركة إلى مكوناتها الأولية مع كشف المستور وحل الألغاز الملثمة التي تلفها..ولا يعني ذلك إننا نطعن في شرعية وجودها أو نرمي إلى ( الإطاحة بها)! هذا ليس بشأننا ، وإنما نروم فقط ممارسة حقنا في (النقد الاجتماعي ) بغرض التقويم ول(صالح العام ).. أما ترتيب دراسة الجماعات فقد جاء اتفاقا، وليس بسبق الإصرار. كما أن طول المقال حول مجموعة بعينها وقصرها عند أخرى ناجم عن توفر المادة العلمية عن هذه وندرتها عند تلك.
1- شعب الزغاوة
يطلق مسمي (الزغاوة )على أحد الشعوب الصحراوية ، وهو المسمى الأكثر وروداً في المصادر العربية الكلاسيكية بالمقارنة مع أسماء الشعوب الصحراوية الأخرى مثل (التوبو /القرعان ) و(الطوارق/ الكنين) و(الكانوري) و(الكانمو) ..الخ . ولا يضاهي معدل تكرار هذا المسمى في تلك الأدبيات إلا المسميات الأخرى مثل (النوبة ) و(البجة) ( و(الحبشة/الأحباش) و(السودان/ الزنج ) ، حيث يذكر محمد عمر بشير أنه قل من الرحالة والمؤرخين العرب من لم يذكر (الزغاوة ) في مؤلفاته . ورغم غزارة المادة التاريخية والبيانات الإثنوغرافية عن الزغاوة في هذه المصادر إلا أن كثيرا من تلك البيانات تبدو غامضة ومبهمة ومتناقضة أحيانا ، حيث يعزي موسى عبد الجليل هذا الغموض إلى عدم قدرة مسجلي الأخبار في تلك الأزمان في التعمق و البحث عن الأصول العرقية للتجمعات البشرية ومجالات انتقالها بالدقة المطلوبة . ويمكن أن نضيف إلى ذلك إن البيئة الثقافية الخرافية التي سجلت فيها تلك الأخبار دفعت بالمؤلفين بأن يخلطوا الغث بالثمين/السمين ! والخرافة بالحقيقة مما أفضى إلى انخفاض قيمة تلك النصوص و تضاءل فائدتها .
لذلك نجد أن تطور الحياة في (دار الزغاوة ) التي تحتل –في الوقت الحاضر- الركن الشمال الغربي لإقليم دارفور ، لا يعرف عنه إلا القليل في الفترات السابقة للقرن السابع عشر الميلادي .. .
نورد فيما يلي( للفائدة العامة ) بعض الشذرات مما حفلت بها المصادر العربية الكلاسيكية من بيانات عن الزغاوة ، وباختصار شديد ، لأنها وافرة بحيث إن رمنا حصرها سوف نغرق في بحر من النصوص ونتوه عن قصد السبيل .
يقول القلقشندي نقلاً عن ابن سعيد المغربي أن " الحبشة ولد كوش والنوبة من كنعان بن نوح وكذلك الزغاوة " . ويؤكد اليعقوبي بأن الفرقة التي غربت من أبناء نوح تمثل " الزغاوة والقاو والمرويون والمرندة والكوكو" إلا أن قيمة مثل هذه النصوص تكمن فقط في ذكر كلمة " الزغاوة " أي أن هذا الشعب كان معروفا لدى هذين المؤلفين في وقت التأليف ، أما حكاية "أبناء نوح "هذه فهي من الخرافات الموغلة في الوهم ولا قيمة لها من وجهة نظر التاريخية والأنثروبولوجية
ولكننا يمكن أن نعتمد على بعض المؤلفين الذين تتوفر في نصوصهم بعض أشراط العلمية مثل أبن خلدون الذي يجعل الزغاوة طائفة من البربر الملثمين (الطوارق ) سكان الصحراء ويقول " ... الملثمون الموطنون وراء الرمال الصحراوية بالجنوب ... أبعدوا في المجالات هناك منذ دهور وقبل الفتح واعتادوا ألبان الأنعام ولحومها ونزلوا من ريف الحبشة جواراً وصاروا بين بلاد السودان حجزاً .. وعفوا وكثروا وتعددت قبائلهم من كذالة فلمتونة ، فمسونة ، فزغاوة " ويضيف الأصطخري بأن "الزغاوة أمة عظيمة لا هم نوبة ولا زنج ولا حبشة ".
ومن المؤرخين والجغرافيين العرب من أطلق مصطلح (الزغاوة ) على البلاد وساكنيها ..مثل الشريف الأدريسي الذي يقول " زغاوة مجتمع كور كبير كثير الشجر وحولها خلق من الزغاويين يشيلون بإبلهم ولهم تجارات يسيرة ... فشربهم من آبار وأكلهم الذرة ولحوم الجمال المقددة ... ولباسهم الجلود المدبوغة وهم أكثر السودان حرباً .. رماة بالقصي .. وأرضهم متصلة بأرض النوبة ومن بلادهم سمنة وهي مدينة صغيرة " .( أدعى آركل أن "سمنة" هي "دار السميات" شمال الفاشر "!!" ولا أحد يعتد بتخريجاته السذاجة!) . ويحذوا المهلبي حذوا الإدريسي ويقول " للزغاوة مدينتان يقال أحدهما مانان والأخرى ترازكي ، وهما في الإقليم الأول وعرضها إحدى وعشرين درجة " إلى أن يقول ".. مملكة الزغاوة مملكة عظيمة من ممالك السودان في المشرق منها مملكة النوبة التي بأعلى صعيد مصر بينهما مسيرة عشرة أيام ، وهم أمم كثيرة ، طول بلادهم عشرة مراحل في مثلها في عمارة متصلة " .ويأتي في أثرهما ابن الأثير ويقول " زغاوة مملكة كبيرة واسعة على النيل محاذية لبلاد النوبة وشربهم من آبار وعيشهم على لحوم الإبل وهم أكثر السودان حرباً " . ويضيف المسعودي " .. ويلي النوبة الزغاوة على الحدود المصرية " .. ولكننا نجد أبن حوقل النصيبي يبعد ديار الزغاوة عن النيل غرباً ويقول " .. من زويلة إلى فزان خمس عشرة مرحلة ومن فزان إلى زغاوة شهران "
وبذلك فهو يوافق ابن فضل الله العمري الذي يجعل الزغاوة جزءا من الشعوب التي تدين بالولاء لملك مالي ويقول " ومنهم زغاوة وبراغوري وكوكو " وهناك من يجعل ديار الزغاوة تمتد من الحبشة إلى السودان الأوسط (حوض تشاد ) فمن هؤلاء ابن سعيد المغربي الذي يقول " .. البجاوة ومنهم النصاري والمسلمين ولهم جزيرة بسواكن في بحر السويس ويليهم النوبة إخوة الزنج وللنوبة مدينة دنقلا غرب النيل ويليهم الزغاوة وهم مسلمون ومن شعوبهم تاجرة ويليهم الكانم وهم خلق عظيم والإسلام غالب عليهم ". ويضيف أبو الفداء " قاعدة الزغاوة جيمي حيث أسلم أهلها ودخلوا في طاعة الملك الكانمي ... ومجالات الزغاويين والباجويين ممتدة من المسافة التي على اعوجاج النيل وهم جنس واحد غير أن الباجويين أحسن صورة وخلقاً من الزغاويين .. من دنقلا إلى بلاد الزغاوة في سمت الغرب عشرون مرحلة " .
هذه نماذج مما ذكره الجغرافيون والمؤرخون العرب عن (الزغاوة ) ولم يحظ هذا المسمى في المصادر العربية الأخرى مثل الأدب العربي التقليدي بأي حضور يذكر إلا فتات من الإفادات اليسيرة و التي أغلبها سلبية للغاية مثل بيت شعر أبي علاء المعري المشهور "سبعة إماء من الزغاوة زوجت (....)" وما ورد في رسالة أبي الحسن بن عبدون البغدادي النصراني (ابن بطلان /فضلان "؟")المسماة " شراء الرقيق وتقليب العبيد" حيث يقول :" الزغاويات رديئات الأخلاق ، ذوات دمامة .. يحملن أغلظ الأكباد.. وشر الطباع ..على العمل عظيم الأفعال .. وهن شر من الزنج ومن جميع أجناس السودان ..نسائهن لا يصلحن للمتعة والرجال لا يصلحون للخدمة " وبما أن المعري شامي و ابن بطلان البغدادي فمن العسير الإقرار بأن قصدهم ب(الزغاوة) هو الشعب الذي يحمل هذا الاسم في الوقت الحالي.
في كل الأحوال ، تعاني هذه النصوص الوافرة من عيوب التشابه ونقل الغث مع السمين والاستطراد والإسهاب والحشو بالروايات السطحية والحكايات الساذجة والأخبار المدخولة والخرافات والوقائع الخارجة عن المألوف . وقد انتقد ابن خلدون هذا المنهج قائلاً " اعتمدوها على مجرد نقل غثاً أو سميناً لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروا بمعيار الحكمة ، والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط " و قد ركز نقده على أكثرهم نقلاً للخرافات ألا وهو أبو الحسن المسعودي حين قال في حقه" أخباره كلها بعيدة عن الصحة وعريقة في الوهم والغلط وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة ".
كما ذكر موسى عبد الجليل فيما سبق ، فإن منهجية التدوين تمثل أحد أكبر العيوب ، لأن كثير من هؤلاء الجغرافيين ( الرحالة ) والمؤرخين كانوا يستنكفون عن التدوين اليومي ويعتمدون على الذاكرة في إملاء مشاهداتهم على الآخرين بعد اكتمال الرحلة مثل الرحالة محمد بن عبد الله الطنجي ( أبن بطوطة ) الذي أملى مشاهداته دفعة واحدة على الكاتب ابن جزي عام 1355م في مدينة فاس بطلب من السلطان أبي عنان المريني . وفعل الشيء نفسه الرحالة محمد بن عمر التونسي حيث أملى مشاهداته الواردة في كتابه ( تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان )على الطبيب الفرنسي (بيرون ) بعد عودته من دارفور .
فلذلك يجد كثير من الباحثين المعاصرين صعوبة كبيرة في الاستفادة من هذه النصوص الاستفادة الكاملة
فشريف حرير مثلاً يؤكد على وجود العسر في إثبات أن الزغاوة المذكورين في التراث العربي الإسلامي هم أسلاف الزغاوة الحاليين .. ويقوده ذلك الشك إلى استنتاج مؤداه أن مصطلح ( الزغاوة ) في ذلك التراث له دلالة أوسع ليشمل أغلب سكان الصحراء والحزام السوداني .. وكان من أهم حججه في هذا الشك عدم وجود كلمة (الزغاوة )في تراث الشفاهي لهذا الشعب ، على الرغم من أن المقاطع مثل (Za) و (Gha)ليست غربية عن لغتهم (بيريا) فمن الغريب أن تأتي التسمية من الخارج دون مناسبة أو رابط ، ويرى أي حرير - أن الزغاوة هم آخر من خضع لحكومة مركزية من سكان الصحراء . على عكس من الإفادات القائلة على أنهم أهل مدن وأمصار .وتتجلى وجاهة هذا الرأي في مسألة اعتناق الزغاوة للإسلام حيث تصر تلك المصادر الكلاسيكية بأن الزغاوة" قدماء في الإسلام " - ولم شذ عن هذه القاعدة إلا أبو عبيد البكري الذي يذكر أن الزغاوة ظلوا على الوثنية حتى القرن الحادي عشر الميلادي - في حين تثبت الروايات المحكية بأن اعتناق الزغاوة للإسلام جاء مع نشوء سلطنة (كيرا ) في القرن السابع عشر الميلادي.
لدى كثير من الباحثين المعاصرين اعتقاد عام بأن هذه الجماعة تمت إلى مصدر بعيد في صميم بلاد الغرب ، مع وجود آراء أخرى مناقضة لهذا الرأي مثل قول الشاطر بصيلي " أن هذه الجماعة كانت تسكن في مملكة مروي وتمارس صناعة الحديد"
يمكن تصنيف الآراء حول أصل الزغاوة في الدراسات الحديثة إلى الاتجاهات التالية :
الرأي الأول : هو الذي يرى أن الزغاوة ينتمون إلى الحاميين الشرقيين باعتبار أن أسلافهم من شعب" الأقو" أحد شعوب الهضبة الأثيوبية بزعامة عائلة (زقاوي ) التي استلمت أو ورثت السلطة عن الأسرة السليمانية إلا أنها فقدتها في حدود عام 1270 م. ونزح " الأقو" إلى ارتريا و من ثم انحدروا صوب سهوب النيل وأخذوا اسما جديدا هو" البلين ".ويقول تيرمنجهام أن الخوارزمي هو أول من أطلق اسم( الزغاوة )علي (البلين) الذين كانوا يقطنون على ضفاف نهر عطبرة شرق النيل .حيث تواصلوا وتداخلوا مع بلاد النوبة ، إلا أنهم استمروا في الزحف غرباً حتى حوض تشاد ،ويرجع إليهم الفضل في انتشار الحضارة النوبية في السودان الأوسط . ويقول عثمان عبد الجبار في هذا الصدد" إن الزغاوة من العناصر الحامية التي وفدت إلى أفريقيا من اليمن فنزلت بالحبشة واستقرت فترة طويلة في بلاد النوبة .. وربما خضعت خلال هذه الفترة للسلطة السياسية القائمة في بلاد النوبة ... وعندما بدأ الضعف والوهن السياسي والتدهور البيئي والجفاف يتطرق إلى بلاد النوبة وما جاورها ، خرج الزغاوة في جماعات كبيرة ، وفي شكل هجرات منتظمة متجهة إلى الغرب فتوزعت في نقاط متعددة على طول الحافة الجنوبية لصحراء الكبرى حتى المناطق الجنوبية من المغرب الحالي ..وفي هذه المناطق اختلطوا بالبربر فتبربروا ".
أما الرأي الثاني فهو نقيض الأول تماماً إذ يجعل تجاه الحركة من الغرب إلى الشرق فيربط الزغاوة بالأسرة (الماغومية ) التي تولت إقامة مملكلة كانم/برنو بدلا من الأسرة الأقوية أو الزاقوية التي أسست السلالة الحاكمة الثانية في أثيوبيا ..فالماغوميون بنو عمومة الطوارق .. وقد أشاروا في وثائقهم وسجلاتهم إلى أسلافهم الزغاوة باسم" الكيني" مقابل "البلين" في الري السابق . ويشير إبراهيم طرخان بأن الكيني تعني في النوبية الأشراف أو النبلاء وفي لغة الكانوري تطلق على الطبقة الحاكمة في مملكة كانم/ برنو إلى أن يصل طرخان إلى خلاصة مؤداها إن" الزغاوة هم الكينيون أسلاف الماغوميين حكام كانم /برنو وكلا الفريقين من نيلاء الطوارق " وتدعم الموسوعة البريطانية هذه الخلاصة وتقول أن "الزغاوة أمة حامية هاجرت من البحر المتوسط إلى السودان الأوسط ". ويسلك زاهر رياض ذات المنحى ويقول " الزغاوة أن كانوا ملثمين أو طوارق (!) قد أتوا من الغرب وجعلوا من أنفسهم طبقة ارستقراطية في السودان من حدود أثيوبا إلى السنغال" ويضيف ميك " الزغاوة جزء من البربر"
ونقطة التقاء بين الرأيين الأول والثاني هي ان الزغاوة شعب من العنصر الحامي تدفق من الغرب أو الشرق على حوض تشاد في حدود القرن السابع للميلاد وفتك بالمزراعين المحليين من شعوب (الساو) وسيطر على المنطقة وأسس مملكة كانم /برنو .
ثمة رأي ثالث - وهو الأوفق في رأينا - يقول أن الزغاوة ما هم إلا خليط بشري من الزنوج والحاميين الشرقيين (النوبة) والحاميين الغربيين (التوبو) .. وكان التونسي أول من أشار إلى ذلك في قوله " الزغاوة خليط من الزنزج والتوبو والنوبيين وهي قبيلة عظيمة من السودان " ويوافق حسن أحمد محمود رأي التونسي فيقول " أن الزغاوة شعب يجمع بين المؤثرات الزنجية والحامية ، فقد عاشت مع بقية أشقائه من الشعوب الصحراوية على الحافة الجنوبية للصحراء الكبرى . و أن استقرار الزغاوة في سهول حوض تشاد واختلاطهم بالشعوب المحلية هو الذي افقدهم سمة الارستقراطية وساهم في إفلات السلطة والرياسة منهم وانتقالها إلى التوبو والطواراق والعناصر الصحراوية أخرى" . ويسير موسى المبارك في ذات الاتجاه ويقول " الزغاوة من اكبر قائل دارفور وهم خليط من التوبو الحاميين والزنوج " وهي عبارة تبدو كأنها مأخوذة عن ماكميكل الذي يقول أن" الزغاوة من أكبر قبائل دارفور ولكنهم يختلفون من الناحية أثنية عن العرب و الفور وعناصر الأصيلة ( الداجو والبرقد والبيقو) بأنهم خليط من التوبو الحاميين في الشمال ومن ذوي الدماء الزنجية في الجنوب ولكن علاقتهم بالتوبو أقوى من الناحية اللغوية ". ويضيف محمد عبدالله العركي بأن الحزام الذي يعيش فيه الزغاوة من مناطق الاختلاط العرقي الشديد بين العناصر النوبية والعربية والتوباوية والزنجية . ويرى الباحث نفسه بأن ملامح التوبو واضحة في العنصر الزغاوي والتي تتمثل في القامة الطويلة والجسم النحيل والقوي والملامح المنتظمة من أنوف مستقيمة – وحتى معقوفة أحياناً- والشعر الكث أحياناً والعيون البنية واللون المائل إلى الحمرة ، ويرى أن هذه السمات أكثر وضوحاً في فرع البديات من الزغاوة ، وكلما تحركنا جنوبا تراجعت هذه السمات وظهرت السمات الزنجية مثل الأنوف الفطساء والبشرة السوداء والشفاه الممتلئة. وفي الجانب الخُلقي يرى الزغاوة أكثر مرونة في طبائعهم من التوبو .
إذا في صميم هذا الرأي الزغاوة كيان ثقافي اجتماعي أكثر من جماعة عرقية ويعيد ذلك إلى المدلول الحقيقي لمفهوم( القبيلة) الذي هو "مفهوم ثقافي أوجده الأفراد في ظروف من التشظي والتشتت والتهديدات الدائمة بالهجوم ، ويمنح هذا المفهوم الأفراد إحساساً بالهوية ولكنه ليس سكونياً ولا جامداً "( نقلا عن مضاوي طلال الرشيد ).
ويتفكيك أصول الزغاوة إلى جزئياتها الأولية حسب الإدعاءات المحلية للزغاوة أنفسهم نجد أن كل فرع من الفروع أو بدنة من البدنات الرئيسية تكاد تنتمي إلى عرق مختلف حسب زعم الأفراد الذين ينتمون لهذه البدنات فمثلا أفراد فرع الكوبي يزعمون أن أسلافهم من( الداجو) حكام دارفور فبل التنجر و الفور . وكثير من بدنات (دار قلا )تفخر بالأصل الصحراوي أو التنجراوي وساكنة( دارتور) متمسكون بروايتهم العتيدة بأن جدهم الأول قدم من كانم برنو والارتاج والنقيري لا ينفون أنهم نتاج خليط بشري مركب من البرتي والميما والمسيرية والجوامعة .
وذوي الهوية المزدوجة من سكان دار سويني ودار بيري المعروفون ب(الكايتينقا) ، يظهرون هويتهم حسب مقتضى الحال ،حينا فهم فور ، وأحياناً زغاوة ،و الميل الأكبر عندهم ، أنهم عرب !(هناك نزعة قوية من بعض مثقفي هذه المجموعة ينفون بإصرار الانتماء للزغاوة يقودها المحامي والكاتب المعروف (أحمد كمال الدين) وصديقنا ضابط شرطة (علي جدو عبيدة) إلى حد أن وفدا باسم "قبيلة الكاتينقا"يرأسه الأول التقى العميد (وقته) التيجاني أدم الطاهر، الذي هو من نفس الفرع ، ولكن الأخير لديه اعتزاز قوي بالأصل الزغاوي ( ربما لأن والدته من" آل دوسة " ) ، التقيت به مرة بالصدفة في نادي الضابط وذكر له مرافقي بأنني مهتم ببعض الدراسات حول الزغاوة فقال لي "أسعي إلى جمع أكبر مادة تاريخية ممكنة عن أصل قبيلتنا "أو كما قال).
إذن ، في إطار المنظور الأنثروبولوجي في تحري أصول الأعراق البشرية يتضح لنا أن الأصل هو الاختلاط كما يقول عبدالله العروي " يكاد الأنثروبولجيون أن يجمعوا أن الأصل في القبيلة هو الاختلاط ، وأن الانتماء أو الانتساب إلى جد واحد ما هو إلا من قبيل الرموز الجماعية التي تركز على التلاحم الناتج عن ضرورة التلاحم " ، بالضبط هذا ما ينطبق على الزغاوة الذين اختلطوا بجماعات حامية وأخرى سامية ، فعليه من المستحيل تحديد الهوية العرقية بمعنى وحدة الجنس ،وإنما وحدة الكيان المتمثلة في وحدة الثقافة واللغة والوجدان المشترك . وبذلك يجب أن نقر بأن ذكريات القبيلة الجمعية لا يمكن أن تعتبر حقائق تاريخية .. وإنما هي حقائق سيوسولوجية وبالتالي ذات صلة بمفهومنا لتصورات البشر عن أنفسهم ودعاواهم وتبريراتهم لوجودهم في أرض معطاة .
الزغاوة وسلطنة دارفور
تؤرخ جل الروايات الشفهية تاريخ دخول الزغاوة إلى الإسلام ببداية القرن السابع عشر الميلادي (1600 ) أي مع قيام سلطنة (كيرا ) وذلك بقدوم الشيخ محمد البرناوي وابنه الحاج على من مملكة كانم/ برنو إلى ديار الزغاوة الحالية ، ففي رأي التجاني مصطفى يعتبر الحاج على هو (الغريب الحكيم ) للزغاوة وإن كانت الرواية تبدو مرتبكة ومضطربة عند مضاهاتها بالنسق التقليدي لنظرية الغريب الحكيم . ويتمثل هذا الاضطراب في زواج الحاج علي من (عائشة دوما ) شقيقة أحمد المعقور ، التي عثر عليها الزغاوة في جبل (تري) في منطقة (أردو) .. وهي هائمة على وجهها تبحث عن أخيها في حادثة (العقر) المشهورة .. فهذه الرواية تخرج عن قواعد هذه النظرية لأن الفتاة لم تكن أفريقية وإنما كانت عربية وملك الزغاوة لم يتزوجها لنفسه ، إنما زوجها للغريب الحكيم ، أي غريب تزوج غربية (!) ، بذلك لم تكن للذرية أي سند أخلاقي لتولي الحكم كما في حالة أن تزوج الملك لنفسه .
وقد خلف الحاج علي – حسب الرواية - ثلاثة أبناء ؛ هم (أحمد دوري) و(عبد القادر دقين ) و(سليمان عقاب) وبنتان هما (مريم كادو) و(حليمة نوقي ) ..وعندما توفي ملك الزغاوة الأصلي و الذي كان من بدنة ( مِرّة)كان السلطان سليمان بن أحمد المعقور (سولونق) قد ورث السلطة عن جده لأمه وأسس عائلة الكيرا وقام بتعيين أكبر أبناء عمته (العجوز دوما) أي احمد دوري ، ملكاً على الزغاوة وتعاهد الأشقاء الثلاثة في أن يكون تداول الحكم سلمياً فيما بينهم . ولكن الملك محمد عبيد بن أحمد دوري دخل في خلافات مع سلطان دارفور احمد بكر (1682-1722م ) وقرر أن يترك دارفور نهائياً وهاجر إلى كردفان حاملاً معه النحاس رمز الحكم وتبعه بعض الأعيان بأموالهم وعائلاتهم واستقروا في منطقة (كجمر) في شمال كردفان حيث يعيش أحفادهم الآن وقد استعربوا لساناً وثقافة وان بقوا زغاوة عرقا وانتماء .
وقد أغضب هذه الحادثة البيتين الآخريين (عقاب) و(دقين ) وقررا حرمان بيت (دوري) من الحكم إلى الأبد ،وبويع ندي حفيد عبد القادر (دقين )ملكاً ولكنه دخل في حروب دموية مع بعض بدنات الزغاوة مثل( الللا) من بعد اتهامهم بقتل جباة الضرائب وأزهقت كثير من الأرواح في تلك الحروب وعمت الفوضى البلاد ، وثار الشعب وحاصر القصر وأجبر الملك للتخلي عن العرش ، ونودي بمحمد فائق حفيد سليمان عقاب ملكاً . وحسب رأي التجاني مصطفي فإن فائقاً قد بالغ في تقدير قوته ، ورفض دفع (الجزية) التي كان يدفعها ملوك الزغاوة لسلطان دارفور، هنا قام السلطان محمد درة (1722-1732م) الذي خلفه والده بشن حرب شعواء لا هوادة فيها على دارزغاوة وفتك بأهلها ، وقتل الملك فائق وانتزع جزءا كبيراً من داره مثل أنكا وديسا وضمها لدار سويني . وانتقل الحكم مرة أخرى إلى دقين وبويع عبدي ملكاً ولكن يبدو أن هذا الفرع سيء الحظ إذ حل في عهده القحط والجدب بالبلاد واستمر سبع سنوات حسوما ، وثارت عليه الرعية ورموه بالنحس وتم خلعه عن العرش ، وآل الحكم إلى أحفاد عقاب وظل في ذريتهم حتى الآن . وفي تطور لاحق انفصلت (دار قلا) وكونت كياناً مستقلاً. أما (دار الكوبي ) فلم يكن يوما جزءاً من( دار توار). وملاحظ أن كلا من الحكام الثلاثة قد اتخذ لقبا مختلفا ، فحاكم دار الكوبي يسمى (سلطان) ودار قلا ( شرتاي ) ودار تور ( ملك ) أما حكام دار الأرتاج و سويني وبيرى فهم (ملوك ) أيضا .
إن التطور الأهم في تاريخ العلاقة بين الزغاوة وسلطنة دارفور هو ذلك الاهتمام الخاص الذي حظي به فرع الكوبي من هذا الشعب من قبل سلاطين دارفور . ويعزي أبو سليم سر هذه العلاقة وطيدة بين سلاطين الفور وسلاطين دار الكوبي إلى الموقع الاستراتيجي للأخيرة على الحدود مباشرة مع سلطنة وداي إلى الغرب التي ظلت العدو الرئيسي لسلطنة دارفور في طوال تاريخها . وقد دارت حروب كثيرة بين السلطنتين وبدت شوكة الوداويين هي الأقوى حيث انتصرت في أغلب تلك الحروب فلذلك من المتوقع أن يكون السبب الأساسي في عناية سلاطين الفور بعشيرة الكوبي من الزغاوة وتقويتها داخلياً ، حيث منحوها نحاساً منذ وقت مبكر اعترافاً لاستقلاليتها وتزوجوا منها ، وعينوا أبناءها وزراء في البلاط السلطاني . وكان أول من تبنى هذه العلاقة القوية هو السلطان أحمد بكر ، وفي عهده تم الاعتراف الرسمي بتبعية الكوبي للسلطنة حيث منح سلطانهم (كوري) نحاسين ( بيضاء ومستورة) وتزوج بكر من ابنة كوري (كلثومة ) . ويضيف أبو سليم بأن كوري قد أهدى السلطان بكراً مئات من الإبل والبقر والخيول مما يدل على غنى العشيرة التي اتحدت في كيان واحد في عهد هذا السلطان .
خلف السلطان (تا) والده وكان معاصراً لابن أخته السلطان أبي القاسم بن احمد بكر الذي سار على نفس سياسة أبية وقرب أخواله الكوبي وعين بحراً من أبنائها وزيراً . فقد ابتسم حظ هذه العشيرة أكثر عندما اعتلى العرش السلطان محمد تيراب بن أحمد بكر وابن كلثومة بنت كوري . وكان معروف عنه ميله الشديد لأخواله حيث عين خاله هاروت (بالتاء) سلطاناً على الكوبي ومنحه نحاساً ثالثاً.
ولكن يبدو أن انتقال الحكم إلى السلطان عبد الرحمن الرشيد بن أحمد بكر (1787-1802م) الأخ غير الشقيق للسلطانيين السابقين تسبب في خلق شيء من الفتور في العلاقات بين العائلتين ، وعاشت دار الكوبي صراعات داخلية بين (آل هاروت) و(آل تا) . بعد وفاة (تا) خلفه ابنه( أتيم )الذي توفي في عهد السلطان محمد الفضل (1802- 1831م) وعين (عريار) ابن أخ أتيم ولم يختلف الناس حوله فظل في الحكم حتى عمي ومات ، وخلفه (حقار بن هاروت) الذي قتل في إحدى الحروب مع وداي . وعين محله السلطان (دقونا )ومات بعد عام واحد فقط وعين ابنه (اجارو) . وعند سقوط سلطنة دارفور بيد الزبير الجميعابي عام 1874م كان على الكوبي السلطان (حسين عبد الفقرا.)(سمعت مرة من المرحوم خليل إبراهيم يقول أن جده سمي ب"عبد الفقراء"لاهتمامه الشديد لهذه الفئة من الناس )!.
في اعتقادي إن هذه العلاقة القوية بين الكوبي والبيت الحاكم في دارفور هي التي ولدت تلك ( النزعة الملوكية )! التي تميز كثير من أفراد هذا الفرع من الزغاوة عن غيرهم من الفروع الأخرى ، وهي نزعة ليست سلبية بالكامل وإنما هي متأتية من عوائد التنشئة الاجتماعية لمجتمع يتسم بطابع حضري في عمومه بالمقارنة مع بيئات الزغاوة الأخرى القروية أو البدوية ، وإن كانت من تداعياتها استحالة التلاحم الكامل بين الفروع ، إن الذي يحدث مثلا ما بين (حركة العدل والمساواة )و(حركة تحرير السودان ) يأتي من هذا الجانب وسوف نشرح ذلك في الأجزاء التالية من هذه الدراسة التي تتناول الحركات بالتفصيل .
هذه التفاصيل التاريخية تبدو مملة أحياناً ولكنها مفيدة لأن جزءا من حالات الانشقاق التي نشهدها في ساحة الحركات الدارفورية لها أبعاد ترتكز على هذا الإرث التاريخي.
الزغاوة والمهدوية
يقول حاج بلال أن " الإمام محمد أحمد المهدي عندما لجأ إلى الغرب كان يبحث عن الأمة تصلح للجندية ووجد بغيته متوفرة في قبائل الزغاوة من دون قبائل السودان كافة " هذا كلام مرسل و يقترب من التهافت إذ يتعارض مع جميع الحقائق والبيانات التاريخية المثبتة التي تؤكد أن الزغاوة لم يتطوعوا بأعداد كبيرة في صفوف المهدويين كما أن (تغريبة) المهدي لم تتجاوز الأبيض مما ينفي أي لقاء بين المهدي والزغاوة ؛ فمن الواضح أن الكاتب يحاول توظيف الحكاية التاريخية ( الزغاوة أكثر السودان حربا ) أو يساير الاتجاه العام للمزاعم الثقافية مثل قول جابر محمد جابر " أنهم قوم معتدون برأيهم ومحاربون أقوياء " وقول ماكميكل " أنهم مقاتلون أشداء وخيالة جيدون " وهي عوائد بدون شك نابعة من نمط العيش في البيئة الصحراوية القاسية التي تورث الصبر والتحمل وقوة الشكيمة فلذلك وفق وصف آدم تاجر أنهم " يتحملون الجوع والعطش وأتعاب السفر " هذه السياقات السوسيولوجية شيء وإثبات الحقيقة التاريخية شيء آخر .
فعليه نكاد نجزم بأن الزغاوة لم يكونوا من مناصري المهدوية وإنما من مناوئيها فقليل منه تطوع في صفوف الأنصار يذكر موسى المبارك أن أول أنباء تناقلت عن تأييد الزغاوة للثورة المهدية عندما كان سلاطين باشا حاكما لدارفور من قبل الإدارة التركية المصرية . ولكنهم خرجوا مع من خرج على المهدية وشاركوا بكثافة في ثورتي الأمير يوسف وأبي جميزة . كما ثاروا في عمالة محمد خالد زقل ورماهم بالأمير عمر ترحوا وغزا بلادهم . وينقل موسى المبارك عن كبار السن من الزغاوة : حدثني شيوخ الزغاوة في قلا وتوار عن حملة قام بها عمر ترحوا على أرضهم فسلب الناس ممتلكاتهم وأشاع الذعر بينهم واصطحب معه بوش ود صالح ملك دار قلا وحجر ود بحر ملك توار ثم تحول بجيشه على الزغاوة الكوبي فطرد سلطانهم عبد الرحمن فرتي الموالي للبرقو وجعل مكانه السلطان راكباً ومن ثم اقتادهم إلى الفاشر ومنها رحلوا إلى أم درمان وكانوا من فائمة رؤساء الرايات "
وكان الزغاوة أول من تمرد على العامل المهدوي عثمان جانو عندما فر أغلب أفرادهم الذين كانوا ضمن فرقة القائد المهدوي الختيم موسى وكذلك فعل الشيء نفسه ممن كانوا في خدمة عامل كتم الأمير محمد ود بشارة حتى أنه لجأ إلى تجريد من تبقى من الزغاوة في فرقه من خيولهم وأسلحتهم ،خشية الفرار كما حدث في فرقة الختيم موسى .
وقد وجه الخليفة عدة دعوات إلى الزغاوة ليهاجروا إلى أمدرمان ولكنهم لم يحفلوا بها ، ولم صل إلى امدرمان إلا القادة وعدد قليل من الأعيان و المشايخ الذين يصعب عليهم مخالفة أوامر الخليفة . وتذكر المصادر أن حجراً ود بحر دعا قومه للهجرة إلى امدرمان فتبعه ثلاثمائة وأربعة وسبعون فرداً ونهضوا مهاجرين ، ولكنهم ما أن وصلوا إلى حدود كردفان حتى تمردوا ، وقذفوا بالمرقع، وارتدوا عائدين إلى دارهم ، وفعل الشيء نفسه خمسمائة واثنان وسبعون من الزغاوة الكايتنقا.
ونجد في الوثائق المهدية كثيرا من الخطابات التي تم تبادلها بين الخليفة ومصطفي ود بحر ملك توار ونستدل مما ورد فيها بأن الزغاوة قد تعرضوا لعمليات قهر وتنكيل لا مثيل لها من العمال المهدويين ففي أحد هذه الخطابات الذي كتب في أبريل 1891م يذكر ود بحر أن عبد القادر دليل عامل الجهات الغربية قد احتل مقر حكمه في (أمبرو )بجيوش ضخمة وأحالها إلى خراب مما اضطره أن يهرب بقومه إلى دارالبديات و"منها أنا الآن في طريقي إلى دار القرعان ".
وقد أنهكت الزغاوة كغيرها من الجماعات إنهاكا تاما في المهدية وأفقرت فقراً مدقعا نتيجة للمصادرات التي كانت تطالهم سنوياً لدرجة أن مقاومتهم لغزو عربان المحاميد لدارهم عام 1888م كانت ضعيفة للغاية ..
الزغاوة في عهد علي دينار
وقد تنفس الزغاوة الصعداء بسقوط الدولة المهدوية ويذكر عمر قسومة أن أهل دار توار مثلا الذين غادروا أم درمان في ركب الأمير علي بن زكريا عقب معركة كرري كانوا أربعمائة ، بقيادة زعيمهم حجر ود بحر (هل هو حجر أم مصطفى غير متأكد؟!) . وشاركت الزغاوة بفعالية في عملية (إعادة أعمار الدار)، خاصة في المجال العسكري حيث نجد أن كثيراً من كبار جنرالات الجيش كانوا من هذا العنصر مثل الجنرال( سالم أبو حواء) الذي أرسل لتأديب العشائر العربية التي شقت عصا الطاعة في جنوب دارفور عام( 1913 ) و الجنرال (مهبوب كوري) قائد الحرس السلطاني والقائد (محمد دوسة عبد الرحمن) أحد القادة الذين قضوا على ثورة الفكي سنين التاماوي في كبكابية عام 1907م والقائد (نائر عروس )وغيرهم.. ( قد عمر الأخيران طويلا حيث ظل المرحوم السلطان دوسة حاكما لدار الكوبي لفترة تزيد عن 60سنة و توفي في أوائل الثمانيات القرن الماضي ، وكان مضرب المثل في الحكمة ورجاحة العقل ).
ومن المجالات التي استخدم فيها الزغاوة تاريخياً ( السفارة الصحراوية ) وذلك لمعرفتهم الفطرية بأسرار هذه الفيافي المقحلة حتى أن كل من الرحالة الانجليزي بروان ومعاصره التونسي يطلقان على واحة النطرون في وسط الصحراء اسم (بئر الزغاوي ) . ففي عام 1883م بعث محمد أحمد المهدي أسحق ود نورين من بلدة الهشابة في دار بيري إلى محمد المهدي السنوسي لتوصيل الرسالة الشهيرة وقد سلك (طريق الهوا) وهو درب معروف يمر بدار البديات . وفي عام 1915م بعث على دينار سفارة إلى السنوسي بقيادة بيدي ود أودي من البديات وهو أول من سافر من الفاشر مباشرة إلى الكفرة دون سلوك طريق الهواء وفي طريق اكتشف واحة شبه مطمورة سميت باسمه (بئر بيدي). تسمي الآن (كرب التوم )
وقد استمر السلطان علي دينار على نهج إسلافه بايلاء الاهتمام ومحاباة فرع الكوبي وإهمال الفروع الأخرى إلى الحد معاداتهم أحيانا ، حيث نجد مثلا أنه قد أقدم على مصادرة نحاس ( دار توار ) بعد وفاة الملك مصطفى ود بحر ، ويبدو أنه أذابه لسك عملته ( رضينا )! .. لأنه ورغم البحث المضي لاستعادته بعد مقتل على دينار لم يعثر له على أثر فقد اختفى النحاس تماماً. كما أن الغضب المضري الذي اعترى علي دينار في حادثة مقتل السلطان عبد الرحمن فرتي بواسطة الفرنسيين وتحريره لتلك الرسالة شديدة اللهجة يدلان على مدى اهتمامه بهذه العشيرة .
الزغاوة في العهد الاستعماري
قد وفرت السلطة المركزية القوية التي أنشاها الحكم الثنائي الأمن والاستقرار ، وتوقفت الصراعات الدموية بين القبائل . وعلى الرغم من أن السلطة الجديدة لم تقم بأية عمليات تنموية، إلا أن توفر الأمن والاستقرار ساعد في جهود أعمار الذاتي ، وتجلت ذلك في عملية إعادة تكوين القطعان بجلب البقر من دار وداي (كاري بي) باستبدالها ببعض السلع و البضائع التي أخذت ترد من السودان النيلي مثل الأقمشة( الدمورية والدبلان ) والشاي والصابون ..الخ وبعد قيام مشروع الجزيرة ذهبت أعداد كبيرة من الشباب للعمل هناك فيما عرفت ب(جونجاجوروة ) وكان العائد المتحصل يوظف في الغالب في مشروعين ، هما دفع تكاليف الزواج أو شراء المواشي . وقد تخلف بعض الشباب وانخرط في المهدوية الجديدة والنظام شبه ال(فيودالي )الذي أنشأه عبد الرحمن المهدي في النيل الأبيض بمساعدة الإنجليز.
وعلي الرغم من أن قانون المناطق المقفولة لم يطبق على منطقة الزغاوة رسمياً إلا أن المآمير والمفتشين الانجليز الذين تولوا إدارة المنطقة كانت سياستهم تقوم على عدم إدخال أي عمليات تحديث إلى المنطقة فما دام الأمن العام مستتبا فلينشغل الزغاوة بخلافاتهم الداخلية المفتعلة من المآمير أنفسهم ،مثل من هو الرئيس الأعلى لدار الزغاوة .؟. فمن المعروف أن الوحيد الذي يملك النحاس رمز الحكم هو السلطان دوسة عبد الرحمن.. حيث نجد في المذكرات التي تبودلت بين المفتشين في كتم والمديرين في الفاشر في عقد العشرينات (1920 -1930م) أغلبها تدور حول من هو الرئيس الأعلى لدار زغاوة حتى يسمح له بضرب النحاس في المناسبات العامة .؟ ومن الواضح أن ذلك هو الدافع الأساسي الذي جعل الملك محمدين آدم صبي حاكم دار توار الجديد بأن يجهد نفسه في الفترة من (1920م- 1925م)في البحث عن النحاس الذي أذابه على دينار ! بعد أعياه البحث قرر شراء سبعة نحاسات دفعة واحدة وبمبلغ خرافي بلغ 320 جنيه سوداني . وبذلك تمكن فرض نفسه -نظريا على الأقل - رئيسا أعلى لدارالزغاوة ( دار توار وقلا والارتاج) بينما بقيت دار الكوبي مستقلاً . ولكن في عهد المفتش الإنجليزي الصارم المستر مور (طاغية كتم ) سمحت لكل من دار قلا ودار الارتاج أن تستقلان عن حاكم الأعلى.
ولم تتوقف الصراعات حول النحاس ، بل أطل الصراع على الحكم برأسه من جديد عندما حاولت بدنة دقين( أحفاد عبد القادر دقين ) بقيادة المرحوم اسحق هراي (تامرا) منذ عام 1948 المطالبة بدورهم في الحكم أو الانفصال وتطورت الصراعات إلى أن دخلت البيت الحاكم بين الملك وابنه وانجاز المستر مور إلى الابن وفرض على الوالد إقامة جبرية إلى أن توفي .
الزغاوة في العهد الوطني
ظلت دار الزغاوة سياسياً دائرة انتخابية واحدة .. ونتيجة للبعد الجغرافي وقلة التحديث والتنمية، لم يستطع أي حزب من الأحزاب المركزية بناء أي قاعدة أيديولوجية في وسط الزغاوة .. وبقيت بؤرة ولاءهم الأساسي تتمحور حول قبيلتهم .. ونتائج الانتخابات الديمقراطية الثلاثة التي جرت في السودان تدل بكل وضوح إلى صدق هذه الفرضية . ففي أول انتخابات الجمعية التأسيسية عام 1954 م فاز المرحوم محمود الطيب من قائمة الحزب الاتحادي الديمقراطي( وهو شخصية محورية من العائلة الحاكمة في دار قلا) . وفي انتخابات عام 1968م فاز أستاذ الأجيال المرحوم سليمان مصطفى( أمبرو) من جبهة الميثاق الإسلامي ( وهو شخصية تكاد تكون معروفة على نطاق السودان لكارزميته الطاغية وجرأته على قول الحق أمام الطغاة ، وقد سمعت منه يقول أنه أول زغاوي عمل معلما ). وفي آخر انتخابات ديمقراطية جرت في السودان عام 1985م فاز المهندس محمود بشير جماع من حزب الأمة( وقد عمل وزيرا الري في عدة حكومات ، واعتقد أنه أول زغاوي تخرج في الجامعة ، وهو على قيد الحياة(فيما أظن) متعه الله بالصحة والعافية ). و حكاية (الأول) هذه تنسحب على الزغاوة الذين ظلوا في دارهم ولم يهاجروا .. أما الذين تركوا الدار في أزمان غابرة واختلطوا بمجتمعات أخرى، واندثرت فيهم النزعة القبلية ، فكانوا أسبق في التعليم بدون شك .وقد سمعت لأحد الناس من الضعين يتحدث(عبر الإذاعة) عن المرحوم (عبد الله أبكر ) الذي عمل وكيلا لوزارة الاقتصاد وعضوا في البرلمان عن الجبهة الإسلامية يقول أنه كان زميلا له في جميع المراحل الدراسية إلا أنه لم يعرف أنه (زغاوي ) إلا بعد دخوله البرلمان ، حتى كاتب هذه السطور قد فوجئ أن عددا لا بأس به من زملائه في المرحلة الثانوية الذين كنا نحسبهم من البرتي –خاصة الذين يأتون من ناحيتي " الطويشة " و " اللعيت " - ظهر أنهم زغاوة بعد أن قبللت "الإنقاذ" المجتمع !!.
الشاهد أن عملية انتقال الولاء من حزب إلى آخر بهذه السهولة واليسر لهو دليل واضح على غياب الولاء المعمق تجاه أي من تلك الكيانات السياسية . أما الانتخابات التي تجرى في فترات الحكم العسكري فمرشح السلطة هو الذي يفوز!.
شهد مجتمع الزغاوة خلال العقدين (1970-1990م) حراكاً مكانياً واجتماعياً واقتصادياً واضحاً وقد تمثلت في النزعة الانفتاحية والخروج من "الركن القصي " والانتشار الأفقي والبطش في فجاج الأرض والاجتهاد في تحصيل الأرزاق مدفوعين أحياناً بعوامل قسرية مثل الجفاف والتصحر . وينقل ضياء الدين بلال عن الدكتور آدم الزين قوله :" قلق الهجرة وقسوة الموطن ولدا في قبيلة الزغاوة طاقتين متوازيتين : طاقة الطموح والمثابرة للكسب والترقي ؛ وطاقة المقارعة والصدام ، لذا تصنف عند البعض بإنها قبيلة شرسة نسبياً مقارنة بالفور والمساليت مثلا .. وهي قبيلة مهاجرة أثرت عليها الظروف البيئية من جفاف وتصحر منذ الستينات .. فطبيعة الأرض القاسية التي يقطنها الزغاوة جعلت الهجرة قانون الحياة .. الزغاوة الذين نزحوا في هجرات واسعة وصلت حتى ديار الرزيقات بعد الجفاف الذي ضرب منطقتهم (دار الزغاوة) شمال كتم عام 1973م واستطاعوا أن يؤسسوا لأنفسهم مركزاً اقتصادياً مرموقاً بعد استيطانهم ، كما أنهم اهتموا أكثر من غيرهم بتعليم أبنائهم على أمل تغيير أوضاعهم الاجتماعية إلى أفضل " ما ذهب إليه أستاذنا آدم الزين ملاحظة قائمة ، إذ أنه وعلى الرغم من قدومها من منطقة شبه صحراوية نجحت جماعات الزغاوة المهاجرة في العمليات الفلاحية في الأراضي الجديدة التي انتشرت فيها التي تمتد من ضواحي الفاشر إلى حفرة النحاس في أقصى جنوب دارفور حيث عد فلاحو هذه الأثنية الممون الرئيسي للمدن والبلدات بالذرة ، فضلا عن إنتاج كثير من المحاصيل النقدية مثل الفول والسمسم والكركدي .إلا أنهم لم يستطيعوا من حيازة حدائق الهشاب وبساتين الفاكهة ( لوجود بدعة الحواكير ) واستنكفوا عن زراعة( التمباك ) لدواعي ثقافية رغم أنها من الحاصلات النقدية ذات العائد المجزي.
وتمكن الذين استقروا في المدن وبسرعة نسبية ، من تكوين شبكة ممتدة من التجار المتوسطي الحال الذين يتواجدون في معظم مدن دارفور وشكلوا سكان الأحياء المتوسطة في معظم تلك المدن ولذلك بدت عملية التمدرس في وسط الزغاوة بمعدل أعلى بالمقارنة بالجماعات الأخرى ، ويمكن مراجعة سجلات المدارس الثانوية واتحاد طلاب دارفور بالجامعات والمعاهد العليا خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي لتأكد من صحة هذه الفرضية ، وكان أهم ظاهرتين تميز أبناء الزغاوة في المرحلتين الثانوية والجامعية هما: الميل إلى التخصصات العلمية والانتماء للحركة الإسلامية ، يشاركهم في الأخير أبناء العشائر العربية .
ودفعت هذه الظواهر البارزة كثيرا من الباحثين والمراقين إلى إطلاق تعميمات مثل " قبيلة الزغاوة تعتبر من أغني القبائل الدارفورية ولها رصيد وافر من المتعلمين وقد نمت ثروة هذه القبيلة بعد الانفتاح على ليبيا "!
ينقل عطا البطحاني عن الباحثة نازك رباح البيانات التالية حول أحجام المجموعات السكانية وثرواتها في دارفور ، الزغاوة يمثلون 10% من سكان دارفور بنسبة تعليم 50% ويملكون 60% من الموارد الاقتصادية و10% من الثروة الحيوانية و10% من الأسلحة المنتشرة في الإقليم والقبائل العربية تمثل 25% من السكان ونسبة التعليم فيها 10% وتملك 57% من الموارد الاقتصادية و70% من الثروة الحيوانية و68% من الأسلحة المنتشرة في الإقليم ، أما الفور يمثلون 40%من السكان ونسبة التعليم لديهم 25% ويملكون 23% من الموارد الاقتصادية و18% من الثروة الحيوانية و14% من الأسلحة . وأخيرا المساليت مع القبائل الأخرى يمثلون 20% من السكان والتعليم 15% والموارد الاقتصادية 10% والثروة الحيوانية 10% والأسلحة 3%(المصدر : عطا البطحاني (نقلاً عن : نازك رباح :1998م)
هذه النسب تعاني من خلل عظيم إذ أن مجموع بعضها لا يساوي 100% كما أن الفصل التعسفي بين الموارد الاقتصادية والثروة الحيوانية التي تمثل عماد الاقتصاد في دارفور قد أضعف من القيمة العلمية لهذه النسب . كم هي عدد النفوس في دارفور قبل توزيع النسب ، عندما تقول الباحثة نسبة التعليم 50% لدي الزغاوة بمعني أن 50% منهم أميون أم أنهم يمثلون 50% من متعلمي دارفور هذه البيانات معبية على كل حال .
هنالك من يجعل الزغاوة ضمن الجماعات الفقيرة مثل كمال الجزولي الذي يقول " الصراع حول ملكية الأرض وحيازتها بين المزارعين ومعظمهم من الفور والزغاوة والمساليت ووالتاما المدقعين وبين الرعاة وأغلبهم من العرب المقتدرين نسبياً ".
والحقيقة أن الوضع الزغاوة الاقتصادي قد تراجع مع الانهيار الاقتصادي الشامل الذي شهده السودان وخاصة خلال العقد الأخير من القرن العشرين(1989-1999م) حيث أصاب مجتمع الزغاوة في المقتل وأدل على ذلك مظاهر البؤس والخواء التي كانت بادية على المحلات التجارية في المدن الرئيسية في دارفور والاضطراب الذي شهدته المنظومة التعليمية بعد عجز الأسر عن تمويل التعليم بعد رفع المجانية مما زاد حجم الفاقد التربوي .
ونتجت عن هذا التدهور الاقتصادي تدهوراً اجتماعياً تمثلت في الصراعات الداخلية بين بطون الزغاوة التي كانت أغلبها قضايا شرف (اختطاف فتاة) ( حمل سفاح )..الخ مما يدل على مدى تدهور.كما يمكن أن نعزي جزء من هذا التدهور الاجتماعي إلى فقدان عدد كبير من الرجال والشبان في الحروب الدموية مع العشائر العربية التي ظلت تكرر سنوياً منذ حادثة جبل (سنو سنو) عامل 1994م .
ولكن الزغاوة تكيفوا مع مآلات هذا الوضع بممارسة بعض الحيل التعويضية للتخلص من أكلافها الباهظة فمثلا كلفة التعليم النظامي التي برزت مع( الإنقاذ) حاولوا درء نذرتها الخطيرة عن طريق الدعوة إلى تشييد المدارس التقليدية (الخلاوى) حيث قاد بعض الفكوا (جمع فكي) من خريجي معهد( همشكوريب )الشهير في شرق السودان حملة تشنيع شاملة ضد المدرسة الرسمية ووجدت هوي في نفوس الآباء المدقعين – تاريخيا مؤسسة الخلوة ( المسيد) معدومة في منطقة الزغاوة -. وهي مؤسسة سهلة التأسيس وقليلة التكلفة ، فقط شجرة ظليلة وجمع الحطب من الغاب ، ولكن عملية تغذية التلاميذ (المهاجرة ) ذات التقاليد سائدة في الخلاوي الدائمة والكبيرة في منطقة الفور مثلا ، من الصعب توفيرها في وسط الزغاوة الذين يمارسون الترحال السنوي بين القرية والفريق ..ولشح الأمطار لا يمكن للتلاميذ ممارسة الزراعة في فصل الخريف كما هو الحال في منطقة الفور ، وعجز القائمون بالأمر عن أعادة توطين المؤسسة في بيئة غير مواتية ،وفشلت التجربة فشلا ذريعا واغلقت معظم الخلاوى بوابها وبذلك دخل النظام التعليمي في المنطقة برمتها في فوضى كاملة .
وبتتالي النكسات حاولت الزغاوة الصمود بإجراء المزيد من التحويرات على أنماط عيشهم وإدارة أزمة الهبوط بذكاء اجتماعي معقول لتفادي الانهيار التام فمن تلك التحويرات :
1- الخروج من المدن والعودة إلى الفلاحة والرعي وقد تزامن ذلك مع الانتعاش النسبي في تجارة الماشية بعد أن فرضت المملكة العربية السعودية حظراً طويلاً على استيراد الماشية من استراليا واعتمدت على الوارد من السودان والصومال الأمر الذي أمكن عدداً كبيراً من أبناء الزغاوة من إعادة بناء القطعان والاندراج في تجارة الماشية المنتعشة . فقد مارس أفراد الزغاوة النشاطات الثلاثة ( زراعة ، رعي ، تجارة ) بشكل تكاملي .
2- انتقال العمل التجاري إلى أيدي جيل من المتعلمين الذين تتوفر لديهم إمكانيات ممارسة بطرق أكثر مهنية حيث امتدت نشاطاتهم إلى المراكز التجارية الدولية مثل دبي وجنوب شرق أسيا وكثير من البلدان الأفريقية
3- ظهور طبقة من خريجي الجامعات بأغلبية منتمية للحركة الإسلامية توفرت لها وظائف سياسية وبيروقراطية وعسكرية وأمنية معقولة في إطار حكومة (الإنقاذ)!.
4- ظهور تجمعات من المهاجرين في الدول العربية والغربية ( أوروبا وأمريكا الشمالية )من فئات المتعلمين بدلا من العمالة اليدوية الكثيفة التي ميزت وجود أبناء الزغاوة في الخارج خاصة في ليبيا والمملكة العربية السعودية في السبعينات والثمانينات القرن الماضي حيث تكفلوا ببعض المشاريع المسندة للصمود ( أبناء بلدة "مزبد " في الولايات المتحدة الأمريكية خير مثال لذلك ).
5- بعد اشتداد أوار الحرب في جنوب السودان أخلت جماعة (الجلابة ) التي كانت تسيطر على النشاط التجاري في المدن الجنوبية ، وحلت محلها جماعة الزغاوة ولم تكتف بالسيطرة على النشاط التجاري في المدن التي تسيطر عليها القوات الحكومية بل جازفت فوصلت إلى المدن التي تقع تحت إدارة الحركة الشعبية أو العبور إلى الدول المجاورة مثل يوغندا والكنغو.( يسمي أهل جوبا جميع التجار الشماليين أما " زغاوات " أو "فلاتات" !!.( عندما كنت في أويل وجدت أن عضو المجلس التشريعي عن الرأسمالية الوطنية (!)من أبناء الزغاوة ، وكان بيننا سابق معرفة منذ أيام الطلب ، فسألته : فلان كيف فزت؟ قال لي : أن تعجب فتعجب من وضع فلان -ذكر اسمه ويعيش في منطقة يسيطر عليها الحركة الشعبية – قد عينوه سلطانا لإحدى عشائر الدينكا)!!.
6- الانتشار الواسع في المدن الشمالية وخاصة العاصمة والمساهمة في جزء كبير من نشاطات الأسواق الشعبية.
7- الذهاب إلى تشاد حيث الحاكم منهم ، ولكن من الواضح أن القليل منهم فقط ممن ظفر بمبتغاه ( اتصلت –قبل شهور- بأحد أعز أصدقائي يقيم هناك منذ فترة وسألته (مازحا ) : أنت الآن وزير ولا سفير ولا جنرال ؟: رد علي قائلا : أنا مجرد مزارع أعيش على قطعة أرض حصلت عليها من صهري )!.
وانهار الهرم !
كل هذه الحيل للمحافظة على الهرم الذي بناه أبناء الزغاوة لم تستطع الصمود أمام الانعطافات الكبيرة مثل مفاصلة حزب المؤتمر الوطني التي حلت كالصاعقة على مصالح هذا الشعب . وبظهور المقابلة التاريخية ( أولاد البحر /أولاد الغرب) والتزام أبناء الزغاوة تلقائياً جانب المؤتمر الشعبي ..بدأت الاعتقالات والمطاردات والمضايقات عليهم من قبل السلطة - إلى حد أن السلطة تبنت سياسة مدروسة لإخلاء (سوق لبيا) (مثلا) من العنصر الزغاوي بدعم (أولاد شندي ) و(أبناء شرق النيل) بالتمويل من الخزينة العامة والإعفاءات الجمركية )! . ولكن الطامة الكبرى حلت بهذا الشعب عندما قرر بعض أبنائه عسكرة نضال أهل دارفور ، ومحاربة السلطة بقوة السلاح دون استعداد أو تحضير لمشروع بهذه الضخامة . وبدأت أحجار الهرم تتساقط حجرا بعد حجر ، ونحن الآن في قاعد الهرم ! ، إذ أن الزغاوة يعتبرون من أكثر الجماعات تضررا من حرب دارفور ..حيث تحول جزءا كبيرا منهم إلى كتلة مجرد بشرية معدمة ومدقعة تعيش على الإغاثة ، في الوقت الذي ازدادت العشائر العربية ثراء على ثرائها وتكاد تملك الآن 90% من الثروة الحيوانية في دارفور وضاعفت مساحات الرعي على حساب الجماعات الأخرى
( في المقال القادم سنتحدث عن مجموعة أثنية أخرى ) .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.